|
رسالة
مبكية
من الحسن البصري إلى كل ولد آدم
• يا ابن آدم عملَك عملَك ، فإنما هو لحمك و دمك فانظر على أي حال
تلقى عملَك .
• إن لأهل التقوى علاماتٍ يُعرَفون بها :صدقَ الحديث
ووفاءً بالعهد
وصلةَ الرحم و رحمةَ الضعفاء وقلةَ المباهاة للناس و حسنَ الخُلُق،
وسعَةَ الخُلُقِ فيما يقرب إلى الله
• يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك غدا يوزن خيره وشره، فلا تَحْقِرَنَّ
من الخير شيئا و إن صغر، فإنك إذا رأيته سرك مكانُه. ولا تَحْقِرَنَّ
من الشر شيئا، فإنك إذا رأيته ساءك مكانُه. فإياك و مُحَقَّراتِ
الذنوب.
• رحم الله رجلا كسب طيبا و أنفق قصدا و قدم فضلا ليوم فقره و فاقته.
• هيهات .. هيهات ذهبت الدنيا بحال بالها وبقيت الأعمال قلائدَ في
أعناقكم
• أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم و قد أُسْرِعَ بخياركم فماذا
تنتظرون ؟!!
• يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك .. تربحهما جميعا و لا تبيعَنَّ آخرتك
بدنياك ..فتخسَرَهما جميعا.
• يا ابن آدم إنما أنت أيامٌ ! كلما ذهب يوم ذهب بعضُك فكيف البقاء
؟!• لقد أدركتُ أقواما ما كانوا يفرحون بشئ من الدنيا أَقْبَلَ، و لا
يتأسفون على شئ منها أَدْبَرَ، لَهِيَ كانت أهونَ في أعينهم من التراب
فأين نحن منهم الآن ؟!
• إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه يقول : ما أرَدْتُ بكلمتي ؟ يقول :
ما أردت بأُكْلَتي ؟ يقول : ما أردت بحديث نفسي ؟ فلا تراه إلا
يعاتبها.
• أما الفاجر - نعوذ بالله من حال الفاجر - فإنه يمضي قُدُما و لا
يعاتب نفسه حتى يقع في حفرته وعندها يقول : يا ويلتى ...يا ليتني ..يا
ليتني ..ولاتَ حين مَنْدَم !!!
• يا ابن آدم إياك و الظلمَ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، و ليأتين
أناس يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فما يزال يؤخذ منهم حتى يبقى
الواحد منهم مفلساً ثم يسحب إلى النار ؟
• يا ابن آدم إذا رأيت الرجل ينافس في الدنيا..فنافسه في الآخرة.
• يا ابن آدم نزّه نفسك، فإنك لا تزال كريما على الناس و لا يزال الناس
يكرمونك، ما لم تَتَعاطَ ما في أيديهم فإذا فعلت ذلك استخفّوا بك و
كرهوا حديثك و أبغضوك.
• أيها الناس أحبّوا هَوْنا و أبغضوا هونا فقد أفرط أقوام في الحبحتى
هلكوا، و أفرط أقوام في البغض حتى هلكوا .
• أيها الناس لو لم يكن لنا ذنوب إلا حب الدنيا لخشينا على أنفسنا
منها، إن الله عز وجل يقول :{
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ }( الأنفال : 67 )، فرحم الله امرءاً أراد ما أراد
الله عزّ و جلّ .
• أيها الناس لقد كان الرجل إذا طلب العلم يرى ذلك في بصره و
تَخَشُّعه و لسانه ويده وصلاته وصِلَتِه وزهده، أما الآن فقد أصبح
العلم ( مصيدةً ) و الكل يصيد أو يتصيد، إلا من رحم ربك وقليل ما هم.
• توشك العيـن تغيـض، و البحيرات تجفّ، بعضنا يصطاد بعضاً و الـشباك
تختلف. ذا يجئ الأمرَ رأسـا وذا يدور أو يَلِفّ. و الصغير قد يَعِفّ و
الكبير لا يعف.و الإمام قد يُسِفّ والصغير لا يسف. و الثياب قد تصون و
الثياب قد تَشِفّ . و البَغِيُّ قد تُداري سُمَّها و تَلْتَحِف. و
الشتات لا يزال يأتلف و يختلف . و الخطيب لا يزال .. بالعقول يستخف .
و القلوب لا تزال.. للشمال تنحرف . و الصغير بات يدري.. كيف تؤكل الكتف
لا تخادع يا صـديقي بالحقيقة ...اعتـــرف.
• لقد رأيت أقواما..كانت الدنيا أهون عليهم من التراب،و رأيت أقواما
يمسي أحدهم و ما يجد إلا قوتا فيقول:لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن
بعضه لله عز وجل، فيتصدق ببعضه وهو أحوج ممن يتصدق به عليه !
• يا قوم إن الدنيا دار عمل من صحبها بالنقص لها و الزهادة فيها سعد
بها و نفعته صحبتها . ومن صحبها على الرغبة فيها و المحبة لها شقي بها
.و لكن أين القلوب التي تفقه ؟ و العيون التي تبصر ؟والآذان التي تسمع
؟
• أين منكم من سمع ؟!!، لم أسمع الله عزّ و جلّ - فيما عهد إلى عباده و
أنزل عليهم في كتابه -رغب في الدنيا أحدا من خلقه ولا رضي له
بالطمأنينة فيها و لا الركون إليها، بل صرّف الآيات و ضرب الأمثال :
بالعيب لها و الترغيب في غيرها.
