أهــلا وسهــلا بكم في موقــع الحــركة الإســلاميــة المغربيـــة
تحديث بتاريخ  1 شوال  1427هـ

 الصفحة الرئيسـيـة

 نداء المحبة

 الحركة الإسلامية المغربية
 نشأة وتطورا

 البيان التأسـيـسي

 التقريـر العـقــدي

 التقريــر السياسي

 رسالة المرشـد العام

 الدين النصيحة

 مقالات ودراسات إسلامية

 من قضايا الأمة

 مواقف وبيانات

 المنبر الحــر

 حـوار إســلامي

الشورى منهج حكم وتدبير
التشريع الشوروي في منطقة الفراغ التشريعي
المقاصد الشرعية في تدبير الشأن العام
تفسير القرآن للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
موطأ الإمام مالك
في النظام السياسي:
 ثلاثية فقه الأحكام السلطانية(الطبعة الثالثة)
تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك
بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في الفكر والدعوة
الصحراء المغربية
ملكية الأرض في الإسلام
حد السرقة بين الفهـم والتطبيق
ا الأخلاق والتزكية فـي رحاب الكتاب والسنة

عرب وبربر مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله

رسالة الإمام مالك إلى هارون الرشيد ( تحقيق وتخريج أحاديث)

 

 مـــــن تحــــن

 اتصــــــل بنـــا

أرتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل

 
 

المنهج السياسي وتدبير الشأن العام

 

الشورى منهج حكم وتدبير للشأن العام

لعل مما يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات ، أصالة مصطلحاتها ،ومرونتها الرائعة التي تنمو بها مفرداتها ، وتتطور بها تعابيرها ، تبعا لتطور أهلها واتساع تجاربهم ، وتنوع حياتهم الاجتماعية ، ونشاطهم المادي والمعنوي والروحي ، ثم تثبيت بعض هذه المفردات بواسطة الوحي مصطلحات دينية لا تُضاهى .

     نلحظ هذه الظاهرة عند تتبعنا لنشأة كثير من المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والعسكرية وغيرها .

    فلفظة "الزكاة" مثلا تعلقت في منشئها بنمو الأعشاب والأجسام ، ثم تحولت مصطلحا اقتصاديا ليس له مثيل في غير اللغة العربية .

    ومصطلح "الجهاد" تطور من معنى مادي محض ، هو الإكثار من تناول الطعام ، إلى بذل الوسع والطاقة ، ثم إلى نظام عسكري متكامل يتعذر إيجاد لفظ يسعه في غير اللغة العربية .

    ومصطلح "النفير" تطور إلى مدلوله الحربي من معنى مادي بسيط ، هو نفور الدابة وجزعها وذعرها وتباعدها عما يخيفها ، ثم تحول إلى فعل من الأضداد : نفر من الشيء ، إذا تباعد عنه ، ونفر إليه ، إذا فزع إليه لينصره أو ليستنجد به ؛ ثم ارتقت إلى معنى النصرة على العدو ، والتفرغ للعلم ، رقاها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ،  في قوله تعالى : ) انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ( ـ التــوبة 41  ـ    ) فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين .. (ـ التوبة 122 ـ , وما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم " إذا استنفرتم فانفروا " أي إذا استنجدتم واستنصرتم   .

ثم ثبتت الكلمة في مصطلحها العسكري بمعنى جيش النصـرة فـي قـوله تعالى : ) وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرا ( ـ الإسراء /6 ـ أي جعلناكم أكثر جنودا وأنصارا .

ومصطلح "نفاق" تطور من أصل لغوي بمعنى مادي هو جُحْر اليربوع "نفق" ، ومن عادة اليربوع أن يتخذ لجحره عدة أبواب ، بعضها يغلقه بساتر ترابي رقيق ، فإذا أراد الهرب ، ضربه برأسه فانتفق ، أي خرج . والعرب تسمي هذا الباب السري النُّفَقَة ، كَهُمَزَة .

ثم تطور اللفظ بواسطة القرآن والسنة إلى مصطلح إسلامي لم تعرفه العرب من قبل بالمعنى المخصوص ، ويطلق على الذي يستر كفره ويظهر إيمانه ، والذي يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل منه فيه  ، وكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر .  يقول تعالى : ) إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ( ـ المنافقون/1 ـ ، وفي الحديث : " أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها " .

كذلك الشأن في كلمة "الشورى" التي يضرب معناها في أعماق النفس البشرية منذ خُلق الإنسان اجتماعيا بطبعه ، محتاجا إلى غيره من أجل التشاور والتفاهم وتبادل الرأي والنصح والتجربة والمنفعة . والتي يضرب مبناها ـ لفظها ـ بجذوره في تاريخ الإنسان العربي منذ نشأته بدائيا بسيطا عفويا ، إلى أن بلغ مرحلة النضج العقلي والرشد الاجتماعي ، والتفكير المنطقي ، والتعبير الفني تصريحا وتلميحا ، حقيقـة ومجازا ، ثم إلى أن نزل الوحي فثبت اللفظ ـ الشورى ـ مصطلحا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا في قوله تعالى : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( ـ الشورى /38 ـ .

ومن تتبعنا لنشأة هذه الكلمة وتطور مدلولها ، نلحظ أولا قرابةً لها بلفظ "الشوار" الذي هو الحُسن والجمال والهيئة ، سواء في الإنسان أو متاع البيت ؛ كما أن لها أصلا مشتركا مع لفظ "الشور" الذي اشتق منه فعل "شار ، يشور" العسل ، إذا استخرجه من مصدره ، ثم أطلق لفظ المشار على مصدر العسل ، أي الخلية أو الوَقْبَة أو الجُبْحُ  .

