|
المرشد العام
للحركة يخاطب الأعضاء
بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين للتأسيس
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين
الحَمْدُ للَّهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُه
ونستغفرهُ، ونعوذُ بالله من شرورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سيِّئاتِ
أعْمالِنا، من يَهْدِهِ الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومن يُضَلِلْ
فلا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلاَّ الله وحدَهُ
لا شَريكَ له, وأشْهَدُ أَنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ،
أَرْسَلَهُ بالحقِّ بشيراً ونذيراً بينَ يَدَي الساعةِ، مَنْ
يُطِعِ الله ورسولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، ومَنْ يَعْصِهِ فإنَّهُ
لا يَضُرُّ الله شيئاً، ولا يَضُرُّ إلاَّ نَفْسَهُ، أما بعد:
أيها الإخوة والأخوات، ومقام الأبناء والبنات
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
في هذا اليوم، الجمعة الأولى من شهر محرم لهذه السنة الهجرية
المباركة، تسع وعشرين وأربع مائة وألف, تحل بنا الذكرى التاسعة
والثلاثون لتأسيس حركتنا المباركة "الحركة الإسلامية
المغربية"، بكل ما تراكم لدى أبنائها من تجربة أثمرت حكمة،
وعقلٍ منضبط بنصوص الكتاب والسنة، وإيمانٍ صقلته المحنة
وجلَّاه الصدق والثبات على الحق، وغيرُ خافٍ عليكم وأنتم على
مشارف الأربعين سنة من عمر الدعوة في ربوع هذا الوطن, ما ترمُز
إليه سن الأربعين من تكامل في قوة العقل والفهم والفقه
والحكمة والفعل, يقول تعالى {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىۤ أَنْ
أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ
وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًا تَرْضَــٰهُ},
ويقول:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا
وَعِلْمًا
وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ}.
إن سن الأربعين مقترنةٌ دائما لدى المحسنين الصابرين بمنحةٍ
إلهية لهم، منحةٍ قوامها عقلٌ وعِلم يثمران فهما ربانيا للحياة
الدنيا بصراطها المستقيم الواجبِ اتباعُه، ومتاهاتها المتعرجة
المُعْوَجَّة الواجبِ تجنبُها؛ ولذلك يكون دعاء من بلغها من
السعداء أن يتجه إلى ربه تعالى متضرعا وقد تخلص من طيش الشباب
ورعونته وجهالته: { رَبِّ أَوْزِعْنِىۤ أَنْ أَشكُرَ
نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ
وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًا تَرْضَــٰهُ}.
إن الفهم الرباني الذي هو منحة إلهية وثمرة طبيعية للمجاهدة
بالعلم والعقل, العلمِ بالقرآن والسنة، والعقلِ المنضبط
بالإيمان, هو قاعدة الانطلاق في صراط الله المستقيم, سيرا فيه
واتباعا له, وإعراضا عن سبل الشيطان المتعددةِ ذاتَ اليمين
وذاتَ الشمال, سعيا فيها أو وقوفا على أرصفتها.
وغيرُ خفيٍّ على العقلاء الحكماء أن السير هو تتابع السعي
بخطوات متزنة، من نقطة معينة هي الحياة الدنيا إلى نقطة أخرى
معلومةٍ ومحددة ومرصودة ومقصودة هي حياةُ الآخرة، وإلا كان
مجردَ تحرك عفويٍّ سائبٍ كحركة الأرنب عندما يدهمها الخطر
فتنطلق في أي اتجاه قفزا ونطّاً، أوجريا أو تدحرجا أحيانا، حتى
إذا ما أرهقتها الحركة العشوائية وقفت وأسلمت أذنيها لمن
يطلبها من شياطين الجن والإنس .