• أفق يا مغرور تنشط للقبيح و تنام عن الحسن و تتكاسل إذا جدّ الجد
!!• القلب ينشط للقبيح .. وكم ينام عن الحسن. يا نفس ويحك ما الذي ..
يرضيك في دنيا العفن ؟!... أولى بنا سفح الدموع و أن يجلببنا
الحزن. أولى بنا أن نرعوي أولى بنا لبس ( الكفن). أولى بنا قتل (
الهوى ) في الصدر أصبح كالوثن. فأمامنا سفر طويل .. بعده يأتـي السكن.
إما إلى ( نار الجحيم ) .. أو الجنان : ( جنان عدن ). أقسمت ما هذي
الحياة.. بها المقام أو ( الوطن). فلم التلوّن و الخداع ؟ لم الدخول
على ( الفتن ) ؟! . يكفي مصانعة الرعاع .. مع التقلب في المحن. تبا
لهم من معشر ألفوا معاقرة ( النتن). بينا يُدَبَّرُ للأمين أخو الخيانة
( مؤتمن)!. تبا لمن يتمـلقون و ينطوون على ( دخن ). تبا لهم فنفاقهم قد
لطّخ ( الوجه الحسن). تبا لمن باع ( الجنان ) لأجل ( خضراء الدمن).
• أفيقوا يأهل الغفلة فالقافلة قد تحركت و عند الصباح ..يحمد القوم
السّرى{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا
بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن
يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ
اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }
الأعراف: 97-99)
• لا يزداد المؤمن صلاحا..إلا ازداد خوفا حتى يقول : لا أنجو ! أما
الفاسق فيقول : الناس مثلي كثير وسيغفر لي ، و لا بأس علي ، فرحمة الله
واسعة والله غفور رحيم ! أكمل يا مغرور ولا تقل : فويل للمصلين !{
قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ
شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ
وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً
عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ
وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ
مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ( الأعراف : 156-157).واقرأ
يا مغرور !{ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } (
الأعراف : 56 )و اقرأ يا مغرور :{ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ
وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى }( طه : 82 )و اقرأ يا مغرور
:{ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ
عَذَابَ الْجَحِيمِ } ( غافر : 7 ).و لكن الفاسق المغرور يخدع نفسه
فيؤجل العمل و يتمنى على الله تعالى.
• تباً لطلاب الدنيا وهي دنيا !!! و الله لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام
بعد عبادتهم للرحمن و ذلك بحبهم للدنيا
• و الله ما صدّق عبد بالنار..إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت و إن
المنافق المخدوع :لو كانت النار خلف هذا الحائط لم يصدق بها ..حتى
يتهجم عليها فيراها !
• القلوب .. القلوب! إن القلوب تموت وتحيا، فإذا ماتت فاحملوها على
الفرائض فإذا هي أحييت فأدبوها بالتطوع .
• المؤمن ... ما المؤمن ؟ و الله ما المؤمن بالذي يعمل شهراً أو شهرين
أو عاماً أو عامين، لا و الله ما جعل الله لمؤمن أجلا دون الموت
• الذنوب و هل تتساوى الذنوب؟ إن الرجل ليذنب الذنب فما ينساه وما يزال
متخوفا منه أبدا حتى يدخل الجنة.
• الدنيا .. وهموم الدنيا و التحسر على ما فات جعل الحسرة حسرات.
• إن المؤمن إذا طلب حاجة فتيسرت .. قبلها بميسور الله عزّ و جلّ و حمد
الله تعالى عليها و إن لم تتيسر .. تركها و لم يتبعها نفسه.
• ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا المؤمن إن
أصابته سراء شكر: فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر: فكان خيرا له) . •
نعمت الدار كانت ( الدنيا ) للمؤمن، و ذلك أنه عمل قليلاً و أخذ زاده
منها إلى ( الجنة ) . و بئست الدار كانت للكافر و المنافق، ذلك أنه
تمتع ( ليالي ) و كان زاده منها إلى ( النار ) . { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ
النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ }( آل عمران : 185 )
• إن المؤمن قوّام على نفسه يحاسب نفسه لله عزّ و جلّ و إنما خفّ
الحساب يوم الحساب ..على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا و إنما شق الحساب
..على قوم أخذوها من غير محاسبة .
• يا قوم تصبروا و تشددوا فإنما هي ليالٍ تعد و إنما أنتم ركب وقوف،
يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب فيذهب به و لا يلتفت فانقلبوا بصالح الأعمال
.
• إن هذا الحق قد أجهد الناس و حال بينهم وبين شهواتهم و إنما صبر على
الحق من عرف فضله و رجا عاقبته.
• أفق يا مغرور من غفلتك وابك على خطيئتك. إذا خاف ( الخليل عليه
السلام ) .. و خاف ( موسى عليه السلام ) ..كذا خاف ( المسيح عليه
السلام ) .. و خاف ( نوح عليه السلام) .. وخاف ( محمد صلى الله عليه
وسلم) خير البرايا فمالي لا أخاف و لا أنوح ؟!
