أهــلا وسهــلا بكم موقــع الحــركة الإســلاميــة المغربيـــة
تحديث بتاريخ  1 شوال  1427هـ

 الصفحة الرئيسـيـة

 نداء المحبة

 الحركة الإسلامية المغربية
 نشأة وتطورا

 البيان التأسـيـسي

 التقريـر العـقــدي

 التقريــر السياسي

 رسالة المرشـد العام

 الدين النصيحة

 مقالات ودراسات إسلامية

 من قضايا الأمة

 مواقف وبيانات

 المنبر الحــر

 حـوار إســلامي

الشورى منهج حكم وتدبير
التشريع الشوروي في منطقة الفراغ التشريعي
المقاصد الشرعية في تدبير الشأن العام
موطأ الإمام مالك
في النظام السياسي:
 فقه الأحكام السلطانية
تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك
بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في الفكر والدعوة
الصحراء المغربية
ملكية الأرض في الإسلام
حد السرقة بين الفهـم والتطبيق
الأخلاق والتزكية فـي رحاب الكتاب والسنة
 

 مـــــن تحــــن

 اتصــــــل بنـــا

أرتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل

 
 

المنهج السياسي وتدبير الشأن العام

 

دور التشريع الشورى في منطقة الفراغ التشريعي

مدخل وتوطئة

لعل مما يؤخذ على الفقه السياسي لدى المسلمين، عدم تأسيسه قواعد محددة ومدونة وملزمة، تنظم علاقات أفراد المجتمع ، تنظيما يكفل سير مرافق الدولة ومؤسساتها على وتيرة واحدة متناسقة ، تضمن الحريات الفردية والمصالح الخاصة والمشتركة والعامة ، بما يحقق العدالة والمساواة والكرامة ، ويبني دولة الإسلام التي يراد لها أن تقيم الشهادة وتظهر كلمة التوحيد ، وتسعد الناس دينا ودنيا ؛ واكتفاءه باجتهادات فردية غير ملزمة ، يمكن تصنيفها ضمن فلسفة فقهية مستنبطة في بعض جوانبها من مبادئ الشريعة ونصوصها وقواعدها ، وفي البعض الآخر من التراث البشري الثقافي والسياسي والاجتماعي ، ومن الأهواء والولاءات ، وظروف الاضطرار والخوف .

ولئن كانت الشورى نظام تدبير شامل للبلاد وأهلها ، وأداء جادا للمسؤولية بفعالية ، وسلوكية سوية وإنتاجية مضبوطة ، وضمانا للحرية والعدالة والمساواة ، على نهج قاصد وصراط مستقيم ، لرقي الأمة وازدهارها وظهور أمر دينها ؛ وليست مجرد تبادل للرأي والنصيحة غير ملزم ؛ فإن توفير قواعد لبناء هذا الصرح الشوروي العام ، يعد اللبنة الصلبة للتشييد، والأساس المتين الذي يقوم عليه كيان الدولة وتنظم على هديه المصالح ، وتضبط به التصرفات ، وتحدد بواسطته الأهداف والغايات ، وترتكز عليه مبادئ العدالة والأمن والاستقرار والرفاهية والقوة .

إلا أن تأسيس هذه القواعد ينبغي أن تتقدمه عملية تحديد الينابيع التي لنا أن نستقي منها الأحكام ، والمصادر التي يجوز أن نعود إليها ونتخذها موردا ومرجعا .

وغني عن البيان ، أن ما له في الكتاب والسنة وأدلة الفقه تشريع ثابت ، تنحصر مهمة الدولة إزاءه في إعادة الفهم والتطبيق ، بما يلائم الزمان والمكان والحال ؛ لأن الالتزام بهذه الأحكام هو ما يضفي عليها صفة الإسلام ، ويجعل طاعتها والتعاون معها ملزمين .

أما القواعد التي تتعلق بقضايا دنيوية ولم يرد في شأنها تشريع من الكتاب والسنة،  وما يستند إليهما من الإجماع أو يحمل عليهما بالقياس ، فهي مما ينبغي استقصاء مصادره وموارده ، دينية كانت أو عرفية أو تاريخية أو إنشائية محدثة لا أصل لها . وتغطي هذه القضايا مساحات شاسعة من أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد والتجارة والمالية والتعليم والقضاء والتخطيط السوقي والتعبوي لكل مرافق الدولة ومصالحها ، مما لم يرد فيها أحكام عملية ، ولكنها خاضعة بحكم انتسابها لدولة إسلامية إلى مبادئها الدينية ، وإلى ضرورة عدم معارضة قواعدها ، آذنة كانت أو آمرة ، لنظام الإسلام  عقيدة وشريعة وأسلوب حياة .

لاشك في أن التشريع الشوروي بهذه الصفة يتخذ صبغة إنشائية ، لأن الأمة هي التي تنشئه ، سواء كان تدبيرا وضبطا للشأن العام والخاص شكلا ومضمونا ، أو تقريرا في قضايا الحرب والسلم ، أو تنفيذا ومراقبة للأجهزة ، أو ترشيدا للتصرفات والتوجهات. إلا أن هذا التشريع قد يواجه بعدد من الاعتراضات والتساؤلات التي ينبغي النظر فيها والإجابة عليها .

أول هذه الاعتراضات أن التشريع الإسلامي متكامل ، غير محتاج إلى قواعد مستحدثة أو مناهج جديدة لتنـزيلها على مستجدات الحياة ؛ لأنه مستمد من الكتاب والسنة ، لقوله تعالى : ) مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ( الأنعام 38 ،   ) وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ( النحل 89 .

والاعتراض الثاني أن مصطلح " مصادر التشريع " ليس إلا تعبيرا مرادفا لمصطلحي " أدلة الأحكام " و" أصول الفقه " . وكلها تعني مراجع ملزمة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس ، وما يتبعها من أمارات للاستنباط والاستقراء والاستدلال . واللائق أن نكتفي بالمصطلح المتداول " أدلة الفقه وأصوله " بدل استحداث مصطلح جديد يربك الاجتهاد ، ويشيع اللبس والغموض .

وثالث الاعتراضات أن التشريع الشوروي يعد عملية وضع لأحكام جديدة ملزمة ، لم ترد في الكتاب والسنة ولا تحمل عليهما . وهو بذلك حكم بغير ما أنزل الله عز وجل ) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ( الشورى 19 ) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ( التوبة 31 .

بالنسبة للاعتراض الأول ، نحن على يقين تام بأن الله عز وجل لم يفرط في الكتاب من شيء من أمور الدين والدنيا . وقد بين كل شيء مفصلا أو مجملا ، حكما واضحا ، أو نهجا لمعرفة الحكم واستنباطه ، ووزع المهام وجهـة الاختصاص وجهة التكليف بما لا لبس فيه ولا خلط ؛ فخص القرآن بالمجمل في أحوال وبالمفصل في أحوال أخرى ، وخص السنة بتبيان المفصل وتفصيل المجمل ، والتشريع لما لم يذكر في الكتاب مفصلا أو مجملا .  

من ذلك أحكام العبادات ، كالصلاة والزكاة والحج والصوم والصدقات ، مما ورد في القرآن مجملا ، وترك للسنة بيان تفصيله ( خذوا عني مناسككم ـ صلوا كما رأيتموني أصلي ) .