هذا الفهم الرباني الذي هو قاعدة الانطلاق الأولى إلى الصراط
المستقيم به يتميز الصواب من الخطأ والحق من الباطل، وسبيلُ
الرحمن من سبل الشيطان {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا
فَٱتَّبِعُوهُ
وَلا تَتَّبِعُوا ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ
}
من هنا مفترق طريق بين صواب واحد هو الحق من ربك، وبين أخطاءٍ
متعددة ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، أخطاءٍ ذاتَ اليمين تحتفظ
بالانتساب الظاهر للإسلام ولكنها تخرج عنه من عدة أنفاق،
وأخطاءٍ ذاتَ الشمال تقطع صلتها بالإسلام وتذهب في الكفر مذاهب
شتى، وهذا ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لنا فيما رواه
عبد الله بن مسعود:
قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلّم خطاً بيده، ثم قال «هذا
سبيل الله مستقيماً» وخط عن يمينه وشماله ثم قال «هذه السبل
ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ {وَأَنَّ
هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ
وَلا تَتَّبِعُوا ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِيلِهِ}.
وعن ابن مسعود أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال:
«ضرب اللَّهُ مثلاً صراطاً مستقيماً،
وعلى جَنَبَتَـي
الصِّراط سوران، فيهما أبوابٌ مفتَّحة، وعلى الأبواب ستورٌ
مُرخاةٌ، وعند رأس الصِّراط داعٍ يقول : استَقيموا على الصراطِ
ولا تَعْوَجُّوا، وفوق ذلك داعٍ يدعو، كلما همَّ عبدٌ أن يفتح
شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك ! لا تفتحْه، فإنك إنْ تفتحْهُ
تَلِجْهُ». ثمَّ فسره فأخبر: «أنَّ الصِّراط هو الإسلام، وأنَّ
الأبواب المفتَّحةَ محارمُ الله، وأنَّ الستور المُرْخاةَ حدود
الله، وأن الداعي على رأس الصِراط هو القرآن، وأن الداعي من
فوقه واعظُ الله في قلبِ كلّ مؤمن»
كما روى أبان أن رجلاً قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم ؟
قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلّم في أدناه وطرفه في الجنة،
وعن يمينه جوادُّوعن
يساره جوادُّ, وثمَ َّرجال يدعون من مَرَّ بهم، فمن أخذ في تلك
الجوادِّ انتهت به إلى النار, ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى
الجنة، ثم قرأ {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا
فَٱتَّبِعُوهُ
وَلا تَتَّبِعُوا ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِيلِهِ}.
إن الفهم الرباني الذي يبين لنا الصراط المستقيم فنتبعه ونسير
فيه بخطوات ثابتة، ويكشف لنا معالم سبل الشيطان اليمينية
والشمالية فنجتنبها ونحذِّر إخواننا منها، هو الذي يمنحنا
الجراءة الإيمانية على اقتحام العقبة الحرجة, للانطلاق الرشيد
نحو هدفنا الأسمى الذي هو مرضاة ربنا عز وجل، وهدفِنا الأدنى
الذي هو تحكيم كلمة التوحيد وتمكين الأمة المسلمة من حق التسلط
على أمرها الجامع تقريرا وتنفيذا ومراقبة ومحاسبة, كما نص على
ذلك الكتاب والسنة.
ولئن كان دربنا هذا طويلا وعسيرا, ولا يشق إلا بالتضحية
والصبر والثبات
والوفاء لله وللرسول وإِخْوةِ الإيمان ورُفْقةِ الطريق، فإن
قاعدةَ الارتكاز الصُّلبةَ التي هي الفهم الرباني الأصيل خيرُ
أداة تقَوِّي زخْم الاندفاع نحو الغاية، وتسدد الرماية نحو
الهدف، وتعصم من وهْن الانطلاق وتيه التوجه وغبَش الرؤية وضلال
السعي. ولذلك قرن الله تعالى بين الدعوة إلى الله وبين البصيرة
التي هي الفهمُ الرباني المستنيرُ باليقين, المسترشدُ بالبرهان
الشرعي والعقلي، في قوله {قُلْ هَـٰذِهِۦ
سَبِيلِىَ أَدْعُوۤ إِلَى ٱللَّهِۚ,
عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا˚
وَمَنِ ٱتَّبَعَنِىۖ,
وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا˚
مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}
.
