أهــلا وسهــلا بكم في موقــع الحــركة الإســلاميــة المغربيـــة
تحديث بتاريخ  1 شوال  1427هـ

 الصفحة الرئيسـيـة

 نداء المحبة

 الحركة الإسلامية المغربية
 نشأة وتطورا

 البيان التأسـيـسي

 التقريـر العـقــدي

 التقريــر السياسي

 رسالة المرشـد العام

 الدين النصيحة

 مقالات ودراسات إسلامية

 من قضايا الأمة

 مواقف وبيانات

 المنبر الحــر

 حـوار إســلامي

الشورى منهج حكم وتدبير
التشريع الشوروي في منطقة الفراغ التشريعي
المقاصد الشرعية في تدبير الشأن العام
تفسير القرآن للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
موطأ الإمام مالك
في النظام السياسي:
 ثلاثية فقه الأحكام السلطانية(الطبعة الثالثة)
تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك
بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في الفكر والدعوة
الصحراء المغربية
ملكية الأرض في الإسلام
حد السرقة بين الفهـم والتطبيق
ا الأخلاق والتزكية فـي رحاب الكتاب والسنة

عرب وبربر مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله

رسالة الإمام مالك إلى هارون الرشيد ( تحقيق وتخريج أحاديث)

  الحسبة  في النظام  الإسلامي: أصولها الشرعية وتطبيقاتها العمليةللأخ الأستاذ إدريس محمدعثمان 

  منهجية الفتوى في   المدرسة المالكية الأندلسية: الإمام االشاطبي نموذجا  للأخت الأستاذة دريد الزواوي

  الزاوية التاغية/ دار القرآن الكريم -  توثيق تاريخي للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

 

 مـــــن تحــــن

 اتصــــــل بنـــا

أرتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل

 
 

المنهج السياسي وتدبير الشأن العام

 

الشورى منهج حكم وتدبير للشأن العام

لعل مما يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات ، أصالة مصطلحاتها ،ومرونتها الرائعة التي تنمو بها مفرداتها ، وتتطور بها تعابيرها ، تبعا لتطور أهلها واتساع تجاربهم ، وتنوع حياتهم الاجتماعية ، ونشاطهم المادي والمعنوي والروحي ، ثم تثبيت بعض هذه المفردات بواسطة الوحي مصطلحات دينية لا تُضاهى .

     نلحظ هذه الظاهرة عند تتبعنا لنشأة كثير من المصطلحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية والعسكرية وغيرها .

    فلفظة "الزكاة" مثلا تعلقت في منشئها بنمو الأعشاب والأجسام ، ثم تحولت مصطلحا اقتصاديا ليس له مثيل في غير اللغة العربية .

    ومصطلح "الجهاد" تطور من معنى مادي محض ، هو الإكثار من تناول الطعام ، إلى بذل الوسع والطاقة ، ثم إلى نظام عسكري متكامل يتعذر إيجاد لفظ يسعه في غير اللغة العربية .

    ومصطلح "النفير" تطور إلى مدلوله الحربي من معنى مادي بسيط ، هو نفور الدابة وجزعها وذعرها وتباعدها عما يخيفها ، ثم تحول إلى فعل من الأضداد : نفر من الشيء ، إذا تباعد عنه ، ونفر إليه ، إذا فزع إليه لينصره أو ليستنجد به ؛ ثم ارتقت إلى معنى النصرة على العدو ، والتفرغ للعلم ، رقاها القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف ،  في قوله تعالى : ) انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ( ـ التــوبة 41  ـ    ) فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين .. (ـ التوبة 122 ـ , وما رُوي عنه صلى الله عليه وسلم " إذا استنفرتم فانفروا " أي إذا استنجدتم واستنصرتم   .

ثم ثبتت الكلمة في مصطلحها العسكري بمعنى جيش النصـرة فـي قـوله تعالى : ) وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرا ( ـ الإسراء /6 ـ أي جعلناكم أكثر جنودا وأنصارا .

ومصطلح "نفاق" تطور من أصل لغوي بمعنى مادي هو جُحْر اليربوع "نفق" ، ومن عادة اليربوع أن يتخذ لجحره عدة أبواب ، بعضها يغلقه بساتر ترابي رقيق ، فإذا أراد الهرب ، ضربه برأسه فانتفق ، أي خرج . والعرب تسمي هذا الباب السري النُّفَقَة ، كَهُمَزَة .

ثم تطور اللفظ بواسطة القرآن والسنة إلى مصطلح إسلامي لم تعرفه العرب من قبل بالمعنى المخصوص ، ويطلق على الذي يستر كفره ويظهر إيمانه ، والذي يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي دخل منه فيه  ، وكذلك المنافق ظاهره إيمان وباطنه كفر .  يقول تعالى : ) إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ( ـ المنافقون/1 ـ ، وفي الحديث : " أكثر منافقي هذه الأمة قراؤها " .

كذلك الشأن في كلمة "الشورى" التي يضرب معناها في أعماق النفس البشرية منذ خُلق الإنسان اجتماعيا بطبعه ، محتاجا إلى غيره من أجل التشاور والتفاهم وتبادل الرأي والنصح والتجربة والمنفعة . والتي يضرب مبناها ـ لفظها ـ بجذوره في تاريخ الإنسان العربي منذ نشأته بدائيا بسيطا عفويا ، إلى أن بلغ مرحلة النضج العقلي والرشد الاجتماعي ، والتفكير المنطقي ، والتعبير الفني تصريحا وتلميحا ، حقيقـة ومجازا ، ثم إلى أن نزل الوحي فثبت اللفظ ـ الشورى ـ مصطلحا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا في قوله تعالى : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( ـ الشورى /38 ـ .

ومن تتبعنا لنشأة هذه الكلمة وتطور مدلولها ، نلحظ أولا قرابةً لها بلفظ "الشوار" الذي هو الحُسن والجمال والهيئة ، سواء في الإنسان أو متاع البيت ؛ كما أن لها أصلا مشتركا مع لفظ "الشور" الذي اشتق منه فعل "شار ، يشور" العسل ، إذا استخرجه من مصدره ، ثم أطلق لفظ المشار على مصدر العسل ، أي الخلية أو الوَقْبَة أو الجُبْحُ  .

ونظراً لأهمية العسل في حياة العربي وقيمته الغذائية ونُدْرته ، اشتق من هذا اللفظ كلمة "أشار" بمعنى أَوْمَأَ بيده ، أو عينه ، أو حاجبه ، وكأنما العسل هو أهم ما يستحق الإيماءَ والإشارة.

ثم نُقلت الكلمة بالتدريج وعلى مراحل من معناها المادي ـ استخراج شيء مادي هو العسل، من شيء مادي هو الخلية ـ إلى معنى تجريدي راق هو استخراج الرأي الصائب والفكرة الصالحة ، والهدي النافع من عقول الناس وتجاربهم وتصوراتهم ، وكأنّما العقول خلايا نحل ، وكأنما آراؤهم عسل يُستخرج منها للغذاء والاستشفاء .

وبذلك عرفت اللغة العربية كلمات جديدة ، مثل : أشار عليه ، شاوره ، استشاره،  مَشُورة، مَشْورة ، شورى ، وكلها تدل على تبادل الرأي والنصح والإرشاد والاسترشاد ، والهداية والاستهداء ؛ حتى إن العربي الموغل في بداوته عرف بفطرته ولغة قومه هذه المعاني الجليلة فذهب إليها ، والتزم بها دون تعقيد أو جدل أو فلسفة ؛ وقد دعا أحد الخلفاء واحداً من بني عبس وسأله عن سر انتصاراتهم فقال الأعرابي : " نحن ألف رجل بألف رأي ".

ولا يذهب بنا القول إلى ادعاء أن الشورى ـ مبنى ومعنى ـ من خصائص العربي واللغة العربية ، ولكن من المؤكد أن العربية تكاد تكون اللغة الوحيدة ، التي نمت فيها هذه اللفظة ـ شورى ـ نمواً طبيعيا ، ضاربا في أعماقها التاريخية والاجتماعية والثقافية ، فاكتسبت بهذه الأبعاد العميقة مرونة وشمولية أداء ، تَنْدُران في اللغات الأخرى التي انتحلت لمعانيها كلمات لم تستطع أن تستوعب مداليلها المادية والمعنوية والنفسية والروحية والاجتماعية .

ثم جاء الوحي والسنة النبوية المطهرة فرفعا هذا اللفظ ـ شورى ـ إلى صعيد مصطلح ديني ودنيوي ، يتعذر على المرء الاستغناء عنه بلفظ آخر عربي أو دخيل ، مهما تكلف واحتال وتَمَحَّلَ . ثم كان التطبيق النبوي الذي بلوره نظاما سياسيا يجعل أمر الأمة بيدها ، تتخذه قرارا ، وتصدره للسلطة التنفيذية ملزماً .

واستمر الحال على هذا المنهاج إلى أن تم الانقلاب عليه بالقضاء على الخلافة الراشدة ؛ فأنشأ الحكام المتسلطون حركات ثقافية للتعتيم على المفاهيم السياسية الإسلاميـة وتمويهها ، بما يبرر انفرادهم بالسلطة ؛ ولم يتورعوا في حركتهم هذه عن وضع الأحاديث الكاذبة ، وتفسير بعض آيات القرآن الكريم بغير معناها ،كما هو الشأن في الحديث الموضوع الذي يجعل  الحاكم ظلا لله في الأرض ، وفي تفسير قوله تعالى : )  إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ( البقرة30، بأن فسقة الحكام وفجارهـم وكفارهم خلفاء لله سبحانه ـ تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا ـ .

فمهّدت هذه الشروح لنشوء أنظمة حكم استبدادية ظالمة سلبت الأمة أهم حقوقها الإنسانية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ، واحتكرتها بيد الحكام وبطانتهم من الوزراء والمستشارين ، والكتبة ، والغلمان والجواري والخدم وعلماء السوء ، والمماليك ؛ فتحولت القصور والمؤسسات بذلك إلى حلبات لصراع الأهواء والمصالح الشخصية والنفــوذ الأجنبي ، والأمة الإسلامية إلى سوق للرقيق بيد نخاس، يسومها سوء العذاب ، يذبح أبناءها ، ويستحيي نساءها ، ويبدد أموالها، ويتاجر بأعراضها .

ولئن كانت الخلافة الراشدة قد اكتسبت شرعيتها من كونها امتدادا اختياريا حراً للرعية ، عقيدة وشريعة وتشاورا ، تقريريا وتنفيذيا ، فنالت بذلك محبة الأمة وطاعتها واحترامها .

ولئن كان الخليفة الراشد الخامس ، عمر بن عبد العزيز ـ على رغم فقدانه لشرعية العقد الإنشائي باختياره من لدن جميع الأمة ـ قد اكتسب محبة الأمة واحترامها وتقديرها وولاءها بسلوكه وعدله وتقواه ، وإيثاره الرعية على نفسه وولده، ورده المظالم ، وثورته على انحراف بني أمية ؛ فإن هؤلاء الأمراء الظلمة قد حاولوا التمويه على استئثارهم بالسلطة ، وتنكرهم لمنهج الإسلام الشوروي ، بما أفتى لهم به علماء السوء من آراء تفرغ الشورى من محتواها ، وتجعلها مكاءً وتصديةً.

إن هذا الوضع الذي آل إليه أمر الأمة لم يكن إلا نتيجة طبيعية لنسيان المسلمين ما أنزل عليهم من البينات والهدى ) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ( ـ طه 124،125، 126ـ . ولقد كان في مقدمة ما نُسِّيَ من آيات الله ـ وإن بقيت تتلى ـ آية الحكم  فـي قوله تعالى : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى ( الشورى 30. وهو ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حنبل في مسنده ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في المستدرك ، عن أبي  أمامة الباهلي : " لتنقضن عرى الإسلام عُرْوة عُروة ، فكلَّما انْتَقَضَتْ عروة ، تشبّث الناس بالتي تليها ، وأولهن نقضاً الحكم ، وآخرهن الصلاة " . ثم نبّه صلى الله عليه وسلم إلى عاقبة الانحراف عن حكم الشورى في أحاديث كثيرة ، منها ما رواه مالك في الموطإ موقوفا ، وابن ماجة مرفوعـا عن عبد الله بن مسعود : "  ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم الدم ، ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط الله عليهم العدو " وفي رواية : "ولا حكموا بغير ما أنزل الله إلا فَشَا فيهم الفقر" .

ولئن كانت الشورى شجرة طيبة ثمارها السعادة والرخاء والأمن والطمأنينة والحريــة ، فإنها كمعنى عام ، وقيمة مجردة ، مرتبطة بطبيعة الاجتماع البشري ؛ لأنها عنصر أساس في تكوين النفس البشرية السوية ، إذ ما دام الإنسان اجتماعيا بطبعه غير مستغن عن الآخرين ، يحتاج إلى آرائهم ونصائحهم ، كما يحتاج إلى عونهم المادي والمعنوي ، فهو تشاوري بغريزته ؛ والشورى بهذا المفهوم من صميم الفطرة الإنسانية التي لا يتم للناس أمر رشيد إلا بها ؛ فهي الوشيجة التي تربط الفرد بقومه ، وهي الآصرة التي تشد الأجيال البشرية المتعاقبة ببعضها ، وتجعل بناء الخلف متمما لبناء السلف وامتداداً له .

الشورى مركوزة في صميم الفطرة السوية التي أبدعها العليم الحكيم ، وجعل الإنسان بها سميعاً وبصيراً ، ومتكلماً ومفكراً ، يتوق مع بني جنسه إلى الحرية والانعتاق والكمال والكرامة ، ويبحث معهم عن طرقها الكامنة في جذور الشورى الإسلامية بإطارها الإيماني . الشورى فطرة رشدها الوحي وأصول الشريعة ، وهى بذلك عنوان كرامة الإنسان ) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم ( ـ الإسراء 70 ـ ، ألهمها الله أنبياءه عليهم السلام ودربهم عليها فمارسوها ، وبشروا بهــا ، ورغبوا فيها . ثم توارثتها الأجيال من بعدهم ، مسلمها وكافرها ، فمورست إيمانية ربانية،ومورست مجردة من ركائزها العقدية ، وجنى الممارسون ثمارها على قدر صواب التطبيق وحجم أخطاء التنفيذ.

والشورى ـ بعد هذا ـ حرية ومسؤولية ، لأنها عنوان حرية الاختيار، ورمز الشجاعة والإقدام على تحمل مسؤولية هذا الاختيار ؛ فالحرية والمسؤولية بذلك فطرتان في النّفس البشرية السوية ، تتكاملان مع فطرة التشاور وتؤديان إليها، بل إنهما في كثير من الأحيان ، تلخصان جوهر الشورى في معادلة رياضية دقيقة يمكن أن تكون  تعريفا لــها وحداً ، ذلك أن الشورى بهذا المعيار اختيار جماعي حر ، وتحمل طوعي لمسؤولية هذا الاختيار .