ومن ذلك أحكام الأسرة ، زواجا وطلاقا ومصاهرة ، ورضاعا وميراثا وعلاقات اجتماعية ؛ حيث تكفل القرآن بتفصيلها بما لم يفصل به غيرها من الأحكام ، ولم يترك للسنة النبوية إلا حيزا يسيرا للبيان والتفصيل .

ومن ذلك أحكام المعاملات المالية التي أجمل القرآن أسس الإباحة والتحريم فيها ) وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ( البقرة 274 ، ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ( البقرة 277 ، ) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( البقرة 188 . ثم ترك للسنة النبوية أمر تفصيل مجملاتها تحريما للغش والرشوة والاحتكار  والاستغلال ، وبيانا لما يعد ربا وما لا يعد ، وتوضيحا لأحكام العقود وشروطها ، صحيحها وفاسدها  وباطلها .

ومن ذلك أحكام التدبير العام مما لم يجمله ولم يفصله القرآن والسنة ، من قضايا النشاط السياسي والإداري والاقتصادي والاجتماعي عاما وخاصا ، وجعله  مجالا آخر للابتلاء والاختبار ، وليس ذلك تفريطا أو غفلة أو إهمالا .

ذلك أن الحياة الدنيا في شقيها الإلزامي والطوعي تعبيد وعبادة ؛ ولئن كانت الأحكام الشرعية العملية موضوعة لاختبار الطاعة والامتثال الحرفي للأوامر والنواهي، مما يجعلها تعبيدا تنفيذيا ملزما ، فإن التكليف بواسطة حرية التنظيم الذاتي للنشاط الدنيوي المسكوت عنه ، وبوضع قواعد تدبيره وتنميته ، ابتلاء آخر طوعي تبرهن به الأمة على صدق استعدادها ورغبتها في تعبيد هذا الصنف من النشاط لربها، بإقامة أمر الإسلام العام ، الذي يتم به نوره ويمكن به لأوليائه ؛ فتكون بذلك حياة الأمة ذات شقين متكاملين ، شق العبادة التنفيذية للأحكام الشرعية ، وشق العبادة التصرفية المرسلة ؛ على أن يخدم الشقان معا هدفا واحدا تتم به العبادة الكلية، التي هي إقامة خير أمة أخرجت للناس ، ضمن دولة شاهدة ، وخلافة على نهج النبوة .

إن التشريع الإلهي لم يفرط أو يهمل أو يغفل شيئا ، ولكنه وزع مهام البلاء المتعلقة بالعبادة بين جهات الاختصاص ؛ فما كان منه تعبيدا بمجرد الامتثال في مجال العقيدة والأحكام جعل عليه القرآن والسنة دليلا ، وما كان تعبيدا اختياريا لابتلاء الإرادة والرشد والنوايا في القضايا الدنيوية المسكوت عنها ، جعله من أمر الأمة تسلط عليه ، وتقرر فيه بمقتضى قوله تعالى : ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى 38.

إن هذا الصنف من الابتلاء نهج قرآني في التربية والتأهيل ، مثال ذلك التصرف في مال اليتيم ، فلا يعطى ماله إلا إذا علمت نجابته وتمام ضبطه ورشده ، بأن يدفع إليه شيء من ماله يباح له التصرف فيه وتنميته ، فإن أحسن الإنفاق والكسب وجب على الوصي تسليم ماله كله إليه . وهذا ما بينه القرآن الكريم بقوله تعالى : ) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ( النساء 6 .

وقد نزلت هذه الآية في ثابت بن رفاعة وفي عمه ، ذلك أن رفاعة توفي وترك ابنا له صغيرا ، فأتى عم ثابت إلى النبي r  فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله ؟ ومتى أدفع إليه ماله ؟ ، فأنزل الله هذه الآية .

أما عن الاعتراض الثاني فإن مصطلح " مصادر التشريع " قد استعمل فعلا مرادفا لمصطلح "أدلة الأحكام" ، من قبل عدد من الفقهاء المعاصرين ، مثل الشيخ عبد الوهاب خلاف في كتابيه " علم أصول الفقه " و "الاجتهاد والتقليد والتعارض والترجيح " ، والشيخ عمر عبد الله في كتابه " سلم الوصول لعلم الأصول " ، والشيخ مصطفى شلبي في "الإسلام عقيدة وشريعة " .

إلا أن هؤلاء الفقهاء لم يميزوا تمييزا دقيقا في إطلاقهم مصطلح "مصادر التشريع"  بين ما هو خاص بالأحكام العملية وما هو خاص بأحكام السياسة والاقتصاد والإدارة والتدبير العام فيما لم يرد به نص أو إجماع ولا مجال للقياس فيه والاستنباط.

وقد لاحظنا أن بين المصطلحين "أدلة الأحكام " و" مصادر التشريع " فرقا جوهريا لابد من اعتباره عند استعمال كل منهما . ذلك أن المقصود من المصطلح الأول " أدلة الأحكام " هو الأحكام الشرعية العملية بالإيجاب والندب والإباحة والتحريم والكراهة . ولفظ " أدلة " مفرده "دليل" ،أي :حجة ملزمة . والمصطلح بجزأيه يعني أن صوابه مطلق ، لأن له مميزات خاصة ، من أهمها : القطعية لاستناده إلى أصل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو القرآن الكريم ؛ والثبات والأبدية والمرونة ، بحيث تتغير الظروف والأماكن والأزمان والأحوال فلا يتغير ؛ والإلزام التام إلا عند الاضطرار المبيح للترخص ، لأن له جزاء في الدنيا حدودا وتعزيرا ، وجزاء في الآخرة مساءلة وعقابا .

أما بالنسبة لمصطلح "مصادر التشريع " ، فينبغي أن نلاحظ أولا أن لفظ "مصادر" لا يحمل أي معنى يفيد الإلزام أو الثبات أو القدسية أو مطلقية الصواب. فهو مجرد مرجع يقصده المرء باختياره وتمام حريته ، يستفيد منه إن كان فيه من فائدة ، ويغرف منه إن كان فيه من معين . ثم يصدر عنه بكامل إرادته وحريته في الاستنباط والأخذ والترك . كما أن ما يستخلص من هذه المصادر حلولا وآراء وخططا وقواعد ليس له ما لأدلة الفقه من حجية أو ثبات أو أبدية أو إلزام ؛ وإنما هو خاضع لظروف الزمان والمكان والحال والمصلحة والمقاصد ، صوابه غير مطلق وثباته غير قار واحتمالات تحقيقه ما يرجى منه متأرجحة بين السلب والإيجاب ، وعنصر الإلزام فيه راجع إلى اتفاق الأمة بالأغلبية  أو الإجماع على تبنيه ، من غير أن يبقى ملزما لها إن غيرت رأيها أو اقتضت مصلحتها تعديلا له أو إلغاء أو استبدالا .

لكل هذه الاعتبارات ، نحبذ استعمال مصطلح "مصادر التشريع الشوروي " في مجال القضايا الدنيوية التي لم يرد في شأنها نص أو حمل على نص ، على أن يختص مصطلح " أدلة الأحكام" بالأحكام الشرعية العملية ، لأنه أقوى حجية وأشد إلزاماَ.

أما الاعتراض الثالث حول التشريع بغير ما أنزل الله تعالى في قوله عز وجل :  ) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ( الشورى 21 ، وهو محرم قطعاً ومؤد إلى الكفر إن لم يكن الكفر بعينه ، فإن مفهوم المخالفة في هذه الآية الكريمة يبين أن في الأمر تشريعين إنشائيين ، أحدهما محرم هو ما لم يأذن به الله ، وآخر مباح هو ما أذن فيه بقوله تعالى) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى 38.