إن منطلق التصرف السليم لدى المرء أساسُه العقل السليم،
المستنيرُ بالفهم الرباني، أما التصرف السقيم المؤدي إلى
الضلالة والانحراف عن الصراط المستقيم فهو دائما منطلق من إحدى
ثلاث آفات:
أولاها البلادة وسوء الفهم وغلبة المزاجية والتعصب، لذلك سريعا
ما يسقط الأغبياء في شراك المتشيطنة وأبالسة الجن والإنس, ممن
يزينون المنكر ويشوهون المعروف، ويطلقون ألسنتهم بما لا خَبَرَ
في قلوبهم منه, ولا لهم بذلك تحقيق, تلبيساً وتدليسا على
الأغبياء والعوام ومستضعفي العقول, ليحسبوه من الحق وما هو من
الحق، كما قال تعالى في أمثالهم {لِتَحْسِبُوهُ مِنَ الكِتَابِ
وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ}
وثانيها القصد السيئ، ونعني به غلبةَ الهوى على النفس
وإيثارَها الجاه والمال واللذة والرتب الدنيوية الرفيعة؛
وأصحابُ القصد السيئ هؤلاء هم طائفة المتشيطنة والمتأبلسة
الذين يسخرون كل شيء لمصالحهم الدنيئة، يسخرون الدين والقيم
والمبادئ والأهل والعرض والإخوان والرفقاء, في تجاراتهم
السياسية والأخلاقية والعلمية من أجل مكسب أو قرب أو رفعة لدى
صاحب ثروة أو جاه أو سلطة.
إن أهم صفات ذوي القصد السيئ القسوةُ الناشئة عن انعدام
الحياء من الله ومن الناس ومن النفس، ومن آثار القسوة تحريفُ
الكلِم عن مواضعه، و تركُ ما أمر به الله علماً وعملاً،
والتخلي عن كل القيم والمبادئ في سبيل القرب من ذوي السلطة
والجاه ، وكم رأينا في مسيرتنا الدعوية ممن تركوا جرحاها
للذئاب، وسلطوا على شهدائها الكلاب، ونهشوا أعراض المهاجرين
وسلقوهم بألسنة حداد، ثم تحلقوا على جيف المناصب والرتب تحلق
الضباع.
وثالثتها الجبنُ الناشئ عن ضعف الإيمان وقلةِ الثقة بالله،
ولذلك يسقط الجبان في الخيانة مهما كابر وادعى وتَسَتَّرَ على
ضعفه وفساد طويته، وركن إلى التلبيس والتدليس والإنكار
والجحود، الجبان يسقط في أول الطريق لدى أول اختبار، فينكشف
عواره وتفتضح وتهتك أسراره، إن الجبان يفر عن أبيه وأمه وزوجه
وولده، ويفتدي نفسه بملابسه التي تستر عورته, فكيف يُرْكَن
إليه أو يُعْتَمَد عليه أو يُوثَق به، إن الجبان مشروعُ خيانةٍ
مرتقبةٍ دائما, إن لم يخنك اليوم بإرادته خانك غدا طلبا
لسلامته، وإن الشجاع يحمي عرضه وعرض من لا يعرفه من الخلق، لأن
ما ركب في جبلته من إباء وشهامة ونصرة يأبى عليه أن يسلم ضعيفا
أو يخذل مستضعفا أو يتخلى عن ذي ضائقة.
أيها الإخوة، يقول تعالى:{ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ
مَن يَشَآءُ}
ويقول: { وأمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهمْ فـاسْتَـحَبُّوا
العَمَى علـى الهُدَى}،
والقرآن الكريم هو الهدى, والفهمُ السليم وسيلةُ المرء للعلم
بالهدى والعمل به، فمن فُطِرَ عقله ونفسه على قبول الهدى
سريعاً أو بطيئاً اهتدى، ومَن فُطِرَ قلبه على الجبن أو سوء
القصد، أو فساد الفهم ضلّ.