ونظراً لأهمية العسل في حياة العربي وقيمته الغذائية ونُدْرته ، اشتق من هذا اللفظ كلمة "أشار" بمعنى أَوْمَأَ بيده ، أو عينه ، أو حاجبه ، وكأنما العسل هو أهم ما يستحق الإيماءَ والإشارة.

ثم نُقلت الكلمة بالتدريج وعلى مراحل من معناها المادي ـ استخراج شيء مادي هو العسل، من شيء مادي هو الخلية ـ إلى معنى تجريدي راق هو استخراج الرأي الصائب والفكرة الصالحة ، والهدي النافع من عقول الناس وتجاربهم وتصوراتهم ، وكأنّما العقول خلايا نحل ، وكأنما آراؤهم عسل يُستخرج منها للغذاء والاستشفاء .

وبذلك عرفت اللغة العربية كلمات جديدة ، مثل : أشار عليه ، شاوره ، استشاره،  مَشُورة، مَشْورة ، شورى ، وكلها تدل على تبادل الرأي والنصح والإرشاد والاسترشاد ، والهداية والاستهداء ؛ حتى إن العربي الموغل في بداوته عرف بفطرته ولغة قومه هذه المعاني الجليلة فذهب إليها ، والتزم بها دون تعقيد أو جدل أو فلسفة ؛ وقد دعا أحد الخلفاء واحداً من بني عبس وسأله عن سر انتصاراتهم فقال الأعرابي : " نحن ألف رجل بألف رأي ".

ولا يذهب بنا القول إلى ادعاء أن الشورى ـ مبنى ومعنى ـ من خصائص العربي واللغة العربية ، ولكن من المؤكد أن العربية تكاد تكون اللغة الوحيدة ، التي نمت فيها هذه اللفظة ـ شورى ـ نمواً طبيعيا ، ضاربا في أعماقها التاريخية والاجتماعية والثقافية ، فاكتسبت بهذه الأبعاد العميقة مرونة وشمولية أداء ، تَنْدُران في اللغات الأخرى التي انتحلت لمعانيها كلمات لم تستطع أن تستوعب مداليلها المادية والمعنوية والنفسية والروحية والاجتماعية .

ثم جاء الوحي والسنة النبوية المطهرة فرفعا هذا اللفظ ـ شورى ـ إلى صعيد مصطلح ديني ودنيوي ، يتعذر على المرء الاستغناء عنه بلفظ آخر عربي أو دخيل ، مهما تكلف واحتال وتَمَحَّلَ . ثم كان التطبيق النبوي الذي بلوره نظاما سياسيا يجعل أمر الأمة بيدها ، تتخذه قرارا ، وتصدره للسلطة التنفيذية ملزماً .

واستمر الحال على هذا المنهاج إلى أن تم الانقلاب عليه بالقضاء على الخلافة الراشدة ؛ فأنشأ الحكام المتسلطون حركات ثقافية للتعتيم على المفاهيم السياسية الإسلاميـة وتمويهها ، بما يبرر انفرادهم بالسلطة ؛ ولم يتورعوا في حركتهم هذه عن وضع الأحاديث الكاذبة ، وتفسير بعض آيات القرآن الكريم بغير معناها ،كما هو الشأن في الحديث الموضوع الذي يجعل  الحاكم ظلا لله في الأرض ، وفي تفسير قوله تعالى : )  إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ( البقرة30، بأن فسقة الحكام وفجارهـم وكفارهم خلفاء لله سبحانه ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ـ .

فمهّدت هذه الشروح لنشوء أنظمة حكم استبدادية ظالمة سلبت الأمة أهم حقوقها الإنسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، واحتكرتها بيد الحكام وبطانتهم من الوزراء والمستشارين ، والكتبة ، والغلمان والجواري والخدم وعلماء السوء ، والمماليك ؛ فتحولت القصور والمؤسسات بذلك إلى حلبات لصراع الأهواء والمصالح الشخصية والنفــوذ الأجنبي ، والأمة الإسلامية إلى سوق للرقيق بيد نخاس، يسومها سوء العذاب ، يذبح أبناءها ، ويستحيي نساءها ، ويبدد أموالها، ويتاجر بأعراضها .

ولئن كانت الخلافة الراشدة قد اكتسبت شرعيتها من كونها امتدادا اختياريا حراً للرعية ، عقيدة وشريعة وتشاورا ، تقريريا وتنفيذيا ، فنالت بذلك محبة الأمة وطاعتها واحترامها .

ولئن كان الخليفة الراشد الخامس ، عمر بن عبد العزيز ـ على رغم فقدانه لشرعية العقد الإنشائي باختياره من لدن جميع الأمة ـ قد اكتسب محبة الأمة واحترامها وتقديرها وولاءها بسلوكه وعدله وتقواه ، وإيثاره الرعية على نفسه وولده، ورده المظالم ، وثورته على انحراف بني أمية ؛ فإن هؤلاء الأمراء الظلمة قد حاولوا التمويه على استئثارهم بالسلطة ، وتنكرهم لمنهج الإسلام الشوروي ، بما أفتى لهم به علماء السوء من آراء تفرغ الشورى من محتواها ، وتجعلها مكاءً وتصديةً.

إن هذا الوضع الذي آل إليه أمر الأمة لم يكن إلا نتيجة طبيعية لنسيان المسلمين ما أنزل عليهم من البينات والهدى ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ( ـ طه 124،125، 126ـ . ولقد كان في مقدمة ما نُسِّيَ من آيات الله ـ وإن بقيت تتلى ـ آية الحكم  فـي قوله تعالى : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى ( الشورى 30. وهو ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حنبل في مسنده ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في المستدرك ، عن أبي  أمامة الباهلي : " لتنقضن عرى الإسلام عُرْوة عُروة ، فكلَّما انْتَقَضَتْ عروة ، تشبّث الناس بالتي تليها ، وأولهن نقضاً الحكم ، وآخرهن الصلاة " . ثم نبّه صلى الله عليه وسلم إلى عاقبة الانحراف عن حكم الشورى في أحاديث كثيرة ، منها ما رواه مالك في الموطإ موقوفا ، وابن ماجة مرفوعـا عن عبد الله بن مسعود : "  ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم ، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو " وفي رواية : "ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فَشَا فيهم الفقر" .