وقد روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: سئل حذيفة عن قول الله عز وجل: ) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ( التوبة 31، هل عبدوهم؟  فقال : لا ،  ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلّوه ، وحرموا عليهم الحلال فحرموه .

وروى الترمذي عن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي r وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "ما هذا يا عدي ؟ اطرح عنك هذا الوثن" ، وسمعته يقرأ من سورة براءة : ) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ( التوبة31 ، ثم قال: " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلّوه ، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرموه ".

لاشك أن عملية التشريع الشوروي وضع لقوانين وإنشاء لقواعد ، ولكن هذه العملية في ميدان سكت عنه الشرع وفوض للأمة أمر تدبيره . فإذا تقيد هذا التشريع بالشورى الجماعية الآذنة فيه ، دخل في صميم النهج الإسلامي الرشيد، متميزاً تميزاً كاملاً تاماً عن التشريع بغير ما أنزل الله تعالى.

إن مجال الابتلاء الدنيوي بهذا الاعتبار يشمل ثلاث مناطق تشريعية هي:

·       ـ منطقة التشريع الملزم وهو المستمد من الكتاب والسنة وما يحمل عليهما.

·   ـ منطقة التشريع المأذون فيه ، وهو الموضوع بواسطة الشورى الجماعية ، بمقتضى قوله تعالى: ) وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ( الشورى 38.

·       ـ منطقة التشريع المحرم ، وهي ما سوى المنطقتين السابقتين.

 


مجال التشريع الشوروي

 معرفة مصادر التشريع الشوروي ، لابد من تحديد مجاله وضوابطه ، وحدود عمله وطبيعة القواعد التي ينشئ والعلاقات التي ينظم . ولما كان من منهج الإسلام مبدأ التيسير ورفع الحرج عن الفرد والجماعة ، فقد وضع للحياة نظامين متكاملين أحدهما شامل مطلق هو أصل الدين وعماد الدنيا ، يتعلق بالعقيدة والتصور الإيماني للخالق والمخلوق ، مصدره نصوص قطعية الثبوت واضحة الدلالة ؛ والثاني متعلق بالأحكام الشرعية العملية في ميداني العبادة والمعاملة ، مصدره الكتاب والسنة والإجماع المستند إليهما ، والحمل عليهما بالقياس ، وكافة الأدلة التبعية الأخرى ؛ كما ترك في هذا المجال التصرفي هامشاً واسعا ، أو منطقة فراغ تشريعي في كثير من القضايا الدنيوية ، وكل أمر البث فيه لجميع المسلمين ، يكيفونه بكامل حريتهم في إطار العقيدة وأحكام الشريعة ، بما يحقق أهداف الأمة ، ويضمن التعايش السليم والمساواة في التكاليف والمنافع ، ويكفل التعاون والعدالة والحرية . هذا الهامش التصرفي ، أو نطاق الفراغ التشريعي ، هو مجال التشريع الشوروي ؛ وما سواه محكوم بالكتاب والسنة مباشرة .

ولئن كنا بصفتنا مسلمين ، نميز بين منطقتي حاكمية الأحكام الشرعية العملية وحاكمية الشورى العامة ، فإن المشرعين الوضعيين قد جرت عادتهم بأن لا يميزوا  بين هاتين المنطقتين في أي ميدان من ميادين الحياة ، أو ضرب من ضروب النشاط البشري ، وأن يضعوا للأمة تشريعا يعد " القانون الأم " يطلق عليه عادة "الدستور"  ينظم أسس الدولة ويضبط قنواتها ضمن قواعد مجملة وعامة ، تتفرع عنها مختلف القوانين والنظم الخاصة والعامة ؛ ومن ثم وردت مصطلحات : النظام الدستوري، المراقبة الدستورية ، دستورية القوانين .

إلا أن النهج الدستوري تعترضه في النظر الإسلامي مآخذ ، تجعله غير ذي جدوى . من هذه المآخذ :

-    أن لفظ "دستور"، وهو فارسي معرب ، معناه قوانين الملك وضوابطه . وقد لقب به أولاً الوزير الكبير الذي يرجع إليه في أمور الملك . ثم أطلق تجوزاً على الذي يدير أمور الملك . واللفظ بذلك ذو نشأة تحكمية استبدادية تلقي بظلالها على طبيعته الحالية . إذ الدستور يعد حاكماً مسطوراً على الأمة، والذي يضعه أو له حق تعديله وتغييره واستبداله هو الحاكم الفعلي ، سواء كان ملكاً أو رئيسا أو مجلساً.

-    أن الدستور منشؤه الأصلي والحالي بشري ، خاضع لأهواء واضعيه ومصالحهم وأهدافهم . وقد ابتدعه أرسطو الوثني ، وتطور في بيئة غير مسلمة . ولذلك لم يفلح في المجتمعات الإسلامية التي عملت بنظامه ، ولم ينسجم مع التشريعات الإسلامية عقدية كانت أو عملية ؛ إذ الازدواجية التشريعية التي نشأت عن تبنيه ، وأدت في كثير من الأحيان إلى التنافي المطلق بين القوانين الوضعية والتشريع الإسلامي ، أكدت للمتبصرين أن الأخذ بهذا النظام كما ورد في الفكر اليوناني أو كما طوره الغرب حاليا ً، وكما يهرف به حكام بعض المسلمين المعاصرين ومعارضوهم الديمقراطيون ، عامل تخريب وتمزيق وفتنة وإهدار للطاقات.

-    أن الدستور في جوهره ومبناه ينطلق من قاعدة تلغي وتعارض كل دور للتشريع الإسلامي ، وإن اعترف أحياناً مسايرة وتجنباً للإثارة بدور للأديان في الحياة .

إلا أن نقدنا للنظم الدستورية لا يعني أننا نقر مختلف ضروب الاستبداد والحكم الفردي التي عرفها المسلمون منذ سقوط الخلافة الراشدة ؛ فالاستبداد دائماً هو الاستبداد ، مهما أطلق عليه من ألقاب وما كيل له من مديح وتقريظ . وإنما يلزمنا أن نعمل بجد وعزم لنخرج إلى النور البديل السياسي الإسلامي الحق ، ذا النـزعة العملية القابلة للتطبيق . ولن نحقق هذا الهدف إلا بأن نغادر أولا مرحلة التغني والتبشير العاطفي، ونتحرر من سجن التراث السياسي لفقهاء القصور، إلى رحاب التفكير العلمي المنضبط بالكتاب والسنة ، منهجية بحث ، وملاحظة وتحليلاً ومقارنة، وتجريداً وتوثيقاً وتبيانا لمختلف العوائق والصعاب ، وتوضيحا لطرق تنـزيل النظم والقواعد .