• و يحك يا ابن آدم هل لك بمحاربة الله طاقة ؟! إنه من عصى ربه فقد
حاربه !
• يا هذا أدم الحزن على خير الآخرة لعله يوصلك إليه .وابك في ساعات
الخلوة لعل مولاك يطلع عليك فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين .
• يا هذا رطّب لسانك بذكر الله وندّ جفونك بالدموع ..من خشية الله
فوالله ما هو إلا حلول القرار : في الجنة أو النار ليس هناك منزل ثالث
من أخطأته الرحمة صار و الله إلى العذاب .
• السنة .. السنة وطّنوا النفوس على حبها وتعظيمها و الحنين إليها فقد
جاء في الأثر : لما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر ..حنّت الجذع
..كما يحنّ الفصيل إلى أمه و بكت بكاء الصبي !! يا عباد الله ! الخشبة
تحنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً إليه ! فأنتم أحق أن
تشتاقوا إلى لقائه .
• و اعلم يا هذا أن خطاك خطوتان : خطوة لك و خطوة عليك فانظر أين
تغدو ؟و أين تروح ؟
• الموت .. الموت { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ
} ( آل عمران : 185 ) ( الأنبياء : 35 ) ( العنكبوت : 57)، يحق لمن
يعلم :أن الموت مورده و أن الساعة موعده و القيام بين يدي الله تعالى
مشهده يحق له أن يطول حزنه .
• يا هذا صاحب الدنيا بجسدك وفارقها بقلبك و ليزدك إعجاب أهلها بها
..زهدا فيها و حذرا منها فإن الصالحين كانوا كذلك .
• { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ
} فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحا .• و اعلم يا هذا أن المؤمن
في الدنيا كالغريب لا يأنس في عزها و لا يجزع من ذلها للناس حال وله
حال .
• و احذر ( الهوى ) فشرُ داء خالط القلب : الهوى
• و احرص على العلم و أفضل العلم : الورع و التوكل
• و اعلم أن العبد لا يزال بخير ما إذا قال.. قال لله و إذا عمل .. عمل
لله
• واعلم أن أحب العباد إلى الله ..الذين يحببون ( الله ) إلى عباده و
يعملون في الأرض نصحا .
• و احذر الرشوة فإنها إذا دخلت من الباب ..خرجت الأمانة من النافذة
• و احذر الدنيا فإنه قلّ من نجا منها وليس العجب لمن هلك ..كيف هلك ؟
و لكن العجب لمن نجا ..كيف نجا ؟! فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة و إلا
فإني لا أخالك ناجيا . ورغم هذا فالدنيا كلها :أولها و آخرها ما هي إلا
كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه !!!
• كيف نضحك ؟ و لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا فقال : لا أقبل منكم
!!
• يا هذا بع دنياك بآخرتك ..تربحهما جميعا . و لا تبع آخرتك بدنياك ..
فتخسرهما جميعا .
• يا هذا كفى بالموت واعظا و رب موعظة دامت ساعة ثم تنقضي و خير موعظة
ما دام أثرها
• نُراعُ إذا ( الجنائز ) قابلتنا و يحزننا بكاء الباكيات كروعة ثلة
لمغار سبع فلما غاب:عادت راتعات !!، و السلام
المرأة المسلمة والنشاط
السياسي
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
للمرأة قضايا تثار في كلِّ مجتمع مضطرب الموازين منحرف
القيم أو جاهليٍّ أو ملحدٍ ، كان للمرأة قضيّة في العصر الجاهليّ في
الجزيرة العربيَّة ، وفي اليونان وفي روما في عصور الانحلال والتفلّت .
ولها قضيّة كُبْرى في الحضارة الغربيّة التي سحقت المرأة وسرقت شرفها
وحطّمت كرامتها ورمتها في فتنة الدنيا ووحول فسادها ، مخدّرة لا تُحسُّ
بحقيقة شقائها ، خدّرتها الشهوة المتفلَّتة، أو الجري اللاهث وراء لقمة
العيش ، أو زهوة المراكز والمناصب والمسؤوليات.
ولكن لم يكن للمرأة مشكلة في عصر النبوة الخاتمة
، ولا في عصر الخلفاء الراشدين ، ولا في أيّ عصر ساد فيه حكم الكتاب
والسنَّة وكانت كلمة الله فيه هي العليا .
ولكننا اليوم نعاني من هذه القضيَّة ، قضيّة
المرأة بعامة ومشاركتها في العمل السياسي بخاصة في الآونة الأخيرة :
ونرى البعض يطلق مثل هذا الحكم :
" الإسلام لم يُفَرِّق بين المرأة والرجل في ممارسة
الحقوق السياسية فهما على قدم سواء " .
حكم عام يطلق يكاد يوحي بأنه مستقى من نصّ من الكتاب
والسنة ، أو أنه يمثل ممارسة واضحة في التاريخ الإسلامي منذ عهد
النبوّة .