ولئن كانت الشورى شجرة طيبة ثمارها السعادة والرخاء والأمن والطمأنينة والحريــة ، فإنها كمعنى عام ، وقيمة مجردة ، مرتبطة بطبيعة الاجتماع البشري ؛ لأنها عنصر أساس في تكوين النفس البشرية السوية ، إذ ما دام الإنسان اجتماعيا بطبعه غير مستغن عن الآخرين ، يحتاج إلى آرائهم ونصائحهم ، كما يحتاج إلى عونهم المادي والمعنوي ، فهو تشاوري بغريزته ؛ والشورى بهذا المفهوم من صميم الفطرة الإنسانية التي لا يتم للناس أمر رشيد إلا بها ؛ فهي الوشيجة التي تربط الفرد بقومه ، وهي الآصرة التي تشد الأجيال البشرية المتعاقبة ببعضها ، وتجعل بناء الخلف متمما لبناء السلف وامتداداً له .

الشورى مركوزة في صميم الفطرة السوية التي أبدعها العليم الحكيم ، وجعل الإنسان بها سميعاً وبصيراً ، ومتكلماً ومفكراً ، يتوق مع بني جنسه إلى الحرية والانعتاق والكمال والكرامة ، ويبحث معهم عن طرقها الكامنة في جذور الشورى الإسلامية بإطارها الإيماني . الشورى فطرة رشدها الوحي وأصول الشريعة ، وهى بذلك عنوان كرامة الإنسان ) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم ( ـ الإسراء 70 ـ ، ألهمها الله أنبياءه عليهم السلام ودربهم عليها فمارسوها ، وبشروا بهــا ، ورغبوا فيها . ثم توارثتها الأجيال من بعدهم ، مسلمها وكافرها ، فمورست إيمانية ربانية،ومورست مجردة من ركائزها العقدية ، وجنى الممارسون ثمارها على قدر صواب التطبيق وحجم أخطاء التنفيذ.

والشورى ـ بعد هذا ـ حرية ومسؤولية ، لأنها عنوان حرية الاختيار، ورمز الشجاعة والإقدام على تحمل مسؤولية هذا الاختيار ؛ فالحرية والمسؤولية بذلك فطرتان في النّفس البشرية السوية ، تتكاملان مع فطرة التشاور وتؤديان إليها، بل إنهما في كثير من الأحيان ، تلخصان جوهر الشورى في معادلة رياضية دقيقة يمكن أن تكون  تعريفا لــها وحداً ، ذلك أن الشورى بهذا المعيار اختيار جماعي حر ، وتحمل طوعي لمسؤولية هذا الاختيار .

ولقد بدأت مسيرة الفطرة البشرية في اختيارها الحر ، وتحمل مسؤولية اختيارها، من موقفين ضاربين في أعماق الغيب ، في الملإ الأعلى ، ذكرهما الوحي في آيتين كريمتين ، أولاهما : ) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا ( ـ الأحزاب72 ـ.

وثانيتهما : ) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( ـ الأعراف 172 ـ .

ثم أطلعنا ـ برحمته ـ على مشهد حواره مع الملائكة عند خلقه آدم ـ عليه السلام ـ تعليما لنا وتربية وترشيداً في قوله سبحانه وتعالى : ) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (  البقرة 30 .

ثم لم يترك ـ سبحانه وتعالى ـ الناس فوضى في هذا المضمار ، وإنما هداهم بواسطة الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ إلى منهج الشورى وطرائقها . وكما أعطانا المثل في حواره مع الملائكة ، ضرب لنا المثل باستشارته الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أمته ، تطييبا لخاطره وتعليما لنا ـ وهو سبحانه غني عن ذلك ـ فيما رواه حذيفة قال : ( غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج ، فلما خرج سجد سجدة فظننا أن نفسه قد قبضت منها ، فلما رفع رأسه قال :" إن ربي تبارك وتعالى استشارني في أمتي : ماذا أفعل بهم ؟ فقلت : ما شئت أي رب ، هم خلقك وعبادك . فاستشارني الثانية ، فقلت لـه كذلك ، فقال : لا أحزنك في أمتك ، وبشرني " ) .

واستمر التدرج بهم إلى أن بلغ مبلغ الكمال الممكن للتجمع البشري ، الذي وضعت أسسه سورة الشورى ، والسنة القولية والفعلية والتقريرية للرسول صلى الله عليه وسلم .

وعلى رغم تأرجح المسيرة البشرية في الأرض بين الكفر والإيمان ، فإنها فى فترات ضلالها وكفرها بقيت متشبثة ببعض معالم الشورى ، ولكنها كانت تطبقها بغير إطارها الإيماني ، وبأساليب خاضعة ـ في غالب الأحيان ـ لأهواء الملوك والأباطرة ، وجَنَتْ منها بعض الخير الذي يناسب مقدار التطبيق ومنهجه ؛ من ذلك بلقيس التي استشارت ملأها ـ مجلس شوراها ـ عندما ألقي إليها كتاب سليمـان ـ عليه السلام ـ : ) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ. قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُون ( ـ النمل 29 ، 35 ـ .

ومن ذلك استشارة عزيز مصر ملأه حول تأويل رؤياه : )يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي ( ـ يوسف 43 ، 44 ، 45 ـ .

          ومن ذلك استشارة فرعون ملأه ـ على طغيانه وتألهه ـ  في أمر موسى ـ عليه السلام ـ : ) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ(37) ( ـ الشعراء 34 ، 35 ، 36 ، 37 ـ .

