|
إسهام المدرسة الحنفية في تطوير التقنين الفقهي
بقلم الأخ الدكتور حسن عبد الرحمن بكير
الأمين العام للحركة الإسلامية
المغربية
رئيس قسم الدراسات العليا بجامعة أوربا الإسلامية
بروتردام-هولندا
|
ملخص البحث الذي
تقدم به الأخ د.حسن بكير للمشاركة في المؤتمر العالمي حول
"الإمام أبي حنيفة النعمان وميراثه في سياق الحوار بين
الحضارات: التاريخ والمعاصرة". الذي انعقد في دوشنبه (طاجكستان)
بتاريخ: 5-6/10/2009 |
إن الدراسة
التاريخية لحياة الأئمة الفقهاء وما أبدعوه من إنتاج فقهي وتراث علمي
يسهم بدور كبير في تقويم الحركة الفقهية منذ عصرها الأول إلى وقتنا
الحاضر. ولعل من أبرز العلماء الذين تركوا أثرا واضحا في هذه المسيرة
العلمية الثرية هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان (80-150هـ).
ولئن كان هذا الفقيه
المجتهد لم يقصد تأسيس مذهب فقهي خاص به ابتداء كما هو شأن أغلب
الأئمة، فقد تيسر له من المؤهلات الشخصية والظروف الموضوعية المناسبة
ما جعله رائد أهم المدارس الفقهية الإسلامية قديما وحديثا.
ولعل ما ميز الإمام
أبا حنيفة قرب عهده بكثير من التابعين، بل إنه عد تابعيا – على أرجح
الأقوال – وتنوع مصادر تكوينه العلمي الراسخ؛ فلم يلازم شيخًا واحدًا،
وإنما أخذ عن العديد من جهابذة العلم وأعلام الفقه الإسلامي. وفي تنوع
هذه المدارس إثراء للفقه، بل إن فيها أساس العناصر التي اعتمدها أبو
حنيفة في رسم منهجه الاجتهادي؛ إذ جمع بين فقه عمر المبني على المصلحة،
وفقه علي المبني على الاستنباط والغوص طلبًا لحقائق الشرع، وعلم ابن
مسعود القائم على التخريج، وعلم
ابن عباس الذي هو
علم القرآن وفقهه. ولم يقتصر على فقه هؤلاء فحسب، وإنما استقاه من كل
المصادر التي توفرت لديه، بما في ذلك رحلاته الكثيرة - أثناء أدائه
مناسك الحج – التي أتاحت له فرصة الالتقاء بنخبة من خيرة الفقهاء
المجتهدين.
كما أن أهم العوامل
التي أسهمت في تبلور مدرسة أبي حنيفة الفقهية وتطورها واستمرارها ترجع
في الأغلب إلى ثلاثة عناصر يمكن إجمالها في ما يلي:
1-
عنصر ذاتي: أساسه شخصية الإمام وعقله المتقد ذكاء وفطنة وحسن تبصر
بالأمور وبواعثها ومآلاتها، وثراء المصادر التي كونت هذه الشخصية،
إضافة إلى معرفته العميقة بالبيئات التي عاش فيها وانتقل إليها لاسيما
وقد كان الإمام ممن يغشى الأسواق ويتعامل مع الناس بيعا وشراء، ويعرف
أعرافهم ويدرك واقعهم الاجتماعي والسياسي. وقد أثمرت هذه المعرفة آراء
واجتهادات دقيقة في مختلف المجالات التي ارتادها، ولذلك ليس من الغريب
أن نجد لأبي حنيفة أقوالا وآراء في العقيدة والأخلاق والفكر والفقه:
معاملات شخصية ومالية وسياسية.