أول خطوات هذه الاندفاعة التشريعية تقتضي التمييز الواضح بين مجال الأحكام العملية المحتاجة إلى مزيد تطوير لفهمنا وتصرفاتنا كي نرتفع إلى مستواها، ونستطيع تنـزيل أحكامها على ما يستجد من قضايا العصر ؛ وبين مجال التشريع الشوروي الذي هو في أشد الحاجة إلى بذل الجهد من أجل استقصاء جوانبه، واستجلاء غوامضه ،  لأنه يغطي كل جوانب الحياة التي تركت مهمة تنظيمها للأمة ؛ فهو يعنى بوضع القواعد التي تبين أسس الدولة وشكلها ، وطبيعة علاقاتها بمؤسساتها ، وكيفية توزيع السلطات التدبيرية فيها ، وطريقة إنشاء الهيئات التي تباشر هذه السلطات ، والإجراءات التي تؤدي إلى اتخاذ القرارات وتنفيذها والمحاسبة عليها ، كما يعنى بوضع القواعد المنظمة لعلاقة الدولة فيما بينها وبين مواطنيها والأجانب فيها ، أو بينها وبين غيرها من الدول في حالات الحرب والسلم والمهادنة  والقواعد المنظمة لعلاقات الأفراد الطبيعيين والمعنويين فـيما بينهم ، وحدود حقوقهم وحرياتهم ، ومساحات نشاطهم وجزاءات مخالفاتهم . كما أن من صميم اختصاصه وضع النظم والتصاميم والمشاريع التي تضمن سيراً جاداً للأمة بمرافقها ومؤسساتها نحو المقصد الأسمى الذي أخرجت له وأمرت بتحقيقه .

إننا إذ نملأ دائرة الفراغ التشريعي بالقواعد المستندة إلى الشورى العامة نكون قد غادرنا مرحلة الشفوية والعفوية ، والإعجاب الساذج بتراثنا السياسي الوضعي، والارتجالية المزاجية التي طبعت تصور كثير من الفقهاء لعملية الشورى ، والتصرفات السلطانية المبررة بمختلف ضروب الاستنباط الفقهي المغرض .

إلا أن هذه المجالات التي ترتادها القواعد الشوروية الإنشائية ، ينبغي أن يتوفر لها المناخ الإسلامي الرشيد الذي تؤسسه العقيدة بأحكامها ومقاصدها من إخراج هذه الأمة للناس ، مرشدة وهادية وشاهدة ؛ وأن يسير التشريع الشوروي فيها على نهجين متوازيين :

-         نهج ترتيب بيت الدولة الإسلامية بالقواعد والنظم والقوانين المأذون فيها .

-    ونهج يضع المشاريع والبرامج والخطط الكفيلة بتطوير الأمة ورفع مستواها على جميع الصعد ، وتوجيهها نحو المقصد الأسمى الذي خلقت له وأمرت بتحقيقه.

ويغطي النهج الأول مجالات الحقوق والواجبات المتعلقة بالنظام العام الذي هو عماد كيان الدولة بنوعين من التشريع هما:

1 ـ التشريع العام الداخلي بما ينظم علاقات الدولة بالأفراد سياسياً وإدارياً ومالياً وقضائياً وجنائياً الخ .

2 ـ التشريع الخاص الذي هو مجموعة القواعد المنظمة لعلاقات الأفراد فيما بينهم، سواءً كان تشريعاً مدنياً كقوانين التجارة وقوانين الشغل ، أو إجرائياً كالمساطر وتنازع القوانين وتنازع الاختصاص .

كما يغطي النهج الثاني كل ما يتعلق بتطوير المرافق وأوجه النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعسكري والصناعي والزراعي والعلمي، بما يحقق السير السليم السوي المتوازن ، ويرعى ويطور ما هو موجود من المؤسسات ، ويستحدث ما هو مفتقد من المرافق والوسائل والأدوات ، من أجل حفظ المقاصد الفردية  لأعضاء المجتمع التي هي الضرورات الخمس بحاجياتها وتحسيناتها ، وتجنيدها لتحقيق المقصد الأسمى للأمة.

قد يعترض على هذا المنحى بأن في الكتاب والسنة قواعد ومبادئ مجملة عامة تغطي هذا المجال ، ونحن لا نستبعد هذه الضوابط السلوكية المشار إليها ، فهي مصدر أساسي للتشريع الشوروي ؛  إلا أنها باستثناء الحدود والتعازير مفتقدة إلى ما يجعلها ملزمة ، وليس لها من قوة جزائية دنيوية خارجية تمنع وتردع ، وعنصر الإلزام فيها مكتسب من مجرد ورع المرء وتقواه ؛ كما أنها لا تغطي مساحات كثيرة من ضروب النشاط الإداري والسياسي والاقتصادي والتجاري والعسكري والثقافيالخ .

لقد أثبتت سلفا تجربة الحكم الراشدي أن الاكتفاء بالشفوية في التشريعات الإنشائية ، وعدم تحويلها إلى مدونة ملزمة ذات جزاء ، لا يوفر لمؤسسات الدولة ضمانات الاستمرار والمناعة ضد الانهيار . وقد ظل تسيير الشأن العام طيلة التاريخ الإسلامي إلا في حالات نادرة ، شفويا وخاضعا للاجتهاد الآني ، الذي سارع إلى الضمور والتقلص بمجرد ما التحم في العصور المتأخرة بالفكر القانوني العلماني المعقلن ، فاضطر المسلمون إلى تعريب الدساتير والقوانين الوافدة ، ومحاولة أسلمتها وإقحامها في التشريع الإسلامي . ثم عندما لم تثمر هذه النبتة في ديار المسلمين ، عادوا على الإسلام نفسه باللائمة ودعوا إلى التحلل من تعاليمه ؛ وغاب عنهم أن الخلل المؤدي إلى عقم المستوردات الغربية في أرضنا ومجتمعنا ليس إلا في منهج تفكيرهم ، واضطراب طريقة تعاملهم مع واقع أمتهم .

ذلك أن الفكر الغربي بحكم نشأته وتطوره في بيئته وتاريخه وتصوراته الدينية والفلسفية ، يصبح لأهله وفي وطنه سهل الفهم معروف المقاصد ، مرنا قابلا للتعديل والتطوير، لاعتماده على مخزون ذاكرته التاريخية وتراث ماضيه ، ورصيد مخيلته وتصوره لمستقبله وأهدافه . إلا أن هذه المميزات الإيجابية تغيب وتفتقد عند نقله إلى أمة أخرى مختلفة التاريخ والتجارب والبيئة والدين والفلسفة والأهداف  حينئذ يكتسب الفكر المنقول الرتابة والجمود ، لانفصاله التام عن ماضي البيئة الجديدة وحاضرها ومستـقبلها ، ورصيد تجربتها وضميرها ومشاعرها وجاذبية آمالـها .

إن بلورة نظام سياسي وتدبيري رشيد مدون وملزم ، بواسطة التشريع الشوروي المتكامل أمر ضروري لقيام دولة الإسلام الشاهدة . إلا أن لهذا التشريع قيودا وضوابط لابد من توفرها ليكون مأذونا فيه ، أي منتسبا إلى الكتاب والسنة مرتبطا بهما بآصرة الإذن الوارد في قوله تعالى: ) وأمرهم شورى بينهم ( الشورى 35 .

من أهم هذه الضوابط والقيود :

1 ـ أن تعلن فيه الحاكمية لله تعالى ، لأنه هو الآذن بإنشائه واتخاذه والعمل به ؛ فلا يحرم حلالا أو يحل حراما ، ولا يعود على الدين عقيدة أو شريعة أو أخلاقا أو مبادئ وتعاليم وأهدافا ومقاصد بالمعارضة أو التنافي أو الإبطال .