ومن ذلك نجاشي الحبشة الذي اتخذ مجلسا للشورى ، وعندما وفد إليه بعث قريش المكون من أشد القرشيين دهاء وحنكة ـ عبد الله بن أبى ربيعة ، وعمرو بن العاص ـ للمطالبة بإعادة المسلمين المهاجرين إلى الكفار ، محملاً برشاوى ثمينة لكل البطارقة وأعضاء مجلس الشورى ، كاد ينجح في مسعاه ، لولا أن النجاشي تترس بضوابط الإيمان والأخلاق ، فرفض آراء البطارقة ، وأمر برد رشاوى وفد قريش . قالت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ التي روت الخبر[1] : " فخرجا ـ عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص ـ من عنده ـ أي النجاشي ـ مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده ـ أي عند النجاشي ـ بخير دار مع خير جار " .

لقد كان لتشبث النجاشي بالإيمان والقيم والأخلاق ، الأثر البالغ في حماية المسلمين المهاجرين ، وفي إحباط كَيْدِ مستشاريه المرتشين ، وهذا يؤكد قاعدة عتيدة في الاجتماع البشري المتحضر ، هي أن أي نظام سياسي لا تهيمن القيم والمبادئ  على سلوك قادته ، ولا يضبطه ضابط الصدق والشفافية ينحط إلى الحضيض ، ويرتكس في حَمْأَة الخزي واللؤم والفساد ، والظلم والنذالة ، على رغم ما يمكن أن يكون لديه من ظروف مواتية ، وقدرات كافية ، وشعارات براقة مرفوعة ، وأهداف لماعة منتحلة ؛ لأنه يسقط في التناقض بين القول والفعل ، مهما كابر وادعى . والأمثلة على ذلك كثيرة من حال الأمة الإسلامية المعاصرة التي تتبادل أكثر دولها ـ علمانية ودينية ، تقدمية ورجعية ـ اللاجئين إليها كما تتبادل الخراف والبضاعة ، بل يبلغ ببعضها الانحطاط والخسة إلى تسليم مواطنيها للأجنبي ، وترتكس في الظلم والعسف ارتكاسا يجعل بعض رعاياها يفتقدون الأمن في أغلب بلدان المسلمين بسبب مواثيق التسليم وعقود التعاون الاستخباري ، فيضطرون  للّجوء إلى الكيان الصهيوني ، وأمم الغرب المسيحي .

وبذلك تفكك المجتمع المسلم وتمزق طوائف متناحرة ، وحلت بدوله الهزائم في كل ميادين الإصلاح والدفاع ، وأصبح حكامه عبيداً أذلة لكل أمة يتوهمون قدرتها على حمايتهم ومساعدتهم على البقاء. مما يوضح قاعدة أساسية في الاجتماع البشري هي أن الغلبة والنصر والتمكين والقوة لا تتحقق لأي دولة إلا بمقدار ما يتوفر فيها من مبادئ الشورى وضعية كانت أو إيمانية . ويؤكد هذا واقع الدول الغالبة في هذا العصر ، التي وفرت لشعوبها حداً أدنى من الكرامة والعدل بممارسة نوع من الشورى الوضعية الشكلية ، وحال دول الظلم والاستبداد في بلاد المسلمين  المنهزمة أمام مجوس الهند ، ويهود الشتات ، ونصارى الغرب ، وعباد الوثن في إفريقيا ، و"المتعنترة" على الأطفال والنساء والشيوخ والعراة والجياع والمرضى من مواطنيها .

ولهذا أنزل الله ـ سبحانه وتعالى ـ تشريع الشورى ، جزءاً من آية واحدة، تشتمل بسياقها القَبْلِي والبَعْدي على أهم مبادئ الإيمان ، والعدل ، والأخلاق ، والعبادة ، يتلقاها المؤمن فيجد فيها توجيها ربانيا نحو مجتمع متكامل تمثل فيه الشورى جزءاً من كلّ ؛ فقال تبارك وتعالى :

) فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(38)وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40) وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ( الشورى 36 ـ 42) .

والآيات القرآنية الكريمة هذه ، اشتملت على صفات المجتمع الشوروي ، بزهده في زخرف الحياة وطهارته من الفواحش ، وتوكّله على الله وحده ، وتغافره لأخطاء أعضائه ، وتكافله في ميدان التخطيط والتقرير والتنفيذ والإنفاق ، وحل الخلافات قصاصا وتعويضا وتعافيا ودفعا للظلم .

فإذا تم تطبيق هذه المبادئ قام المجتمع الإسلامي الرشيد عدلا ورحمة ومحبة ونماء  ورخاء ، وأمنا من الجوع والظلم والفساد والعسف ومصادرة الحريات ، حريات الفكر والرأي والاعتقاد والعمل والكسب .

ثم إن الوحي عندما أسس نظام الاجتماع الشوروي وضع له ضوابط وشروطا للنجاح ، لا تخل بطبيعته المرنة ؛ فقيّده بوجوب اجتناب الطاغوت ـ وهو كل مجاوزة للحد، هوىً أو مصلحة ذاتية ، أو سلطانا ـ ، وباتباع كل حسن من القول نصحا أو رأياً ، أو أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر، فقال تبارك وتعالى : )وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ( الزمر17 - 18  ؛  وبذلك أضفت الآية الكريمة على مفهوم الشورى بُعداً آخر هو استماع الأقوال والمقترحات والاستفادة منها ، وهو ما وضحه الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ عندما وجه الخطاب إلى ابنه محمد بن الحنفية قائلا : " اضمم آراء الرجال بعضها إلى بعض ، ثم اختر أقربها إلى الصواب ، وأبعدها عن الارتياب، قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه،  ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ " .

كما عولج الموضوع نفسه بثلاث آيات أخريات تضبط الممارسة وتضمن لها التجرد والموضوعية وسلامة القصد و وحدة الصف ، ففي قوله تعالى : ) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ( ـ آل عمران 159 ـ يحث الوحي على الرفق واللين ، المؤديين إلى جمع الشمل ، و وحدة الصف ، وعلى العفو والتعافي وسلامة القلوب من البغضاء والحقد والخيانة ، وكلها أمراض تعوق ممارسة الشورى على أساس متين ، وقد وردت هذه الآية في سياق إشارته تعالى إلى الذين تولوا يوم أحد ، وبيــان أسباب توليهــم وعفـوه عنهم : ) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( آل عمران 155 .        

وفي قوله تعالى :  ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ( ـ المائدة 8 ـ يبين تبارك وتعالى أن التباغض والتنافر من عوائق العدل الذي هو الثمرة الطبيعية للشورى  وأداء الشهادة ، وأن على المجتمع المسلم أن يطهر صفه من هذه العوائق ؛    وفي قوله سبحانه : ) وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ( الأنعام 152ـ يبـين الوحي عائقا آخر من عوائق ممارسة الشورى على وجهها السليم ، هو عائق القرابة والولاء العائلي أو القبلي أو الطائفي أو الحزبي ، ويحث على التجرد ، وتسخير الشورى لمصلحة الأمة كاملة ، لا لطائفة أو حزب أو عائلة أو شخص ...

ثم تأتي السنة النبوية فتزيد أمر التجرد وضوحاً بإشارتها إلى تأثير الحاجة في ممارسة الشورى ، وضرورة تحرر ممارسيها من مظاهر ضعفهم وأهوائهم ، فقالr فيما أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم: " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك ـ يعني نفسك ـ الحديث " . وفيما أخرجه البخاري في كتاب الجهاد :" تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة ، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش الحديث " . وجاء في الأثر:" لا تشاور بخيلا في صلة ، ولا جبانا في حرب ، ولا شابا في جارية " . وهذا ما تشير إليه الآية القرآنية : )وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( ـ القصص 50 ـ .

ذلك لأن الشورى إذا تحكم فيها أصحاب الأهواء سخروها لتحقيق مآربهم، وحماية مصالحهم ، وتحولت بتألّب  الانتهازيين والوصوليين والمجرمين وتحزبهم لبعضهم أداة للقمع والظلم والفساد ، واغتصاب سلطة الأمة ، وهو ما أشار إليه الرسول r حين قال : " لن تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها"، وحين قال :" سيأتي على الناس سنوات خداعات ، يُصدق فيها الكاذب ، ويُكذب فيها الصادق ، ويُؤتمن فيها الخائن ، وُيخون فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة " قيل : وما الرويبضة ؟ قـال : " الرجل التافه يتكلم في أمر العامة " ، وفي رواية : "الفاسق" وفي أخرى " السفيه " .

إنه ما كان للشورى أن تضبط بإطارها العام الذي هو  الممارسة الإيمانية ، وبإطارها الخاص الذي هو العدل في الرضى والغضب ، والتحرر من قيود الحاجة والخوف ، لو لم تكن لها الأهمية القصوى في بناء الأمة وإعلاء شأنها ، فهي بنصوص السنة النبوية نصيحة : " الدين النصيحة ، الدين النصيحة "، قالوا لمن يا رسول الله؟ قال :" لله ولكتابه ، ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " ـ " إن الله عز وجل يقول : أحب عبادة عبدي إليّ النصيحة " ـ " من جاء يوم القيامة بخمس لم يصد وجهه عن الجنة : النصح لله ولدينه ولكتابه ولرسوله ولجماعة المسلمين " .

والشورى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، لأن عضو الشورى يبدي رأيه بشجاعة وينتقد الفساد بجرأة ويرشد إلى الصلاح بوضوح ، لقوله r : " لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمراً لله تعالى فيه مقال . فلا يقول به ، فيلقى الله وقد أضاع ذلك ، فيقول : ما منعك ؟ ، فيقول : يا  رب خشية الناس فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى " ، وقوله r : " لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق إذا رآه أو سمعه " .

والشورى صدق ووفاء وأداء للأمانة لقوله تعالى : ) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ( ـ النساء 58 ـ ، وقوله r " اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا عاهدتم ، وأدوا إذا أؤتمنتم"

والشورى صدقة و زكاة ، لما روي عنه r :" ما من صدقة أفضل من قول الحق " ـ " ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق " .

والشورى شهادة كتمانها خيانة وتحريفها زور ، لقوله تعالى : ) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ـ الفرقان 72 ـ ، ) وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (  ـ البقرة 283 ـ ، وقوله r : " من كتم شهادة إذا دعي لها كان كمن شهد الزور " .

والشورى حزم ، ومظاهرة وتعاون ، ولا حزم أرشد من مشاورة ذوي الرأي واتباعهم ، ولا مظاهرة ولا تعاون أوثق من الاستماع إلى آراء الرجال والاسترشاد بها ) وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ( ـ المائدة  2 ـ .

والشورى جهاد في سبيل الله لقوله r عندما سئل أي الجهاد أفضل : "كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر " .

ولعلنا لا نجانب الصواب إذا ذهبنا إلى أن أهمية الشورى في حياة الأمة مما جعل تشريعها يرد بنصوص قطعية الثبوت في القرآن الكريم ، وبنصوص من السنة النبوية قطعية الدلالة ، قولية وفعلية ، مشهورة ومستفيضة ، تكاد تبلغ حد التواتر.

ونظراً لهذه الأهمية التي تكْتَسيها الشورى ، في ميدان الاجتماع والسياسة والاقتصاد وإقامة العدل والمساواة ، نزلت سورتها في مرحلة مبكرة من حياة الدعوة الإسلامية ، في المرحلة المكية ؛ فكان نزولها خطوة استراتيجية ضرورية للبناء والتربية ورسم الأهداف البعيدة ، وتقديم ضمانات التوفيق والنجاح ، وتمهيد السبيل لبناء دولة الإسلام وحضارته .