ولقد بدأت مسيرة الفطرة البشرية في اختيارها الحر ، وتحمل مسؤولية اختيارها، من موقفين ضاربين في أعماق الغيب ، في الملإ الأعلى ، ذكرهما الوحي في آيتين كريمتين ، أولاهما : ) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا ( ـ الأحزاب72 ـ.

وثانيتهما : ) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( ـ الأعراف 172 ـ .

ثم أطلعنا ـ برحمته ـ على مشهد حواره مع الملائكة عند خلقه آدم ـ عليه السلام ـ تعليما لنا وتربية وترشيداً في قوله سبحانه وتعالى : ) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (  البقرة 30 .

ثم لم يترك ـ سبحانه وتعالى ـ الناس فوضى في هذا المضمار ، وإنما هداهم بواسطة الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ إلى منهج الشورى وطرائقها . وكما أعطانا المثل في حواره مع الملائكة ، ضرب لنا المثل باستشارته الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أمته ، تطييبا لخاطره وتعليما لنا ـ وهو سبحانه غني عن ذلك ـ فيما رواه حذيفة قال : ( غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ، فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج ، فلما خرج سجد سجدة فظننا أن نفسه قد قبضت منها ، فلما رفع رأسه قال :" إن ربي تبارك وتعالى استشارني في أمتي : ماذا أفعل بهم ؟ فقلت : ما شئت أي رب ، هم خلقك وعبادك . فاستشارني الثانية ، فقلت لـه كذلك ، فقال : لا أحزنك في أمتك ، وبشرني " ) .

واستمر التدرج بهم إلى أن بلغ مبلغ الكمال الممكن للتجمع البشري ، الذي وضعت أسسه سورة الشورى ، والسنة القولية والفعلية والتقريرية للرسول صلى الله عليه وسلم .

وعلى رغم تأرجح المسيرة البشرية في الأرض بين الكفر والإيمان ، فإنها فى فترات ضلالها وكفرها بقيت متشبثة ببعض معالم الشورى ، ولكنها كانت تطبقها بغير إطارها الإيماني ، وبأساليب خاضعة ـ في غالب الأحيان ـ لأهواء الملوك والأباطرة ، وجَنَتْ منها بعض الخير الذي يناسب مقدار التطبيق ومنهجه ؛ من ذلك بلقيس التي استشارت ملأها ـ مجلس شوراها ـ عندما ألقي إليها كتاب سليمـان ـ عليه السلام ـ : ) قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ، إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ. قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُون ( ـ النمل 29 ، 35 ـ .

ومن ذلك استشارة عزيز مصر ملأه حول تأويل رؤياه : )يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَاي إِنْ كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي ( ـ يوسف 43 ، 44 ، 45 ـ .

          ومن ذلك استشارة فرعون ملأه ـ على طغيانه وتألهه ـ  في أمر موسى ـ عليه السلام ـ : ) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ(37) ( ـ الشعراء 34 ، 35 ، 36 ، 37 ـ .

ومن ذلك نجاشي الحبشة الذي اتخذ مجلسا للشورى ، وعندما وفد إليه بعث قريش المكون من أشد القرشيين دهاء وحنكة ـ عبد الله بن أبى ربيعة ، وعمرو بن العاص ـ للمطالبة بإعادة المسلمين المهاجرين إلى الكفار ، محملاً برشاوى ثمينة لكل البطارقة وأعضاء مجلس الشورى ، كاد ينجح في مسعاه ، لولا أن النجاشي تترس بضوابط الإيمان والأخلاق ، فرفض آراء البطارقة ، وأمر برد رشاوى وفد قريش . قالت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ التي روت الخبر[1] : " فخرجا ـ عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص ـ من عنده ـ أي النجاشي ـ مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به ، وأقمنا عنده ـ أي عند النجاشي ـ بخير دار مع خير جار " .

لقد كان لتشبث النجاشي بالإيمان والقيم والأخلاق ، الأثر البالغ في حماية المسلمين المهاجرين ، وفي إحباط كَيْدِ مستشاريه المرتشين ، وهذا يؤكد قاعدة عتيدة في الاجتماع البشري المتحضر ، هي أن أي نظام سياسي لا تهيمن القيم والمبادئ  على سلوك قادته ، ولا يضبطه ضابط الصدق والشفافية ينحط إلى الحضيض ، ويرتكس في حَمْأَة الخزي واللؤم والفساد ، والظلم والنذالة ، على رغم ما يمكن أن يكون لديه من ظروف مواتية ، وقدرات كافية ، وشعارات براقة مرفوعة ، وأهداف لماعة منتحلة ؛ لأنه يسقط في التناقض بين القول والفعل ، مهما كابر وادعى . والأمثلة على ذلك كثيرة من حال الأمة الإسلامية المعاصرة التي تتبادل أكثر دولها ـ علمانية ودينية ، تقدمية ورجعية ـ اللاجئين إليها كما تتبادل الخراف والبضاعة ، بل يبلغ ببعضها الانحطاط والخسة إلى تسليم مواطنيها للأجنبي ، وترتكس في الظلم والعسف ارتكاسا يجعل بعض رعاياها يفتقدون الأمن في أغلب بلدان المسلمين بسبب مواثيق التسليم وعقود التعاون الاستخباري ، فيضطرون  للّجوء إلى الكيان الصهيوني ، وأمم الغرب المسيحي .

وبذلك تفكك المجتمع المسلم وتمزق طوائف متناحرة ، وحلت بدوله الهزائم في كل ميادين الإصلاح والدفاع ، وأصبح حكامه عبيداً أذلة لكل أمة يتوهمون قدرتها على حمايتهم ومساعدتهم على البقاء. مما يوضح قاعدة أساسية في الاجتماع البشري هي أن الغلبة والنصر والتمكين والقوة لا تتحقق لأي دولة إلا بمقدار ما يتوفر فيها من مبادئ الشورى وضعية كانت أو إيمانية . ويؤكد هذا واقع الدول الغالبة في هذا العصر ، التي وفرت لشعوبها حداً أدنى من الكرامة والعدل بممارسة نوع من الشورى الوضعية الشكلية ، وحال دول الظلم والاستبداد في بلاد المسلمين  المنهزمة أمام مجوس الهند ، ويهود الشتات ، ونصارى الغرب ، وعباد الوثن في إفريقيا ، و"المتعنترة" على الأطفال والنساء والشيوخ والعراة والجياع والمرضى من مواطنيها .

ولهذا أنزل الله ـ سبحانه وتعالى ـ تشريع الشورى ، جزءاً من آية واحدة، تشتمل بسياقها القَبْلِي والبَعْدي على أهم مبادئ الإيمان ، والعدل ، والأخلاق ، والعبادة ، يتلقاها المؤمن فيجد فيها توجيها ربانيا نحو مجتمع متكامل تمثل فيه الشورى جزءاً من كلّ ؛ فقال تبارك وتعالى :

) فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ(38)وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(40) وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( ( الشورى 36 ـ 42) .

والآيات القرآنية الكريمة هذه ، اشتملت على صفات المجتمع الشوروي ، بزهده في زخرف الحياة وطهارته من الفواحش ، وتوكّله على الله وحده ، وتغافره لأخطاء أعضائه ، وتكافله في ميدان التخطيط والتقرير والتنفيذ والإنفاق ، وحل الخلافات قصاصا وتعويضا وتعافيا ودفعا للظلم .

فإذا تم تطبيق هذه المبادئ قام المجتمع الإسلامي الرشيد عدلا ورحمة ومحبة ونماء  ورخاء ، وأمنا من الجوع والظلم والفساد والعسف ومصادرة الحريات ، حريات الفكر والرأي والاعتقاد والعمل والكسب .

ثم إن الوحي عندما أسس نظام الاجتماع الشوروي وضع له ضوابط وشروطا للنجاح ، لا تخل بطبيعته المرنة ؛ فقيّده بوجوب اجتناب الطاغوت ـ وهو كل مجاوزة للحد، هوىً أو مصلحة ذاتية ، أو سلطانا ـ ، وباتباع كل حسن من القول نصحا أو رأياً ، أو أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر، فقال تبارك وتعالى : )وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ( الزمر17 - 18  ؛  وبذلك أضفت الآية الكريمة على مفهوم الشورى بُعداً آخر هو استماع الأقوال والمقترحات والاستفادة منها ، وهو ما وضحه الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ عندما وجه الخطاب إلى ابنه محمد بن الحنفية قائلا : " اضمم آراء الرجال بعضها إلى بعض ، ثم اختر أقربها إلى الصواب ، وأبعدها عن الارتياب، قد خاطر بنفسه من استغنى برأيه،  ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ " .

كما عولج الموضوع نفسه بثلاث آيات أخريات تضبط الممارسة وتضمن لها التجرد والموضوعية وسلامة القصد و وحدة الصف ، ففي قوله تعالى : ) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ( ـ آل عمران 159 ـ يحث الوحي على الرفق واللين ، المؤديين إلى جمع الشمل ، و وحدة الصف ، وعلى العفو والتعافي وسلامة القلوب من البغضاء والحقد والخيانة ، وكلها أمراض تعوق ممارسة الشورى على أساس متين ، وقد وردت هذه الآية في سياق إشارته تعالى إلى الذين تولوا يوم أحد ، وبيــان أسباب توليهــم وعفـوه عنهم : ) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( آل عمران 155 .        

وفي قوله تعالى :  ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ( ـ المائدة 8 ـ يبين تبارك وتعالى أن التباغض والتنافر من عوائق العدل الذي هو الثمرة الطبيعية للشورى  وأداء الشهادة ، وأن على المجتمع المسلم أن يطهر صفه من هذه العوائق ؛    وفي قوله سبحانه : ) وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ( الأنعام 152ـ يبـين الوحي عائقا آخر من عوائق ممارسة الشورى على وجهها السليم ، هو عائق القرابة والولاء العائلي أو القبلي أو الطائفي أو الحزبي ، ويحث على التجرد ، وتسخير الشورى لمصلحة الأمة كاملة ، لا لطائفة أو حزب أو عائلة أو شخص ...

ثم تأتي السنة النبوية فتزيد أمر التجرد وضوحاً بإشارتها إلى تأثير الحاجة في ممارسة الشورى ، وضرورة تحرر ممارسيها من مظاهر ضعفهم وأهوائهم ، فقالr فيما أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم: " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحا مطاعا ودنيا مؤثرة ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك ـ يعني نفسك ـ الحديث " . وفيما أخرجه البخاري في كتاب الجهاد :" تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة ، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش الحديث " . وجاء في الأثر:" لا تشاور بخيلا في صلة ، ولا جبانا في حرب ، ولا شابا في جارية " . وهذا ما تشير إليه الآية القرآنية : )وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( ـ القصص 50 ـ .

ذلك لأن الشورى إذا تحكم فيها أصحاب الأهواء سخروها لتحقيق مآربهم، وحماية مصالحهم ، وتحولت بتألّب  الانتهازيين والوصوليين والمجرمين وتحزبهم لبعضهم أداة للقمع والظلم والفساد ، واغتصاب سلطة الأمة ، وهو ما أشار إليه الرسول r حين قال : " لن تقوم الساعة حتى يسود كل قبيلة منافقوها"، وحين قال :" سيأتي على الناس سنوات خداعات ، يُصدق فيها الكاذب ، ويُكذب فيها الصادق ، ويُؤتمن فيها الخائن ، وُيخون فيها الأمين ، وينطق فيها الرويبضة " قيل : وما الرويبضة ؟ قـال : " الرجل التافه يتكلم في أمر العامة " ، وفي رواية : "الفاسق" وفي أخرى " السفيه " .

إنه ما كان للشورى أن تضبط بإطارها العام الذي هو  الممارسة الإيمانية ، وبإطارها الخاص الذي هو العدل في الرضى والغضب ، والتحرر من قيود الحاجة والخوف ، لو لم تكن لها الأهمية القصوى في بناء الأمة وإعلاء شأنها ، فهي بنصوص السنة النبوية نصيحة : " الدين النصيحة ، الدين النصيحة "، قالوا لمن يا رسول الله؟ قال :" لله ولكتابه ، ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " ـ " إن الله عز وجل يقول : أحب عبادة عبدي إليّ النصيحة " ـ " من جاء يوم القيامة بخمس لم يصد وجهه عن الجنة : النصح لله ولدينه ولكتابه ولرسوله ولجماعة المسلمين " .

والشورى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر ، لأن عضو الشورى يبدي رأيه بشجاعة وينتقد الفساد بجرأة ويرشد إلى الصلاح بوضوح ، لقوله r : " لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمراً لله تعالى فيه مقال . فلا يقول به ، فيلقى الله وقد أضاع ذلك ، فيقول : ما منعك ؟ ، فيقول : يا  رب خشية الناس فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى " ، وقوله r : " لا يمنعن أحدكم هيبة الناس أن يقول الحق إذا رآه أو سمعه " .

والشورى صدق ووفاء وأداء للأمانة لقوله تعالى : ) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ( ـ النساء 58 ـ ، وقوله r " اصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا عاهدتم ، وأدوا إذا أؤتمنتم"

والشورى صدقة و زكاة ، لما روي عنه r :" ما من صدقة أفضل من قول الحق " ـ " ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق " .

والشورى شهادة كتمانها خيانة وتحريفها زور ، لقوله تعالى : ) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ـ الفرقان 72 ـ ، ) وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (  ـ البقرة 283 ـ ، وقوله r : " من كتم شهادة إذا دعي لها كان كمن شهد الزور " .

والشورى حزم ، ومظاهرة وتعاون ، ولا حزم أرشد من مشاورة ذوي الرأي واتباعهم ، ولا مظاهرة ولا تعاون أوثق من الاستماع إلى آراء الرجال والاسترشاد بها ) وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ( ـ المائدة  2 ـ .

والشورى جهاد في سبيل الله لقوله r عندما سئل أي الجهاد أفضل : "كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر " .

ولعلنا لا نجانب الصواب إذا ذهبنا إلى أن أهمية الشورى في حياة الأمة مما جعل تشريعها يرد بنصوص قطعية الثبوت في القرآن الكريم ، وبنصوص من السنة النبوية قطعية الدلالة ، قولية وفعلية ، مشهورة ومستفيضة ، تكاد تبلغ حد التواتر.

ونظراً لهذه الأهمية التي تكْتَسيها الشورى ، في ميدان الاجتماع والسياسة والاقتصاد وإقامة العدل والمساواة ، نزلت سورتها في مرحلة مبكرة من حياة الدعوة الإسلامية ، في المرحلة المكية ؛ فكان نزولها خطوة استراتيجية ضرورية للبناء والتربية ورسم الأهداف البعيدة ، وتقديم ضمانات التوفيق والنجاح ، وتمهيد السبيل لبناء دولة الإسلام وحضارته .

