أهــلا وسهــلا بكم في موقــع الحــركة الإســلاميــة المغربيـــة

تحديث بتاريخ  1 شوال  1427هـ

 الصفحة الرئيسـيـة

 نداء المحبة

 الحركة الإسلامية المغربية
 نشأة وتطورا

 البيان التأسـيـسي

 التقريـر العـقــدي

 التقريــر السياسي

 رسالة المرشـد العام

 الدين النصيحة

 مقالات ودراسات إسلامية

 من قضايا الأمة

 مواقف وبيانات

 المنبر الحــر

 حـوار إســلامي

الشورى منهج حكم وتدبير

التشريع الشوروي في منطقة الفراغ التشريعي

  دورالمقاصد الشرعية في تدبير الشأن العام

موطأ الإمام مالك

في النظام السياسي:
 فقه الأحكام السلطانية

تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك

بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في الفكر والدعوة

الصحراء المغربية

ملكية الأرض في الإسلام

حد السرقة بين الفهـم والتطبيق

الأخلاق والتزكية فـي رحاب الكتاب والسنة

 

 مـــــن تحــــن

 اتصــــــل بنـــا

أرتباطات أخرى

الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )

الـقـرآن الكـريـم

الحديـث الـنـبـوي

السيـرة الـنبويــة

الفقـه الإسـلامــي

التاريخ الإسـلامــي

مواقيت ا لـصـــلاة

 ركــــن الطـفـل


 

 

المنهج السياسي وتدبير الشأن العام

دور المقاصـد الشرعية في تدبير الشأن العام

  المقاصد جمع مفرده مقصد، اسم مكان من قصد مكسور عين المضارع، والقاف والصاد والدال أصول ثلاثة أولها يدل على التوجه إلى الشيء وإتيانه، والثاني كسر الشيء، والثالث الإكثار منه. وما يعنينا هو المعنى الأول الذي يفيد التوجه والإتيان. ومنه قوله تعالى: )واقصد في مشيك( لقمان 19، ويقال قصدته وقصدت له وقصدت إليه. والقاصد القريب، ومنه قوله تعالى: )لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك( التوبة 42، ومنه قولهم: بيننا وبين الماء ليلة قاصدة، أي هينة لا تعب فيها. والمقصد بهذا المعنى يقرب من لفظ "المورد" من "ورد" الشيء إذا أتاه وتوجه إليه. ومنه المصطلح المستحدث في الفقه الإسلامي"مقاصد الشريعة"، أي قصد الشارع من وضع الشريعة ابتداء، ومن وضعها للإفهام، ووضعها للتكليف بها، ووضعها لدخول المكلف تحت حكمها.

لقد خطت مسيرة فقه المقاصد أولى خطواتها بعد وفاة الرسول r  بعمليتي القياس والرأي اللتين أثمرتا ما دعاه أبو حنيفة "الاستحسان"، ثم تطور الاستحسان لدى المالكية إلى ما أطلق عليه "المصالح المرسلة" و "المناسب المرسل" و "الاستدلال المرسل"، ثم ابتدع الشاطبي "فقه المقاصد" الذي هو الوجه الثاني للمصالح المرسلة، إذ كاد الإجماع ينعقد على أن مقاصد الشرع هي تحقيق مصالح العباد في الدارين.

وظل هذا العلم الجديد الذي أودعه الشاطبي الجزء الثاني من كتابه"الموافقات"في زاوية النسيان إلى عصر أحمد بن أبي الضياف الذي تحدث عنه في كتابه "إتحاف أهل الزمان"، ثم الشيخ محمد عبده الذي أعاد إليه الاعتبار سنة 1884، فأوصى تلامذته بدراسته، وتمت طباعة الكتاب محققا وغير محقق، واهتم به المحافظون والمجددون والمتسيبون كل حسب منهجه ومقصده وهواه. فما هي خلاصة هذا المنهج الاستنباطي الجديد لدى الشاطبي؟

يقسم الشاطبي المقاصد إلى قسمين، أحدهما يرجع إلى مقاصد الشرع، والثاني إلى مقاصد المكلف. فالذي يعود إلى مقاصد الشرع أربعة أنواع: ما يعود إلى قصده في وضع الشريعة ابتداء، وقصده في وضعها للإفهام، وقصده في وضعها للتكليف بها، وقصده في دخول المكلف تحت حكمها.