لذلك نرى خصوم الدعوة الإسلامية من طغاة وأباطرة وحكام قد
عرفوا جيِّدا مقاتلَ هذه الطوائف المبتذلة، طائفةِ الأغبياء,
وطائفة الجبناءِ, وطائفةِ أصحاب القصد السيئ عبيدِ الهوى مالا
ولذة ومنصبا وجاها؛ فأعدوا لكل طائفة ما يروضونها به، تدليسا
وتلبيسا على الأغبياء، وتخويفا وترويعا للجبناء، ورشوة
للوصوليين والعملاء.
أيها الأحبة الصادقون، رُوي عن الإمام علي رضي الله عنه أنه
قال: قلت: "يا رسول الله أوصني"، فقال: "قل: ربي الله ثم
استقم"، قال: "قلت: ربي الله وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت
وإليه أنيب"، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ليَهْنِكَ
العلمُ أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً". وهذا
الحديث من جوامع الكلم الشامل لأصول الإسلام التي هي التوحيد
والطاعة ؛ فالتوحيد حاصل بقوله: " ربي الله", والطاعة بأنواعها
مندرجة تحت قوله: «ثم استقم»، لأن الإستقامة امتثال كل مأمور
واجتناب كل محذور, فتدخل فيها أعمال القلوب والأبدان من
الإيمان والإسلام والإحسان، ولا تحصل الإستقامة مع شيء من
الإعوجاج.
ولخطورة أمر الإستقامة لما قيل للرسول عليه الصلاة والسلام:"قد
أسرع إليك الشيب" قال: «شيبتني هود وأخواتها»، لأنه نزل فيها:
{فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ}،
وهي جامعة لكل أنواع التكاليف
وهذا معنى قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى
خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ }
أي قل ربي الله ثم اترك باستقامتك على الصراط السوي, ضُلَّالَ
القوم في إصرارهم يخوضون ويلعبون ويلههم الأمل.
جعلنا الله ُوإياكم ممن يتمسكون بعروته الوثقى, وأعاذنا وإياكم
من مُضِلات الهوى, ولا جعلنا وإياكم ممن باع آخرته بالدنيا,
إنه سميع قريب، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
اعقلوا والعقل نعمة
أَمَّا بَعْدُ، اعْقِلُوا وَالْعَقْلُ نِعْمَةٌ، فَرُبَّ ذِي
عَقْلٍ قَدْ شُغِلَ قَلْبُهُ بِالتَّعَمُّقِ عَمَّا هُوَ
عَلَيْهِ ضَرَرٌ، عَنِ الِانْتِفَاعِ بِمَا يَحْتَاجُ
إِلَيْهِ، حَتَّى صَارَ عَنْ ذَلِكَ سَاهِيًا؛ وَمِنْ فَضْلِ
عَقْلِ الْمَرْءِ تَرْكُ النَّظَرِ فِيمَا لَا نَظَرَ فِيهِ،
حَتَّى لَا يَكُونَ فَضْلُ عَقْلِهِ وَبَالًا عَلَيْهِ فِي
تَرْكِ مُنَافَسَةِ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْأَعْمَالِ
الصَّالِحَةِ، أَوْ رَجُلٍ شُغِلَ قَلْبُهُ بِبِدْعَةٍ قَلَّدَ
فِيهَا دِينَهُ رِجَالًا دُونَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوِ اكْتَفَى بِرَأْيِهِ
فِيمَا لَا يَرَى الْهُدَى إِلَّا فِيهَا وَلَا يَرَى
الضَّلَالَةَ إِلَّا بِتَرْكِهَا، يَزْعُمُ أَنَّهُ أَخَذَهَا
مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ يَدْعُو إِلَى فِرَاقِ الْقُرْآنِ.