 وظل الرسول r طيلة حياته الكريمة يدرب الناس على ممارستها ، ويحرضهم على الالتزام بها ، ويعطيهم من نفسه القدوة ـ وهو غني عنها بالوحي ـ إلى أن توفاه الله سبحانه ولم يصادر حريتهم في الاختيار ؛  فوضع r بذلك أخطر ركيزة سياسية ، وأهم آلية لممارسة الشورى بعد انقطاع الوحي بوفاته عليه السلام . لكن كثيراً من المسلمين بعده r لم يستوعبوا هذه الدروس والعبر والتوجيهات ؛ أعماهم الهوى والجهل ، وحب السلطة والصراع على المنصب، وأضلهم المال وبهرج  الدنيا ؛ فنشأ في الفقه الإسلامي خليط من الاجتهادات المغرضة ، والفتاوى المنحرفة ، وتاه الفقهاء صادقهم وكاذبهم إلا من تولته العناية الإلهية ، في هذا الركام الفقهي المضطرب ، ما بين قائل بحق الحاكم في الاستئثار بالسلطة ، وقائل بالإمام المعصوم ، وقائل بوجوب الشورى ، ومدع عدم  إلزاميتها،  ومنتحل الشرعية لمجالس الشورى  أو أهل الحل والعقد ، أو البرلمان ، أو الشيوخ ، أو الممثلين ، أو النواب ...

ولعل من أبرز العوائق التي حالت دون الفهم الصحيح لموضوع الشورى الإيمانية، وتطوير منهج سليم لممارستها ، ما أنتجه هذا الركام الفقهي المضطرب الذي انتصب حاجزاً بين محاولات البعث الإسلامي الحديث ، وبين حقائق الكتاب والسنة وتوجيهاتهما الرشيدة ؛ ونشير إلى بعض هذه العوائق فيما يلي :

 

العائق الأول  :

عدم القدرة على التمييز الدقيق لما يعنيه لفظ " الأمر" الوارد في الكتاب والسنة  فهو أحيانا يرد منسوبا إلى الله تعالى ، فيكون من معانيه الحكم والإذن والقضاء والدين ) قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ( ـ آل عمران 154 ـ ، ) بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ( ـ الرعد 31 ـ، ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا (  ـ الأحقاف 25 ـ  ،  ) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ( ـ الأحزاب 36 ـ ، ) أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ( ـ النحل 1 ـ . وهو بهذه المعاني لا مجال فيه للشورى ، وليس للإنسان إلا التسليم والسمع والطاعة ، كما قال r  :" إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر " .   

وأحياناً ينسب الأمر إلى شخص واحد فيكون الأمر أمْرَهُ ، والرأي رأيه ، والقرار قراره ،  والشورى في حقه مستحبة ورغيبة ، إن استشار وفق لأرشد أمره ، وإن لم يستشر لم يأثم ، كما في الحديث : " ما ندم من استشار ولا خاب من استخار" . 

وأحيانا ينسب الأمر إلى شخصين فأكثر مرتبطين بقضية واحدة ، فيوجب عليهما الشرع التشاور للفصل في أمرهما المشترك ، وفض النزاع الناشب بينهما قبل اللجوء إلى القضاء .  ومثال ذلك حال النزاع بين الأب والأم حول فطام ابنهما  ،  والابن مشترك بينهما حيوانيا باشتراكهما المادي في إنجابه ، وقرآنيا بنسبته إلى الأم تـارة ) وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ  …( ـ البقرة 233 ـ ، وإلى الأب تارة أخرى ) وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (  البقرة 233 ـ والشورى في هذه الحالة علاج ناجع وحل مرض ، قال تعالى : ) فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ( ـ البقرة  233 ـ .

وأحيانا كما في سورة الشورى ، يرد الأمر للمسلمين كافة ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم ( الشورى38،  أو يرد بالمعنى نفسه  عاما معرفا  بـ " أل" كما في سورة آل عمــران ـ 159 ـ ) فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (  ، ويقصد بذلك جميع قضايا المسلمين الدنيوية المشتركة بينهم ، والتي جعلها الله من أمرهم ، يتشاورون فيها  ويقررون لها ، وينفذون مقتضياتها في إطار أحكام الشرع وتوجيهاته .

وظاهر هذه الآية أن الأمر للمسلمين كافة ، ليس للنبي وحده ، وليس للحاكم وحده ، كما أن أعضاء الشورى هم جميع المسلمين ، شيبهم وشبابهم ، ذكرانهم وإناثهم ، علماؤهم وجهلاؤهم ، فقراؤهم وأغنياؤهم ، ليس لأحد منهم حق في الأمر أكثر من الآخر ، فهم فيه سواء كأسنان المشط .

وقد أكدت سيرة الرسول r وسنته القولية والعملية والتقريرية هذه المعاني، وبشرت بها ، وحرضت على الالتزام بها ، كما يبدو من الأمثلة التالية ؛ وهي قطرة من بحر التوجيه النبوي الرشيد :

 في غزوة بدر :

ذكر ابن كثير فى تفسيره عن أنس ـ رضى الله عنه ـ قال : استشار النبي r الناس في الأسرى ، فقال : " إن الله قد أمكنكم منهم " فقام عمــر فقال : " يا رسول الله اضرب أعناقهم " ، فأعرض عنه النبي r وقال : " يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم ، وإنما هم إخوانكم بالأمس" ، فقام عمر فقال : " يا رسول الله اضرب أعناقهم " فأعرض عنه النبي r ، ثم  عاد فقال للناس مثل ذلك ، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ :" يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم ، وأن تقبل منهم الفداء " ، وفي رواية أن أبا بكر قال : " يا رسول الله قومك وأهلك ، استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم " وقال عمر :" يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم" وقال عبد الله بن رواحة: " يا رسول الله ، أنت في واد كثير الحطب ، فأضرم الوادي عليهم ناراً ثم ألقهم فيـه " . فسكت رسول الله r  وانقسم الناس ثلاثة آراء ، رأي أبي بكـر ،  ورأي عمر ، ورأي عبد الله بن رواحة ، ثم اتفق الجميع على أن يخير الأسرى الذين رفضوا الإسلام بين الفداء والقتل .