 وظل الرسول r طيلة حياته الكريمة يدرب الناس على ممارستها ، ويحرضهم على الالتزام بها ، ويعطيهم من نفسه القدوة ـ وهو غني عنها بالوحي ـ إلى أن توفاه الله سبحانه ولم يصادر حريتهم في الاختيار ؛  فوضع r بذلك أخطر ركيزة سياسية ، وأهم آلية لممارسة الشورى بعد انقطاع الوحي بوفاته عليه السلام . لكن كثيراً من المسلمين بعده r لم يستوعبوا هذه الدروس والعبر والتوجيهات ؛ أعماهم الهوى والجهل ، وحب السلطة والصراع على المنصب، وأضلهم المال وبهرج  الدنيا ؛ فنشأ في الفقه الإسلامي خليط من الاجتهادات المغرضة ، والفتاوى المنحرفة ، وتاه الفقهاء صادقهم وكاذبهم إلا من تولته العناية الإلهية ، في هذا الركام الفقهي المضطرب ، ما بين قائل بحق الحاكم في الاستئثار بالسلطة ، وقائل بالإمام المعصوم ، وقائل بوجوب الشورى ، ومدع عدم  إلزاميتها،  ومنتحل الشرعية لمجالس الشورى  أو أهل الحل والعقد ، أو البرلمان ، أو الشيوخ ، أو الممثلين ، أو النواب ...

ولعل من أبرز العوائق التي حالت دون الفهم الصحيح لموضوع الشورى الإيمانية، وتطوير منهج سليم لممارستها ، ما أنتجه هذا الركام الفقهي المضطرب الذي انتصب حاجزاً بين محاولات البعث الإسلامي الحديث ، وبين حقائق الكتاب والسنة وتوجيهاتهما الرشيدة ؛ ونشير إلى بعض هذه العوائق فيما يلي :

 

العائق الأول  :

عدم القدرة على التمييز الدقيق لما يعنيه لفظ " الأمر" الوارد في الكتاب والسنة  فهو أحيانا يرد منسوبا إلى الله تعالى ، فيكون من معانيه الحكم والإذن والقضاء والدين ) قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ( ـ آل عمران 154 ـ ، ) بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ( ـ الرعد 31 ـ، ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا (  ـ الأحقاف 25 ـ  ،  ) وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ( ـ الأحزاب 36 ـ ، ) أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ( ـ النحل 1 ـ . وهو بهذه المعاني لا مجال فيه للشورى ، وليس للإنسان إلا التسليم والسمع والطاعة ، كما قال r  :" إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر " .   

وأحياناً ينسب الأمر إلى شخص واحد فيكون الأمر أمْرَهُ ، والرأي رأيه ، والقرار قراره ،  والشورى في حقه مستحبة ورغيبة ، إن استشار وفق لأرشد أمره ، وإن لم يستشر لم يأثم ، كما في الحديث : " ما ندم من استشار ولا خاب من استخار" . 

وأحيانا ينسب الأمر إلى شخصين فأكثر مرتبطين بقضية واحدة ، فيوجب عليهما الشرع التشاور للفصل في أمرهما المشترك ، وفض النزاع الناشب بينهما قبل اللجوء إلى القضاء .  ومثال ذلك حال النزاع بين الأب والأم حول فطام ابنهما  ،  والابن مشترك بينهما حيوانيا باشتراكهما المادي في إنجابه ، وقرآنيا بنسبته إلى الأم تـارة ) وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ  …( ـ البقرة 233 ـ ، وإلى الأب تارة أخرى ) وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (  البقرة 233 ـ والشورى في هذه الحالة علاج ناجع وحل مرض ، قال تعالى : ) فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ( ـ البقرة  233 ـ .

وأحيانا كما في سورة الشورى ، يرد الأمر للمسلمين كافة ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم ( الشورى38،  أو يرد بالمعنى نفسه  عاما معرفا  بـ " أل" كما في سورة آل عمــران ـ 159 ـ ) فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (  ، ويقصد بذلك جميع قضايا المسلمين الدنيوية المشتركة بينهم ، والتي جعلها الله من أمرهم ، يتشاورون فيها  ويقررون لها ، وينفذون مقتضياتها في إطار أحكام الشرع وتوجيهاته .

وظاهر هذه الآية أن الأمر للمسلمين كافة ، ليس للنبي وحده ، وليس للحاكم وحده ، كما أن أعضاء الشورى هم جميع المسلمين ، شيبهم وشبابهم ، ذكرانهم وإناثهم ، علماؤهم وجهلاؤهم ، فقراؤهم وأغنياؤهم ، ليس لأحد منهم حق في الأمر أكثر من الآخر ، فهم فيه سواء كأسنان المشط .

وقد أكدت سيرة الرسول r وسنته القولية والعملية والتقريرية هذه المعاني، وبشرت بها ، وحرضت على الالتزام بها ، كما يبدو من الأمثلة التالية ؛ وهي قطرة من بحر التوجيه النبوي الرشيد :

 في غزوة بدر :

ذكر ابن كثير فى تفسيره عن أنس ـ رضى الله عنه ـ قال : استشار النبي r الناس في الأسرى ، فقال : " إن الله قد أمكنكم منهم " فقام عمــر فقال : " يا رسول الله اضرب أعناقهم " ، فأعرض عنه النبي r وقال : " يا أيها الناس إن الله قد أمكنكم منهم ، وإنما هم إخوانكم بالأمس" ، فقام عمر فقال : " يا رسول الله اضرب أعناقهم " فأعرض عنه النبي r ، ثم  عاد فقال للناس مثل ذلك ، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ :" يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم ، وأن تقبل منهم الفداء " ، وفي رواية أن أبا بكر قال : " يا رسول الله قومك وأهلك ، استبقهم واستتبهم لعل الله أن يتوب عليهم " وقال عمر :" يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم" وقال عبد الله بن رواحة: " يا رسول الله ، أنت في واد كثير الحطب ، فأضرم الوادي عليهم ناراً ثم ألقهم فيـه " . فسكت رسول الله r  وانقسم الناس ثلاثة آراء ، رأي أبي بكـر ،  ورأي عمر ، ورأي عبد الله بن رواحة ، ثم اتفق الجميع على أن يخير الأسرى الذين رفضوا الإسلام بين الفداء والقتل .

ومما يؤكد في هذه الحادثة أن الأمر كان للمسلمين كافة ، أن العباس بن عبد المطلب عم الرسول r كان قد وقع أسيراً في يد أنصاري ، فأوعدته الأنصار أن يقتلوه ، فبلغ ذلك النبي r فقال: " إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس ، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه " ، فقال له عمــر : " أفآتيهم " ، فقال : " نعم " ، فأتى عمر الأنصار فقال لهم  : " أرسلوا العباس " ، فقالوا : " لا والله لا نرسله " ، فقال  لهم عمر : " فإن كان لرسول الله r رضى ؟ " ، فقال الأنصار : " فإن كان لرسول الله r رضى فخذه " . فأخذ عمر العباس الى الرسول r وأعلن إسلامه .

وبهذا يتضح أن الرسول r كان يعدّ الأمر للمسلمين عــامة، فيستشيرهم بقولـه: " أيها النـاس"  ثلاث مرات ، ويشركهم في اتخاذ القـرار ، وتحمل المسؤولية، بل ويعدّ أسر عمه العباس وقتله من أمر المسلمين ، فلا يحرر إلا بمبادرة من عمر .

 في غزوة أحد :

          استشار رسول الله r المسلمين كافة في خطة الدفاع عن المدينة المنورة ؛ هل يمكثون فيها للدفاع من داخلها ، أم يخرجون لملاقاة عدوهم في سفح جبل أحد؛ وكان رأي رسول الله r أن يقيم المسلمون بالمدينة ، ويتركوا الكفار حيث نزلوا ؛ فإن أقاموا أقامُوا بشر مقام ، وإن هم دخلوا المدينة قاتلوهم فيها .

وكان رأي عبد الله بن أبيّ بن أبي سلول ـ رأس المنافقين ـ موافقا لرأي الرسول r ، حيث قال : " يا رسول الله ، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم ، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه ، فدعهم يا رسول الله ، فإن أقاموا أقامُوا بشر محبس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجَعوا خائبين كما جاؤوا " .   

وقال رجل من المسلمين :" أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنّا جبنا عنهم ، وضعفنا " ، وقال مالك بن سنان :" يا رسول الله ، نحن والله بين إحدى الحسنيين ، إما أن يظفرنا الله بهم ، أو يرزقنا الشهادة " ، وقال حمزة : " والذي أنزل عليك الكتاب لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم خارج المدينة " وقال النعمان بن مالك أخو بني سلمة: " يا رسول الله ، لم تحرمنا الجنة ؟ ، فوالله الذي لا إله إلا هو  لأدخلنّها " ،  فسأله r : " بم ؟ " فقال النعمان : " إني أحب الله ورسوله ، ولا أفر يوم الزحف " ، فقال النبي r : " صدقت " . وقـال إياس بن أوس : " يا رسول الله ، نحن بنو عبد الأشهل ، نرجو أن نذبح  ويذبح فينا ، فنصير إلى الجنة ، ويصيروا إلى النار ، مع أني يا رسول الله لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولوا:" حصرنا محمداً في صياصي يثرب وأطامها ، فيكون هذا جرأة لقريش "  وقال عبد الله بن جحش : " اللهم إني أسألك أن ألقى العدو غداً ، فيقتلوني ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني وتسألني : فيم ؟ ، فأقول : فيك يا رب " .

واتفق جمهور المسلمين على الخروج وألَحوا في طلبه ، ولم يزالوا برسول الله r حتى دخل بيته ولبس لأمته ، وخرج عليهم لتنفيذ ما اتفقوا عليه ، فندم الناس ، وقالوا : " يا رسول الله استكرهناك ، ولم يكن لنا ذلك ، فإن شئت فاقعد ، صلى الله عليك وسلم " ، فقال النبي r : " ما كان لنبي إذا  لَبِسَ لأمته أن يضعها حتى يقاتل " . وخرج المسلمون الى أحد ، وعددهم ألف ، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأُحد رجع عبد الله بن أبيّ بثلث الناس ممن اتبعه من أهل النفاق ، وقال : "أطاعهم وعصاني ، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس " .

من هذه الحادثة يتضح أن الشورى شارك فيها كل  المسلمين بدون استثناء، كما شارك فيها حوالي ثلاثمائة منافق ، وأبدى زعيم المنافقين رأيه بكل حرية ، وأن القرار الذي اتخذ وأطاعهم فيه الرسول الكريم كان مخالفا لرأيه r .

 في غزوة الأحزاب :

لما سمع الرسول r بخروج الأحزاب ، استشار المسلمين ، فرأى سلمان الفارسي أن يحفر الخندق  ، ولم يكن ذلك من عادة العرب ولا عرفوه ، فأجمع المسلمون على رأي سلمان وأعجبوا به ، وأراد كل فريق أن يضمه إليه ، فقال المهاجرون : " سلمان منا " ، وقال الأنصار : " سلمان منا " ، وقال الرسول r : " سلمان منا آل البيت" . ثم قام الجميع لحفر الخندق ، وشارك عليه الصلاة والسلام بنفسه في الحفر كأي واحد من المسلمين ، وطال بهم الأمر ، فأخذ المنافقون يبطئون عنهم ، ويتسللون إلى أهلهم بغير إذن ، أما الصادقون فكانوا يحرصون على استئذان الرسول r ولو لقضاء حاجتهم ؛ فأنزل الله تعالى في الفريقين قوله : ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ( إلى قوله سبحانه : ) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (  النور  62 ، 63     والحادثة بما أنزل فيها من آيات بيّنات ، تبين أن أي رأي صائب أدلى به شخص  وأجمع عليه المسلمون ، اتخذ قرارا ، وصار أمراً جامعا يسارع الجميع إلى تنفيذه ، كل من موقعه واختصاصه ، ولايخرج عن المشاركة في تنفيذ الأمر الجامع بدون عذر إلا منافق أو خائن .

 في حادثة الإفك :

جاءت عصبة الإفك بما جاءت به ، في حق أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ   وأمرها ليس أمراً خاصا بالرسول r ، بل أمر عام للمسلمين كافة ، بصفتها أمهم وزوجة نبيهم ، ينالهم ما ينالها ؛ فحار الرسول r في الأمر ، وحار معه صحابته الكرام ، فهم لا يعلمون منها إلا خيرا،ً والذين تولوا كبر الإفك يتحدثون ويبلبلون الصف المسلم ؛ ففزع الرسول الكريم الى الشورى ، بعد أن تأخر عنه الوحي ؛ استشار أسامة بن زيد وهو يومئذ صغير السن ، فأشار عليه بالذي يعلم من براءة أهله ، واستشار عليا ـ كـرم الله وجهه ـ ، فشهد لعائشة ـ رضي الله عنها ـ بالصدق ،  وقال : " يا رسول الله ، لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، وإن تسأل الجارية تصدقك " ، وسأل رسول الله r الجارية بريرة فقالت : "والذي بعثك بالحق إن رأيت فيها أمراً قط أَغْمَصُه عليها ، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الدواجن فتأكله" .

ثم جمع رسول الله r المسلمين ، فتشهد وحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : " يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي ، فوالله ما علمت من أهلي إلا خيراً . " ؛ فثار الحوار حاداً في الأمر ، وقال سعد بن معاذ: " أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من إخوتنا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك "، فرد  عليه سعد بن عبادة : " كذبت لعمر اللّه، لا تقتله ولا تقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل " ، فرد عليه أسيد بن حضير : " كذبت لعمر الله لنقتلنه " ، فتثاور الحيان ـ الأوس والخزرج ـ حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول الله r على المنبر يُخَفّضُهُمْ حتى سكتوا، وسكت الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، ثم بعد حين حسم الأمر بالوحي الإلهي ، ونزل قوله تعالى مُبرّئاً أم المؤمنين الطاهـرة الطيبة : ) إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنْ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( ـ النور 11 .

وهذا دليل آخر في السنة النبوية علـى أن الشورى لجميع المسلمين بما فيهم النساء ـ بريرة ـ ، والغلمان ـ أسامة بن زيد ـ . وقد روى البغوي بسنده عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ ، أنها قالت : " ما رأيت رجلا أكثر استشارة للرجال من رسول الله r " .

هكذا كان هدي القرآن الكريم ، وتوجيه الرسول r بأقواله وأفعاله وتصرفاته في أمر الشورى التي هي قوام نظام الحكم ، وأسلوبه العملي لتنظيم سلطة المسلمين على أمرهم . وعندما اختار r الرفيق الأعلى لم يكن قد اتخذ للأمة مجلسا للشورى، ولا لأهل الحل والعقد ، ولا لأهل الرأي ، ولا للنواب أو الممثلين  أو الشيوخ أو البرلمان ، ولم يأمر بذلك أو يرشد إليه ، وإنما ترك الأمر شورى بين جميع المسلمين يتبادلون الرأي ، ويتخذون القرار ، ويَنْبَروُن لتنفيذه كل حسب قدرته وخبرته .