إِنّ
هذا النصّ العام المطلق على هذه الصورة الجازمة والتي يطلقها بعض
العلماء المعاصرين دون أي قيود ، لا تصحّ إلا بتوافر نصّ ثابت من
الكتاب والسنة ، أو بتوافر ممارسة واقعية ممتدّة في المجتمع الإسلامي
الملتزم بالكتاب والسنة ، والذي تكون فيه كلمة الله هي العليا .
ولكننا لا نجد في الكتاب والسنّة أيّ نصّ يجيز هذا
الحكم العام المطلق الخالي من أي قيود ، ولا نجد كذلك أيّ ممارسة
عمليّة ممتدّة له في حياة المسلمين والمجتمع الإسلامي الملتزم منذ عهد
النبوة الخاتمة محمد
r
، وحياة الخلفاء الراشدين ، وسائر فترات التاريخ التي التزم فيها
المجتمعُ الإسلامَ . نساء النبيّ
r
لم يمارسن النشاط السياسيّ مساويات للرجال على قدم سواء ، ولا نساء
الخلفاء الراشدين ، ولا نساء العصور التي تلت، ولا نجد هذه الدعوة التي
يطلقها بعض العلماء إلا في العصور الحديثـة المتأخرة التي انحسر فيها
تطبيق الإسلام ، وغزا الفكر الغربي ديار المسلمين .
وإذا كان رسول الله
r
شكا إلى زوجه أم سلمة ما حدث من أصحابه في الحديبية ، فأشارت عليه
برأيٍ استحسنه وأخذ به ، فهذه حالة طبيعية في جوّ الأسرة المسلمة أن
يُفرغ الرجل إلى زوجته بعض همومه ، وأن يستشيرها في ذلك ، وأن يستمع
إلى رأيها ، فإن وجد فيه خيراً أخذ به ، وإن لم يجدْ تركه .
هذه حادثة نتعلم منها أدب الحياة الزوجيّة في الإسلام ،
ونتأسَّى برسول الله
r
ونسائه في ذلك ، دون أن نعتبر ذلك نشاطاً سياسياً لنخرج منها بحكم عام
مطلق ينطبق على جميع النساء في جميع العصور والأماكن في النشاط السياسي
.
وأم سلمة بعد ذلك لم يُعرَف عنها أنها شاركت في النشاط
السياسيّ مساوية للرجال على قدم سواء ، وكذلك سائر النساء لم يعرف عنهن
هذه المشاركة المساوية للرجـال في المجتمع المسلم .
فهذه حادثة تكاد تكون فريدة لا تصلح لإطلاق حكم عام .
وحين أنزل الله سبحانه وتعالى على عبده ورسوله
r
قوله :
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ
كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ
أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً
* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ
لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً )
[ الأحزاب : 28- 29 ]
لم يكن الأمر أن نساء النبي
r
يتطلّعن إلى الزينة والحليّ والمتع الدنيوية ، كما هو حال نساء الملوك
والرؤساء حسب ما ذكر بعضهم.
لقد كنّ يدركن وهن في مدرسة النبوة أن الإسلام نهج آخر
، ولكن حياة النبيّ
r
كان فيها شدة وتقشف وزهد لم يكن في سائر بيوت المؤمنين ، فأردن
المساواة مع مستوى غيرهنّ من المؤمنات ، لا مستوى الملوك والرؤساء .
وعندما ندرس هذه الآيات وما يتعلّق بنساء النبيّ
r
، فإنما ندرسه ليس من منطلق الرغبات الدنيوية الظاهرة في حياة الملوك ،
وإنما ندرسه منطلقين من القاعدة الرئيسة التي نصّ عليها القرآن الكريم
من أنهنّ أُمهات المؤمنين ، لهن هذه الحرمة العظيمة والمنزلة العظيمة .
فجاءت هذه الآيات الكريمة لتذكر المسلمين ونساء النبيّ
r
والنساء المؤمنات بعامة أن
هناك نهجين مختلفين للحياة في ميزان الإسلام : نهج الدار الآخرة وما
يشمله من قواعد وأسس ونظام ، ونهج الدنيا وما يموج فيه من أهواء وشهوات
.
نهجان مختلفان :
|
نهج الضلال ونهج الحقّ والرشَـدِ |
|
نهجـان قـد ميّـز الرحمن بينهمـا
|
|
نهـج الفساد ولا حقّـاً على فَنَـدِ |
|
لا يجمـع الله نهج المؤمنـين على
|
ولقد وَعَت أمهات المؤمنين رضي الله عنهن هذا التذكير ،
فاخترْن الله ورسوله والدار الآخرة ، ليكُنّ بذلك القدوة للنساء
المؤمنات أبد الدهر .
ولا يتعارض هذا مع بقاء الطباع الخاصّة بالنساء ،
الطباع التي فطرن عليها يهذّبها الإسلام ويصونها من الانحراف .
ولقد خلق الله المرأة لتكون امرأةً ، وخلق الرجل ليكون
رجلاً ، وجعل سبحانه وتعالى بحكمته تكويناً للمرأة في جسمها ونفسيّتها
، وجعل للرجل تكويناً متميزاً في جسمه ونفسيّته ، ومازال العلم يكتشف
الفوارق التي تظهر بين الرجال والنساء .
