أهــلا وسهــلا بكم في موقــع الحــركة الإســلاميــة المغربيـــة
تحديث بتاريخ  1 شوال  1427هـ

 الصفحة الرئيسـيـة

 حلقات تفسير القرآن

 نداء المحبة

 الحركة الإسلامية المغربية
 نشأة وتطورا

 البيان التأسـيـسي

 التقريـر العـقــدي

 التقريــر السياسي

 رسالة المرشـد العام

 الدين النصيحة

 مقالات ودراسات إسلامية

 من قضايا الأمة

 مواقف وبيانات

 المنبر الحــر

 حـوار إســلامي

الشورى منهج حكم وتدبير
التشريع الشوروي في منطقة الفراغ التشريعي
المقاصد الشرعية في تدبير الشأن العام

 تفسير القرآن للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

موطأ الإمام مالك
في النظام السياسي:
 ثلاثية فقه الأحكام السلطانية(الطبعة الثالثة)
تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك
بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في الفكر والدعوة
الصحراء المغربية
ملكية الأرض في الإسلام
حد السرقة بين الفهـم والتطبيق
الأخلاق والتزكية فـي رحاب الكتاب والسنة

عرب وبربر مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله

رسالة الإمام مالك إلى هارون الرشيد ( تحقيق وتخريج أحاديث)

 

 مـــــن تحــــن

 اتصــــــل بنـــا

أرتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل

 
 

الديــن النصيحــة

المرشد العام للحركة  يخاطب الأعضاء

بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين للتأسيس  

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين

 

الحَمْدُ للَّهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُه ونستغفرهُ، ونعوذُ بالله من شرورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سيِّئاتِ أعْمالِنا، من يَهْدِهِ الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومن يُضَلِلْ فلا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إلاَّ الله وحدَهُ لا شَريكَ له, وأشْهَدُ أَنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، أَرْسَلَهُ بالحقِّ بشيراً ونذيراً بينَ يَدَي الساعةِ، مَنْ يُطِعِ الله ورسولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، ومَنْ يَعْصِهِ فإنَّهُ لا يَضُرُّ الله شيئاً، ولا يَضُرُّ إلاَّ نَفْسَهُ، أما بعد:

أيها الإخوة والأخوات، ومقام الأبناء والبنات

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

في هذا اليوم، الجمعة الأولى من شهر محرم لهذه السنة الهجرية المباركة، تسع وعشرين وأربع مائة وألف, تحل بنا الذكرى التاسعة والثلاثون لتأسيس حركتنا المباركة "الحركة الإسلامية المغربية"، بكل ما تراكم لدى أبنائها من تجربة أثمرت حكمة، وعقلٍ منضبط بنصوص الكتاب والسنة، وإيمانٍ صقلته المحنة وجلَّاه الصدق والثبات على الحق، وغيرُ خافٍ عليكم وأنتم على مشارف الأربعين سنة من عمر الدعوة في ربوع هذا الوطن, ما ترمُز إليه سن الأربعين من  تكامل في قوة العقل والفهم والفقه والحكمة والفعل, يقول تعالى  {حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًا تَرْضَــٰهُ}[1], ويقول:{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيْنَـٰهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ}[2].

   إن سن الأربعين مقترنةٌ دائما لدى المحسنين الصابرين بمنحةٍ إلهية لهم، منحةٍ قوامها عقلٌ وعِلم يثمران فهما ربانيا للحياة الدنيا بصراطها المستقيم الواجبِ اتباعُه، ومتاهاتها المتعرجة المُعْوَجَّة الواجبِ تجنبُها؛ ولذلك يكون دعاء من بلغها من السعداء أن يتجه إلى ربه تعالى متضرعا وقد تخلص من طيش الشباب ورعونته وجهالته: { رَبِّ أَوْزِعْنِىۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًا تَرْضَــٰهُ}.

إن الفهم الرباني الذي هو منحة إلهية وثمرة طبيعية للمجاهدة بالعلم والعقل, العلمِ بالقرآن والسنة، والعقلِ المنضبط بالإيمان, هو قاعدة الانطلاق في صراط الله المستقيم, سيرا فيه واتباعا له, وإعراضا عن سبل الشيطان المتعددةِ ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال, سعيا فيها أو وقوفا على أرصفتها.

وغيرُ خفيٍّ على العقلاء الحكماء أن السير هو تتابع السعي بخطوات متزنة، من نقطة معينة هي الحياة الدنيا إلى نقطة أخرى معلومةٍ ومحددة ومرصودة ومقصودة هي حياةُ الآخرة، وإلا كان مجردَ تحرك عفويٍّ سائبٍ كحركة الأرنب عندما يدهمها الخطر فتنطلق في أي اتجاه قفزا ونطّاً، أوجريا أو تدحرجا أحيانا، حتى إذا ما أرهقتها الحركة العشوائية وقفت وأسلمت أذنيها لمن يطلبها من شياطين الجن والإنس .

هذا الفهم الرباني الذي هو قاعدة الانطلاق الأولى إلى الصراط المستقيم به يتميز الصواب من الخطأ والحق من الباطل، وسبيلُ الرحمن من سبل الشيطان {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ }[3]

 من هنا مفترق طريق بين صواب واحد هو الحق من ربك، وبين أخطاءٍ متعددة ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، أخطاءٍ ذاتَ اليمين تحتفظ بالانتساب الظاهر للإسلام ولكنها تخرج عنه من عدة أنفاق، وأخطاءٍ ذاتَ الشمال تقطع صلتها بالإسلام وتذهب في الكفر مذاهب شتى، وهذا ما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لنا فيما رواه عبد الله بن مسعود:

قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلّم خطاً بيده، ثم قال «هذا سبيل الله مستقيماً» وخط عن يمينه وشماله ثم قال «هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}.