العائق الثاني :

عدم التمييز بين حدود النبوة وحدود البشرية في بعض تصرفات النبي r ؛ ذلك أنه عليه السلام في الأمور الدينية كان يتصرف بطبيعته النبوية الخالصة ، وفيما عداها كان يتصرف بطبيعته البشرية ، تطييبا لقلوب قومه ، وتأليفا لنفوسهم ، وتهدئة لروع بشريتهم أمام أنوار معصوميته . فكان يستشير كافة المسلمين في القضايا العامة ، وأفردا منهم في القضايا الخاصة ، وفي كل ذلك كان يتصرف في دائرة رسالته الطبيعية التي هي تدريب الناس على تطبيق ما أنزل إليهم ، ويؤسس بذلك أمة يراد لها أن تقيم الشهادة . وما استشارته للخواص إلا في أمور دنيوية تحتاج الى خبرة ليست لدى غيرهم ، أو إلى قدر من السرية يمنع وصولها الى العدو ، في ظروف حصار الجاهلية ، وطور التأسيس الحرج .

وقد استغل بعض وعاظ السلاطين ما ورد عن استشارة الرسول r أفرادا بعينهم دون المسلمين ، فأفتوا بأن للحاكم أن يبث في قضايا الأمة وحده ، أو يستشير الآحاد دون أن يلتزم برأيهم ، متجاهلين أن الحكام لا يقاسون على الرسول r ، وأن التصرفات البشرية للنبي r لم تكن إلا لتعليم الناس وتربيتهم ، تحت رعاية الله وعنايته وتوجيهه بالوحي والإلهام ؛ وهو غني بربه ـ سبحانه ـ عن الشورى في كل أموره وأمور المسلمين . واستشارته أفراداً أحياناً لا تُلغي حق المسلمين الذي نزلت به الآيات البينات ، وأوضحته السنة النبوية التي كادت تبلغ حد التواتر في الأمثلة السابقة وفي غيرها .

العائق الثالث :

عدم التمييز بين مجتمع إسلامي في طور التأسيس في العهد النبوي ، ومجتمع إسلامي تكامل بإتمام الرسالة وانتقال الرسول r إلى الرفيق الأعلى ؛ مجتمع أفراده مازالوا حديثي عهد بالإسلام ، وقد خرجوا فجأة من جاهلية كان الرجل فيها يصنع آلهته ، ويَئِد ابنته . والنبي r مطالب بأن يبني بمثل هؤلاء أمة هي خير أمة أخرجت للناس ، تكون وسطا وشاهداً وهاديا لهم إلى صراط مستقيم ؛ وعليه أن يطهر البناة ويزكيهم ، ويعلمهم ويدربهم ويبني بهم ويجاهد بهم في آن واحد ؛ ودون أن يـتأثر البناء سلباً بضعف خِبْرَة البنائين وقلة مهارتهم . ولذلك كان الرسول r يستشيرهم في حدود طاقتهم الاستيعابية ، ويرفع قدرتهم على التفكير والتحليل والاستنتاج والاستنباط متدرجاً بهم من البسيط إلى المركب ، ومن الجزئي  إلى الكلي ومن المثال إلى القاعدة  ، ويشجعهم على اتخاذ القرارات ، وتحمل مسؤولية اختياراتهم سلبا وإيجابا برفق وتؤدة ، حتى إذا بلغوا سن الرشد وتحول البناة المبتدئون إلى عباقرة ، واكتمل نزول الوحي ، ودّعهم r واختار الرفيق الأعلى ، وبدأت بذلك المرحلة الراشدية التي كانت مدرسة نموذجية لأجيال المسلمين المتعاقبة ، ونبراسـا يُحتذى به ، ومشكاة يستضاء بنورها .

وقد استغل بعض المغرضين هذا الفرق بين المجتمعين ، المجتمع المتنامي في طور التأسيس ، والمجتمع المتكامل بعد تمام الوحي والتربية النبوية ، فأخذوا يتصرفون في السنة النبوية قولاً وفعلاً وتقريراً ، بأسلوب انتقائي ، ويختارون منها ما يتيح لهم تبرير مصادرة أمر المسلمين ، وتأويل تصرفات الحاكمين .

العائق الرابع :    

     عدم توخي الحذر والدقة عند استنباط الأحكام من النصوص ، ما تواتر منها وما اشتهر وما صحّ أو ضعف ، أو كان حول قاعدة كلية أو قاعدة جزئية ، أو كانت به علة بالمتن أو السند ، أو كان يتعارض مع القرآن الكريم ، والتصرف من خلال ذلك بعقلية من يبحث عن حجة توافق هواه .

والحال أن الأحاديث النبوية المتعلقة بالحكم والسياسة ، لـم يصلنا منها إلا النـزر اليسير بسبب إرهاب الحكام وجبروتهم ؛ وما بلغنا منها أنهكه بعض المحدثين الموالين للأنظمة القائمة ، تنقيبا عن العلل ومبررات الجرح ، وما عجزوا عن تضعيفه وإعلاله أحاطوه بمرويات أخرى ضعيفة أو بيّنة الوضع والنكارة من أجل صرفه عن معناه ، ثم أجهزوا عليه بأقوال نُسبت الى الصحابة أو التابعين ـ رضي الله عنهم ـ  مثل ما نُسب لابن عمر ـ رضي الله عنه ـ من قول : " نحن مع  من  غلب "، وما لم يجدوا له حديثا صحيحا يلوى عنقه ، استشهدوا له بحديث ضعيف أو بيّن النكارة ، مثل ما فعله بعضهم عند محاولته تكريس مفهوم احتكار الشورى ، اعتمادا على حديث لا يصح ، روي عن النبي r  أخرجه الدارمي ، قال : أخبرنا محمد بن المبارك ، ثنا يحي بن حمزة ، حدثني أبو سلمة ، أن الرسول r سئل عن الأمر يحدث ليس في كتاب ولا سنة ، فقال : " ينظر فيه العابدون من المسلمين " . والحديث لا يُعتد به ، لأنه مرسل ، ومتعارض مع القرآن الكريم : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم ( الشورى38، ومع الحديث الذي يعدّ فيه الرسول r المسلمين أعلم بأمور دنياهم ، ومع فعله r ؛ إذ أشرك المنافقين في الشورى يوم أحد .

كما أن بِمَتْنِه ما يُومئ إلى ضعفه ، وهو تصنيفه المؤمنين الى عابدين وغير عابدين ، والمؤمنون مبدئيا كلهم عابدون ، وليست فيهم طبقات دينية كما عند اليهود والنصارى والمجوس .

العائق الخامس :

عدم التثبت عند تحديد معنى كلمة " أولي " في قوله تعالى ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ( ـ النساء  59 ـ .

وقد فسّر الآية بعضهم بوجوب طاعة الحكام ملوكا ورؤساء ، معتبرين أن كلمة " أولى " جمع مفرده وليّ من الولاية ، ثم حاولوا تكريس هذا المعنى بإيراد أحاديث نبوية لا علاقة لها بالموضوع ، مثل قوله r : " لا نكاح إلا بوليّ " ، وقوله : " أيـما امرأة نَكَحَتَ بغير إذن وليها فنكاحها باطـل " ،  وقياس النظام السياسي للأمة المسلمة على زواج المرأة ، ومسؤولية وليها عنها . وخلص بعضهم من هذا القياس الفاسد إلى أن الشورى واجبة على الحاكم وحده ، إن قام بها وفّى، وإن لم يقم أثم وحده ، وذهب بعضهم إلى أنها مستحبة في حقه ، وليست واجبة . وهو ما ذهب إليه الشافعي حيث قاس الأمر على قوله r : " البكر تستأذن " أي  عند الزواج ، قـال الشافعي : " لو أجبرها أبوها على الزواج جاز " . وقد ردّ هذا الرأي الفخر الرازي ، وقال : " القياس في مواجهة النص باطل ، كما أن المقيس عليه عند الشافعي باطل أيضا ؛ لأن الصحيح أنه لا يجوز للأب أن يجبر ابنته على الزواج ؛ لأن هذا مخالف لنص الحديث المذكور " .

وهكذا بعد أن انتزعوا " أمر" المسلمين منهم ، وجعلوه بيد الحاكم ، بدعوى أنه وليّ الأمة الإسلامية ، أو البكر التي إذنها صماتها ! ؛ زادوا الطين بلة فاختلفوا في حكم نتيجة هذه الشورى المبتدعة ، وذهب بعضهم إلى أنها ملزمة إذا ما ( أقدم ) عليها الحاكم و ( تورط فيها ) طواعية . ورأى بعضهم أنها مجرد استطلاع لرأي بعض الفقهاء المقربين والموالين وليس عليه العمل بها ، لأنه سيُحاسب وحده يوم القيامة ، وعليه أن يعمل برأيه الذي يحاسب عليه ، لا برأي الآخرين الذين لا حساب عليهم .

إن كلمة " أولي" في اللغة العربية ليست بمعنى  أولياء ، ولكنها اسم جمع بمعنى "ذوي " ، وواحده " ذو" على غير قياس ، فلا واحد لـ " أولي " من لفظها، وذلك مثل : الخيل مفردها حصان ، الإبل مفردها : جمل ، والنساء مفردها : امرأة. ومعنى الآية الكريمــة : ) أولي الأمر منكم ( هو: " ذوي الأمر أو أصحاب الأمر " ، وهو نفس المعنى للفظ "أولي " في قوله تعالى : ) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ( ـ الإسراء 5 ـ ، وقوله : )قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ( ـالفتح 16 ـ ، وقوله : ) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ ( النمل 33 ـ ، وقولـه : ) وَأُوْلُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ (    الأنفــال 75 ـ.

إن أولي الأمر في هذه الآية الكريمة هم المسلمون عامة كما يفسر ذلك قوله تعالى : )  وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم ( الشورى38. ولو كان المعنى : إطاعة الحاكم وأن الأمر له ، لقيل:" وأطيعوا الرسول وذا الأمر منكم " ، لأنه لا يكون في الزمان الواحد والمكان الواحد عند الفقهاء إلا إمام واحد ، أما وقد وردت الآية ) وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( بالجمع ، أي ذوي الأمر وأصحابه ، فلا يمكن  حملها على الحاكم ؛ لأن حمل الجمع على المفرد خلاف الظاهر .

ولعل مما يجعل معنى الآية ملتبسا على بعضهم ، اعتبارهم أن حرف الجر " من " في قوله تعالى :  ) وأولي الأمر منكم ( للتبعيض ، في حين أنـها وردت هنا لبيان الجنس ، لا للتبعيض ، كما في قوله تعالى : ) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ( ـ الفتح  29  ـ ، وفي قوله تعالى  )وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ ( ـ النور 55ـ  ، وقوله تعالى )فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الْأَوْثَانِ ( ـ الحج  30 ـ ، وقوله تعالى: ) يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ( ـ الكهف 31 .                    

وبما أن علامة  " من  " البيانية أن يصح الإخبار بما بعدها عما قبلها ، أي أن يصح وقوعها صفة لما قبلها ، وأن يناسب وضع  " الذي " موضعها ، فنقول : "الرجس هي الأوثان " ، ونقول : " الأساور هي ذهب " ، ونقول أيضا : " الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين هم أنتم " ، ونقول أيضا : " أولو الأمر" هم ضمير الخطاب في"منكم"   أي : " أولو الأمر الذين هم أنتم "  .

ثم إن الأمر بالطاعة للرسول r ولأولي الأمر ، جاء مطلقا وعلى سبيل الجزم . وكل ما ورد الأمر بطاعته على سبيل الجزم والإطلاق لابد أن يكون معصوماً ؛ والرسول r معصوم ، والحكام غير معصومين ؛ بل إن آحاد المسلمين كلهم غير معصومين . والعصمة بعد رسول الله r لم تجعل إلا لإجماع الأمة في قوله r :" لا تجتمع أمتي على ضلالة " ؛ فجاز أن يحمل تعبير " أولي الأمر " على إجماع المسلمين في قضاياهم الدنيوية [2] ، أي ما تنعقد عليه كلمتهم بعد تشاورهم ؛ كما فعل عمر بن الخطاب في أرض سواد العراق . لا سيما والحديث المذكور في غاية الاستفاضة  وكاد يبلغ مرتبة التواتر المعنوي ، وقد  عده الغزالي أقوى وأدل على المقصود في الموضوع ، فقال [3] :   

" فطريق تقرير الدليل أن نقول تظاهرت الرواية عن رسول الله r بألفاظ مختلفة مع اتفاق المعنى فى عصمة هذه الأمة من الخطأ ؛ واشتهر على لسان المرموقين والثقات من الصحابة ، كعمر وابن مسعود وأبى سعيد الخدري وأنس بن مالك وابن عمر وأبى هريرة وحذيفة بن اليمان وغيرهم ممن يطول ذكره ، من نحو قوله r : " لا تجتمع أمتي على ضلالة ، ولم يكن الله ليجمع أمتي  على الضلالة ، وسألت الله تعالى أن لا يجمع أمتي على الضلالة فأعطانيها ،ومن سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ، وإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد ، وقوله r : يد الله مع الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من شذ ، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ، وروي لا يضرهم خلاف من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء ،  ومن خرج عن الجماعة أو فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، ومن فارق الجماعة ومات فميتته جاهلية ". وهذه الأخبار لم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا ،  لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها ، بل هي مقبولة من موافقي الأمة ومخالفيها ، ولم تزل الأمة تحتج بها في أصول الدين وفروعه   فإن قيل : فما وجه الحجة ودعوى التواتر فى آحاد هذه الأخبار غير ممكن ، ونقل الآحاد لا يفيد العلم ؟ ، قلنا فى تقرير الحجة طريقان : أحدهما أن ندعي العلم الضروري بأن رسول الله r قد عظم شأن هذه الأمة ، وأخبر عن عصمتها عن الخطأ بمجموع هذه الأخبار المتفرقة ، وإن لم تتواتر آحادها."

ويؤكد السرخسي فى أصوله [4] الكلام نفسه بقوله : " الآثار في هذا الباب كثيرة تبلغ حد التواتر لأن كل واحد منهم إذا روى حديثا فى هذا الباب سمعه فى جمع ولم ينكر عليه أحد من ذلك الجمع فذلك بمنـزلة المتواتر ".

كما أن الاختلاف الواقع بين العلماء ، متقدميهم  ومتأخريهم ، فى تفسير معنى "أولي الأمر" يحول دون الحسم فى صرفها إلى أي جهة ادعيت ، سواء فى ذلك  أهل القرآن والعلم كما ذهب إليه جابر بن عبد الله ومجاهد والإمام مالك ، أو الفقهاء والعلماء كما ذهب إليه الضحاك ، أو أصحاب السرايا كما فهمها ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي ، أو أولو العقل والرأي الذين يدبرون أمر الناس ، كما قال ابن كيسان ، أو العلماء في قول لابن عباس ، أو الأمراء كما نسب لأبى هريرة وابن عباس فى بعض أقواله ، أو أهل الحديث أو أهل الاجتهاد كما يذهب إليه بعض المتأخرين.