والذي يعود إلى قصد المكلف في التكليف، بحثه في اثنتي عشرة مسألة، بيّن فيها مقاصد المكلف المعتبرة في التصرفات عبادات ومعاملات، من ضرورة إخلاص النوايا، ووجوب موافقة قصد المكلف و نتائج تصرفاته لأحكام التشريع كلا وجزءا.

أما مقاصد الشرع من وضع الشريعة ابتداء، فقد خصص لها الشاطبي ثلاث عشرة مسألة، وبينها بقوله[1]:"فقد اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي الدين والنفس والنسل والمال والعقل، وعلمها عند الأمة كالضروري، ولم يثبت لنا ذلك بدليل معين، ولا شهد لنا أصل معين يمتاز برجوعها إليه. بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد".

وقولـه[2]: "تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدهـا في الخلق، وهـذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام، أحدها أن تكون ضرورية، والثاني أن تكون حاجية، والثالث أن تكون تحسينية".

وقولـه[3]:"لابد من اعتبار الموافقة لقصد الشارع، لأن المصالح إنما اعتبرت مصالح من حيث وضعها الشارع كذلك".

سار الشاطبي في بحثه هذا على نهج مركّز من التفصيل والتدقيق والتجزئة، في بسط المقاصد وتحليلها وبيان مسالك الكشف عنها، ودرجة حجيتها قطعا وظنا. وقسم المصالح إلى ثلاث درجات أعلاها الضرورية ثم الحاجية ثم التحسينية، بحيث تعد التحسينية مكملة للحاجية ولا تعود عليها بالإبطال، والحاجية مكملة للضرورية ولا تعود عليها بالإبطال، لأن المحافظة على الأصل أولى من المحافظة على التكملة.

وهذه المقاصد عند الشاطبي ثابتة لديه بأصول فقهية قطعية، تضافرت على بيانها أدلة كثيرة، وإن كانت ظنية بالنظر إليها أفرادا فإن اجتماعها يبلغ إلى درجة القطـع.

يقول الشاطبي[4]:"والمستند إليه في ذلك إما أن يكون ظنيا أو قطعيا، وكونه ظنياً باطلاً، مع أنه أصل من أصول الشريعة، بل هو أصل أصولها. وأصول الشريعة قطعية حسبما تبين في موضعه، فأصول أصولها أولى أن تكون قطعية. ولو جاز إثباتها بالظن لكانت الشريعة مظنونة أصلا وفرعا، وهذا باطل. فلا بد أن تكون قطعية، فأدلتها قطعية ولابد. فإذا ثبت هذا فكون هذا الأصل مستندا إلى دليل قطعي مما ينظر فيه. فلا يخلو أن يكون عقليا أو نقليا، فالعقلي لا موقع له هنا لأن ذلك راجع إلى تحكيم العقول في الأحكام الشرعية وهو غير صحيح. فلا بد أن يكون نقليا، والأدلة النقلية إما أن تكون نصوصا جاءت متواترة السند لا يحتمل متنها التأويل على حال أو لا، فإن لم تكن نصوصا أو كانت ولم ينقلها أهل التواتر فلا يصح استناد مثل هذا إليها لأن ما هذه صفته لا يفيد القطع، وإفادة القطع هو المطلوب. وإن كانت نصوصا لا تحتمل التأويل ومتواترة السند فهذا مفيد للقطع، إلا أنه متنازع في وجوده بين العلماء، والقائل بوجوده مقر بأنه لا يوجد في كل مسألة تفرض في الشريعة، بل يوجد في بعض المواضع دون بعض، ولم يتعيّن أن مسألتنا من المواضع التي جاء بها دليل قطعي".

ويقول أيضا[5]:"وإنما الأدلة المعتبرة هنا، المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد أفادت فيه القطع، فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع، وهذا نوع منه. فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع يفيد العلم فهو الدليل المطلوب، وهو شبيه بالتواتر المعنوي، بل هو كالعلم بشجاعة علي -رضي الله عنه- وجود حاتم، المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنه".

ويقول مبينا دليله القطعي الثابت لديه بالاستقراء المعنوي للشريعة والنظر في أدلتها الكلية والجزئية[6]:"وإنما الدليل على المسألة ثابت على وجه آخر هو روح المسألة، ودليل ذلك استقراء الشريعة والنظر في أدلتها الكلية والجزئية وما انطوت عليه من هذه الأمور العامة على حد الاستقراء المعنوي الذي لا يثبت بدليل خاص، بل بأدلة منضاف بعضها إلى بعض، مختلفة الأغراض بحيث ينتظم من مجموعها أمر واحد تجتمع عليه تلك الأدلة".