وعن ابن مسعود أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «ضرب اللَّهُ مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جَنَبَتَـي الصِّراط سوران، فيهما أبوابٌ مفتَّحة، وعلى الأبواب ستورٌ مُرخاةٌ، وعند رأس الصِّراط داعٍ يقول : استَقيموا على الصراطِ ولا تَعْوَجُّوا، وفوق ذلك داعٍ يدعو، كلما همَّ عبدٌ أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال: ويحك ! لا تفتحْه، فإنك إنْ تفتحْهُ تَلِجْهُ». ثمَّ فسره فأخبر: «أنَّ الصِّراط هو الإسلام، وأنَّ الأبواب المفتَّحةَ محارمُ الله، وأنَّ الستور المُرْخاةَ حدود الله، وأن الداعي على رأس الصِراط هو القرآن، وأن الداعي من فوقه واعظُ الله في قلبِ كلّ مؤمن»

كما روى أبان أن رجلاً قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم ؟ قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلّم في أدناه وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادُّ[4]وعن يساره جوادُّ, وثمَ َّرجال يدعون من مَرَّ بهم، فمن أخذ في تلك الجوادِّ انتهت به إلى النار, ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة، ثم قرأ {وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}.

إن الفهم الرباني الذي يبين لنا الصراط المستقيم فنتبعه ونسير فيه بخطوات ثابتة، ويكشف لنا معالم سبل الشيطان اليمينية والشمالية فنجتنبها ونحذِّر إخواننا منها، هو الذي يمنحنا الجراءة الإيمانية على اقتحام العقبة الحرجة, للانطلاق الرشيد نحو هدفنا الأسمى الذي هو مرضاة ربنا عز وجل، وهدفِنا الأدنى الذي هو تحكيم كلمة التوحيد وتمكين الأمة المسلمة من حق التسلط على أمرها الجامع تقريرا وتنفيذا ومراقبة ومحاسبة, كما نص على ذلك الكتاب والسنة.

 ولئن كان دربنا هذا طويلا وعسيرا, ولا يشق إلا بالتضحية والصبر والثبات والوفاء لله وللرسول وإِخْوةِ الإيمان ورُفْقةِ الطريق، فإن قاعدةَ الارتكاز الصُّلبةَ التي هي الفهم الرباني الأصيل خيرُ أداة تقَوِّي زخْم الاندفاع نحو الغاية، وتسدد الرماية نحو الهدف، وتعصم من وهْن الانطلاق وتيه التوجه وغبَش الرؤية وضلال السعي. ولذلك قرن الله تعالى بين الدعوة إلى الله وبين البصيرة التي هي الفهمُ الرباني المستنيرُ باليقين, المسترشدُ بالبرهان الشرعي والعقلي، في قوله {قُلْ هَـٰذِهِۦ سَبِيلِىَ أَدْعُوۤ إِلَى ٱللَّهِۚ, عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا˚ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِىۖ, وَسُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا˚ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}[5] .

إن منطلق التصرف السليم لدى المرء أساسُه العقل السليم، المستنيرُ بالفهم الرباني، أما التصرف السقيم المؤدي إلى الضلالة والانحراف عن الصراط المستقيم فهو دائما منطلق من إحدى ثلاث آفات:

أولاها البلادة وسوء الفهم وغلبة المزاجية والتعصب، لذلك سريعا ما يسقط الأغبياء في شراك المتشيطنة وأبالسة الجن والإنس, ممن يزينون المنكر ويشوهون المعروف، ويطلقون ألسنتهم بما لا خَبَرَ في قلوبهم منه, ولا لهم بذلك تحقيق, تلبيساً وتدليسا على الأغبياء والعوام ومستضعفي العقول, ليحسبوه من الحق وما هو من الحق، كما قال تعالى في أمثالهم {لِتَحْسِبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ}[6]

وثانيها القصد السيئ، ونعني به غلبةَ الهوى على النفس وإيثارَها الجاه والمال واللذة والرتب الدنيوية الرفيعة؛ وأصحابُ القصد السيئ هؤلاء هم طائفة المتشيطنة والمتأبلسة الذين يسخرون كل شيء لمصالحهم الدنيئة، يسخرون الدين والقيم والمبادئ والأهل والعرض والإخوان والرفقاء, في تجاراتهم السياسية والأخلاقية والعلمية من أجل مكسب أو قرب أو رفعة لدى صاحب ثروة أو جاه أو سلطة.

إن أهم صفات ذوي القصد السيئ  القسوةُ الناشئة عن انعدام الحياء من الله ومن الناس ومن النفس، ومن آثار القسوة تحريفُ الكلِم عن مواضعه، و تركُ ما أمر به الله علماً وعملاً، والتخلي عن كل القيم والمبادئ في سبيل القرب من ذوي السلطة والجاه ، وكم رأينا في مسيرتنا الدعوية ممن تركوا جرحاها للذئاب، وسلطوا على شهدائها الكلاب، ونهشوا أعراض المهاجرين وسلقوهم بألسنة حداد، ثم تحلقوا على جيف المناصب والرتب تحلق الضباع.