بل حتى في حال تقييد المعنى بسبب النـزول ، فإن الآية الكريمة لا تؤدي معنى وجوب طاعة من زعم بعض الفقهاء وجوب طاعتهم . لأنها نزلت فى أمير عين بطريقة شرعية ، من قبل الرسول r ، ولم يغتصب الإمارة بالسيف ، ولم يرثها عن أبيه أو جده من وراء ظهر الأمة وبغير رضاها.ومع ذلك عندما عصى الجنود الأمير الشرعي للسرية عبد الله بن حذافة السهمي الذي أوقد نارا وأمرهم بالتقحم فيها ، صوب الرسول r عصيانهم وقال لهم : "لا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. قال تعالى : )وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم ( النساء29" ، وفى رواية : "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا  إنما الطاعة فى المعروف ".

وعلى افتراض أن الآية خاصة بالحكم والحكام _ وهو احتمال غير مسلم به _ فينبغي تقييدها بقيدين : أولهما قوله تعالى : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى ( الشورى 30، أي أن الطاعة الواجبة طاعة تنفيذ لما تقرره الأمة بواسطة الشورى العامة ، وليست طاعة لقرارات فردية يتخذها الحكام وحدهم أو بمشورة مع خاصتهم وبطانتهم.      

وثانيهما أن يكون وصول الحكام الذين تجب طاعتهم إلى السلطة شرعيا، وطبقا لتعاليم الكتاب والسنة . أي بالاختيار الحر من قبل الأمة . ولا عبرة بما يهرف به بعض الفقهاء من وجوب طاعة أئمة الغصب والغلبة  ؛ لأنه لا حجة إلا فيما ورد قرءانا وسنة صحيحة ، والرسول r أشار إلى ذلك في الحديث الذي رواه الحاكم في المستدرك وصححه [5]: " لو كنت  مؤمرا  أحدا دون مشورة المؤمنين لأمرت ابن أم عبد ".

كما ذكر الفخر الرازي فى تفسيره [6] أن هذه الآية الكريمة قد اشتملت على أصول الفقه كاملة ، وهي : الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وأغلقت الباب في وجه ما ابتدعه الفقهاء من استحسان واستصلاح ومقاصد وغيرها . ففيها أمر باتباع الكتاب : ) أطيعوا الله ( ، وباتباع السنة : ) وأطيعوا الرسول ( ، وبالإجماع : ) وأولي  الأمر منكم ( ، أي ما تجمع عليه الأمة .

أما القياس ففي قوله تعالى :) فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول  (  أي : إذا لم تجدوا حكما لقضية معينة في الكتاب والسنة والإجماع فردوه إلى الكتاب والسنة بالقياس على الأحكام المشابهة له فيهما ، ولا تردوه إلى غيرهما من استحسان ومقاصد ومصالح مرسلة ، وعرف ... الخ .

وغني عن القول أن الإجماع نوعان ، إجماع في الأحكام الشرعية العملية خاص بالمجتهدين من العلماء والفقهاء ، وإجماع في القضايا الدنيوية بواسطة الشورى يُعدّ أمراً للأمة كلـها .

ولئن كان الخلاف حول حجية الإجماع كأصل من أصول الفقه وإمكانية انعقاده ، قائماً بيْن العلماء ؛  فذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه حجة ، وأنكره النّظَام من المعتزلة ، والخوارج ، والظاهرية ـ فيما عدا إجماع الصحابة ـ؛ وربط الشيعة حجيته برأي المعصوم ، فإن غاب المعصوم فلا حجية له. وقيل إجماع الأمة متعذر ، وقيل خصوص المجتهدين من الأمة في كل عصر ، وقيل إجماع أهل المدينة  كما يذهب إليه مالك ، وقيل إجماع أهل الحرمين ، أو أهل المصرين الكوفة والبصرة ، إلى غير ذلك من الأقوال ... ؛ فإن خلافهم في الأمر راجع إلى اختلافهم في مستند  ادعائهم الحجية أو إنكارها ، وهو الاختلاف في صرف معنى لفظ ( الأمة ) في حديث العصمة : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " ، وعدم وضوح معنى الإجماع الفقهي في الآيات القرآنية التي يستدلون بها ومنها :

ـ  قولـه تعالى : ) وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (  النساء  115 ـ .

ـ وقولـه تعالى : ) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (  البقرة  143 ـ .

ـ وقولـه تعالى : ) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (  آل عمران  110 ـ .

أما إجماع الأمة في قضاياها الدنيوية فلا يتصور فيه خلاف ؛ لأن مستند حجيته واضح من القرآن الكريم  ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى ( الشورى 30،  وبَيّنُُ من السنة القولية والفعلية للرسول r ، ومن عصمة الأمة التي لا يستطيع ردها أحد ، لاستفاضة أحاديثها ، وأحاديث الجماعة ولزومها . مما يؤيد ما نفهمه من أن هذا الإجماع حجة ، على الإمام تنفيذ مقتضاه ، ويمنع صرف لفظ " الأمة " عن ظاهره، أو حمله على إجماع المجتهدين عامة ، أو على مجتهدي بلد ، أو مذهب ، أو طائفة . مما قد يتخذ ذريعة لإضفاء الشرعية على مجالس الشورى ، أو الممثلين أو النواب أو البرلمان.

العائق السادس :

عدم التثبت في فهم الأحاديث النبوية ، الواردة حول موضوع الطاعة ، وقد صحّ أن الرسول r رغّب في طاعة الأمراء لما أخرجه البخاري في صحيحه : " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني ، وإنما الإمام جُنّـةُُ يُقاتل من ورائه ويتقى به " .

إلا أن الأمير ـ أمير الحرب ، أو أمير البعثات والسرايا ـ كان يُعيّنُ مباشرة من قبل النبي r وهو المقصود بالحديث .

أما الولاية العامة ـ الإمامة أو الخلافة ـ التي قيسَتْ على إمارة الحرب وإمامة الصلاة ، فهي بعد رسول الله r من أمر المسلمين ، تختارها الأمة بملء إرادتها ، وكامل حريتها ، ولا تفرض عليها فرضا .  وهذا ما مهّدَ له الرسول r وأرشد إليه   بتركه تعيين خليفة للمسلمين بعد وفاته ، وبإشارته إلى أن الأمر مفوض لاختيار الأمة في عدة أحاديث ، منها قوله لعائشة الصديقة ـ رضي الله عنها ـ : " يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " ، ومنها ما أجاب به عندما قيل : " يا رسول الله ، من نؤمر بعدك ؟ " ، فقال : " إن تُؤَمّروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهداً في الدنيا راغبا في الآخرة ، وإن تؤمروا عمر تجدوه قويا أمينا ، لا يخاف في الله لومة لائم ، وإن تؤمروا عليا ـ ولا أراكم فاعلين ـ تجدوه هاديا مهديا ، يأخذ بكم الطريق المستقيم " ، وبحرصه r على أن يبقى الاستخلاف بعده قضية بشرية ومن أمر المسلمين عامة ، في الحديث الحسن الذي أخرجه كل من البغوي في مصابيح السنة  والترمذي في مناقب حذيفة ، قال : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن ، قال : أخبرنا إسحاق بن عيسى عن شريك عن أبي اليقظان عن زادان ، عن حذيفة  قال : قالوا: "يا رسول الله لو استخلفت ؟" ، قال : "إن أستخلف عليكم فعصيتموه عذبتم، ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه ، وما أقرأكم عبد الله فاقرؤوه "  ؛  وبتشديده r الإنكار على  مَنْ أَمّ قوماً وهم له كارهون بقوله r :

ـ " ثلاثة لا تتجاوز صلاتهم آذانهم : العبد الآبق حتى يرجع ، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ، وإمام قوم وهم له كارهون " .

ـ ورواية أنس : " لعن رسول الله r ثلاثة : رجل أَمّ قوماً وهم له كارهون ، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ، ورجل سمع (حي على الفلاح) ثم لم يجب " .

والمعنى نفسه  ورد فيما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمر  في الثلاثة الذين لا تقبل منهم صلاة ، وأولهم من تقدم قوما وهم له كارهون .

وورد فيما أخرجه بإسناد صحيح ورجاله ثقات ، ابن ماجة عن عبد الله بن عباس ، في الثلاثة الذين لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً ، وأولهم رجل أَمّ قوماً وهم له كارهون ، وعن عبد الله بن عمرو في الرجل يؤم القوم وهم له كارهون .

ومع ذلك حاول التعرض لهذه الأحكام بالتأويل بعض مضللي الفقهاء ممن أشار إليهم رسول الله r في أحاديث كثيرة ، منها ما روته أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ ، وقال عنه الحاكم  : صحيح الإسناد ولا أعرف له علة ، قالت : قال رسول الله r : " ستة لعنتهم ولعنهم الله، وكل نبي يجاب : الزائد في كتاب الله ، والمكذب بقدر الله ، والمتسلط بالجبروت ليعز من أذله الله ، ويُذل من أعزّه الله ، والمستحل من عترتي ما حرم الله ، والتارك لسنتي"

وفى الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله r : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالما ، اتخذ الناس رؤوسا جهالا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا ".

وفي الحديث الذي أخرجه الخطيب عن أبى هريرة : " يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة ، ووزراء فسقة ، وقضاة خونة ، وفقهاء كذبة ، فمن أدركهم فلا يكون لهم عريفا ولا جابيا ولا خازنا ولا شرطيا " . وهو حديث ضعيف ،  ولكن الواقع الذي نعيشه حاليا صحح معناه .

والمعنى نفسه ورد فيما رواه الطبراني بإسناد حسن من حديث أبي الوليد الطيالسي عن أبي عزة الدباغ عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة الباهلي مرفوعا : " سيكون أمراء من أمتي يقرؤون القرآن ، لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين مروق السهم من رميه ، شر قتلى تحت أديم السماء ، طوبى لمن قتلهم وقتلوه" [7] .

وهذا ما عليه  حكام المسلمين منذ أمد بعيد ظلم وفسق ، وفجور وتأييد من كذبة الفقهاء الذين لم يشترطوا في الإمامة أي شروط دينية أو عقلية أو خلقية ، كما هو شأن أبى يعلى الحنبلي في كتابه الأحكام السلطانية ؛ حيث عدّ المتغلب بسيفه على الأمة إماماً شرعيا ولو لم تتوفر فيه الشروط ، محتجاً بما رُوي كذبا عن عبد الله بن عمر: " نحن مع من غلب " ، وبما قال أحمد بن حنبل من رواية عبدوس بن مالك القطان : " ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة ، وسمي أمير المؤمنين ، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً براً كان أو فاجراً ، فهو أمير المؤمنين " ثم تجاوز كل ذلك إلى الإفتاء بأن فسق المعتقد وفسق السلوك لا يمنعان من انعقاد الإمامة ابتداء ولو بدون غلبة ، مستشهداً بأحمد بن حنبل الذي كان يدعو المعتصم العباسي أمير المؤمنين ، وهو سكير وأمّي ، وفاسد العقيدة يقول بخلق القرآن .

والحقيقة أن أبا يعلى الحنبلي ومن على شاكلته من معاصريه ، كانوا متأثرين بعاملين اثنين :           

ـ أولهما : حركة تعريب تراث الأمم السابقة وما كتب بأقلام يهود أو نصارى أسلموا لأهداف سياسية ودينية ، مثل اليهودي (ابن رابين ) الذي أسلم على يد المعتصم ، وألف له كتاب ( الدين والدولة ) ، موهماً فيه أنه يحاول إثبات نبوة محمد r من خلال التوراة والإنجيل المحرفين المنسوخين بالقرآن ، وما يريد في الواقع إلا أن ينفي التحريف عنهما ـ التوراة والإنجيل ـ ويستدرج علماء المسلمين لاتخاذهما مرجعا عقديا .

ـ وثانيهما : أن ملوك العباسيين كانوا حديثي عهد بعقيدة أهل السنة والجماعة، بعد أن تحرروا من هيمنة المعتزلة التي دامت ما بين عهدي المأمون والمتوكل ، كما كانوا يواجهون تحديا كبيراً بقيام الدولة الفاطمية الشيعية ، مما جعل فقهاء عصرهم ـ أبا يعلى ومن على شاكلته ـ يحاولون توطيد حكمهم وتثبيتهم على عقيدة أهل السنة والجماعة ؛ وليس من سبيل إلى ذلك إلا بأن يسلموا لهم بما ليس لهم من حقوق ويرتبوا على كاهل الرعية ما ليس عليها أن تتحمله .

وهذا ما وقعت فيه المسيحية فى أول عهدها ، عندما عجزت عن تغيير الأنظمة السياسية الوثنية القائمة آنئذ ، فعملت على التقرب إليها وخدمتها ، والدعوة إلى طاعتها ، حتى إن بولس في رسالته لأهل ( رومية ) في الإصحاح الثالث عشر يقول: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة ، لأنه ليس سلطان إلا من الله ، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله ... أفتريد أن لا تخاف السلطان ؟ افعل الصلاح فيكون لك منه مدح ، لأنه خادم للإصلاح لكن إن فعلت الشر فخف  لأنه لا يحمل السيف عبثا، إذ هو خادم الله للإصلاح ، منتقم للغضب " .

بل إن أقوى البابوات في القرون الوسطى ـ جريجوري ـ يدعو إلى أن يطيع الناس الحاكم ولو كان سيئا ، ويحتم عليهم الامتناع عن محاولة نقد الحكام أو مناقشتهم الحساب أو ذكرهم بسوء ، لأن ذلك يغضب الله وينبغي التوبة منه ، وهو ما ذهب  إليه أبو يعلى الحنبلي فى كتابه" الأحكام السلطانية " .

إن الطاعة ـ بنص الأحاديث النبوية المتعددة إذا ضمت إلى بعضها وكمل بعضها بعضا ـ واجبة على الأمة لإمامها الذي اختارته بإرادتها الحرة ، وتوفرت فيه شروط التقوى والكفاية العلمية والبدنية والسلوكية ، وقادهم بكتاب الله . فإن اختارت الأمة إمامها وجب عليها طاعته في أمور ثلاثة ،  أولها : الأحكام الشرعية، لأن طاعته فيها من طاعة الله ورسوله ، وثانيها : تنفيذ القرارات التي أصدرتها الأمة بواسطة الشورى ، وثالثها : الإجراءات الإدارية والتنظيمية المتعلقة بتطبيق الأحكام الشرعية وقرارات الأمة ، لأن الطاعة في هذه الإجراءات ضرورية لحفظ كيان الأمة ولتنفيذ قراراتها ، ولأن الأمة عندما تطيعه في هذه الأمور كلها إنما تطيع فى الحقيقة نفسها ، وتنفذ إرادتها ؛ فهي التي اختارت الإسلام ديناً ، وارتضت أحكامه ، وأمرت بتطبيق شريعته ، وهى التي اتخذت قراراتها الدنيوية وأمرت بتنفيذها ، وهي التي صعدت بالاختيار الحر إمامها ورجال السلطة الإدارية معه ، ليقوموا بخدمتها وتنفيذ إرادتها ، والإمام بذلك مع مجموع رجال السلطة والإدارة مجرد خدام لها تحت الأمر والطاعة .