هذا وجه القطعية لدى الشاطبي في بنائه الأحكام الشرعية على المقاصد مما[7] "لا يرتاب في ثبوتها شرعا أحد ممن ينتمي إلى الاجتهاد من أهل الشرع"، وهذا ما يجعل وجهة نظره يشوبها اللُبس، وحكمه الجازم في الأمر يداخله الضعف.

أما النوع الثاني المتعلق بقصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام فقد شرحه في خمسة مسائل حول عروبة الشريعة لغويا، وبنائها على معهود الأميين من العرب، الذين يتميز كلامهم بالبساطة في الاستيعاب، وعدم التعمق في التراكيب، والبعد عن التكلف والتقعر، مما يجعل الشريعة عامة يسع الناس تعقلها والدخول تحت حكمها.

والقسم الثالث من الدراسة حول وضع الشريعة للتكليف بها مما بحثه في اثنتي عشرة مسألة، متعلق بقدرة المكلف على ما كُلف به، فإن كان التكليف غير داخل تحت كسب المكلف فطلب الشريعة له مصروف إلى ما تعلق به وإن كان التكليف تحت كسبه فالطلب على حقيقته، وإن كان التكليف مما يشتبه في أمره كالحب والبغض والشجاعة والجبن مما هو داخل على المرء اضطرارا، فإن كان من أصل الخِلقة فلا يُكلف الله نفسا إلا وسعها، وإن كان لهذه الصفات بواعث تدخل في كسب المكلف طولب بالبواعث كما هو شأن الهدية الباعثة على المحبة في قوله r :"تهادوا تحابوا".

والقسم الرابع متعلق بقصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة والامتثال لها، وهو إخراجه من داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطرارا. وقد فرع في هذا القسم عشرين مسألة بيّن فيها بطلان العمل المبني على الهوى، وما هو أصلي من المقاصد الضرورية العينية المعتبرة في كل ملّة وزمان والقائمة على المصالح العامة المطلقة الخاصة بحفظ الضرورات الخمس، وما هو أصلي من المقاصد الكفائية التي لا تقوم الحياة إلا بها كالقضاء والإفتاء والإدارة والحكم. كما قسّم هذه المقاصد إلى ما هو متعلق بالعبادات والأصل فيه التعبد دون الالتفات إلى المعنى ولا تفريع فيه ولا نيابة، وإلى ما هو متعلق بالعادات والمعاملات التي ليس في نفيها أو إثباتها دليل شرعي، كمجمل المحاولات الدنيوية للكسب والتصرف، والأصل فيها الالتفات إلى المعاني وقابلية التفريع والنيابة.  

لقد كان ما كتبه الشاطبي في موافقاته انعكاسا لواقع عصره الآيل في الأندلس للانهيار، ومحاولة من فقيه غيور على دينه وأمته لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لاسيما والردة الاضطرارية على الأبواب بتحكم الفساد وضعف الدولة عن مدافعة الصليبي المتحفز على الحدود، وتَقلّص إيمان الغالبية وضمور التزامها بتعاليم الشريعة، فرأى أن يحاول ربط الأمة بمقاصد الدين بعد أن أضاعت ركائز بنائه المتين. إلا أن صوته لم يسمع قط في عصره، وطرد المسلمون أذلة مذعورين، بعد أن تركوا خلفهم ذرية قتل بعضها وتمسح بعضها تحت بارقة السيف. ثم بعد أن نفض الغبار عن الموافقات حاليا، لم يتجاوز تناولها من قبل الفقهاء المعاصرين في أغلب ما كتبوا عنها  عبارات الإعجاب والتقريظ، وكأنها البلسم الشافي لأمراض العصر الذي يشبه عصر سقوط الأندلس، في تحلله من الدين وانفراط عقد وحدته وتغلب الأجنبي على حكامه، لا فرق في ذلك بين الشيخ محمد عبده الذي كان من صميم سياسته مسايرة الأجنبي ريثما تستيقظ الأمة، ومحاولة التوفيق بين الحياة الأجنبية المتغلبة والتخلف الاجتماعي المحلي، ومطاولة الجهل والضعف إلى حين التغلب على أسبابهما ودواعيهما، أو الشيخ الطاهر بن عاشور[8] الذي عاش في بلد طغت عليه معالم التغريب، وأضحت الأمة فيه مهددة في صميم دينها، فلم يجد بدا من الاستنصار بالمقاصد لمطاولة الغزو الأجنبي قبل مصاولته، أو الشيخ علال الفاسي الذي جاهد من أجل استقلال وطنه أكثر من نصف قرن، وبعد أن تحقق الاستقلال، وجد نفسه في مجتمع نخبته على حافة الردة باعتناقها الفكر الماركسي قيما ومبادئاً ومنهج سلوك وعمل، وناله بذلك ضروب من الأذى حتى على يد طلبته في الجامعة، حيث كان كلما جلس على كرسي التدريس وبدأ محاضرته بالبسملة ضجت القاعة بالضحك ورماه الطلبة الشيوعيون بالحصى، فلم تلن له قناة وواصل سعيه مستنصرا بمقاصد الشاطبي لتقريب الشريعة من جيل عاقٍ يغلب عليه التمرد والإلحاد.      