وثالثتها الجبنُ الناشئ عن ضعف الإيمان وقلةِ الثقة بالله، ولذلك يسقط الجبان في الخيانة مهما كابر وادعى وتَسَتَّرَ على ضعفه وفساد طويته، وركن إلى التلبيس والتدليس والإنكار والجحود، الجبان يسقط في أول الطريق لدى أول اختبار، فينكشف عواره وتفتضح وتهتك أسراره، إن الجبان يفر عن أبيه وأمه وزوجه وولده، ويفتدي نفسه بملابسه التي تستر عورته, فكيف يُرْكَن إليه أو يُعْتَمَد عليه أو يُوثَق به، إن الجبان مشروعُ خيانةٍ مرتقبةٍ دائما, إن لم يخنك اليوم بإرادته خانك غدا طلبا لسلامته، وإن الشجاع يحمي عرضه وعرض من لا يعرفه من الخلق، لأن ما ركب في جبلته من إباء وشهامة ونصرة يأبى عليه أن يسلم ضعيفا أو يخذل مستضعفا أو يتخلى عن ذي ضائقة.

أيها الإخوة،  يقول تعالى:{ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ}[7] ويقول: { وأمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهمْ فـاسْتَـحَبُّوا العَمَى علـى الهُدَى}[8]، والقرآن الكريم هو الهدى, والفهمُ السليم وسيلةُ المرء للعلم بالهدى والعمل به، فمن فُطِرَ  عقله ونفسه على قبول الهدى سريعاً أو بطيئاً اهتدى،  ومَن فُطِرَ قلبه على الجبن أو سوء القصد، أو فساد الفهم ضلّ.

لذلك نرى خصوم الدعوة الإسلامية من طغاة وأباطرة وحكام قد عرفوا جيِّدا مقاتلَ هذه الطوائف المبتذلة، طائفةِ الأغبياء, وطائفة الجبناءِ, وطائفةِ أصحاب القصد السيئ عبيدِ الهوى مالا ولذة ومنصبا وجاها؛ فأعدوا لكل طائفة ما يروضونها به، تدليسا وتلبيسا على الأغبياء، وتخويفا وترويعا للجبناء، ورشوة للوصوليين والعملاء.

أيها الأحبة الصادقون، رُوي عن الإمام  علي رضي الله عنه أنه قال: قلت: "يا رسول الله أوصني"، فقال: "قل: ربي الله ثم استقم"، قال: "قلت: ربي الله وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب"، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ليَهْنِكَ[9] العلمُ أبا الحسن، لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً". وهذا الحديث من جوامع الكلم الشامل لأصول الإسلام التي هي التوحيد والطاعة ؛ فالتوحيد حاصل بقوله: " ربي الله", والطاعة بأنواعها مندرجة تحت قوله: «ثم استقم»، لأن الإستقامة امتثال كل مأمور واجتناب كل محذور, فتدخل فيها أعمال القلوب والأبدان من الإيمان والإسلام والإحسان،  ولا تحصل الإستقامة مع شيء من الإعوجاج.

ولخطورة أمر الإستقامة لما قيل للرسول عليه الصلاة والسلام:"قد أسرع إليك الشيب" قال: «شيبتني هود وأخواتها»، لأنه نزل فيها: {فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ}[10]، وهي جامعة لكل أنواع التكاليف

وهذا معنى قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ }[11] أي قل ربي الله ثم اترك باستقامتك على الصراط السوي, ضُلَّالَ القوم في إصرارهم يخوضون ويلعبون ويلههم الأمل.

جعلنا الله ُوإياكم ممن يتمسكون بعروته الوثقى, وأعاذنا وإياكم من مُضِلات الهوى, ولا جعلنا وإياكم ممن باع آخرته بالدنيا, إنه سميع قريب، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.


 


[1]  - الأحقاف 15
[2] - يوسف 22
[3]  - الأنعام 153
[4] - الجوادُّ: الطرق، جمع مفرده جادة وهي الطريق
[5] - يوسف 108
[6]  - آل عمران 78
[7]  - الأنعام 88
[8]  - فصلت 17
[9] -  التَّهْنِئةُ: خلاف التَّعْزِية. يقال: هَنأَهُ بالأَمْرِ والولاية هَنْأً و هَنَّأَه تَهْنِئةً و تَهْنِـيئاً إِذا قلت له لـيَهْنِئْكَ. والعرب تقول: لَـيَهْنِئْكَ الفارِسُ، بجزم الهمزة،  وقد ورَد في «صحيح البُخارِي» في حديثِ تَوْبةِ كَعْبِ بن مالكٍ: يقولون ليَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عليك، ضَبطه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ بكسرِ النون / من لسان العرب وتاج العروس
[10]  - هود 112
[11] - الأنعام 91

 

 

 

 