في هذا الإطار الواضح الصلب تقع أحاديث النبي  الخاصة بالطاعة ، وهو ما أشار إليه علي ـ كرم الله وجهه ـ : " حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ، ويؤدي الأمانة ، فإن فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا " .

ولا عبرة بكون الإمام المنتخب بإرادة الأمة أبيض أو أسود كأن رأسه زبيبة ؛ لأن الأمة هي التي اختارته كذلك ، وعليها طاعته ، وهو على ما اختارته عليه من أوصاف ، ولا عبرة بكونه قد يجلد ظهر بعض أفراد الأمة ؛ لأن الجلد لا يكون إلا إقامة لحدود الله في جرائم معينة كالزنا والسكر والقذف ، وطاعته في إقامة الحدود طاعة لله . أما فيما عدا إقامة الحدود فليس له أن يجلد أحداً ...

وقد شغب على هذه المعاني الأصيلة في الكتاب والسنة بعض وعاظ السلاطين بتأويلات خاطئة مغرضة لأحاديث نبوية صحيحة ، منها :

ـ ما أخرجه مسلم عن عرفجة قال " سمعت رسول الله  r  يقول : إنه سيكون هنات وهنات ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع ، فاضربوه بالسيف كائنا من كان " وهذا الحديث آية في السمو ، وهو حجة لنا في الموضوع، وحجة على وعاظ السلاطين . والفساد ـ بنص الحديث ـ إذا استشرى وبلغ حداً يهدد وحدة الجماعة يجب استئصاله كائنا من كان مصدره .

ـ ومنها قول الرسول r : " اسمعوا وأطيعوا ، فإنما عليهم ما حملوا ، وعليكم ما حملتم " ـ مسلم ـ .

ـ وقوله r : " سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها . قالوا فما تأمرنا ؟ ، قال: أدّوا إليهم حقهم ، وسلوا الله حقكم " ـ متفق عليه ـ .

     ـ وقوله r : " من رأى من أميره شيئا يكرهـه فليصبر ، فإنـه ليس أحـد يفارق الجماعة شبراً فيموت ، إلاّ مات ميته جاهلية " ـ متفق عليه ـ.  وهذه الأحاديث الشريفة الصحيحة وغيرها مما في معناها لا تتعارض مع ما ذهبنا إليه سابقا ؛ إذ الإمام كغيره من الناس غير معصوم ، وكل ابن آدم خطّاء ، وخير الخطّائين التوابون ؛ وتصرفاته ـ في مقياس الأخطاء ـ على ثلاثة مستويات :

ـ أبسطها أخطاء شخصية لا ذنب فيها ولا تضر الأمة ، بل منها ما يختلف في تصنيفه الناس ، يذهب بعضهم إلى أنها فضيلة ، وبعضهم إلى أنها غير ذلك ، ومثال ذلك : شدة عمر بن الخطاب وليونة عثمان بن عفان ـ رضي الله عنهما ـ ، اللتان تعامل معهما الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ وهو حجة ، بكل رفق وتؤدة ومحبة ، ولم تحدثه نفسه قط بالخروج عليهما. وهذه التصرفات وما في حكمها لا تبيح خلع الربقة ، وما على من كرهها إلا الصبر.

ـ وأوسط هذه الأخطاء ما يحتاج إلى العلاج بالتقويم والنصح والإرشاد ، الذي هو حق الإمام على الأمة كما قال الرسول r : " أدّوا إليهم حقهم " . وهذا ما أعطى فيه أبو بكر  الصديق ـ رضي الله عنه ـ القدوة من نفسه ، عندما بويع بالخلافة فحمد الله  وأثنى عليه ، ثم قال : " أيها الناس ، إنما أنا مثلكم ، وإني لعلكم تكلفونني ما كان رسول الله  r يطيق . إن الله اصطفى محمدا على العالمين ، وعصمه من الآفات ، وإنما أنا متبع ، ولست بمبتدع ، فإن استقمت فأعينوني ، وإن زغت فقوّموني ... وإن لي شيطانا يعتريني ، فإذا أتاني فاجتنبوني ... احذروا الموت، واعتبروا بالآباء والإخوان ، ولا تطيعوا الأحياء إلا بما تطيعون به الأموات "  . وهو عين ما ذهب إليه عمر بن الخطاب r بقوله : " لا خير فيكم إذا لم تقولوها ، ولا خير فيّ إذا لم أسمعها " ، عندما قيل له :  "اتق الله ".

وهذه الأخطاء لا تُبِيحُ خلع ربقة الطاعة ، ولكنها توجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح للإمام والاصطبار عليه ، ومعاملته بالحسنى ؛ لأن العلاقة بين الأمة وإمامها ينبغي أن تُبنى على المحبة والسماحة ، طبقاً لما أخرجه البخاري عن جابر قال : قال r : " رحم الله عبداً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى " .

ولو أبيح الخروج على الإمام لكل خطإ يرتكبه لما استقر للأمة أمر ، ولا شيد لها بنيان ؛ لأنها لن تجد إماما لا يخطئ . وهذا هو سلوك الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ مع الخلفاء قبله  ، أبي بكر وعمر وعثمان  ، أمرهم ونهاهم وأعانهم وأدى إليهم حقهم في النصح كاملا غير منقوص ، وعاملهم بالحسنى والسماحة والمودة إلى أن التحقوا بالرفيق الأعلى ، وهم عنه راضون .

ـ وأشد هذه الأخطاء وأخطرها ، هو ما صنفه رسول الله r كفرا بواحا ، في ما أخرجه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت ، قال : " دعانا النبي r فبايعنا  فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ، وعسرنا ويسرنا ، وأثرة علينا ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " .

وقد استغل بعض المغرضين هذا الحديث الشريف أسوأ استغلال ، ووظفوه في غير مجاله ومقاصده بتحريف معاني ألفاظه الأساسية التي تستنبط منها الأحكام ، ومنها :

ـ لفظ "أهل" ، في قوله r : " وألا ننازع الأمر أهله "

ـ ألفاظ "رؤية ، كفر ، بواح ، برهان" ، من قوله r : "إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان " .

وردنا على هذه التأويلات غير السليمة  لهذا الحديث الصحيح ، نوجزه فيما يلي:

أولا : معنى قولـه r : " وألا ننازع الأمر أهلـه " ؛ أنه إذا كان لفظ "أهله" بمعنى "ذويه" أي أصحابه ، فإن أصحاب الأمر وذويه هم "الأمة المسلمة" بداهة ؛ وليسوا الحكام بأي وجه من الوجوه ؛ بناء على ما تشير إليه الآية الكريمة  ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى ( الشورى 30. أي أن على كل فرد مسلم أن يطيع قرارات الأمة التي تصدرها بواسطة الشورى ؛ وألا ينازع الأمة أمرها وحقها في تسيير شؤونها الـدنيوية ، ومن نازعها في ذلك فهو خارج عليها .

وإذا كان المقصود بـ"أهل الأمر" ذوي القدرة على القيام به والأهلية لإنجازه ، أي رجال السلطة التنفيذية ، فإن أهليتهم لذلك لها مصدران ، أولهما اختيار الأمة لهم في كامل حرية وأتم إرادة ، وقدرتها على عزلهم متى شاءت . وثانيهما قدرتهم على القيام بما سخروا لتنفيذه وكفايتهم العلمية والتصرفية .

ثانيا : معنى "الرؤية" في قوله r " إلا أن تروا " :

الرؤية معناها إما العلم اليقيني بالشيء ، وإما المعاينة المادية له ، أي رؤيته بالعين المجردة . واشتراطها في إثبات كفر الحاكم واضح لا لبس فيه . لكن الالتباس المصطنع الذي شغب به بعضهم مصدره الزعم بأن الكفر المقصود في الحديث هو المخرج من الملة ، أي ضد الإيمان . وهو أمر قلبي لا مجال لرؤيته والعلم به يقينا

ثالثا : لبيان مدلول "الكفر البواح" ، لابد من الرجوع إلى المعنى اللغوي للفظين معا :

أما لفظ " كفر " فمن أصل لغوي صحيح هو " ك،ف،ر" . ويدل على معنى واحد هو الستر والتغطية . يقال لمن غطى درعه بثوب : "قد كفر درعه" .والكفر : ضد الإيمان.سمي لأنه تغطية للحق . وكفر النعمة : جحودها . والكافر : الليل المظلم ، لأنه يستر كل شيء بظلمته . والكافر : النهر العظيم ، والبحر ، والذي كفر درعه بثوب، والزارع الذي يغطي البذور بالتراب ، قال تعالى : ) كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ( ـ الحديد 20 ـ .والكافر أيضا : الذي يحجب العدل ويغطيه بظلمه ، والذي يجحد حق الأمة ويغطيه أو يغتصبه .

وأما لفظ "بواح" ، فمن أصل واحد هو : "ب،و،ح" .ومعناه : سعة الشيء وبروزه وظهوره . ومنه الحديث " إلا أن يكون معصية بواحا " ، أي جهارا .

وعلى هذا يبقى في حق الحاكم معنيان للكفر هما :

ـ المعنى الأول للكفر: أن يرتد ويخرج من الملة ، فيفقد عضويته في المجتمع المسلم نهائيا  وينفذ فيه حكم الردة . ولا مجال هنا لمناقشة حقه في حكم المسلمين بعد أن فقد حقه في الحياة بردته .

وبما أن هذا النوع من الكفر اعتقادي قلبي ، فلا مجال لرؤيته أو العلم اليقيني به إلا بأحد أمرين : إما أن يصرح الحاكم بكفره على ملأ . وهذا ما لا ننتظره ، لأنه ليس من الغباء بحيث يوقع نفسه في الحرج . وإما أن يقوم بأعمال كفرية صريحة ، كإنكار معلوم من الدين بالضرورة . وهذا أيضا مستبعد ؛ لأن أشد الحكام كفرا يتوجهون إلى صلاة الجمعة والعيدين ولو كانوا في حالة سكر ، كما فعل الوليد بن يزيد الأموي ؛ ولو ذبحوا ذرية الرسول r ، واستباحوا حرمه الشريف ، وأهدروا دماء أهله وأعراضهم كما فعل يزيد بن معاوية الأموي ، ولو ضربوا الكعبة بالمنجنيق وعبثوا بأهل المدينة المنورة ، وختموا على أيدي كرام الصحابة والتابعين بالرصاص، كما فعل عبد الملك بن مروان بجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وسهل بن سعد ـ رضي الله تعالى عنهم ـ .

إن هؤلاء الفقهاء الذين اشترطوا " الكفر المخرج من الملة " لإباحة  خلع ربقة الطاعة ، لم يلتزموا قط بهذه الفتوى التي أصدروها بكامل حريتهم ، ودافعوا عنها بكل قواهم . فمنهم من بقي راكنا ومواليا لحاكم أعلن كفره جهارا ؛ ومنهم من اختار العيش في كنف حاكم لم يسبق أن اعتنق الإسلام ؛ ومنهم من ارتضى أن يركن لحاكم مجوسي عابد بقر . بل إن مجرد توفر شرطي الحرية والذكورة اللذين أجمعوا عليهما لم يمنعهم من أن يبايعوا في عاشر صفر سنة ثمان وأربعين وستمائة هجرية ، أمة هي الجارية " شجرة الدر " ، التي كانت عند الخليفة العباسي المستعصم  ، ثم اشتراها الملك صالح أيوب . وقد نقشوا بعد مبايعتها ملكة على مصر ، اسمها على السكة بالعبارة التالية : (المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين) ، وخطبوا لها على المنابر يوم الجمعة بصيغة : (احفظ اللهم الجهة الصالحية ملكة المسلمين عصمة الدنيا والدين ) .

كما لم يمنعهم من السمع والطاعة خيانة "الكامل" سلطان مصر الأيوبي ، وبيعه بيت المقدس لحاكم صقلية المسيحي "فريدريك الثاني" الذي سام المسلمين سوء العذاب، مقابل الاستعانة به على أخيه "المعظم" صاحب دمشق.

وليس ببعيد عنا واقعة قيام المجوسية "أنديرا غاندي " حاكمة الهند السابقة ، بتعقيم ذكور المسلمين كي لا يتكاثروا ، واعتقال المستنكرين لذلك من علماء المسلمين ، وعلى رأسهم شيبة الحمد أمير الجماعة الإسلامية في الهند الشيخ محمد يوسف . ثم تغطيتها لهذه الجريمة بتنظيم مؤتمر إسلامي لحثالات علماء وشحت صدورهم بأوسمة مجوسية . وكان من بين المشاركين الشيخ أبو الحسن الندوي الذي قابلته بعد حين في بيت الشيخ محمد الصباغ بالرياض ، فسألته عن الشيخ محمد يوسف ، فأجابني بتشف وشماتة قائلا : ( إنه معتقل بسبب السياسة وتدخله فيما لا يعنيه) .

ـ المعنى الثاني للكفر:

بما أن " الكفر البواح" ورد في الحديث النبوي مطلقا ، وغير مقيد بكونه مخرجا من الملة أو غير مخرج منها.

وبما أنه ورد في سياق متعلق بحقوق الأمة ونظامها الخاص بالسمع والطاعة ، وليس في سياق العقيدة إيمانا وكفرا .

فإن ذلك قرينة قوية تصرفه عن معنى " الخروج من الملة"، وترجح ارتباطه بمسؤوليات الحكم ؛ وتجعل المقصود من" الكفر البواح" أن يقوم الحاكم بجحود أمر الأمة وتغطيته ، أو اغتصاب حقها وكفران شريعتها ، أو استبعاد أحكام دينها عن الميادين العقدية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو العسكرية ، أو أن يغطي الحق بالباطل ويكفر العدل بالظلم . وهذا ما يعوق قيامه بالمهمة التي كلفته بها الأمة ، وينقض علاقة السمع والطاعة المفروضة . وهذا هو الكفر الظاهر البواح الذي نستطيع رؤيته جهارا ، والعلم به يقينا، والذي لدينا فيه من الله عشرات البراهين بالنصوص المحكمة والمفسرة كتابا وسنة ؛ وهو الذي يكشف عدم صلاحية الحاكم للقيام بما كلف به ، ويبيح أو يوجب الخروج عليه وعزله ؛ سواء كان مرتدا،أو مسلما ظالما أو فاسقا ، لأن صلاحيته للحكم صفة زائدة عن كونه مسلما برا أوفاجرا.      

وعلى هذا ، فمعنى الحديث النبوي الشريف " إلا أن تروا كفرا بواحا" هو: "إلا أن تروا تصرفات كفر بواح " ، أي تصرفات تغطي الحق وتكفره . ذلك أن في صيغة الحديث ما يسميه البلاغيون " مجازا بالحذف" ، حذف المضاف اكتفاء بالمضاف إليه ؛ وهو معروف كثيرا في القرءان الكريم والسنة النبوية .        

ومن أمثلته في القرآن الكريم قوله تعالى : )وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر ( الأنعام146 ، أي حرمنا أكل كل ذي ظفر .                                                      

وقوله تعالى :) وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا (الأنعام 138 ، أي حرمت منافع ظهورها ، أو ركوب ظهورها .     