أَفَمَا كَانَ لِلْقُرْآنِ حَمَلَةٌ قَبْلَهُ وَقَبْلَ
أَصْحَابِهِ يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيُؤْمِنُونَ
بِمُتَشَابِهِهِ؟ وَكَانُوا مِنْهُ عَلَى مَنَارٍ كَوَضَحِ
الطَّرِيقِ؟ فَكَانَ الْقُرْآنُ إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ
إِمَامًا لِأَصْحَابِهِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ أَئِمَّةً لِمَنْ
بَعْدَهُمْ، رِجَالٌ مَعْرُوفُونَ مَنْسُوبُونَ فِي
الْبُلْدَانِ مُتَّفِقُونَ فِي الرَّدِّ عَلَى أَصْحَابِ
الْأَهْوَاءِ مَعَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ،
وَتَسَكَّعَ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ بِرَأْيِهِمْ فِي سُبُلٍ
مُخْتَلِفَةٍ جَائِرَةٍ عَنِ الْقَصْدِ مُفَارِقَةٍ
لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَتَوَّهَتْ بِهِمْ
أَدِلَّاؤُهُمْ فِي مَهَامِهَ مُضِلَّةٍ، فَأَمْعَنُوا فِيهَا
مُتَعَسِّفِينَ فِي تِيهِهِمْ، كُلَّمَا أَحْدَثَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ بِدْعَةً فِي ضَلَالَتِهِمُ انْتَقَلُوا مِنْهَا
إِلَى غَيْرِهَا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوا أَثَرَ
السَّالِفِينَ وَلَمْ يَقْتَدُوا بِالْمُهَاجِرِينَ. وَقَدْ
ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِزِيَادٍ: هَلْ تَدْرِي مَا
يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ
بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَمَا
حَدَثَ فِي قُرَّائِكُمْ وَأَهْلِ مَسَاجِدِكُمْ مِنَ
الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْمَشْيِ بَيْنَ النَّاسِ
بِوَجْهَيْنِ وَلِسَانَيْنِ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ مَنْ كَانَ
ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي
النَّارِ، يَلْقَاكَ صَاحِبُ الْغِيبَةِ فَيَغْتَابُ عِنْدَكَ
مَنْ يَرَى أَنَّكَ تُحِبُّ غِيبَتَهُ، وَيُخَالِفُكَ إِلَى
صَاحِبِكَ فَيَأْتِيهِ عَنْكَ بِمِثْلِهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ
أَصَابَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا حَاجَتَهُ، وَخَفِيَ
عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا مَا أُتِيَ بِهِ عِنْدَ
صَاحِبِهِ. حُضُورُهُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ حُضُورُ
الْإِخْوَانِ وَغَيْبَتُهُ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ غَيْبَةُ
الْأَعْدَاءِ. مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ الْأَثَرَةُ
وَمَنْ غَابَ مِنْهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ. يَفْتِنُ
مَنْ حَضَرَهُ بِالتَّزْكِيَةِ وَيَغْتَابُ مَنْ غَابَ عَنْهُ
بِالْغِيبَةِ.
فَيَا لَعِبَادَ اللَّهِ، أَمَا فِي الْقَوْمِ مِنْ رَشِيدٍ
وَلَا مُصْلِحٍ يَقْمَعُ هَذَا عَنْ مَكِيدَتِهِ وَيَرُدُّهُ
عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؟ بَلْ عَرَفَ هَوَاهُمْ
فِيمَا مَشَى بِهِ إِلَيْهِمْ فَاسْتَمْكَنَ مِنْهُمْ
وَأَمْكَنُوهُ مِنْ حَاجَتِهِ، فَأَكَلَ بِدِينِهِ مَعَ
أَدْيَانِهِمْ. فَاللَّهَ اللَّهَ.... ذُبُّوا عَنْ حُرَمِ
أَغْيَابِكُمْ وَكُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ عَنْهُمْ إِلَّا مِنْ
خَيْرٍ، وَنَاصِحُوا اللَّهَ فِي أُمَّتِكُمْ إِذْ كُنْتُمْ
حَمَلَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ الْكِتَابَ لَا
يَنْطِقُ حَتَّى يُنْطَقَ بِهِ، وَإِنَّ السُّنَّةَ لَا
تَعْمَلُ حَتَّى يُعْمَلَ بِهَا. فَمَتَى يَتَعَلَّمُ
الْجَاهِلُ إِذَا سَكَتَ الْعَالِمُ فَلَمْ يُنْكِرْ مَا