اعقلوا والعقل نعمة

  أَمَّا بَعْدُ، اعْقِلُوا وَالْعَقْلُ نِعْمَةٌ، فَرُبَّ ذِي عَقْلٍ قَدْ شُغِلَ قَلْبُهُ بِالتَّعَمُّقِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، عَنِ الِانْتِفَاعِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، حَتَّى صَارَ عَنْ ذَلِكَ سَاهِيًا؛ وَمِنْ فَضْلِ عَقْلِ الْمَرْءِ تَرْكُ النَّظَرِ فِيمَا لَا نَظَرَ فِيهِ، حَتَّى لَا يَكُونَ فَضْلُ عَقْلِهِ وَبَالًا عَلَيْهِ فِي تَرْكِ مُنَافَسَةِ مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، أَوْ رَجُلٍ شُغِلَ قَلْبُهُ بِبِدْعَةٍ قَلَّدَ فِيهَا دِينَهُ رِجَالًا دُونَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوِ اكْتَفَى بِرَأْيِهِ فِيمَا لَا يَرَى الْهُدَى إِلَّا فِيهَا وَلَا يَرَى الضَّلَالَةَ إِلَّا بِتَرْكِهَا، يَزْعُمُ أَنَّهُ أَخَذَهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَهُوَ يَدْعُو إِلَى فِرَاقِ الْقُرْآنِ. أَفَمَا كَانَ لِلْقُرْآنِ حَمَلَةٌ قَبْلَهُ وَقَبْلَ أَصْحَابِهِ يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ وَيُؤْمِنُونَ بِمُتَشَابِهِهِ؟ وَكَانُوا مِنْهُ عَلَى مَنَارٍ كَوَضَحِ الطَّرِيقِ؟ فَكَانَ الْقُرْآنُ إِمَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِمَامًا لِأَصْحَابِهِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ أَئِمَّةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ، رِجَالٌ مَعْرُوفُونَ مَنْسُوبُونَ فِي الْبُلْدَانِ مُتَّفِقُونَ فِي الرَّدِّ عَلَى أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ مَعَ مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَتَسَكَّعَ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ بِرَأْيِهِمْ فِي سُبُلٍ مُخْتَلِفَةٍ جَائِرَةٍ عَنِ الْقَصْدِ مُفَارِقَةٍ لِلصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، فَتَوَّهَتْ بِهِمْ أَدِلَّاؤُهُمْ فِي مَهَامِهَ مُضِلَّةٍ، فَأَمْعَنُوا فِيهَا مُتَعَسِّفِينَ فِي تِيهِهِمْ، كُلَّمَا أَحْدَثَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ بِدْعَةً فِي ضَلَالَتِهِمُ انْتَقَلُوا مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَطْلُبُوا أَثَرَ السَّالِفِينَ وَلَمْ يَقْتَدُوا بِالْمُهَاجِرِينَ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِزِيَادٍ: هَلْ تَدْرِي مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَمَا حَدَثَ فِي قُرَّائِكُمْ وَأَهْلِ مَسَاجِدِكُمْ مِنَ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْمَشْيِ بَيْنَ النَّاسِ بِوَجْهَيْنِ وَلِسَانَيْنِ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي النَّارِ، يَلْقَاكَ صَاحِبُ الْغِيبَةِ فَيَغْتَابُ عِنْدَكَ مَنْ يَرَى أَنَّكَ تُحِبُّ غِيبَتَهُ، وَيُخَالِفُكَ إِلَى صَاحِبِكَ فَيَأْتِيهِ عَنْكَ بِمِثْلِهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَصَابَ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا حَاجَتَهُ، وَخَفِيَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا مَا أُتِيَ بِهِ عِنْدَ صَاحِبِهِ. حُضُورُهُ عِنْدَ مَنْ حَضَرَهُ حُضُورُ الْإِخْوَانِ وَغَيْبَتُهُ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ غَيْبَةُ الْأَعْدَاءِ. مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ الْأَثَرَةُ وَمَنْ غَابَ مِنْهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حُرْمَةٌ. يَفْتِنُ مَنْ حَضَرَهُ بِالتَّزْكِيَةِ وَيَغْتَابُ مَنْ غَابَ عَنْهُ بِالْغِيبَةِ.