ومن السنة النبوية قوله r عن الذهب والحرير: " أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي وحرم على ذكورها " ، أي لبسهما .

وقوله r : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"  أي : رفع عن أمتي إثم الخطأ والنسيان

وهذا ما بيّنته السنة النبوية الصحيحة في قوله r : "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ، ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " ـ متفق عليه ـ . " لا طاعة في معصية ، إنما الطاعة في المعروف "  متفق عليه "ـ "إنه سيلي أمركم بعدي رجال يطفئون السنة ويحدثون بدعة ، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها " ، قال ابن مسعود : " يا رسول الله ، كيف بي إذا أدركتهم ؟ "، قال:" ليس  يا ابنَ أمّ عَبْد  طاعة لمن عصى اللّه " ، قالها ثلاث مرات " ـ أخرجه أحمد بن حنبل بإسناد صحيح ـ .

أما ما ورد عن النبي r حول طاعة الأمراء ما أقاموا الصلاة ، فهو صحيح أخرجه مسلم ، ولكن الصلاة هنا معناها الإسلام ، أي : " ما أقاموا فيكم الإسلام"  وقد عبّر r بأهم ركن فيه وهو الصلاة ، كما قال في الحج : " الحج عرفات " ، ومعلوم أن الوقوف بعرفات وحده ليس حجاً ، وهذا المعنى يؤكده الحديث الذي أخرجه مسلم أيضا عن أم الحصين قالت: قال رسول الله r : " إن أُمّر عليكم عبد مُجدّعُُ يقودكم بكتاب الله ، فاسمعوا وأطيعوا " .

ومن كتاب الله أن تختار الأمة إمامها ، ومن كتاب الله ألا يؤمهـم وهـم لـه كارهون ، ومن كتاب الله أن يكون أمر المسلمين بيدهم وشورى بينهم ، ومن كتاب الله أن يقود نفسه بالقرآن والسنة قبل أن يقود الأمة بهما : ) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ( ـ الصف 3 ـ .  بل حتى في حال افتراضنا أن المقصود بإقامة الصلاة في الحديث المذكور هو الصلاة المخصوصة ، فإن حقيقة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتقرب من الله  . قال تعالى : ) وَأَقِمْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ( ـ العنكبوت  45 ـ . وقد أورد ابن كثير فى تفسيره لهذه الآية عدة أحاديث نبوية ، منهـا : " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له ـ من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً ـ من صلى صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بعداً " .

ومن الفحشاء والمنكر أن يغتصب الحاكم حق الأمة في أمرها تشاوراً وقراراً وتنفيذاً . ومن الفحشاء والمنكر أن ينط على كرسي الحكم نط الثعلب على الفريسة  أو نط الولد المأفون على رقيق أبيه .

العائق السابع :

عدم التمييز بين أحكام نظام الشورى التي وردت في سورة الشورى ، وهي سورة مكية استوعبت المرحلة التي نزلت فيها ، ومهدت لما يأتي بعدها ، ثم أخذت بعد ذلك قواعد الشورى تنمو وتتكامل إلى أن أخذ منهجها كل مقوماته الربانية ؛ وبين الخصائص الإدارية والتنظيمية والتنفيذية التي تركها سبحانه  لمسؤولية الاجتهاد، كي يبقى النظام السياسي الإسلامي مرناً وليناً ، ومناسباً لأحوال الإنسان المتغيرة زمانا ومكانا وحضارة وثقافة ، وتمدناً وقدرات . وقد كان منتظراً أن ينضج الفقه الإسلامي في هذا الاتجاه ؛ ولكنه نحا في الأمر منحيين متعارضين :

ـ منحى الاجتهاد الرسمي في ظل الحكام وحمايتهم وتشجيعهم ، غايته تبرير واقعهم وانتقاء الأدلة على شرعيتهم مهما أغرقوا في الانحراف ؛ فصار بذلك سلوك الأمراء أصلاً من أصول الشريعة قبل أصلي الكتاب والسنة وفوقهما .

     ـ منحى الاجتهاد المعارض للفقه الرسمي ، كما هو لدى الحركات السياسية الرافضة للظلم ، وقد حملها إرهاب الحكام على التخفي  والتستر ، وعلى إخضاع اجتهاداتها الفقهية لأهدافها السياسية والعسكرية والتنظيمية ؛ وبذلك سقط فقهاؤها أيضا في التبرير  ؛ واتخذوا من وضع حركاتهم وظروفها وأهدافها أصلا للفقه قبل الكتاب والسنة أو فوقهما  . واستمر الصراع بين الاتجاهين الفقهيين  الرسمي والمعارض دون أن يبرز اتجاه ثالث سليم ، لا يجامل الحكام ، ولا يتأثر بظروف القمع والإرهاب   ولا يبرر انحراف الواقع ، ولا يخضع الاجتهاد للأهواء والغايات ؛ وإنما يعتمد على الكتاب والسنة أصلين راسخين ، ومنارتين هاديتين .

العائق الثامن :

عدم التمييز بين كون الشورى قرارا للأمة تصدره ثم تسهم في تنفيذه تحت إشراف قيادتها التي تُعدّ جهازا تنفيذيا ، وبين كونها قرارا للحاكم يستشير فيه الخاصة أو العامة ، ويستوضح رأيهم حوله . ولعل مردّ ذلك الى الخلط بين مفهوم الشورى الفردية المندوبة لكل شخص في أموره الخاصة ، وبين مفهومها كنظام حكم للجماعة المسلمة . وأدى هذا الغموض إلى جدل طويل ، نشب منذ سقوط الخلافة الراشدة وقيام الملوكية الأموية العاضة ، ومازال مستمراً  إلى الآن لدى بعض الفقهاء حول إلزامية الشورى أو عدم إلزاميتها .

والحال أن الشورى إن كانت قراراً للأمة تصدره  ، وأمراً على الحاكم أن ينفذه، فهي ملزمة بداهة ، أما إن كانت من أمر الحاكم  كما يريد وعاظ السلاطين" يتصدق"  بها على الأمة أنى شاء وكيف شاء ، فهي غير ملزمة بداهة . والجدل حول الموضوع ثرثرة لا غناء فيها .

 العائق التاسع:

عدم التمييز عند مراجعة التراث الإسلامي السياسي ، بين تراث مجتمع حرّ في العهدين النبوي والراشدي ، يبدي فيه كل مسلم ما يضمره من الرأي والفهم والنصح والتوجيه والنقد دون خوف أو رهبة أو خشية إلا من الله تعالى ، ودون أن يتعرض  ولو كان مخطئاً ، لأي مساءلة أو عقوبة أو لوم إلا عن تقصير في إبداء رأي  أو نصيحة بخل بها ، أو شهادة كتمها ، أو منكر لم ينكره ، أو معروف لم يرشد إليه ؛ وبين مجتمع قام بعد الخلافة الراشدة ، واستمر إلى الآن ، مجتمع يتحكم فيه الجبابرة ، وتصول فيه وتجول الأجهزة الأمنية العلنية والسرية ، الحليقة والملتحية ،  المجلببة  و"المبنطلة " .

هذا الوضع أساء كثيراً إلى أبحاث الشورى ، وعرقل تطور الاجتهاد فيها ، وأصبح على كل من يريد تناولها بالكتابة أن يراعي الطبيعة السياسية للبلد الذي يعيش فيه ، والنظام الذي يظله ، والدولة التي تنشر فيها الدراسة أو تطبع . واضطر بذلك الباحثون والفقهاء إلى الملاينة والمسايرة وغض الطرف عن بعض المفاهيم ، واستعمال التعابير الملتوية المتناقضة التي يفهم منها الشيء ونقيضه . ومن حاول التمرد على هذا الوضع وجد السيف والنطع بانتظاره . ولعل في الأمثلة التالية نموذجا لهذا الوضع :

ـ قام رجل إلى هارون الرشيد ، وهو يخطب بمكة فقال : )كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (الصف3 ، فأمر هارون الرشيد بضربه مائة جلدة . فكان الرجل يئّن الليالي الطوال من الألم ، وهو يقول : " الموت الموت " .

ـ جلس الوليد بن عبد الملك على المنبر يوم الجمعة حتى اصفرت الشمس  ؛ فقام إليه رجل فقال : " يا أمير المؤمنين إن الوقت لا ينتظرك ، وإن الرب لا يعذرك"  فقال الوليد : " صدقت ومن قال مقالتك فلا ينبغي له أن يقوم مقامك ، من ها هنا من أقرب الحراس يقوم إليه فيقتله ؟".

ـ لقي أبو جعفر المنصور سفيان الثوري في الطواف ، فضرب أبو جعفر بيده على  عاتق سفيان ، وقال له :"  أتعرفني ؟" ، قال سفيان :" لا ، ولكنك قبضت عليّ قبضة جبار" ؛ قال أبو جعفر :" عظني يا سفيان " ، قال سفيان : " وماذا عملت فيما علمت  فأعظك فيما جهلت ؟ " ، فقال أبو جعفر : " فما يمنعك أن تأتينا ؟  قال سفيان :"  إن الله نهى عنكم فقال : ) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّار ( ـ هود 113 ـ ، فالتفت أبو جعفر إلى أصحابه فقال : " ألقينا الحَبّ ـ المال ـ إلى العلماء فلقطوا  ، إلا ما كان من سفيان فإنه أعيانا فراراً " .

ـ قال مالك بن أنس: بعث أبو جعفر إليّ وإلى ابن طاووس فأتيناه فدخلنا ، فإذا هو جالس في فرش قد نضدت ، وبين يديه أنطاع قد بسطت ، وجلاوزة بأيديهم السيوف  يضربون بها الأعناق ، فأمرنا بالجلوس فجلسنا ، فأطرق علينا طويلا ، ثم رفع رأسه والتفت إلى طاووس فقال له : " حدثني عن أبيك " ، قال طاووس :  سمعت أبي يقول: قال رسول الله r :  " إن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللّه في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله "  . قال مالك :" فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه . فسكت أبو جعفر ساعة ثم قال:" قُوما عنّي ".

وقد أدى هذا الوضع إلى بروز سلوكية هروبية لدى فقهاء الأحكام السلطانية ـ الفقه السياسي ـ ومفكريها  ؛ مما فتح أبواب البلاد مشرعة للغزو الفكري ، سواء في العصور الأولى عندما اطلع المسلمون على تراث اليونان فعكفوا عليه بانبهار صرفهم عن النقد والسبر ، وعن مواطن انحرافه وجذور فساده ؛ أو في العصر الحديث حيث وَقَرَ في أذهان كثير من المثقفين المسلمين ، وَهْمُ وجود فراغ مشين في الفقه السياسي الإسلامي ، لا يعالج إلا باستيراد أساليب الديموقراطية الغربية ، وفقهياتها الدستورية ، ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية .  متهاونين بخطورة جذورها الوثنية التي لا تنفصم عنها ؛  منذ عهد الفراعنة فى مصر، فالسومريين في العراق ، فاليونانيين في أثينا ، وصولا إلى النظم الحزبية البرلمانية الديموقراطية في عصرنا هذا .

وإذا كان قدماء المصريين يعتقدون أن الحاكم مقدس  لأنه إله أو ابن لإله ، وكان السومريون يعتقدون أن الكون يسيره مجمع الآلهة في السماء ، وكل إله يختار وكيلا عنه يحكم بقعة من الأرض ، وأن حروب " الوكلاء" ، الملوك  ، فيما بينهم انعكاس لحروب آلهتهم في السماء ؛ فإن اليونانيين طوروا هذه الفكرة ، ووسعوا دائرة القداسة لتشمل نخبة الأقوياء ، اقتصاديا وعسكريا ، وسموها طبقة الأحرار. وما سواهم عبيد للسخرة في البيوت والزراعة وقضاء الشهوات.  ثم  ابتدعوا لطبقة وكلاء الآلهة الجدد ـ الأحرارـ ، نظاما جماعيا يحكمون العبيد من خلاله ، فكان تجمعهم الديموقراطي صورة لتجمع الآلهة في السماء وتشبهاً  به ، ثم تطور هذا التقليد إلى النظام الحزبي البرلماني في الغرب ، وبدلا من أن يبقى وكلاء الآلهة ملوكا يتصارعون بالسيوف تبعا لصراع آلهتهم ـ كما يزعمون ـ ، أصبحوا أحزابا تتصارع تحت قبة البرلمان وتتدوال على السلطة . واستطاع بذلك الاستعمار الغربي الحديث أن يجند طبقة من أنصاف المتعلمين ، ومضبوعي الثقافة الغربية وتلامذة رهابنة التبشير ، ومرضى مركبات النقص ، ومرتزقة السفارات ومؤسسات الاستعمار الثقافي في البلاد الإسلامية ، ويسخرهم للتشكيك في النظام الإسلامي الشوروي ، وتجريحه وتشويهه . تارة بدعوى أن الشورى مجرد مبدأ أخلاقي أقره القرآن ، دون أن يبين منهجا لتطبيقه  أو يوجب العمل به ، وهو بذلك فضيلة وخلق حميد غير ملزم ، ولا يغني عن الديموقراطية الغربية . وتارة بزعم أن الدين كله وضعي ، غير إلهي ، والشورى صورة قاتمة لاجتهاد بشري تطور من عهد المدرسة اليونانية الأم ، إلى أن بلغ أوجه لدى أمم الغرب الحديثة . وأن علينا أن نأخذ آخر ما وصل إليه الفكر الإنساني نظراً وتطبيقاً ، بدل العودة إلى الخلف ، أي : إلى الإسلام كتابا وسنة .

ولو رجع هؤلاء المضبوعون إلى عقيدتهم دراسة لأصولها ، وتمعنا في تشريعاتها ، بعقلية الباحث الصادق المتجرد ، وإرادة الحر المستقل عن توجيه الأسياد وتأثير تربيتـهم ، لاكْتَشَفُوا الحق والصواب ، ولعادوا إلى دينهم إيمانا وعبادة ودراسة وفقها ودعوة ؛ ولفهموا أن الشورى في الإسلام أكثر من مبدأ أخلاقي كما يزعم الجهلة ، وأرْسَخُ من مذهب وضعي كما يدعي الملاحدة . وأنها نظام إلهي متكامل  للاجتماع والسياسة والاقتصاد وكل مناشط الإنسان في الحياة . نظام تهيمن عليه العقيدة وتوجهه المبادئ والقيم الربانية الراقية ؛ كي يصان مِنْ تَسَلّق المتسلقين ، وتسلط المخادعين ، وسيطرة المنافقين . وأن ورود منهج الشورى مرناً ليناً ، ليكون أكثر النظم السياسية قابلية للحياة والاستمرار ، وليستوعب في كل زمان ومكان كافة التقلبات والتغييرات والتناقضات الممكنة والمحتملة والواقعة في الاجتماع البشري .