وعلى ضوء ذلك ، جعل الله للرجل مسؤوليات وواجباتٍ
وحقوقاً ، وللمرأة مسؤوليات وواجبات وحقوقاً ، لتكون المرأة شريكة
للرجل لا مساويةً له ، حتى يتكامل العمل في المجتمع الإسلامي ، حين
يوفي كلٌّ منهما بمسؤولياته وقد عرف كلٌّ منهما حدوده كما بيّنها الله
لهم جميعاً .
وهناك حقوق مشتركة بين الرجل والمرأة .
فالبيت المسلم هو ميدان التعاون في ظـلال المودّة
والسكن والرحمة ، دون أن يتحوّل الرجل إِلى امرأة أو المرأة إلى رجل .
ومن حق المرأة أن تتعلم لأنَّ طلب العلم فريضة على كل مسلم، رجلاً كان
أو امرأة
":
طلب العلم فريضة على كل مسلم
"،
(1)
ومن حقّها وواجبها أن تكون مدرِّسة للنساء ، وطبيبة
للنساء ، وفي كل نشاط مارسته النساء المؤمنات في مجتمعات يحكمها منهاج
الله وكلمة الله فيها هي العليا ، دون أن يتشبّهْن بالرجال :
فعن ابن عباس رضي عنه عن الرسول
r
قال : "لعنَ الله المتشبّهات من النساء بالرجال ،
والمتشبّهين من الرجال بالنساء .
" (2)
وعن عائشة رضي الله عنها عن الرسول
r
قال : "
لعنَ الله الرَّجُلةَ من النساء .
" .(3)
.
وأمثلة كثيرة لا مجال لحصرها هنا تبيّن أن للإسلام
نهجاً مختلفاً عن نهج الاشتراكية والعلمانية والديمقراطية ، وتبيّن
بالنصوص والتطبيق كما أسلفنا أن المرأة ليست مساوية للرجل في النشاط
السياسي في الإسلام ، إلا إذا نزعنا إلى نهج آخر أخذت تدوّي به الدنيا
، وأخذنا نبحث عن مسوّغات له في دين الله .
فعندما ندرس المرأة وحقوقها ومسؤولياتها في الإسلام
فيجب أن ننطلق من حماية الأسرة ورعاية الأطفال وتربيتهم ، فالأسرة
والبيت المسلم هو ركن المجتمع الإسلامي وأساسه ، وهو المدرسة الأولى
التي تبني للأمة أجيالها ، لا تتركهم للخادمات وغيرهن .
في الإسلام لابد من عرض التصوّر الكامل المترابط لنشاط
المرأة ، دون أن نأخذ جُزْءاً وندع أجزاءً ، ونركّز على أمر لم يركّز
عليه الإسلام ولم يبرزه لا في نصوصه ولا في ميدان الممارسة .
فالحياة الإسلامية متكاملة مترابطة في نهج الإسلام ، لا
تتناثر قطعاً معزولة بعضها عن بعض .
ولا يمنع شيء أن يخرج من بين النساء المؤمنات عالمات
مبدعات شاعرات ، مفتيات موهوبات .
ولكن هذا كله ليس هو الذي يحدّد دور المرأة في الإسلام
، فالذي يحدّده شرع الله بنصوصه الواضحة دون تأويل وبالممارسة الممتدّة
الواضحة .
والمرأة حين تكون عالمة أو فقيهة أو أديبة ، فهي أحرى
أن تصبح أكثر تمسّكاً بقوله سبحانه وتعالى
:
(....
فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ...
)
[
النساء
::
34]
ومما يثير العجب حقّاً أن الرجل الشيوعي جوربا تشوف ،
أدرك خطورة غيـاب المرأة عن بيتها وواجباتها فيه ، واجباتها التي ليس
لها بديل .
فلنستمع إلى ما يقوله :
"
... ولكن في غمرة مشكلاتنا اليوميّة الصعبة كدنا ننسى
حقوق المرأة ومتطلباتها المتميّزة المختلفة بدورها أماً وربّة أسرة ،
كما كدنا ننسى وظيفتها التي لا بديل عنها مربّية للأطفال
"
.
ويتابع فيقول
: " ... فلم يعد
لدى المرأة العاملة في البناء وفي الإنتاج وفي قطاع الخدمات وحقل العلم
والإبداع ، ما يكفي من الوقت للاهتمام بشؤون الحياة اليومية ، كإدارة
المنزل وتربية الأطفال ، وحتى مجرّد الراحة المنزليّة .
وقد تبيّن أن الكثير من المشكلات في سلوكية الفتيان
والشباب ، وفي قضايا خلقية واجتماعية وتربويّة وحتى إنتاجية ، إنما
يتعلّق بضعف الروابط الأسرية والتهاون بالواجبات العائلية ...
" (5)
في دراستهم للمجتمع وللصناعة والإنتاج ، انطلقوا كما
نرى ، ولو متأخرين ، من البيت ، من الأسرة ، من دور المرأة في البيت ،
الدور الذي لا بديل له .