 فَيَا لَعِبَادَ اللَّهِ، أَمَا فِي الْقَوْمِ مِنْ رَشِيدٍ وَلَا مُصْلِحٍ يَقْمَعُ هَذَا عَنْ مَكِيدَتِهِ وَيَرُدُّهُ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ؟ بَلْ عَرَفَ هَوَاهُمْ فِيمَا مَشَى بِهِ إِلَيْهِمْ فَاسْتَمْكَنَ مِنْهُمْ وَأَمْكَنُوهُ مِنْ حَاجَتِهِ، فَأَكَلَ بِدِينِهِ مَعَ أَدْيَانِهِمْ. فَاللَّهَ اللَّهَ.... ذُبُّوا عَنْ حُرَمِ أَغْيَابِكُمْ وَكُفُّوا أَلْسِنَتَكُمْ عَنْهُمْ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ، وَنَاصِحُوا اللَّهَ فِي أُمَّتِكُمْ إِذْ كُنْتُمْ حَمَلَةَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ الْكِتَابَ لَا يَنْطِقُ حَتَّى يُنْطَقَ بِهِ، وَإِنَّ السُّنَّةَ لَا تَعْمَلُ حَتَّى يُعْمَلَ بِهَا. فَمَتَى يَتَعَلَّمُ الْجَاهِلُ إِذَا سَكَتَ الْعَالِمُ فَلَمْ يُنْكِرْ مَا ظَهَرَ وَلَمْ يَأْمُرْ بِمَا تُرِكَ؟ وَقَدْ ( أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ) اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ رَقَّ فِيهِ الْوَرَعُ وَقَلَّ فِيهِ الْخُشُوعُ، وَحَمَلَ الْعِلْمَ مُفْسِدُوهُ، فَأَحَبُّوا أَنْ يُعْرَفُوا بِحَمْلِهِ، وَكَرِهُوا أَنْ يُعْرَفُوا بِإِضَاعَتِهِ، فَنَطَقُوا فِيهِ بِالْهَوَى لَمَّا أَدْخَلُوا فِيهِ مِنَ الْخَطَإِ، وَحَرَّفُوا الْكَلِمَ عَمَّا تَرَكُوا مِنَ الْحَقِّ إِلَى مَا عَمِلُوا بِهِ مِنْ بَاطِلٍ، فَذُنُوبُهُمْ ذُنُوبٌ لَا يُسْتَغْفَرُ مِنْهَا وَتَقْصِيرُهُمْ تَقْصِيرٌ لَا يُعْتَرَفُ بِهِ. كَيْفَ يَهْتَدِي الْمُسْتَدِلُّ الْمُسْتَرْشِدُ إِذَا كَانَ الدَّلِيلُ حَائِرًا؟ أَحَبُّوا الدُّنْيَا وَكَرِهُوا مَنْزِلَةَ أَهْلِهَا، فَشَارَكُوهُمْ فِي الْعَيْشِ وَزَايَلُوهُمْ بِالْقَوْلِ، وَدَافَعُوا بِالْقَوْلِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنْ يُنْسَبُوا إِلَى عَمَلِهِمْ، فَلَمْ يَتَبَرَّءُوا مِمَّا انْتَفَوْا مِنْهُ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِيمَا نَسَبُوا إِلَيْهِ أَنْفُسَهُمْ، لِأَنَّ الْعَامِلَ بِالْحَقِّ مُتَكَلِّمٌ وَإِنْ سَكَتَ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقَبَّلُ، وَلَكِنِّي أَنْظُرُ إِلَى هَمِّهِ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ لِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا وَوَقَارًا لِي وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ) لَمْ يَعْمَلُوا بِهَا ( كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) كُتُبًا وَقَالَ ( خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ) قَالَ: الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ وَلَا تَكْتَفُوا مِنَ السُّنَّةِ بِانْتِحَالِهَا بِالْقَوْلِ دُونَ الْعَمَلِ بِهَا، فَإِنَّ انْتِحَالَ السُّنَّةِ دُونَ الْعَمَلِ بِهَا كَذِبٌ بِالْقَوْلِ مَعَ إِضَاعَةِ الْعَمَلِ، وَلَا تَعِيبُوا بِالْبِدَعِ تَزَيُّنًا بِعَيْبِهَا، فَإِنَّ فَسَادَ أَهْلِ الْبِدَعِ لَيْسَ بِزَائِدٍ فِي صَلَاحِكُمْ، وَلَا تَعِيبُوهَا بَغْيًا عَلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ الْبَغْيَ مِنْ فَسَادِ أَنْفُسِكُمْ، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِلطَّبِيبِ أَنْ يُدَاوِيَ الْمَرْضَى بِمَا يُبَرِّئُهُمْ وَيُمْرِضُهُ، فَإِنَّهُ إِذَا مَرِضَ اشْتَغَلَ بِمَرَضِهِ عَنْ مُدَاوَاتِهِمْ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَمِسَ لِنَفْسِهِ الصِّحَّةَ لِيَقْوَى بِهِا عَلَى عِلَاجِ الْمَرْضَى، فَلْيَكُنْ أَمْرُكُمْ فِيمَا تُنْكِرُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ نَظَرًا مِنْكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وَنَصِيحَةً مِنْكُمْ لِرَبِّكُمْ، وَشَفَقَةً مِنْكُمْ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، وَأَنْ تَكُونُوا مَعَ ذَلِكَ بِعُيُوبِ أَنْفُسِكُمْ أَعْنَى مِنْكُمْ بِعُيُوبِ غَيْرِكُمْ، وَأَنْ يَسْتَطْعِمَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا النَّصِيحَةَ وَأَنْ يَحْظَى عِنْدَكُمْ مَنْ بَذَلَهَا لَكُمْ وَقَبِلَهَا مِنْكُمْ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَهْدَى إِلَيَّ عُيُوبِي.

تُحِبُّونَ أَنْ تَقُولُوا فَيُحْتَمَلَ لَكُمْ، وَإِنْ قِيلَ لَكُمْ مِثْلُ الَّذِي قُلْتُمْ غَضِبْتُمْ. تَجِدُونَ عَلَى النَّاسِ فِيمَا تُنْكِرُونَ مِنْ أُمُورِهِمْ، وَتَأْتُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يُوجَدَ عَلَيْكُمِ.

 اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ وَرَأْيَ أَهْلِ زَمَانِكُمْ وَتَثَبَّتُوا قَبْلَ أَنْ تَكَلَّمُوا، وَتَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ تَعْمَلُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي زَمَانٌ يَشْتَبِهُ فِيهِ الْحَقُّ وَالْبَاطِلُ، وَيَكُونُ الْمَعْرُوفُ فِيهِ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ فِيهِ مَعْرُوفًا. فَكَمْ مِنْ مُتَقَرِّبٍ إِلَى اللَّهِ بِمَا يُبَاعِدُه،ُ وَمُتَحَبِّبٍ إِلَيْهِ بِمَا يُغْضِبُهُ عَلَيْهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ) الْآيَةَ فَعَلَيْكُمْ بِالْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ حَتَّى يَبْرُزَ لَكُمْ وَاضِحُ الْحَقِّ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنَّ الدَّاخِلَ فِيمَا لَا يَعْلَمُ بِغَيْرِ عِلْمٍ آثِمٌ، وَمَنْ نَظَرَ لِلَّهِ نَظَرَ اللَّهُ لَهُ.

 عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَأْتَمُّوا بِهِ وَأُمُّوا بِهِ، وَعَلَيْكُمْ بِطَلَبِ أَثَرِ الْمَاضِينَ فِيهِ، وَلَوْ أَنَّ الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ لَمْ يَتَّقُوا زَوَالَ مَرَاتِبِهِمْ وَفَسَادَ مَنْزِلَتِهِمْ بِإِقَامَةِ الْكِتَابِ وَتِبْيَانِهِ مَا حَرَّفُوهُ وَلَا كَتَمُوهُ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا خَالَفُوا الْكِتَابَ بِأَعْمَالِهِمُ الْتَمَسُوا أَنْ يَخْدَعُوا قَوْمَهُمْ عَمَّا صَنَعُوا، مَخَافَةَ أَنْ تَفْسُدَ مَنَازِلُهُمْ، وَأَنْ يَتَبَيَّنَ لِلنَّاسِ فَسَادُهُمْ، فَحَرَّفُوا الْكِتَابَ بِالتَّفْسِيرِ، وَمَا لَمْ يَسْتَطِيعُوا تَحْرِيفَهُ كَتَمُوهُ، فَسَكَتُوا عَنْ صَنِيعِ أَنْفُسِهِمْ إِبْقَاءً عَلَى مَنَازِلِهِمْ، وَسَكَتُوا عَمَّا صَنَعَ قَوْمُهُمْ مُصَانَعَةً لَهُمْ، وَقَدْ ( أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ) بَلْ مَالَؤوا عَلَيْهِ وَرَقَّقُوا لَهُمْ فِيهِ

من خطبة عباد بن عباد الخواص الشامي أبي عتبة / الدارمي

                                                       


رسالة الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز

رضي الله عنهما

 

اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد عبدك و رسولك وخليلك و على آله الطيبين الطاهرين . عدد ما في علم الله العظيم، صلاة و سلاما و بركات دائمة بدوام ملك الله العظيم

أما بعد:

اعلم يا أمير المؤمنين أن الدنيا دار ظعن و ليست بدار إقامة . و إنما أهبط إليها آدم من الجنة عقوبة . و قد يحسب من لا يدري ما ثواب الله أنها ثواب . و من لم يدر ما عقاب الله أنها عقاب . و لها في كل يوم صرعة . و ليست صرعة كصرعة . هي تهين من أكرمها . و تذل من أعزها . و تصرع من آثرها . و لها في كل حين قتلى . فهي كالسم يأكله من لا يعرفه و فيه حتفه . فالزاد منها تركها. والغنى منها فقرها . فكن فيها يا أمير المومنين كالمداوي جرحه . يصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء . يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا  فإن أهل الفضائل كان منطقهم فيها بالصواب. و مشيهم بالتواضع. مطعمهم الطيب من الرزق. مغمضي أبصارهم عن المحارم. فخوفهم في البر كخوفهم في البحر. ودعاؤهم في السراء كدعائهم في الضراء. لولا الآجال التي كتبت لهم ما تقاوت أرواحهم في أجسادهم خوفا من العقاب. و شوقا إلى الثواب. عظم الخالق في نفوسهم. فصغر المخلوق في أعينهم .

و اعلم يا أمير المومنين أن التفكير يدعو إلى الخير و العمل به. و أن الندم على الشر يدعو إلى تركه. و ليس ما يفنى وإن كان كثيرا بأهل أن يؤثر على ما يبقى و إن كان طلبه عزيزا. و احتمال المؤنة المنقطعة التي تُعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تُعقب مؤنة باقية وندامة طويلة . فاحذر الدنيا الصارعة الخاذلة القاتلة التي قد تزينت بخدعها  وقتلت بغرورها و خدعت بآمالها . فأصبحت الدنيا كالعروس المجلية . فالعيون إليها ناظرة . و القلوب عليها والهة . و النفوس لها عاشقة . و هي لأزواجها كلهم قاتلة . فلا الباقي بالماضي معتبر . و لا الآخر لما رأى من أثرها على الأول مُــزدَجَر . و لا العارف بالله المصدق له حين أخبر عنها مدَّكر . فأبت القلوبُ إلا لها حبا . و أبت النفوسُ إلا لها عشقا . و من عشق شيئا لم يلهم نفسه غيره . و لم يعقل شيئا سواه . مات في طلبه و كان آثر الأشياء عنده . فهما عاشقان طالبان مجتهدان:

  فعاشق قد ظفر منها بحاجته . فاغتر و طغى و نسي و لها . فغفل عن مبتدأ خلقه. وضيع ما إليه معاده . فقلَّ في الدنيا لبثه. حتى زالت عنه قدمه . و جاءت منيته على شر ما كان حالا . و أطول ما كان فيها أملا . فعظم ندمه . و كثرت حسرته مع ما عالج من سكرته . فاجتمعت عليه سكرة الموت بكربته . و حسرة الفوت بغصته . فغير موصوف ما نزل به .

و آخر ميت مات من قبل أن يظفر منها بحاجته . فمات بغمه و كمده . و لم يدرك فيها ما طلب . و لم يرح نفسه عن التعب و النصب و اللعب .

فخرجا جميعا بغير زاد . و قدما على غير مهاد . فاحذرها الحذر كله . فإنما مثلها كمثل الحية لين مسها تقتل بسمها . فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها . و ضع عنك همومها لما قد أيقنت به من فراقها . واجعل شدة ما اشتد منها رجاء ما ترجو بعدها . و كن عند أسرِّ ما تكون منها أحذر ما تكون لها .

فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور صحبته من سرورها بما يسوؤه. و كلما ظفر منها بما يحب انقلبت عليه بما يكره . فالسار منها لأهلها غار . و النافع منها غدا ضار . و قد وصل الرخاء منها بالبلاء . و جعل البقاء فيها إلى الفناء . فسرورُها بالحزن مشوب . والناعم فيها مسلوب. وانظر يا أمير المومنين إليها نظر الزاهد المفارق . و لا تنظر نظر المبتلى العاشق الوامق . و اعلم أنها تُـزيل الثاوي بالساكن . و تفجع المترف فيها بالآمن . ولا ترجع فيها ما تولى منها و أدبر . و لا بد مما هو آت منها ينتظر . و لا يتبع ما صفا منها إلا كدر . فاحذرها فإن أمانيها كاذبة . و آمالها باطلة . و عيشها نكد . و صفوها كدر . و أنت منها على خطر . إما نعمة زائلة . و إما بلية نازلة . و إما مصيبة فادحة . و إما منية قاضية . فلقد كدرت المعيشة لمن عقل . فهو من نعيمها على خطر . و من بليتها على حذر . و من المنية على يقين . فلو كان الخالق تبارك و تعالى اسمه لم يخبر عنها بخبر . و لم يضرب لها مثلا . و لم يأمر فيها بزهد . لكانت الدنيا قد أيقظت النائم . و نبهت الغافل . فكيف وقد جاء عن الله عز و جل منها زاجر و فيها واعظ . فما لها عنده قدر . و لا لها عنده وزن من الصغر . فلهي عنده أصغر من حصاة في الحصى . و من مقدار نواة في النوى . ما خلق الله عز وجل خلقا فيما بلغنا أبغض إلى الله تبارك و تعالى منها . ما نظر إليها منذ خلقها . و لقد عرضت على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند الله عز و جل جناح بعوضة فأبى أن يتقبلها . و ما منعه من القبول لها – مع ما لا ينقصه الله عز و جل شيئا مما عنده كما وعده – إلا أنه علم أن الله عز و جل أبغض شيئا فأبغضه . و صغر شيئا فصغره . و لو قبلها كان الدليل على محبته قبوله إياها . و لكنه كره أن يخالف أمره . أو يحب ما أبغض خالقه . أو يرفع مما وضع مليكه . ولا تأمن من أن يكون هذا الكلام عليك حجة، نفعنا الله و إياك بالموعظة و السلام عليك و رحمة الله .


من فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي المرشد العام للحركة الإسلامية المغربية

زواج المسلمة من الكتابي حرام

 ومستحله مرتد

عقد الزوجية في الإسلام ليس كعقدها في جميع الديانات الأخرى كتابية أو وثنية أو لادينية، بتميزه عنها جميعها ابتداء واستمرارا وانتهاء.
ولئن كان هذا العقد في غير الإسلام مجرد اتفاق بين ذكر وأنثى يباركه أو يوثقه بشر سواء كان رجل دين أورجل دولة، فإنه في الإسلام علاقة ربانية ينشئها الله تعالى ويشهد عليها ويأتمن الزوجين عليها ويسألهما ويحاسبهما يوم القيامة بها.
يقول تعالى:

·{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}[[1]].

· { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا }[[2] ].

· { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }[[3] ]

·{ خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا }[[4] ].

هذه الوشيجة الربانية والعلاقة الإنسانية أبى الله عز وجل إلا أن يصفها بالميثاق الغليظ [[5] ]، بقوله:

{ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً }[[6] ].

 ومن العجيب أن هذا الوصف " الميثاق الغليظ" لم يطلق في القرآن إلا على معنيين :
    أولهما ميثاق الله عز وجل مع النبيئين وأقوامهم على الإيمان والإسلام بقوله تعالى:

·  {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً }[[7] ].

·  {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً }[[8] ].

أما المعنى الثاني فخاص بالعلاقة الزوجية كما أسلفنا بقوله تعالى:{وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً}[[9] ] ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله)[[10] ] ، وقال: (وإنما أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله عز وجل، ألا ومن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وبسط يديه وقال: ألا هل بلغت ألا هل بلغت،ثم قال: ليبلغ الشاهد الغائب فإنه رب مبلغ أسعد من سامع )[[11] ]. فكان من مقتضيات هذا الميثاق لقوته ومتانته وعظم مسؤوليته أن يجري بين الزوجين من الاتحاد والامتزاج وحسن الصحبة والمعاشرة والولاء في الله ما يثقل كاهليهما ويحفظ أسرتهما وذريتهما ويبرئ ذمتهما عند المساءلة بين يدي الله تعالى.
    كذلك أيضا نجد تعظيما آخر من الله عز وجل لهذه العلاقة في سورة الممتحنة، إذ جعلها أحد مَثَلين للولاء والبراء، مَثَل منها ومَثَل من إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه.
    ذلك أن محور هذه السورة الكريمة هو عقيدة الولاء والبراء، افتتحت بتحريم موالاة أعداء الله ومحبتهم بقوله تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاء مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ }[[12] ].

 وختمت كذلك بتحريم اتخاذ الكافرين أولياء في قوله تعالى:

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ }[[13] ].

 وبين دفتي هذه السورة ضرب الله تعالى مَثَلين توضيحيين كاشفين لمدى خطورة هذه العقيدة في أهم مفاصلها، مفصل العلاقة مع الوالدين والقوم، ومفصل العلاقة بين الزوجة وزوجها، داعيا في الحالتين إلى اتخاذ الميثاق مع الله مقدما على أي رابطة أخرى، وحاكما عليها.
    الأول في علاقة إبراهيم بأبيه وقومه إذ يقول تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ }[[14] ] ، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ }[[15] ].

أما المَثَل الثاني ففي العلاقة الزوجية، إذ حرم الله عز وجل المرأة المسلمة على الكافر، بحيث لا تقوم هذه الآصرة حق قيامها إلا من خلال الرجل المسلم ذي أهلية تحمل أمانة الوفاء بهذا الميثاق الغليظ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ }[[16] ].