2 ـ ألا يتحول إلى تشريع ديني ، أو يتدخل في الأحكام الدينية بالزيادة أو النقص أو التعديل ، وأن تسد كل الذرائع المؤدية إلى ذلك .

3 ـ ألا يقتبس من تشريع ديني ، وضعيا كان أو سماويا منسوخا ؛ لأن في ذلك شبهة تحاكم إلى غير الإسلام ، وذريعة لتمييع الولاء وتعتيم التصور الإيماني الذي ينبغي أن يبقى صافيا واضحا سليما ، ومحجة بيضاء ليلها كنهارها .

4 ـ أن يكون تشريعا مصدره مؤسسة الشورى الجماعية العامة ، وليس الأمزجة والمصالح الفردية أو الفئوية أو الحزبية أو الطبقية أو الأجهزة التنفيذية .

5 ـ ألا يحتكر توجيهه والتأثير في نشأته بيد حاكم أو فئة أو قبيلة أو عائلة ، وإنما يكون حقا عاما لكل أعضاء المجتمع المسلم المتساكنين في أرض الشورى ، لا فرق بين أسود وأحمر وأبيض ، ذكرا كان أو أنثى ، مواطنا مقيما أو زائرا أو عابر سبيل إذ الأمر للإسلام والإسلام للجميع .

6 ـ ألا يتحول إلى قواعد ثابتة جامدة غير قابلة للتعديل والتغيير ، فتتوقف بذلك حركة تطور المجتمع ورقيه ؛ بل يبقى مجرد نظم وقواعد وخطط وبرامج للأمة حق تعديلها وإلغائها واستبدالها كلما اقتضت ذلك مصلحتها .

7 ـ أن يجلب للأمة منفعة ويفتح لها ذريعة إلى منفعة ، أو يدفع عنها مفسدة ويسد ذريعة إلى مفسدة .

8 ـ أن يرفد تيار الأمة الإسلامية الساعي إلى تحقيق مقاصد الشرع من تعبيد الأفراد ، ومقاصده من إخراج خير أمة للناس .                     


مصادر التشريع الشوروي

 أشرنا فيما سبق إلى الفرق بين مصطلحي الدليل والمصدر ، وكون الحجية في الدليل أقوى منها في المصدر ؛ أي أن الدليل ملزم بإطلاق ، ومصدر التشريع المأذون فيه غير ملزم ما يستنبط منه ، إلا باتفاق الأمة على اتخاذه قرارا ملزما أو قاعدة لتصرف ، أو ذريعة لتحقيق مصلحة أو دفع مضرة .

والأمر يزداد وضوحا إذا ما تجلت معاني لفظ "مصدر " وجذوره اللغـوية؛ ذلك أن حروف "الصاد والدال والراء" كما ذكر ابن فارس في معجمه ، أصلان صحيحان ، أحدهما يدل على خلاف الورد ، والثاني صدر الإنسان وغيره . فالأول قولهم : صدر عن الماء وصدر عن البلاد يصدر بالضم ، إذا كان وردها ثم شخص عنها . ومنه طريق وارد ، أي يرد بأهله على الماء ، وطريق صادر أي يصدر بأهله عن الماء . والمصدر موضع الصدور ، أي الرجوع والانصراف . ومنه مصادر الأفعال . وفي الحديث : " يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى " .

والمصدر في المجال التشريعي له عدة معان تؤدي كلها إلى عملية إنشاء القوانين والقواعد باقتباسها أو استنباطها من مراجع مادية أو معنوية ؛ سواء كانت هذه المراجع عوامل اجتماعية ، عادات وتقاليد وأعرافا ، أو كانت تاريخا وتراثا من التجربة والفقه والقانون وأحكام القضاء . ذلك أن الأمة عندما تعود إلى هذه الينابيع ، تصدر عنها مزودة باستنباط تشريعي إنشائي مأذون فيه ، لما سكت عنه الشرع من قضايا الدنيا . 

إلا أن لمصطلح " مصدر " معنى آخر يتعلق بالأداة البشرية التي تقوم بعملية صوغ القوانين والقواعد وإخراجها في خطاب عام ملزم ، له من الجزاءات ما يجعله محترما واجب الاتباع ؛ ونعني بذلك السلطة السياسية القائمة . هذه السلطة في النظام الإسلامي تختلف اختلافا جوهريا عن نظيرتها في النظم الوضعية ، ما سلف منها وما حدث .

ففي النظم الوضعية ذات الحكم الفردي ، يستأثر بهذا الأمر الملك أو الإمبراطور مع أعوانه ملأ ومستشارين وفقهاء وعلماء ومقربين .

وفي النظم الديمقراطية يقوم بهذه المهمة مجلس للنواب أو الشيوخ ، ولجان دستورية تحضر مشروعات القوانين وتعرضها على البرلمان الذي يقرها .

وفي نظم الملكيات الإسلامية ، كان الاجتهاد شديد الاضطراب عند محاولته تحديد هوية أولي الأمر الذين أشارت إليهم الآية الكريمة : ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ( النساء 58 ؛ مما ترك ثغرة للحكام وظفوها للاستئثار بأمر الأمة كله . إلا أن إعادة النظر في النصوص المتعلقة بالتدبير السياسي دلت بما لا يدع مجالا للريب ، أن أولي الأمر الدنيوي العام هم المسلمون جميعا ، وهم الأداة البشرية الموكلة بصياغة القوانين والقواعد واتخاذ القرارات وتنفيذها والمحاسبة عليها .

ولئن اعترض معترض بأن قضايا الدنيا متنوعة ومعقدة لا يفهمها إلا أولو الاختصاص والخبرة من العلماء والفقهاء والأطباء والمهندسين ، فإن هذا الإشكال يزول إذا علمنا أن هؤلاء يشاركون في الشورى ويقومون أثناءها بمهمة الشرح والتوعية وتوضيح الأحكام الدينية والحقائق العلمية ، على أن لا يحرم أحد من حقه في إبداء الرأي أو الاعتراض أو المساهمة في اتخاذ القرار ، أو يوظف اختلاف المستوى العلمي مبررا لاحتكار الشورى والاستئثار بها ؛ إذ الجميع في سفينة واحدة يهلكون مهلكا واحدا بغرقها .

     هذا عن معنى لفظ "مصدر " كأداة بشرية للاستنباط والصياغة والتقرير ، وقد أدرجناه في السياق ، لنميزه عن مصطلح " المصدر " بمفهومه المعنوي مرجعا لتنظيم الشأن الدنيوي في جانبيه العام والخاص . فما هي هذه المصادر المتخذة مراجع للتقنين والتقعيد ؟ .

بادئ ذي بدء ينبغي  التمهيد لذلك بتوضيح ثلاثة أمور :

أولها أن الشأن الدنيوي مشترك بين جميع الناس ، مسلمهم وغير مسلمهم ، ولذلك فالتجربة الإنسانية فيما لا يؤثر في الدين مشاعة للجميع ، وقد استخدم الرسول r   الخندق وهو تجربة فارسية ؛ كما أن بعض الشأن الدنيوي لدى المسلمين وغيرهم ينظمه الدين ؛ سواء في ذلك الديانة الموسوية التي وضعت تشريعات دينية ودنيوية ، أو المسيحية التي اقتصرت في أول أمرها على الجوانب العقدية والخلقية ، ثم اضطرت كنيستها في فترة الاضطهاد إلى انتحال قوانين كنسية مبنية على مبادئ القانونين الطبيعي والروماني . ثم بعد أن تم الانقلاب على المسيحية وتأسيس الدولة اللائكية في أوربا تحولت هذه القوانين إلى مجرد مصدر تاريخي .