ثم بعد أفول نجم الشيوعية، وظهور الصحوة الإسلامية الحديثة  تلقف نظرية المقاصد دعاة الفكر الشيوعي والعلماني بدعوى الحداثة والمعاصرة والتمدين، مستغلين انتساب صاحبها إلى الفقه، ومحاولين توظيفها لإخضاع الشريعة الإسلامية لمقتضيات الحياة السائبة، مما جعل نظرية المقاصد ذريعة لدعوة عارمة إلى التحلل من تعاليم الإسلام، وجسرا لانتحال مصادر منافية للدين تبنى عليها الأحكام، وتؤول إلى إهدار النصوص والتنكر لما هو معلوم من الدين بالضرورة، كتشريعات الحدود والميراث والعلاقات الزوجية، وهو ما أشار إليه الرسول r  بقوله:"يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء، يستحلون الخمر بأسماء يسمونها بها، والسحت بالهدية والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح، والربا بالبيع".

ولعل من أسباب قابلية النظرية للاستغلال والتوظيف كونها ظلت عملا تأسيسيا لم تتناولـه يد التشذيب والتهذيب والنقد البناء، والعمل التأسيسي هذه طبيعته، يحتاج دائما إلى من يواصل البحث والتطوير، ويظل دوما مادة أولية يبنى عليها تحت حاكمية الشرع كتابا وسنة، لاسيما وقد نحا الشاطبي فيما كتب منحى التفصيل والتجزئة والبسط والتحليل، فتوزعت آراؤه واجتهاداته في ثنايا الكتاب بكيفية فوضوية أحيانا، مما مهد للمغرضين سبل انتقاء ما يخدم أهدافهم، واستبعاد ما يعارض توجههم.

هذه الظروف والملابسات التي رافقت ميلاد النظرية أولا، وعملية إحيائها وتوظيفها ثانيا، هي التي حالت دون نقدها وسبرها وتشذيبها ودراستها على ضوء الكتاب والسنة وما يسمح به الحمل عليهما.

إننا مع الشاطبي في نهجه التشريعي الغائي الهادف، لا سيما والحكمة الإلهية واضحة في ذات الكائنات وفي حركتها وفي تكاملها وانسجامها مع مختلف أعضاء الأسرة الكونية )وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين( الأنبياء 16، إلا أن بعض ما احتوته النظرية، وما تلاها من تخريج وتفريع، وما بني عليها من مذاهب مختلة وتوظيف مغرض، إذا عرض على الكتاب والسنة تتجلى حوله مآخذ ينبغي الإشارة إليها والتنبيه عليها بما نوجز بعضه في المباحث التالية. 
        