ومما يؤكد في هذه الحادثة أن الأمر كان للمسلمين كافة ، أن العباس بن عبد المطلب عم الرسول r كان قد وقع أسيراً في يد أنصاري ، فأوعدته الأنصار أن يقتلوه ، فبلغ ذلك النبي r فقال: " إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس ، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه " ، فقال له عمــر : " أفآتيهم " ، فقال : " نعم " ، فأتى عمر الأنصار فقال لهم  : " أرسلوا العباس " ، فقالوا : " لا والله لا نرسله " ، فقال  لهم عمر : " فإن كان لرسول الله r رضى ؟ " ، فقال الأنصار : " فإن كان لرسول الله r رضى فخذه " . فأخذ عمر العباس الى الرسول r وأعلن إسلامه .

وبهذا يتضح أن الرسول r كان يعدّ الأمر للمسلمين عــامة، فيستشيرهم بقولـه: " أيها النـاس"  ثلاث مرات ، ويشركهم في اتخاذ القـرار ، وتحمل المسؤولية، بل ويعدّ أسر عمه العباس وقتله من أمر المسلمين ، فلا يحرر إلا بمبادرة من عمر .

 في غزوة أحد :

          استشار رسول الله r المسلمين كافة في خطة الدفاع عن المدينة المنورة ؛ هل يمكثون فيها للدفاع من داخلها ، أم يخرجون لملاقاة عدوهم في سفح جبل أحد؛ وكان رأي رسول الله r أن يقيم المسلمون بالمدينة ، ويتركوا الكفار حيث نزلوا ؛ فإن أقاموا أقامُوا بشر مقام ، وإن هم دخلوا المدينة قاتلوهم فيها .

وكان رأي عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول ـ رأس المنافقين ـ موافقا لرأي الرسول r ، حيث قال : " يا رسول الله ، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم ، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه ، فدعهم يا رسول الله ، فإن أقاموا أقامُوا بشر محبس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجَعوا خائبين كما جاؤوا " .   

وقال رجل من المسلمين :" أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنّا جبنا عنهم ، وضعفنا " ، وقال مالك بن سنان :" يا رسول الله ، نحن والله بين إحدى الحسنيين ، إما أن يظفرنا الله بهم ، أو يرزقنا الشهادة " ، وقال حمزة : " والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم خارج المدينة " وقال النعمان بن مالك أخو بني سلمة: " يا رسول الله ، لم تحرمنا الجنة ؟ ، فوالله الذي لا إله إلا هو  لأدخلنّها " ،  فسأله r : " بم ؟ " فقال النعمان : " إني أحب الله ورسوله ، ولا أفر يوم الزحف " ، فقال النبي r : " صدقت " . وقـال إياس بن أوس : " يا رسول الله ، نحن بنو عبد الأشهل ، نرجو أن نذبح  ويذبح فينا ، فنصير إلى الجنة ، ويصيروا إلى النار ، مع أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولوا:" حصرنا محمداً في صياصي يثرب وأطامها ، فيكون هذا جرأة لقريش "  وقال عبد الله بن جحش : " اللهم إني أسألك أن ألقى العدو غداً ، فيقتلوني ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني وتسألني : فيم ؟ ، فأقول : فيك يا رب " .

واتفق جمهور المسلمين على الخروج وألَحوا في طلبه ، ولم يزالوا برسول الله r حتى دخل بيته ولبس لأمته ، وخرج عليهم لتنفيذ ما اتفقوا عليه ، فندم الناس ، وقالوا : " يا رسول الله استكرهناك ، ولم يكن لنا ذلك ، فإن شئت فاقعد ، صلى الله عليك وسلم " ، فقال النبي r : " ما كان لنبي إذا  لَبِسَ لأمته أن يضعها حتى يقاتل " . وخرج المسلمون الى أحد ، وعددهم ألف ، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأُحد رجع عبد الله بن أبيّ بثلث الناس ممن اتبعه من أهل النفاق ، وقال : "أطاعهم وعصاني ، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس " .

من هذه الحادثة يتضح أن الشورى شارك فيها كل  المسلمين بدون استثناء، كما شارك فيها حوالي ثلاثمائة منافق ، وأبدى زعيم المنافقين رأيه بكل حرية ، وأن القرار الذي اتخذ وأطاعهم فيه الرسول الكريم كان مخالفا لرأيه r .

 في غزوة الأحزاب :

لما سمع الرسول r بخروج الأحزاب ، استشار المسلمين ، فرأى سلمان الفارسي أن يحفر الخندق  ، ولم يكن ذلك من عادة العرب ولا عرفوه ، فأجمع المسلمون على رأي سلمان وأعجبوا به ، وأراد كل فريق أن يضمه إليه ، فقال المهاجرون : " سلمان منا " ، وقال الأنصار : " سلمان منا " ، وقال الرسول r : " سلمان منا آل البيت" . ثم قام الجميع لحفر الخندق ، وشارك عليه الصلاة والسلام بنفسه في الحفر كأي واحد من المسلمين ، وطال بهم الأمر ، فأخذ المنافقون يبطئون عنهم ، ويتسللون إلى أهلهم بغير إذن ، أما الصادقون فكانوا يحرصون على استئذان الرسول r ولو لقضاء حاجتهم ؛ فأنزل الله تعالى في الفريقين قوله : ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ( إلى قوله سبحانه : ) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (  النور  62 ، 63     والحادثة بما أنزل فيها من آيات بيّنات ، تبين أن أي رأي صائب أدلى به شخص  وأجمع عليه المسلمون ، اتخذ قرارا ، وصار أمراً جامعا يسارع الجميع إلى تنفيذه ، كل من موقعه واختصاصه ، ولايخرج عن المشاركة في تنفيذ الأمر الجامع بدون عذر إلا منافق أو خائن .