ونحن المسلمين ، وقد فصّل لنا الإسلام نظام حياتنا
منطلقاً من تحديد مسؤوليات الفرد ، الرجل والمرأة ، ثم البيت والأسرة ،
تركنا ذلك وقفزنا لنبحث في حق المرأة أن تكون وزيرة أو عضواً في
البرلمان أو رئيسة دولة ، أو رئيسة شركة ، ونضع من أَجل ذلك قانونا
عاماً مطلقاً دون قيود
" :الإسلام
لم يفرّق بين المرأة والرجل في ممارسة الحقوق السياسية
! " وحسبُنا تطبيق الصحابة والخلفاء الراشدين ، فهل كانت المرأة مساوية
للرجل في الحقوق السياسية ؟!
أم أن الصحابة والخلفاء الراشدين أخطأوا ولم يدركوا هذه
الحقوق فظلموا المرأة وحرموها من حقوقها ؟!
لا نقول إِنّ المرأة عامة ، أو أن النساء كلهن لا يصلحن
للمهمات الكبيرة بحكم كونهنّ نساء .
لا نقول هذا .
ولكن نقول إن الله الذي خلق الرجل والمرأة حدّد
مسؤوليات الرجل والمرأة ، ومارس المسلمون ذلك في عهد النبيّ
r
، وفي عهد الخلفاء الراشدين ، وفي عصور كثيرة أخرى .
وقد يكون بعض النساء أكبر موهبة أو طاقة من بعض الرجال
، فهل هذا يعني أن تنزل المرأة معتركاً مختلفاً فيه أجواء كثيرة ،
وتترك قواعد الإسلام تأسّياً بنساء غير مؤمنات ، أو مجتمعات غير ملتزمة
بالإسلام .
وغفر الله لمن قال ، كما نشرته إحدى الصحف :
"
أنّ الرسول
r
لو كان يعلم أنه سيظهر بين النساء أمثال جولدا مائير ، أنديراغاندي ،
تاتشر ، ما قال حديثه الشريف :
( ما أفلح قوم
ولوا أمرهم امرأة )
.
فالمؤسف أنَّ من الناس من يعتبر أنَّ هؤلاء النساء أفلح
بهنّ قومهن .
عجباً كل العجب
! هل أصبح الكفر وزينة الدنيا ومتاعها هو ميزان الفلاح
!
وأين قوله سبحانه وتعالى
:
(وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً
لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ
فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ *
وَلِبُيُوتِهِمْ
أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ
* وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ )
[ الزخرف : 33-35]
نِعْمَ البيت الواسع والسرر المريحة للرجل الصالح .
ونعمت القوّة والسلاح والصناعة للمؤمنين .
إننا نعتقد أنه لا يصح أن نستشهد بمجتمعات غير ملتزمة
بالإسلام لنخرج بقواعد شرعية في الإسلام .
أما حديث رسول اللهr
:
( ما أفلح قوم ولَّوا
أمرهم امرأة )
، فالحديث يرويه أحمد بن حنبل وأبو داود وابن ماجه
والترمذي .
ويأتي الحديث بألفاظ مختلفة ولكنها تجمع على المعنى
والنص .
وإنّ مناسبة الحديث ونصّ الحديث باللغة العربيّة يفيد
العموم ولا يفيد الخصوص .
ولا يعجز الرسول
r
أن يخصّ ذلك بأهل فارس لو أراد التخصيص .
ولكن كلمة قوم نكرة تفيد العموم ، وامرأة نكرة تفيد
العموم ، فلا حاجة لنا إلى تأويل الحديـث بما لا تحتمل اللغة ، وربما
لا مصلحة لنا في هذا التأويل .
وبما أنَّ المرأة مطالبة بعبادة الله وإقامة دينه ،
فإنها كذلك مكلفة مثلها مثل الرجل بتقويم المجتمع وإصلاحه
!
ولكنّ الله سبحانه وتعالى جعل للرجل تكاليف في ذلك ليست
للمرأة ، وجعل للمرأة تكاليف ليست للرجل .
وذلك حتى في أركان العبـادة ـ في الشعائر ـ فصـلاة
المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد ، وصلاة الرجل في المسجد خير
من صلاته في البيت .
والجهاد فرض على الرجال في ميدان القتال ، وليس فرضاً
على المرأة ، وجهاد المرأة هو في بيتها ورعايته ورعاية زوجها :
فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ امرأة جاءت إلى النبي
r
فقالت : يا رسول الله !
أنا وافدة النساء إليك !
هذا الجهاد كتبه الله على الرجال ، فإن يصيبوا أجروا
وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون . ونحن النساء نقوم عليهم فما
لنا من ذلك ؟!
فقال رسول الله
r
: ( أبلغي من لقيتِ من النساء أنَّ طاعة
الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك ، وقليل منكنّ يفعله )
.
وعن أنس رضي الله عنه قال :
"
كان رسول الله
r
يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار ليسقين الماء ويداوين الجرحى
"
(6)
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله
r
قال : ( ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته
"
وفيه :" ...
والمرأة راعية
على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم ) .
(7)
وعن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله أعلى النساء
جهاد ؟! قال: ( نعم ! عليهن جهاد لا قتال
فيه الحج والعمرة )
(8)
وبصورة عامة فإن الإسلام جعل الميدان الأول للمرأة
البيت بنص الآيات والأحاديث والممارسة والتطبيق ، وجعل ميدان الرجل
الأول خارج البيت ، ويبقى للمرأة دور خارج البيت غير مساوٍ للرجل ،
وللرجل دور في البيت غير مساوٍ لدور المرأة .