بهذه الآية الكريمة يكون اشتراط الإسلام في الرجل كي يكون أهلا للزواج من المسلمة ثابتا ثبوتا قطعيا بنص الكتاب. ولئن جادل بعضهم بمحاولة تأويل قوله تعالى{ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }[[17] ]، فلا حجة لهم فيما ذهبوا إليه، لأن هذه الآية نفسها تؤكد حكم تحريم زواج المسلمة من الكافر. وما محاولة ضرب آية سورة الممتحنة بآية سورة البقرة إلا من تلبيس الأهواء والغواية، والقول بأن أهل الكتاب ليسوا مشركين دعوى ساقطة لتعارضها مع النقل الصحيح والعقل السليم، وما الداعي إليها إلا كفر بما جاء عن الله تعالى أو خضوع مذل ومداراة سفيهة ومسايرة وتزلف للتجبر الكتابي المعاصر.
    إن الكفر في الشريعة الإسلامية هو تكذيب ما جاء عنه عز وجل بواسطة نبيه - صلى الله عليه وسلم - سواء كان هذا التكذيب جحودا للأسماء والصفات أو الربوبية والألوهية أو إنكارا للنبوة وما نقل عنها صحيحا، أو رفضا للشريعة وتعاليمها، وهو بذلك متضمن للشرك سواء كان الشرك بعبادة الأهواء أو الأشجار أو الأحجار أو الرهبان والأحبار، ويدخل فيه بهذه المعاني كلها اليهودي والنصراني والمشرك واللاديني، فيحرم لذلك على المسلمة الزواج بأي منهم. لاسيما وقد ورد لفظ " الكفار " في آية التحريم من سورة الممتحنة بصيغة الجمع المعرف ب" أل" وهي تفيد الاستغراق ، أي جميع أصناف الكفرة.
    كما أن صريح الكتاب والسنة قد حسم هذا الأمر حسما قاطعا حين وردت النصوص المبينة أن أهل الكتاب كفار ومشركون. فقد قال تعالى:

{لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }[[18] ].

{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ }[[19] ].

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }[[20] ].

هذه الآيات صريحة في أن اليهود والنصارى مشركون، لاسيما عندما عقب على الآية الثالثة بقوله تعالى :( وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ )، وعلى الثانية بقوله: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ).
    تبين هذه المعاني كلها وتؤكدها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تواتر عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يسمي كل من كان كافرا بالمشرك وكان الكفار في عهده ما بين يهودي ونصراني وعابد وثن ومستشفع به ومنكر للبعث والتكليف.
    كما روى الأعمش وسفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري قال: سئل حذيفة عن قول الله عز وجل: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ )، هل عبدوهم؟  فقال : لا ،  ولكن أحلوا لهم الحرام فاستحلّوه ، وحرموا عليهم الحلال فحرموه .[[21] ]
    وروى الترمذي عن عدي بن حاتم قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "ما هذا يا عدي ؟ اطرح عنك هذا الوثن" ، وسمعته يقرأ من سورة براءة : اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ، ثم قال: " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلّوه ، وإذا حرّموا عليهم شيئاً حرموه " [[22] ]    وفي رواية البيهقي: ( أتيت النبي  صلى الله عليه وسلم  وفي عنقي صليب من ذهب فسمعته يقول اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، قال: قلت يا رسول الله إنهم لم يكونوا يعبدونهم، قال: أجل ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه فتلك عبادتهم لهم ) [[23] ].
    وتقتضي هذه النصوص القطعية من الكتاب والسنة أن الكفر يتضمن الشرك مبنى ومعنى وشرعا، إذ لو كان غير ذلك لوجب أن يغفر الله عز وجل لأهل الكتاب بمقتضى قوله : {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً } [[24] ]. وهذا المعنى باطل بطلانا بينا.
    كما أن قوله تعالى{ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }[[25] ] يهدم ما ذهب إليه المبطلون لاسيما بتعقيب الله في نهاية الآية بقوله (أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ) لأن علة التحريم في المشركين وهي الدعوة إلى النار قائمة في أهل الكتاب أيضا.
    هذه المعاني كلها بينتها السنة النبوية المطهرة ولخصتها قولا وعملا، فقد أخرج ابن جرير عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا "[[26] ] وعند عبد الرزاق وابن جرير عن عمر بن الخطاب قال " المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصراني المسلمة "[[27] ] وعند عبد بن حميد عن قتادة قال " أحل الله لنا محصنتين محصنة مؤمنة ومحصنة من أهل الكتاب نساؤنا عليهم حرام ونساؤهم لنا حلال " [[28] ].
    إن تحريم زواج المسلمة بغير المسلم يعد من المسائل التي لم يختلف عليها المسلمون ، والتي تواتر إجماعهم عليها منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ فرق بين بنته زينب وزوجها المشرك ثم ردها إليه بعد إسلامه [[29] ]، إلى يومنا هذا، وما ذلك إلا لما فهموه من الكتاب والسنة قطعيا، ولم يشذ عن هذا الحكم إلا شرذمة من ذوي الأهواء والضلال، قدامى ومعاصرين ممن باعوا أنفسهم لغير الله تعالى.
    إن زواج المسلمة بغير المسلم ولو كان جهلا منها لا استحلالا، يؤدي بها إلى الكفر مهما حاذرت وحرصت، لأن مآل هذا الزواج أن يخل بعقيدتها ولاء وبراء.
    ذلك أن الولاء شرعا هو محبة الله ورسوله وطاعتهما ومحبة المسلمين في الله ونصرتهم، والبراء هو بغض من كفر بالله ورسوله وشريعة الإسلام، أو أنكر الرسالة ومرسلها والمرسل بها، أو حارب أهلها، بدليل قوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } [[30] ].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [[31] ].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ } [[32] ].

{وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