ظَهَرَ وَلَمْ يَأْمُرْ بِمَا تُرِكَ؟ وَقَدْ ( أَخَذَ اللَّهُ
مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ
لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ) اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّكُمْ
فِي زَمَانٍ رَقَّ فِيهِ الْوَرَعُ وَقَلَّ فِيهِ الْخُشُوعُ،
وَحَمَلَ الْعِلْمَ مُفْسِدُوهُ، فَأَحَبُّوا أَنْ يُعْرَفُوا
بِحَمْلِهِ، وَكَرِهُوا أَنْ يُعْرَفُوا بِإِضَاعَتِهِ،
فَنَطَقُوا فِيهِ بِالْهَوَى لَمَّا أَدْخَلُوا فِيهِ مِنَ
الْخَطَإِ، وَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَمَّا تَرَكُوا مِنَ
الْحَقِّ إِلَى مَا عَمِلُوا بِهِ مِنْ بَاطِلٍ، فَذُنُوبُهُمْ
ذُنُوبٌ لَا يُسْتَغْفَرُ مِنْهَا وَتَقْصِيرُهُمْ تَقْصِيرٌ
لَا يُعْتَرَفُ بِهِ. كَيْفَ يَهْتَدِي الْمُسْتَدِلُّ
الْمُسْتَرْشِدُ إِذَا كَانَ الدَّلِيلُ حَائِرًا؟ أَحَبُّوا
الدُّنْيَا وَكَرِهُوا مَنْزِلَةَ أَهْلِهَا، فَشَارَكُوهُمْ
فِي الْعَيْشِ وَزَايَلُوهُمْ بِالْقَوْلِ، وَدَافَعُوا
بِالْقَوْلِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنْ يُنْسَبُوا إِلَى
عَمَلِهِمْ، فَلَمْ يَتَبَرَّءُوا مِمَّا انْتَفَوْا مِنْهُ،
وَلَمْ يَدْخُلُوا فِيمَا نَسَبُوا إِلَيْهِ أَنْفُسَهُمْ،
لِأَنَّ الْعَامِلَ بِالْحَقِّ مُتَكَلِّمٌ وَإِنْ سَكَتَ،
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ إِنِّي لَسْتُ
كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنِّي أَنْظُرُ
إِلَى هَمِّهِ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ لِي
جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا وَوَقَارًا لِي وَإِنْ لَمْ
يَتَكَلَّمْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( مَثَلُ الَّذِينَ
حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ) لَمْ
يَعْمَلُوا بِهَا ( كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا )
كُتُبًا وَقَالَ ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ) قَالَ:
الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ وَلَا تَكْتَفُوا مِنَ السُّنَّةِ
بِانْتِحَالِهَا بِالْقَوْلِ دُونَ الْعَمَلِ بِهَا، فَإِنَّ
انْتِحَالَ السُّنَّةِ دُونَ الْعَمَلِ بِهَا كَذِبٌ
بِالْقَوْلِ مَعَ إِضَاعَةِ الْعَمَلِ، وَلَا تَعِيبُوا
بِالْبِدَعِ تَزَيُّنًا بِعَيْبِهَا، فَإِنَّ فَسَادَ أَهْلِ
الْبِدَعِ لَيْسَ بِزَائِدٍ فِي صَلَاحِكُمْ، وَلَا
تَعِيبُوهَا بَغْيًا عَلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ الْبَغْيَ مِنْ
فَسَادِ أَنْفُسِكُمْ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ
يُدَاوِيَ الْمَرْضَى بِمَا يُبَرِّئُهُمْ وَيُمْرِضُهُ،
فَإِنَّهُ إِذَا مَرِضَ اشْتَغَلَ بِمَرَضِهِ عَنْ
مُدَاوَاتِهِمْ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَمِسَ
لِنَفْسِهِ الصِّحَّةَ لِيَقْوَى بِهِا عَلَى عِلَاجِ
الْمَرْضَى، فَلْيَكُنْ أَمْرُكُمْ فِيمَا تُنْكِرُونَ عَلَى
إِخْوَانِكُمْ نَظَرًا مِنْكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وَنَصِيحَةً
مِنْكُمْ لِرَبِّكُمْ، وَشَفَقَةً مِنْكُمْ عَلَى
إِخْوَانِكُمْ، وَأَنْ تَكُونُوا مَعَ ذَلِكَ بِعُيُوبِ
أَنْفُسِكُمْ أَعْنَى مِنْكُمْ بِعُيُوبِ غَيْرِكُمْ، وَأَنْ
يَسْتَطْعِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا النَّصِيحَةَ وَأَنْ يَحْظَى
عِنْدَكُمْ مَنْ بَذَلَهَا لَكُمْ وَقَبِلَهَا مِنْكُمْ،
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه:
رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي.