ولا بد أن نؤكد أن للإسلام نهجاً متميّزاً غير نهج
العلمانية والديمقراطية ومناهج الغرب في عمل المرأة والرجل .
نهجان كما ذكرنا مختلفان .
نحن نمرّ بمرحلة فيها عواصف غربية وأمواج تكاد تكتسح .
ما بالنا نريد أن نخرج المرأة المسلمة من مكانها الكريم
الذي وضعها الإسلام فيه ، لنجاري الغرب في ديمقراطيته وعلمانيته .
ونكاد نخجل من اتهام العلمانية لنا وادعائها بأن
الإسلام حجر على المرأة .
إن أفضل ردّ عليهم لا يكون بأن ندفع المرأة المسلمة إلى
بعض مظاهر الغرب لندفع عن أنفسنا ادّعاءَهم .
إن أفضل ردّ أن نقول لهم
إن
الإسلام أكرم المرأة وأعزها وحفظ لها شرفها وطهرها ، وأنتم أضعتم
المرأة وأضعتم كرامتها ، ثمَّ نعرض الإسلامَ كما هو وكما أُنزل على
محمد
r
، وكما مارسه المسلمون في عهد النبوة والخلفاء الراشدين .
المرأة المسلمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في أجواء
النساء ، حيث لا يستطع الرجل أن ينشط هناك إلا في أجواء الاختلاط التي
لم يعرفها الإسلام لا في نصوصه ولا في ممارساته .
وللمرأة المسلمة أنشطة كثيرة تقوم بها دون أن تلج في
أجواء لم يصنعها الإسلام .
المنافقات يقمن بإفساد المجتمع مع المنافقين جنباً إلى
جنب سواء بسواء كما نرى في واقع البشرية اليوم .
أما المؤمنات فيصلحن في المجتمع بالدور الذي بيّنه الله
لهنّ ، غير مساويات للرجال ولا ملاصقات لهن .
دور بيّنه الله للنساء وللرجـال لا نجده في الديمقراطية
ولا في العلمانية ، ولا في تاريخ الغرب كله .
نعم !
إن أول من صدّق رسول الله
r
كانت زوجه خديجة رضي الله عنها.
ولكنها بتصديقها لرسول الله
r
التزمت حدودها في رسالته ، فلم تنطلق خديجة رضي الله عنها في أجواء
النشاط السياسي أو ميادين القتال أو مجالس الرجال . وكذلك كانت سميّة
أول شهيدة في الإسلام رضي الله عنها ، وكانت قبل استشهادها ملتزمة حدود
الإسلام .والنساء اللواتي قاتلن في أُحد أو حنين ، كان ذلك في لحظات
طارئة عصيبة لا تمثل القاعدة الدائمة الرئيسة للمرأة في الإسلام ، كما
بيناها قبل قليل ، فلم نَرَهنّ بعد ذلك في مجالس الرجال أو ميادين
السياسة سواء بسواء كالرجال ، وإنما كنّ أول من التزم حدودهن التي
بينها لهنّ الله ورسوله
r.
المرأة التي قامت تردّ على عمر رضي الله عنه في المسجد
، كانت في مكان تعبد الله فيه وتتعلم . وهو جو يختلف عن المجالس
النيابية اليوم ، وكانت في مجتمع يختلف عن مجتمعاتنا اليوم .
وهذه المرأة نفسها لو عُرِض عليها الأجواء المعاصرة
لأبت المشاركة فيها ، وكثير من المسلمات اليوم يأبين المشاركة في
الأجواء الحديثة .
وأتساءل عن السبب الذي يدعو بعضهم إلى الحرص على إدخال
المرأة المجالس النيابية العصرية
! لقد أصبح لدينا تجربة غنيّة في المجالس النيابية تزيد
عن القرن ، فلننظر ماذا قدّمت للأمة المسلمة ، هل ساعدت على جمعها أم
على تمزيقها ، وهل ساهمت في نصر أم ساهمت في هزائم ، وهل هذه المجالس
التي نريد أن نقحم المرأة المسلمة فيها هي صناعة الإسلام وبناؤه ، أم
أنها مثل أمور أخرى غيرها استوردناها من الغرب مع الحداثة والشعر
المتفلّت المنثور وغيره من بضاعة الديمقراطية والعلمانية ؟!
وبصـورة عامة ، فإنّ هذا الموضوع :
مساواة المرأة بالرجل كما يقول بعضهم :
"
لقد قرّر الإسلام مساواة المرأة بالرجل "!
هكذا في تعميم شامل ، شاع هذا الشعار في العالم الإسلامي ، وأصبح له
جنود ودعاة ودول تدعو إِليه .
وكذلك: " مساواة المرأة بالرجل في ممارسة الحقوق
السياسية"، هذا كله موضوع طرق حديثاً مع تسلل الأفكار الغربية إلى
المجتمعات الإسلاميـة ، مع تسلل الديمقراطية والعلمانية ، كما تسلّلت
قبل ذلك الاشتراكية .
هنالك عوامل كثيرة يجب أن تدرس وتراعى عند دراسة نزول
المرأة إلى ميدان العمل السياسي الذي يفرض الاختلاط في أجواء قد لا
يحكمها الإسلام من ناحية ، ولا تحكمها طبيعة العمل نفسه .