 في حادثة الإفك :

جاءت عصبة الإفك بما جاءت به ، في حق أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ   وأمرها ليس أمراً خاصا بالرسول r ، بل أمر عام للمسلمين كافة ، بصفتها أمهم وزوجة نبيهم ، ينالهم ما ينالها ؛ فحار الرسول r في الأمر ، وحار معه صحابته الكرام ، فهم لا يعلمون منها إلا خيرا،ً والذين تولوا كبر الإفك يتحدثون ويبلبلون الصف المسلم ؛ ففزع الرسول الكريم الى الشورى ، بعد أن تأخر عنه الوحي ؛ استشار أسامة بن زيد وهو يومئذ صغير السن ، فأشار عليه بالذي يعلم من براءة أهله ، واستشار عليا ـ كـرم الله وجهه ـ ، فشهد لعائشة ـ رضي الله عنها ـ بالصدق ،  وقال : " يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك " ، وسأل رسول الله r الجارية بريرة فقالت : "والذي بعثك بالحق إن رأيت فيها أمراً قط أَغْمَصُه عليها ، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الدواجن فتأكله" .

ثم جمع رسول الله r المسلمين ، فتشهد وحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : " يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي ، فوالله ما علمت من أهلي إلا خيراً . " ؛ فثار الحوار حاداً في الأمر ، وقال سعد بن معاذ: " أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخوتنا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك "، فرد  عليه سعد بن عبادة : " كذبت لعمر اللّه، لا تقتله ولا تقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل " ، فرد عليه أسيد بن حضير : " كذبت لعمر الله لنقتلنه " ، فتثاور الحيان ـ الأوس والخزرج ـ حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله r على المنبر يُخَفّضُهُمْ حتى سكتوا، وسكت الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، ثم بعد حين حسم الأمر بالوحي الإلهي ، ونزل قوله تعالى مُبرّئاً أم المؤمنين الطاهـرة الطيبة : ) إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ـ النور 11 .

وهذا دليل آخر في السنة النبوية علـى أن الشورى لجميع المسلمين بما فيهم النساء ـ بريرة ـ ، والغلمان ـ أسامة بن زيد ـ . وقد روى البغوي بسنده عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ ، أنها قالت : " ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله r " .

هكذا كان هدي القرآن الكريم ، وتوجيه الرسول r بأقواله وأفعاله وتصرفاته في أمر الشورى التي هي قوام نظام الحكم ، وأسلوبه العملي لتنظيم سلطة المسلمين على أمرهم . وعندما اختار r الرفيق الأعلى لم يكن قد اتخذ للأمة مجلسا للشورى، ولا لأهل الحل والعقد ، ولا لأهل الرأي ، ولا للنواب أو الممثلين  أو الشيوخ أو البرلمان ، ولم يأمر بذلك أو يرشد إليه ، وإنما ترك الأمر شورى بين جميع المسلمين يتبادلون الرأي ، ويتخذون القرار ، ويَنْبَروُن لتنفيذه كل حسب قدرته وخبرته .

العائق الثاني :

عدم التمييز بين حدود النبوة وحدود البشرية في بعض تصرفات النبي r ؛ ذلك أنه عليه السلام في الأمور الدينية كان يتصرف بطبيعته النبوية الخالصة ، وفيما عداها كان يتصرف بطبيعته البشرية ، تطييبا لقلوب قومه ، وتأليفا لنفوسهم ، وتهدئة لروع بشريتهم أمام أنوار معصوميته . فكان يستشير كافة المسلمين في القضايا العامة ، وأفردا منهم في القضايا الخاصة ، وفي كل ذلك كان يتصرف في دائرة رسالته الطبيعية التي هي تدريب الناس على تطبيق ما أنزل إليهم ، ويؤسس بذلك أمة يراد لها أن تقيم الشهادة . وما استشارته للخواص إلا في أمور دنيوية تحتاج الى خبرة ليست لدى غيرهم ، أو إلى قدر من السرية يمنع وصولها الى العدو ، في ظروف حصار الجاهلية ، وطور التأسيس الحرج .

وقد استغل بعض وعاظ السلاطين ما ورد عن استشارة الرسول r أفرادا بعينهم دون المسلمين ، فأفتوا بأن للحاكم أن يبث في قضايا الأمة وحده ، أو يستشير الآحاد دون أن يلتزم برأيهم ، متجاهلين أن الحكام لا يقاسون على الرسول r ، وأن التصرفات البشرية للنبي r لم تكن إلا لتعليم الناس وتربيتهم ، تحت رعاية الله وعنايته وتوجيهه بالوحي والإلهام ؛ وهو غني بربه ـ سبحانه ـ عن الشورى في كل أموره وأمور المسلمين . واستشارته أفراداً أحياناً لا تُلغي حق المسلمين الذي نزلت به الآيات البينات ، وأوضحته السنة النبوية التي كادت تبلغ حد التواتر في الأمثلة السابقة وفي غيرها .

العائق الثالث :

عدم التمييز بين مجتمع إسلامي في طور التأسيس في العهد النبوي ، ومجتمع إسلامي تكامل بإتمام الرسالة وانتقال الرسول r إلى الرفيق الأعلى ؛ مجتمع أفراده مازالوا حديثي عهد بالإسلام ، وقد خرجوا فجأة من جاهلية كان الرجل فيها يصنع آلهته ، ويَئِد ابنته . والنبي