أما في الإسلام فقد صنفت الشريعة الأحكام إلى ثلاثة أصناف : صنف واجب الاتباع هو الأحكام الشرعية العملية ، وصنف محرم هو التشريع فيما لم يأذن به الله  وصنف ثالث مأذون فيه بواسطة الشورى العامة المؤطرة بالعقيدة ومقتضياتها.

والأمر الثاني هو أن مصادر التشريع الشوروي المأذون فيه غير ملزمة إلزاما مطلقا ، والرجوع إليها أو اتخاذها موردا ، اختياري تقدره الأمة بقدره في كل حالة وحادثـة ؛ ولا يـستـثنى من ذلك إلا مصـدر واحد ملزم هو التصور الإيماني ومقتضياته .

والأمر الثالث أن التشريع الشوروي لا تكاد تحصره قواعد أو تستوعبه قوانين مكتوبة ، نظرا لكونه يغطي كافة أنواع النشاط البشري الذي يتغير ويتنوع بتطور الحياة والمعارف العلمية اختراعا وتصنيعا واكتشافا ؛ مما يقتضي أن تتعدد مصادره وتتطور باستمرار ، وأن تنبثق في كل حين مصادر جديدة تناسب تجدد الأحوال والأجيال ، وتكون معبرا ضروريا تمر منه القوانين والقواعد والنظم المستحدثة.

لذلك نكتفي في هذه الدراسة بأهم المصادر المعتمدة حاليا ، نفردها في ستة مباحث هي : التصور الإيماني وقانون الفطرة ـ أدلة الأحكام الشرعية العملية ـ الفقه وأحكام القضاء ـ رصيد التجربة الإنسانية ـ الاستحسان ـ المصالح المرسلة أو الاستصلاح.        


المبحث الأول

التصور الإيماني وقانون الفطرة

الأصل في الإنسان السواء النفسي والعقدي ، والفطرة السليمة التي يولد عليها المولود ، وقد ألهمت رشدها في ضمير الغيب ؛ وهذا معنى قوله تعالى : ) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( الأعراف 172 ،      )وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ( الشمس 7-10 ، ) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ( البلد 8-12 ، ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( الروم30 .

هذه الفطرة هي التي يطلق عليها الوضعيون " الطبيعة " ، وإن ضل سعيهم في تعريفها والرجوع إليها ، واتخاذها مصدرا لتنظيم الحياة وترشيد التصرفات ، فأطلقوا على ما يستنبطون من أحكامها مصطلح " القانون الطبيعي " ؛ ثم تضاربت لديهم الآراء والسبل حول كيفية الاستفادة منها وجعلها مرجعا وملاذا .

ذهب اليونانيون إلى أن الكون يهيمن عليه نظام طبيعي ثابت ، ولذلك فحياة الناس وعلاقاتهم تخضع بالضرورة لقوانين ثابتة ينبغي للعقل اكتشافها وتقعيدها ؛ ثم بنوا على ذلك نظم الحكم الفردي المستند إلى قائد ملهم ، له وحده القدرة على استمداد النور من العقل الفعال  وتربية الرعية . وعندما ضاقت البشرية بهذا الاستبداد المتفلسف حاول الاجتهاد الأرسطي تخفيف وطأته ، فقرر أن القوانين التي يضعها القائد الملهم ينبغي أن تحقق أهداف القانون الطبيعي المطعم بقواعد العدالة .

أما الرومان فقد رأوا في القانون الطبيعي وقواعد العدالة ، القانون الأمثل الذي يتكون في نظرهم من مجموعة قواعد أبدية سرمدية موجودة في الطبيعة ، وعملوا بهديه على تهذيب قوانينهم الوضعية ، كالقانون المدني وقانون الشعوب .

ثم انتقلت الفكرة نفسها في القرن الرابع الميلادي إلى الفكر الكنسي الذي انتحله على أساس أنه يصل إلى البشر عن طريق الإلهام لا بواسطة العقل . ثم في القرن الثالث عشر الميلادي ميزت الكنيسة بين ما يعد لديها قانونا إلهيا ، وبين القانون الطبيعي الذي صار في نظرها غاية ما يدركه العقل من القانون الإلهي ، وبين القانون البشري الذي يستلهم من القانون الطبيعي . إلا أنه منذ القرن السابع عشر ، بدأت أوربا في استكمال تكوينها الحديث ، بوضع الدساتير والقواعد على أساس العقل والمصلحة ، وكان لابد من تعزيز هذه النظم بمرجعية غيبية ، تجعلها أكثر احتراما وإلزاما ، فاتخذت القانون الطبيعي مصدرا ومرجعا .

على هذا الأساس نشأ المذهب الفردي ، وأعلنت مبادئه في ثورة الاستقلال الأمريكية ، وفي وثائق حقوق الإنسان التي هي ثمرة الثورة الفرنسية ، كما ناصره  أغلب شراح القانون الفرنسي في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي .

إلا أن فكرة القانون الطبيعي أخذت تفقد بريقها بنشوء المذهب التاريخي على أساس أن القانون وليد المجتمع ، يساير تطوره مكانا وزمانا وأحوالا ، وأن مهمة المشرع منحصرة فقط في رصد هذا التطور وتسجيله وتوثيق القوانين الناشئة عنه ، دون أن يملك توجيهها أو تعديلها . فاضطر الطبيعيون إلى مراجعة آرائهم والموافقة على صواب النهج التاريخي إذا ما بنيت القوانين على مبادئ تستلهم من الطبيعة وتكون مثلا أعلى يهتدي به العقل البشري . 

وفي أوائل القرن العشرين ، عاد فقهاء القوانين الوضعية من جديد ، إلى فكرة القانون الطبيعي الأصلية ، ولكنهم عرفوه بأنه مجرد مبادئ محصورة العدد ، مبنية على قواعد العدالة ، وتعد مقياسا لصلاحية التشريع أو عدم صلاحيته . وبذلك أصبحت فكرة القانون الطبيعي تدل على معنيين ، أولاهما تعني مجموعة محدودة من المبادئ العامة الأزلية ، وثانيتهما أن هذه المبادئ يفرع عليها العقل نظما وقواعد لتحقيق العدالة وضمان حقوق الإنسان .

هكذا ظلت فكرة القانون الطبيعي ومبادئ العدالة مجرد أوهام مضطربة ضبابية تحوم حول الهدف ولا تقتحمه ، ومحاولات قاصرة عاجزة عن اكتشاف حقيقة الفطرة وطرق الاسترشاد بها .

إن الفطرة السوية كما خلقها ربها سبحانه ، تعرضت عبر التاريخ الإنساني لمحاولتين فاشلتين ، عالجتا أمرها بأسلوب فلسفي اغتالها وأطفأ نورها وجعلها أسيرة جزئيات الكينونة البشرية دون كلياتها ، مما يفسر مظاهر الجفاف والانحراف واللبس التي تطبع ما دونه الوضعيون من أمرها .

أولى هاتين المحاولتين من الاتجاه اللبرالي الذي احتفظ ببعض قشور الديانة المسيحية كمرجع روحي باهت مبني على الأوهام والخرافة ، ثم أطلق للأهواء عنانها.