وقد اكتشفت الأبحاث الدستورية المعاصرة موضوعية هذه الميزة عندما قررت أن صلابة الدساتير تجعلها أكثر هشاشة وقابلية للانكسار ، وأن قوة منهاج الشورى الإسلامي كامنة في بساطته وشموليته ومرونته ؛ لأنه جاء للتيسير لا للتعسير، وللتبشير لا للتنفير ، ولأن الإسلام دين الفطرة ، والفطرة بسيطة ، تقبل على البسيط ، وتنفر من المعقد ، والخطاب الإسلامي موجه للناس كافة ، للجاهل والمثقف ، للفطن والساذج ، للحضري والبدوي . لذلك كان منهج الشورى مُيسراً لفهم الجميع ، يلقى على الجاهل فيستوعبه ويقتنع به ويستفيد منه ، ويلقى على العالم فيؤمن به ويشرحه ويقعّد له القواعد ، ويفتح به آفاقا للمعرفة وأبواباً للاجتهاد ، وهذا من آيات التشريع الإسلامي وإعجازه .

العائق العاشر :

المحاولات الفقهية الجادة للأوبة بالأمة إلى المسار الإسلامي السليم ،كانت أضعف بكثير من موجات الانحراف العاتية ، التي طغت على الحكام والمحكومين ؛ لاعتماد هذه المحاولات الصادقة على الجهود الفردية وعجزها عن اكتشاف مكمن الداء .

وهذا حال ابن تيمية الذي مارس الكفاح السياسي والفقهي والحربي على عدة جبهات ، جبهة الحكام ، وجبهة الانحراف العقدي ، وجبهة التراث الفقهي المحتاج إلى مراجعة وتشذيب ، وجبهة الدفاع ضد الغزو الأجنبي .

وهذا أيضا حال ابن حزم الظاهري الذي فتح عينيه على مجتمع المسلمين في الأندلس وقد بدأ السوس ينخره ، فبذل جهوداً جبارة لإيقاف مسيرة الانحراف وللأَوْبة بالفقه الإسلامي إلى الأصول ، وكافح قياس أهل السنة ، وعقل أهل التشيع، وتناقض اجتهادات المذاهب وتعصبها ، ودعا إلى الاستقاء حرفياً من الينابيع الأصلية كتابا وسنة ، وابْتُليَ في سبيل ما ذهب إليه بلاء شديداً من غير أن يغير واقع الظلم والفساد . واستمرت مسيرة السقوط في الأندلس ؛ لأن داء الأمة لم يكتشفه ابن حزم فلم يوافقه دواؤه .

ثم بعد أن أوشكت دورة السقوط على بلوغ الهاوية ظهر الشاطبي ، وظن كغيره أن الدواء في الجهود الفردية ، لمكافحة البدع والعودة بالأمة الى أخلاق السلف الصالح . وقضى شطراً من عمره واعظاً في المساجد ، داعيا بالقلم واللسان الى بعث إسلامي جديد ، بالعودة إلى الكتاب والسنة على غرار ابن حزم وابن تيمية وعلى غير نهجهما ؛ فتألب عليه العامة والعلماء والحكام ، مما كشف له حقيقة مروعة هي أن الفساد قد أصبح نظاما سياسيا وثقافيا واجتماعيا ، قائماً ومتماسكاً ومتحكماً ومُصّراً على مسيرته الضالة مدافعا عنها ؛ ورأى بأم عينه كيف يرتد إلى النصرانية بعض أبناء المسلمين من العامة والأمراء ، وكيف سقطت معظم بلاد المسلمين في الأندلس بيد العدو ، وكيف يستجير الحكام المسلمون من بعضهم بالأجنبي ، وكيف انتصب العلماء يدافعون عن هذا الوضع ، متألبين على الشاطبي . كلما أصدر فتوى لصالح الأمة والدين عارضوها بفتوى مناقضة . فدفعه اليأس إلى  تغيير منهجه في الإصلاح بأن قنع بمحاولة ربط الأمة بمقاصد الشريعة ، بعد أن خلعت ربقة الكتاب والسنة ، وبأهداف الدين ، بعد أن أضاعت ركائز بنائه المتين.

وهكذا فشلت أهم ثلاث مدارس فقهية صادقة ، مدرسة ابن تيمية الحنبلية، ومدرسة ابن حزم الظاهرية ، ومدرسة الشاطبي المالكية ، في التوبة بالأمة إلى المسار السليم والأوبة بها إلى المنهج القويم .

ثم ظهر بعض فقهاء المسلمين في هذا العصر ، من موقع الضعف والاستكانة ومركب النقص إزاء حضارة الغرب المتغلب ، والعجز عن مواجهة موجات الردة العارمة ، كما كان الشأن تماماً في الأندلس ؛ فعمدوا إلى إحياء ما كتبه الشاطبي حول فقه المقاصد ، ذات المفهوم الغائم المضطرب الذي لا يعتمد إلا على العقول البشرية الناقصة والأهواء الآنية المتقلبة ، ناسين أن أعلى مقصد للشرع هو في قوله تعالى صريحا واضحاً : ) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات 56. ومغفلين أن المقاصد المتفق عليها ووجهها الثاني الذي هو المصالح محدودة جداً ، وما عداها مختلف فيه لأنها أقرب إلى الأوهام والظنون : )وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً (  النجم 28 . متخذين من شعار تطوير الفقه الإسلامي غطاء لأسلمة مفاهيم الغرب ،  و مجاملة  حكامه ،  والتزلف إليهم على حساب مبادئ الإسلام ومناهجه ونظمه .  وأوغلوا في مسيرتهم هذه إلى حد تحريف ما ذهب إليه الشاطبي ، الذي دعا إلى حاكمية المقاصد الشرعية على الواقع بجانب حاكمية الكتاب والسنة. وبعد أن كانت المقاصد بابا ثانويا من أبواب علم أصول الفقه ، دعوا إلى اتخاذها علما مستقلا ، وتحريرها من الكتاب والسنة ، وجعلها حاكما على الواقع . ثم انتقلوا إلى مرحلة موغلة في الانحراف بدعوتهم إلى قلب المعادلة وجعل الواقع حاكما على الشريعة والمقاصد الشرعية معاً .

وقد غاب عن جميع هؤلاء أن نقطة البداية في طريق بعث إسلامي جديد هي توفير المناخ السياسي الصالح ؛ إذ الفقه الشرعي ـ والسياسي منه خاصة ـ لا ينمو نمواً طبيعيا في ظل فساد الحكام وإرهابهم وظلمهم وتسلطهم ، ولا ينضج بمجرد الجهود الفردية كتابة في القراطيس ، ولا يغير واقع الفساد بمعارك الوعظ والإرشاد في المساجد ، ولا بإصدار الفتاوى للمستفتين من الأمراء والمأمورين ، وإنما بإصلاح أول عروة انتقضت من أمر الأمة ، وهى عروة الحكم ، كما أخبر بذلك رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وما لم تَقُمْ دولة الإسلام الحق ، التي تكفل حرية الاجتهاد والفكر والرأي ، وتوفر ظروف التفقه والتفقيه ، وتنظم جهود العاملين فى حقل الشريعة ، يحذوها في ذلك النصيحة لله ولدينه وكتابه ورسوله والمؤمنين ، فلن تكون النتائج إلا ضياعاً تدريجيا للدين والأرض والأمة . كما نشاهده اليوم في بلاد المسلمين قاطبة ، وكما وقع في الأندلس التي لم تنقذها محاولات ابن حزم المتوترة ، ولا مقاصد الشاطبي الملاينة ، مما أوقعها فيه بنو الأحمر وملوك الطوائف ، وبطانتهم من الغلمان والجواري والمخنثين وفسقة الأدباء والمتأدبين .

لذا ، فالطريق الطبيعي لإحياء الأمة وإعادتها إلى قوتها ووحدتها ورسالتها ، يبدأ من توضيح حقيقة شرع الله في نظام الحكم ، ومبتدعات نظم الاستبداد ؛ ثم بذل الجهد لإقامة أمر الإسلام السياسي ودولته الحقة ، بنهوض الطائفة التي لا تزال ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها إلى أن يأتي أمر الله .

العائق الحادي عشر :

جهل بعض المفكرين المعاصرين المنتمين للتيار الإسلامي وزعامته ،  المنبهرين بجزئيات الثقافة الغربية ، وفسيفساء النظم السياسية الديموقراطية ، وقصورهم عن إدراك كليات الاستراتيجية الغربية ، وأهدافها المتعلقة بالعالم الثالث . مما جعلهم يحاولون ترشيد الفكر الشوروي الإسلامي خارج سربه ، وبمصطلحات ومفاهيم غربية  بل بلغ بهم ما هم عليه حدّ المبالغة في الإشادة الشكلية بالشورى قصد إفراغها من محتواها، وإقحام مفهوم الديموقراطية فيها ، فادعوا أن الشورى من أصل الإيمان ، وأن الشورى هي الديموقراطية ، فأصبحت الديموقراطية لديهم من أصل الإيمان ، وبذلك جعلوا للمسلمين دينا جديداً ، ديموقراطية الغرب من أصل عقيدته. ظانين أنهم بهذا النهج ينالون الرضى ، ويُعطاهم الضوء الأخضر للبقاء والتمكين والاستمرار ، وأن أقصى أهداف المعسكر الغربي أن تسود ديموقراطيته الأرض ، وينعم الناس قاطبة بالرخاء والأمن والسلم وحقوق الإنسان ، والمساواة والعدل . وغاب عنهم أن هذه الشعارات ليست إلا أسلحة في حرب ضروس ضد العالم وللهيمنة عليه عسكريا بعد احتلاله ثقافيا ونفسيا واجتماعيا .

وكما أن أفلاطون لم يضع أسس مدينته الفاضلة إلا بعد أن أخفق في ممارسة السياسة ، ومكيافلي لم يضع كتابه " الأمير" إلا بعد أن فشل في محاولة الوصول إلى السلطة ، كذلك المعسكر الغربي لم يرفع هذه الشعارات البراقة إلا بعد أن فشل في تثبيت أقدامه أثناء فترة الاستعمار المباشر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين .

والمدينة الفاضلة التي يحلم بها الغرب منذ عهد "سولون" والحكماء السبعة في القرن السابع قبل الميلاد ، مروراً بأحلام أفلاطون عنها في القرن الرابع قبل الميلاد، وبالمدينة العالمية التي دعا إليها الرواقيون . حيث زعموا أن الناس يعيشون فيها متحدين متساوين في ظل القانون الطبيعي الذي يضمن الإخاء "الإنساني" بما فيه من إباحية جنسية ، وبهيمية حيوانية ، وبالنظام العالمي الجديد الذي خطط له برتراندراسل ، ويحاول  إقامته حاليا الحلف الأطلسي ... هذه المدينة الفاضلة ، والمدينة العالمية ، والنظام العالمي الجديد ليس إلا للرجل الأوروبي . وليس فيه مجال للعربي ولا للهندي أو غيرهما من سكان العالم الثالث إلا في ميدان السخرة والعبودية والتمييز العنصري .

ومن حاول الجدل والمراء فليرجع إلى ما يُنفذ حاليا على يد الحلف الأطلسي ، وما كتبه صراحة برتراندراسل في كتابه : " هل للإنسان مستقبل ؟ " ، حيث دعا إلى حكومة عالمية ، يكون لها سلطة تشريعية وسلطة تنفيذية وجيش لا ينافس ، وإلى تخفيض جيوش الدول الخاضعة ، بحيث تصبح مجرد قوة شرطة لحفظ الأمن والنظام في مجتمعها ، وإلى حظر الأسلحة الفعالة على غير دول حكومة العالم ، وإلى مراجعة مناهج التعليم في الدول التابعة ، وحذف كل ما يعارض سياسة النظام العالمي الجديد أو يحض على التحرر والانعتاق والاستقلالية والمحافظة على السيادة ، من مناهجها الدينية والثقافية والوطنية .

وهذا ما يحدث حاليا بواسطة الحلف الأطلسي تحت شعار " إعادة ترتيب أوضاع العالم وتنظيمها " . يمهد له فكريا هؤلاء المسلمون المخدوعون ، المبشرون بثقافة الغـرب وديموقراطيته . مما يجعلهم طابوراً أطلسيا مُنْدَساً في صفوف الأمة لترويضها وإخضاعها وتخريبها .

ولئن ادعى قلة من هؤلاء أنهم يعرفون هذا الوضع ، ولكنهم يناورون من أجل البقاء في الساحة السياسية أَوْ سُدّة الحكم ، فإنه ما كان لهم أن يتخذوا من المبادئ الإسلامية ورقة للعب السياسي والمقايضة في سوق التزلف للغرب ومجاملته ؛ مع ما في هذا الخداع من تشويه للإسلام ، وتضليل عن منهجه ونظمه ومبادئه ، وتشويش على الصحوة الإسلامية المعاصرة ، وصرف لها عن مسارها الصحيح .

ثم إن هناك حقيقة أخرى غابت عن هؤلاء الضائعين متعلقة بواقع فسيفساء الديموقراطية الغربية ، وهي أن أنظمتها السياسية ليست إلا واجهة هشّة لواقع غير منظور ، هو واقع حكم عسكري بوليسي متحالف مع أرباب المال ومراكز القوة الاقتصادية ، يصعد من يشاء إلى سدة الحكم تبعاً لتخطيط مدروس ، فيعطي هذا الحزب فترة رئاسية أو فترتين ، والحزب الثاني مثل ذلك أو أكثر ؛ والحزب الحاكم دائما ليس إلا مُؤَجِراً موقتا لمكاتب الدولة من مالكها الحقيقي ، الذي هو الجهاز العسكري البوليسي القابع  خلف الواجهة ، الممسك بخيوط اللعبة .

وكل من يشك في هذا ، عليه أن يفتح عينيه جيداً ، ليعرف مدى الاستقلالية لدى الوزير الأول في هذه الدول والوزراء معه ، ومقدار استقلالية التعليم والإعلام والثقافة ، وقرارات الحرب والسلم والأمن السياسي ، وموضوعية حقوق الإنسان ، وحرية التجارة والصناعة عسكريا ومدنيا ، ومدى علمانية الدولة ولائكيتها وحيادها الديني ، ليتأكد في نهاية المطاف من أن الديموقراطية الغربية وليدة الوثنية اليونانية ليست إلا تحالفاً ضد الإنسانية بين البندقية وسبيكة الذهب .  


[1]  - سيرة ابن هشام ج 2 ص 289

[2]  - التفسير الكبير للفخر الرازي 10 / 144

[3]  - المستصفى للغزالي 1 / 175

[4]  - 1 / 299

[5]  - 3 / 318

[6]  - التفسير الكبير للفخر الرازي 10 / 143

[7]  - جامع المسانيد والسنن لابن كثير  13 / 106

 
   وثائق المؤتمـر و تقاريره وبياناته

 رسالة فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي إلى المؤتمر

 البيان التأسيســـي

 التقرير العـقــدي

 التقرير السياســي

بدايــة الصفحــة
الحركة الإسلامية المغربية
جميع الحقوق محفوظة  © للحركة الإسلامية المغربية

www.elharakah.com 2006 info : elharakah@elharakah.com