تُحِبُّونَ أَنْ تَقُولُوا فَيُحْتَمَلَ لَكُمْ، وَإِنْ قِيلَ
لَكُمْ مِثْلُ الَّذِي قُلْتُمْ غَضِبْتُمْ. تَجِدُونَ عَلَى
النَّاسِ فِيمَا تُنْكِرُونَ مِنْ أُمُورِهِمْ، وَتَأْتُونَ
مِثْلَ ذَلِكَ فَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يُوجَدَ عَلَيْكُمِ.
اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ وَرَأْيَ أَهْلِ زَمَانِكُمْ
وَتَثَبَّتُوا قَبْلَ أَنْ تَكَلَّمُوا، وَتَعَلَّمُوا قَبْلَ
أَنْ تَعْمَلُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي زَمَانٌ يَشْتَبِهُ فِيهِ
الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ، وَيَكُونُ الْمَعْرُوفُ فِيهِ
مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ فِيهِ مَعْرُوفًا. فَكَمْ مِنْ
مُتَقَرِّبٍ إِلَى اللَّهِ بِمَا يُبَاعِدُه،ُ وَمُتَحَبِّبٍ
إِلَيْهِ بِمَا يُغْضِبُهُ عَلَيْهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (
أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا )
الْآيَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ
حَتَّى يَبْرُزَ لَكُمْ وَاضِحُ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ،
فَإِنَّ الدَّاخِلَ فِيمَا لَا يَعْلَمُ بِغَيْرِ عِلْمٍ
آثِمٌ، وَمَنْ نَظَرَ لِلَّهِ نَظَرَ اللَّهُ لَهُ.
عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَأْتَمُّوا بِهِ وَأُمُّوا بِهِ،
وَعَلَيْكُمْ بِطَلَبِ أَثَرِ الْمَاضِينَ فِيهِ، وَلَوْ أَنَّ
الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ لَمْ يَتَّقُوا زَوَالَ
مَرَاتِبِهِمْ وَفَسَادَ مَنْزِلَتِهِمْ بِإِقَامَةِ
الْكِتَابِ وَتِبْيَانِهِ مَا حَرَّفُوهُ وَلَا كَتَمُوهُ،
وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا خَالَفُوا الْكِتَابَ بِأَعْمَالِهِمُ
الْتَمَسُوا أَنْ يَخْدَعُوا قَوْمَهُمْ عَمَّا صَنَعُوا،
مَخَافَةَ أَنْ تَفْسُدَ مَنَازِلُهُمْ، وَأَنْ يَتَبَيَّنَ
لِلنَّاسِ فَسَادُهُمْ، فَحَرَّفُوا الْكِتَابَ
بِالتَّفْسِيرِ، وَمَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا تَحْرِيفَهُ
كَتَمُوهُ، فَسَكَتُوا عَنْ صَنِيعِ أَنْفُسِهِمْ إِبْقَاءً
عَلَى مَنَازِلِهِمْ، وَسَكَتُوا عَمَّا صَنَعَ قَوْمُهُمْ
مُصَانَعَةً لَهُمْ، وَقَدْ ( أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
وَلَا تَكْتُمُونَهُ ) بَلْ مَالَؤوا عَلَيْهِ وَرَقَّقُوا
لَهُمْ فِيهِ
من خطبة عباد
بن عباد الخواص الشامي أبي عتبة / الدارمي
|