والاختلاط مهما وضعنا له من ضوابط ، فقد أثبتت التجربة
الطويلة في الغرب وفي الشرق إِلى انفلات الأمور وإلى التورط في علاقات
غير كريمة .
وكذلك فنحن لسنا بحاجـة لنزول المرأة إلى الميادين ،
ففي الرجال عندنا فائض ، والرجال بحاجة إلى أن تـدرس حقوقهم السياسية
التي منحهم إياها الإسلام .
إن نزول المرأة إلى الميدان السياسي ذو مزالق خطيرة ،
فعندما يُطلق هذا ويباح ، فهل معظم النساء اللواتي سيمارسن هذا العمل
نساء ملتزمات بقواعد الإِسلام كلّه و بالحجاب و باللباس عامة .
إنَّ إطلاق هذا الأمر ونحن لم نَبْنِ الرجل ولا المرأة
، والتفلّت في مجتمعاتنا واضح جليّ ومتزايد في الرجال والنساء ، دون أن
ينفي هذا وجود بعض النساء الملتزمات والرجال الملتزمين ، إنَّ إطلاق
هذا الأمر قد يقود إلى فتنة يصعب السيطرة عليها .
وإني لأتساءل :
لأيّ مجتمع تصدر مثل هذه الآراء ؟!
، لأيّ رجل وأي امرأة ؟! هل المجالس النيابية الحاليّة
تصلح ميداناً للمرأة المسلمة لتمارس النشاط السياسي .
أين هو المجتمع الذي يطبّق شرع الله كاملاً ، ليطلق فيه
مثل هذه الأمور ، وهل هذه المجالس مجالس يسودها شرع الله ؟!
وميادين العمل المباح للنساء واسعة جداً وكافية لهن ،
وكلها منضبطة بقواعد الإسلام مثل المدرسات والطبيبات ، وكل عمل ليس فيه
باب من أبواب الفتنة أو الاختلاط ، مع توافر جميع الشروط الشرعية
الأخرى عند مزاولة هذه الأنشطة .
لا بدّ من الاستفادة مما حلَّ بأقوام آخرين حين انطلقت
المرأة في المجتمع في هذا الميدان أو ذاك .
وإذا نزلت ميدان السياسة فما الذي يمنعها أن تنزل إلى
المصانع وسائر الميادين الأخرى ، كما نراها في العالم الغربي .
وكذلك أتساءل لماذا هذه الضجّة الكبيرة عن المرأة
وحقوقها ، ألا تنظرون إلى الرجل وحقوقه .
في عالمنا اليوم فَقَدَ كثير من الرجال حقوقهم ، فلماذا
تكون الضجّة على حقوق المرأة وحدها ، ففي ذلك ظلم للمرأة وللرجل .
والإسلام في نهجه جعل الحقوق والواجبات متوازنة في
الحياة كلها من خلال منهاج رباني أصدق من سائر المناهج وأوفى وأعدل .
وأخيراً أقول :
قبل أن نطلق مثل هذه الآراء اليوم ، فلنبن الرجل ولنبن
المرأة ولنبن المجتمع المسلم
فلنبنِ الأمة ، فلنبنِ الرجل والمرأة والبيت المسلم
والمجتمع المسلم الملتزم ، ولنبنِ الأمة المسلمة الواحدة الملتزمة
بالكتاب والسنة . حيث تكون كلمة الله هي العليا، فيكون
هذا
المجتمع أقدر على تحديد دور الرجل والمرأة .
إلى ذلك يجب أن تتجه الجهود متكاتفة بدلاً من أن
تتمزَّق في قضايا جزئية لا تساعد إلا على تمزيق الأمة : أيها العلماء
والفقهاء والدعاة والمسلمون أقيموا الإسلام حقّ الإقامة أولاً في
نفوسكم رجالاً ونساءً ، وأقيموه في الأرض ، كما يأمركم الله سبحانه
وتعالى ، وبلّغوه الناس وتعهّدوهم عليه ، ثمَّ انظروا في حقوق المرأة
والرجل تجدوها بيّنة جليّة لا تحتاج إلى فتوى ، كما وجدها أصحاب رسول
الله
r
والمؤمنون المتقون في العصور كلِّها !
من أخلاق العلماء: أبو حازم والخليفة سليمان بن عبد الملك
أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
بْنُ عُمَرَ بْنِ الْكُمَيْتِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ وَهْبٍ
الْهَمْدَانِيُّ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ ابْنُ مُوسَى قَالَ:
مَرَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ
يُرِيدُ مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، فَقَالَ:
( هَلْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ أَدْرَكَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ )
فَقَالُوا لَهُ: ( أَبُو حَازِمٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ).
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ:
( يَا أَبَا حَازِمٍ مَا هَذَا الْجَفَاءُ؟ )
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَيُّ جَفَاءٍ
رَأَيْتَ مِنِّي؟ )
قَال: ( أَتَانِي وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ تَأْتِنِي ).
قَالَ: ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ
تَقُولَ مَا لَمْ يَكُنْ، مَا عَرَفْتَنِي قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ،
وَلَا أَنَا رَأَيْتُكَ).
|