والثانية من الاتجاه المادي الذي لا يفرق بين الكينونة البشرية ذات البعدين المادي والروحي ، الشهودي والغيبي ، الدنيوي والأخروي ، وبين أي كائن مادي آخر . فأصبح معنى الفطرة لديه ، آليا خاضعا لمؤثرات الكيمياء والبيولوجيا وتفاعلات الكروموزوم ، مما قلص مساحة التمييز بين الإنسان والحيوان ، وجمع بين الاتجاهين اللبرالي والمادي في موقف واحد يضفي على الفطرة كل معاني الانحلال والفجور واختلاط الأنساب وشذوذ العلاقات .

إن الفطرة السوية ليست إلا توجه الإنسان الطوعي نحو ربه وانحيازه التلقائي لكل مبادئ العدالة والمساواة والحرية والإخاء والرحمة والمشاركة الوجدانية وحقوق الإنسان في الحياة والتناسل والكسب والتعلم وإبداء الرأي والمشاركة في الشأن العام.كل ذلك جبل عليه الإنسان السوي ، إلا أن هذه الجبلة مبنية على أساس متين من تصور إيماني يربط المرء بخالقه ويضمن له الانسجام مع سائر المخلوقات التي تشاركه العبودية في هذا الكون الفسيح . هذا التصور الإيماني ضرورة فطرية مستقرة في ضميره ، لها من صفات الثبات والاستمرار ما يجعلها ركناً ركيناً في بنيته النفسية توجه تفكيره وسلوكه وتصوره لنمط معيشته ونظام سلوكه . لذلك ليس للفطرة إلا خالقها الذي فصل مبادئها وبين حقيقتها، ولم يترك شأنها لما دعي لدى الوضعيين بالإلهام والاستلهام والشعور.

إن في القرآن والسنة نصوصاً عامة وقواعد كلية ومبادئ مجملة، وتوجيهات مرنة موافقة للفطرة السوية تجعلها مصدراً للتشريع الشوروي القابل للتنـزيل على الحوادث المتجددة بكل جوانبها وحالاتها واختلاف بيئاتها وتنوع حاجاتها ومصالحها الفردية والجماعية.


المبحث الثاني

أدلة الأحكام الشرعية العملية

الأحكام الشرعية العملية التي ورد بها القرآن والسنة شرع ملزم ، إنكارها كفر وعدم الامتثال لمقتضياتها عصيان . وهي غير خاضعة بأي حال من الأحوال للتشريع الشوروي ، بل التشريع الشوروي محكوم بها تابع لتوجيهاتها خاضع لمبادئها. لذلك كانت معرفة هذه الأحكام وطرق استنباطها ضرورية للمشرع في الميدان الشوروي.

إن الأحكام العملية التي هي ثمرة علمي الفقه والأصول ينبغي أن تكون المعرفة بها أساسا متينا  يبنى عليه التشريع الشوروي ، والمعرفة في هذا الميدان تشمل جانبين، جانب الأحكام في ذاتها وجانب منهج استنباطها ، وكلاهما مفيد للمشرع الشوروي .

فمعرفة الأحكام ضرورية كي يتلافى المس بها بالزيادة أو النقصان أو التحريف أو الإلغاء . كما أن معرفة مناهج الاستنباط وتعرف الأحكام من النصوص ، والبناء عليها باستخراج العلل وتلمس المصالح والمقاصد التي صرح بها أو أومأ إليها الكتاب   والسنة من أهم ما يساعد المشرع في الميدان الدنيوي ، لأن هذه المعرفة ميزان يضبط العقل ويرشده إلى مواقع الخطأ والصواب .

فالقرآن الكريم بإعجازه في ذاته ، وما يسوقه من تجارب الأمم السابقة ومحاذير ما يرتكب في الأمم اللاحقة ، وتبيانه للمبدأ والمعاد والأحكام ، ومقاصد الدين وهدف إخراج الأمة الإسلامية للعالمين ؛ والسنة النبوية قولا وعملا وتقريرا ؛ وأحكام الإجماع المستند إلى الكتاب والسنة ، والقياس الذي هو حمل لما لم ينص عليه على ما فيه نص ، سواء كانت العلة مقررة أو مستنبطة ، أو كان توسعا في استعمال النص كما لدى الظاهرية ، أو بمعنى العقل المستند إلى النصوص ؛ وسائر الأدلة التبعية الأخرى استصحابا أو فتوى صحابي أوسد ذريعة الخ ، كل ذلك معرفته ضرورية تعين المشرع الشوروي على تبين مواطئ قدمه وضبط سير خطواته، وتكون لديه ملكة الفهم والملاحظة والمقارنة والموازنة والاستقراء والاستنباط والتجريد والتعميم ، وهي عمليات عقلية لابد من إتقانها لترشيد التصرفات وترقية أساليب معالجة القضايا الدنيوية وملابساتها .    


المبحث الثالث

الفقه وأحكام القضاء

 الفقه لغة معناه الفهم العام ، والمعرفة النافذة العميقة لدوافع الأفعال والأقوال ونتائجها وغاياتها ؛ أما الاصطلاح الشرعي فيخصص عامه ويقيد مطلقه ، ويجعله مقصورا على معرفة الأحكام العملية عبادات ومعاملات ؛ أما الأحكام الاعتقادية فمن أبحاث علم الكلام .

وفي الاصطلاح الوضعي يعني الفقه مجموعة آراء علماء القانون وشروحهم وتفسيرهم للقواعد ونقدهم لها فلسفيا وتطبيقيا ، بما يغطي جميع مناحي النشاط البشري ، ما تناوله الشرع بالتنظيم ، وما تركه للشورى العامة . ومن المعلوم أن الأحكام الشرعية العملية جزء منها تشريع إلهي مستمد من الكتاب والسنة ، والاستناد إليهما بالإجماع والحمل عليهما بالقياس ، وجزء وضعي سنه المجتهدون من كبار الأئمة في الميدان الدنيوي هو ما يعنينا في موضوع مصادر التشريع الشوروي ، وما يكاد يلتقي فيه الفقهاء المسلمون بالوضعيين ، لأن المجال واحد هو ما سكت عنه الشرع ، وبناء القواعد لدى الطرفين على الحكمة والمصلحة والنفع العام . فقد يرى بعضهم مصلحة في استحداث قواعد لتنظيم حالات طارئة في أسلوب المعيشة أو تدبير الشأن العام ، أو ضرورة لإصلاح عيب في نص إنشائي على أساس ما ظهر من خلل في التطبيق والممارسة . فإذا أصبح هذا الرأي مرجو النفع ورأت الشورى العامة اتخاذه مصدرا لإنشاء بعض القواعد كان لها ذلك بإطلاق .

أما القضاء فهو علم خاص متميز عن فقه الفروع وأصول الدين ، لأنه مبني على معرفة الأحكام التي تجري مجرى الكليات مما ليس لها ذكر في فقه الفروع .

والقضاء لغة عبارة عن اللزوم ، حقيقته الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام ، من أجل فصل الخصومات وقطع المنازعات .

والمقصود في هذه الدراسة مجموعة الأحكام التي تصدرها المحاكم ، وهي نوعان: نوع لا نزاع حوله ، سواء كان التحاكم فيه شرعيا أو وضعيا ، ونوع أحكام هي موضع خلاف ،  بسبب استنادها إلى اجتهاد مرسل ليس له دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس ، وهذا النوع يوجد  الخلاف الفقهي والقانوني حوله ومن أجل الفصل فيه ، قاعدة أو قانونا أو تشريعا مأذونا فيه . وهذا هو المقصود بمصطلح " أحكام القضاء " مصدرا للتشريع الشوروي.