المحبث الأول
تعريف الشاطبي للمقاصد

أول ما يلاحظ أن تعريف الشاطبي للمقاصد غير دقيق، مما يجعل بناءه على أرض هشة، وإن أشار في سياق تعريفه إلى أن المقاصد هي[9] (ما تحفظ به مصلحة الإنسان في الدين والدنيا)، كما حاول أن يميز بين المقصد التكويني والمقصد التشريعي بقوله[10]:"القصد التشريعي شيء والقصد الخلقي شيء آخر ولا ملازمة بينهما"،  إلا أن هذه التفرقة بينهما منه، تحكمٌ ليس له أصل، فالتشريع نزل لتنظيم تصرفات المخلوق البشري ابتلاء، والمخلوق البشري وجد للابتلاء، والقصد التشريعي بذلك مبني على القصد التكويني )ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت( الملك 3، نعرف ذلك من نصوص الكتاب المتناثرة في سياقاتها، من ذلك قوله تعالى: )وما خلقت الجـن والإنس إلا ليعبدون( الذاريات 56، فعمليـة الخلق تكوين يبنى عليه التكليف بالتشريع، كما أن تكوين السماوات والأرض خلق وتسخيرها للإنسان بالنسبة لها تشريع فطرة، يقول تعالى: )الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار( إبراهيم 35. ونحن هنا لا نتحدث عن مقاصد غيبية استأثر الله بها في علم الغيب عنده، وإنما عن مقاصد من الخلق والتشريع بينها التنـزيل الحكيم والسنة المطهرة وليس لنا إلا هذا المجال.

كما حاول في المسألة الخامسة تعريف المقاصد بواسطة التمييز بين المصالح والمفاسد، وفصلها من حيث تعلق الخطاب الشرعي بها، وبيّن أن المصالح والمفاسد المبثوثة في الدنيا إنما كانت على سبيل الابتلاء  لقوله تعالى: )ونبلوكم بالشر والخير فتنة( الأنبياء 35، وأن استقراء الشريعة يقتضي أن لا مصلحة إلا وفيها مفسدة وبالعكس وإن قلت[11]، ولذلك وضعت على سبيل الامتزاج، فلا مصلحة إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها مشقة أو مفسدة، ولا مفسدة إلا ويقترن بها أو يسبقها أو يتبعها من اللطف أو نيل اللذات كثير. فإن كانت المصلحة هي الغالبة فهي مقصود الشرع، وإن كانت المفسدة هي الغالبة فرفعها هو مقصود الشرع[12].

 وهذا التعريف منه للمقاصد غير دقيق ولا يكفي لاستبانة كنه المصالح المستجلبة والمفاسد المستدفعة، كما أن تعريفها بمجرد كونها مرجعا ووسيلة لحفظ المصالح يسمح بتعدد المسالك المفضية إلى إهدار النصوص وتسيّب التشريع. فإذا أضفنا إليه قوله[13]: "ونحن إنما كُلفنا بما ينقدح أنه مقصود للشارع لا بما هو مقصوده في نفس الأمر" يكون قد أجهز على النصوص بضربة لازب، وتحول الاستنباط الفقهي تحت حاكمية المقاصد إلى حاكمية ما ينقدح في الذهن، على اختلاف القدرات العقلية والعلمية للمستنبط، مما يفسح المجال للتسيب المطلق وتمزق المجتمع مللا ونحلا ومذاهب وأحزابا.


المبحث الثاني
الفردية في المقاصد الشاطبية

نظر الشاطبي إلى مقصد الشرع في حفظ الضرورات الخمس على أساس فردي، لا على أساس تحفظ به الأمة كاملة، وجميع مقاصد الشريعة لديه، ما تعلق منها بوضعها ابتداء أو إفهامها أو التكليف بها أو دخول المكلف تحت حكمها، خاص بحفظ الضرورات الخمس للفرد، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال على أساس أن حفظ الدين بمعنى التدين الفردي كما يتضح من سياق الدراسة، ومن قوله[14]: "فأصول العبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود، كالإيمـان والنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج وما أشبه ذلك"، وإن أشار إشارات عابرة إلى وجوب الجهاد على الفرد مع الإمام البَرّ والفاجر. وهذا الاتجاه الفردي في المقاصد يعدّ صدى لما كان سائدا آنئذ في الأندلس، من تداخل قيم أديان مختلفة، وتسربها إلى عادات المجتمع وأعرافه وتقاليده ونظمه، وتمازج ثقافات متنوعة المصادر والاتجاه، تزاوج فيها الفكر الإسلامي بغيره، وتحول بها إلى ناقل للتراث اليوناني، فأضعف هذا الدور ولاءه للإسلام، وموّه على أصالة الشريعة وتميزها، وأضفى على الحياة الأندلسية صباغا يكاد يكون علمانيا في الفكر والتصرف، كما ساهم في بلوَرة هذا الوضع قيام أنظمة للحكم مستبدة على أهلها خانعة لعدوها، مغرقة في الضلال والتفسخ والانحل