لقد كانت ولاية القضاء في التاريخ الإسلامي ، يندرج تحتها كل ما يتعلق بالمنازعات حول الأنكحة والمواريث والأموال والعقود والفسوخ ، ودعاوى التهم والعدوان وكشف المظالم وحقوق الأيتام ، والجنايات على الأنفس والأعراض والجراحات والحدود والحسبة والخرص وجباية الصدقات وصرفها ، وعموم أحكام السياسات التي يرجع إسناد القضاء فيها إلى المصلحة والعرف وأحوال السلم والحرب والمهادنة ؛ وهو لذلك مصدر غني من مصادر التشريع الشوروي . إلا أن القضاء في العصر الحديث عرف نظما وزعت الاختصاصات ، ونوعت أساليب الممارسة ، فعرف القضاء الواقف والقضاء الجالس ، وتعددت مراتب التقاضي ، وتميز القضاء الشرعي عن القضاء الوضعي . وفي كل الأحوال تناولت أحكام القضاء قديما وحديثا قضايا سكت عنها الشرع وبث فيها الاجتهاد البشري .

هذه الأحكام ، سواء وردت في القضاء الإسلامي التراثي أو في القضاء الوضعي الحديث ، تعد مصدرا للتشريع الشوروي ، مادامت لا تعود على الشريعة الإسلامية بالإبطال أو التغيير أو التبديل أو التجميد .    


المبحث الرابع

رصيد التجربة الإنسانية

 وتعني التجربة التاريخ الخاص بالأمة الإسلامية ، والعام للإنسان ، وما أنتج هذا التاريخ من عبر وعظات وتجارب وتقاليد وأعراف ، ومنجزات في ميادين الاجتماع والسياسة والاقتصاد والقوة والعلوم والآداب . هذا الرصيد يعد تراثا مشتركا بين الأمم ، ومصدرا مشاعا للتشريع الشوروي المأذون فيه .ترجع إليه الأمة إن رأت في ذلك مصلحة ، وتستلهمه حلولا لبعض مشاكلها أو تطويرا لبعض مؤسساتها وترقية وضبطا لبعض تصرفاتها .

إن هذا الرصيد من التجربة والتاريخ والعلم بكل ما بلغته البشرية من تقدم وما حققته من اختراعات واكتشافات صناعية وبيولوجية وكونية ، يعد ملكا عاما للإنسان ينبغي استثماره برشد وحكمة ، وميراثا محترما مفيدا لأنه جزء من الماضي وأساس للحاضر وأداة لتطوير المستقبل . كما تمتاز القواعد المستلهمة منه بمرونة قابليتها الإلزامية وسهولة الانسجام معها ويسر الانضباط بها .

إن النظام الإسلامي الشوروي لا يتعارض مع هذا الاتجاه التاريخي مادام ذخيرة خبرة وعبرة يسترشد بصوابه ويتعظ بأخطائه ، ومسبارا يقاس به على ضوء الكتاب والسنة مدى نجاح الممارسات والقواعد والقوانين أو فشلها . وإلى ذلك يشير القرآن الكريم بقوله تعالى : ) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ( فاطر 44 ، ) لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ( سبأ15، 16  .

إن رصيد التجربة والتاريخ مصدر غني للتشريع فيما سكت عنه الشرع ، غير أن ذلك مقيد بالشورى الإيمانية الجماعية ، التي تدرس الواقع وتستقرئ التجارب وتحدد الغايات والمقاصد ، وإلا كانت الفتنة والتسيب والفوضى والاضطراب .

إن منهج الاستفادة من رصيد التجربة والتاريخ الذي أرشد إليه الإسلام ، كان أساس نشوء المذهب التاريخي لدى فقهاء القانون الوضعي ، الذين تمردوا على فكرة القانون الطبيعي . ولكن حرفية نظرتهم إلى التاريخ أوقعتهم في إساره وحاكميته ، بزعمهم أن تطور قوانين الأمم آلي ، لا تتدخل فيه إرادة الإنسان ، وليس ثمرة التفكير والاستنباط ، وإنما ينشأ من ضمير الجماعة وينمو فيها نموا ذاتيا ، وظيفة المشرع إزاءه سلبية تقتصر على المراقبة والتدوين والتوثيق ؛ وهذا ما شرحه " مونتيسكيو " في كتابه " روح القوانين " .

ثم بعد حين تطور هذا المذهب نفسه على يد الألماني "إيرنج " في كتابه " الغاية من القانون " ،فيما عرف بمذهب الغاية والكفاح ، على أساس أن القوانين ظواهر طبيعية تخضع لضوابط الإرادة والغاية ، وتطورها تطور مبصر يهتدي بنور العقل ، ويتأثر بالتوجيه الإرادي المباشر نحو غاية هي حفظ المجتمع وتحقيق الخير العام .

ثم أضاف " أوجيست كونت "إلى هذا المنهج فكرة التضامن الاجتماعي التي تعد التعاون مع الغير ضروريا لتحقيق مصالح الفرد وكفالتها ، مما يضطر الجميع إلى التضامن ، ويجعل الشعور بالحاجة إلى التعاون والتكافل أصلا للقانون ومبعثا لقوة الإلزام فيه .

ثم بلغ تطور هذا المذهب مداه لدى " جيني " الذي حلل هذه النظريات كلها وحاول التوفيق بينها ، على أساس أن مادة القوانين تتكون من أربع حقائق هي : الحقائق الطبيعية الواقعية ، والحقائق التاريخية ، والحقائق العلمية ، والحقائق المثالية التي هي المقاصد والغايات .

إن هذه المذاهب التاريخية لدى الوضعيين ، إذا أمعن النظر فيها بدا واضحا تأثرها بالفكر الإسلامي ، وظهر أن كلا منها تتبنى جانبا من الاجتهاد الفقهي الذي عرفته مسيرة الحضارة الإسلامية .


المبحث الخامس

الاستحســان

 أدلة الفقه قسمان ، أصلية وتبعية ؛ فالأصلية متفق عليها بين جمهور الفقهاء ، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس . أما التبعية فمختلف في حجيتها ومجالها وقوة إلزامها في ميدان الأحكام الشرعية العملية ، وإن كانت في مجال التشريع الشوروي العام أصلح وأجدى .

على رأس هذه الأدلة التبعية ما أطلق عليه الفقهاء مصطلحي الاستحسان والمصالح المرسلة ، اللذين يستوعبان قضايا دينية ، وأخرى دنيوية لا يمكن الرجوع في شأنها إلى نص أو إلى حمل على النص .

أول هذين الدليلين ، وهو الاستحسان ، عرفه الفقيه المالكي ابن رشد الحفيد بأنه في أكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة والعدل . كما عرفه ابن العربي المالكي بأنه إيثار ترك الدليل والترخيص بمخالفته لمعارضة دليل آخر في بعض مقتضياته ، وأن هذا الترك يكون للعرف كما يكون للإجماع والمصلحة والتيسير ودفع المشقة . وعرفه ابن الأنباري ، وهو مالكي أيضا ، بأنه طرح لقياس يؤدي إلى غلو في الحكم ومبالغة فيه .