2-
عنصر موضوعي: يتمثل في وجود التلاميذ النجباء الذين تتلمذوا له ونقلوا
فقهه وآراءه وأضافوا إليها ونقحوا بعضها، وتجدر الملاحظة أن الأصول
التي يذكرها فقهاء المذهب الحنفي على أنها أصول المذهب، أو الأصول التي
اعتمدها الأئمة في منهجهم الاجتهادي ليست من وضع الأئمة أنفسهم – وإن
كانوا يلاحظونها في استنباطاتهم -؛ وإنما وضعها
من جاء بعدهم بعد أن تلمسوها من أقوالهم وما أُثِر عنهم من فروع فقهية
. وكثير مما نسب
لأبي حنيفة – مثلا –
هو تخريج على مذهبه. ولعله من حسن طالع هذه المدرسة أن يتوافر لها
تلاميذ نبغاء في حياة الإمام: كمحمد بن الحسن الشيباني والقاضي أبي
يوسف وزفر ... استطاعوا استيعاب فقه أبي حنيفة واجتهاداته ولم يقفوا
عند نقل آراء أستاذهم وترديدها، وإنما نجحوا في تكوين شخصية علمية
مستقلة وإن كان في الإطار العام للمدرسة التي وضع الإمام أسسها ورسم
أبرز معالمها.
3-
عنصر واقعي: يتمثل في تبني الدولة للمذهب الحنفي في القديم والحديث.
قديما عندما تم تعيين الفقيه المجتهد أبي يوسف قاضيا للقضاة في زمن
الدولة العباسية، فقد أسدت هذه الوظيفة الرسمية خدمة جليلة للمذهب؛ حيث
صار لأبي يوسف كلمة الفصل في تعيين القضاة، وبحكم التزامه بالمدرسة
الحنفية كان لا يولي القضاء إلا من كان من أتباع مدرسته؛ ولذلك قال ابن
حزم: مذهبان انتشروا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: الحنفي بالشرق،
والمالكي بالأندلس. ثم إن تبني الدولة العثمانية للمذهب الحنفي في
بداية تأسيسها في القرن الثامن الهجري، أسهم في ترسيخ المذهب في كثير
من البلاد التي وصلت إليها الامبراطورية العثمانية.
لقد تميز الأحناف
بمنهج للدراسة الأصولية حمل اسم الإمام أبي حنيفة: وهو ما عرف بطريقة
الأحناف أو الفقهاء في التأليف الأصولي. وأهم ما ميز هذه الطريقة
اعتماد أصحابها على الإكثار من ذكر الفروع الفقهية وبناء القواعد
الأصولية عليها واستنتاجها منها، فهي متأثرة بالفروع الفقهية، ومتجهة
لخدمتها وإثبات سلامة الاجتهاد فيها؛ لذا يمكن ملاحظة أن أصحابها
اتبعوا منهجا استقرائيا، حيث اعتمدوا في تأليفهم على ثروة أئمتهم
الفقهية، محاولين تتبع الضوابط والقواعد التي روعيت أثناء اجتهاداتهم،
وعلى هذا الأساس أصلوا الأصول وحرروا قواعد هذا الفن. كما يجدر التذكير
بأن التأليف على طريقة الأحناف جاء في سياق التمهيد لمؤلفات في الفقه
والأحكام من أجل حسن فهمها واستيعابها، وهذا ما يثبته استقراء مؤلفات
الأصوليين الأحناف.
إن ما ميز منهج
الأحناف أن دراستهم جاءت دراسة تطبيقية، وليست بحوثا نظرية مجردة. فهي
بذلك أسهمت في تطوير الدراسات المقارنة، ولا أدل على ذلك من استخدام
أغلب المذاهب الفقهية لها من أجل خدمة المذهب وتوسيع رحابه.
ولئن كان يبدوعدم
وجود قواعد أصولية مدونة لدى الأحناف في بدء الأمر مظهر نقص في مذهبهم،
فإن التتبع الدقيق لتطور المذهب يكشف أن هذه الظاهرة كانت عاملا حفز
بروز فقهاء أعلام أثروا علوم الشريعة – وفي مقدمتها – علم الأصول وما
تفرع عنه من علوم منبثقة منه ومكملة له كعلم الخلاف وعلم القواعد
الفقهية الذي ساعد فعليا على تطوير الفقه وأصوله، ومنح الفقهاء آلية
عملية للاجتهاد أكثر انضباطا وأوسع دائرة.
إن استخدام الفقهاء
لهذه الآليات أثمر ثروة فقهية هائلة، لكن هذه الوفرة أحدثت نوعا من
الاضطراب في ميدان القضاء، لكثرة الاختلافات بين المذاهب ولتعدد
الأقوال داخل المذهب الواحد، ولصعوبة الرجوع إلى فقه المبثوث في بطون
ما لا يحد من المصادر – مطولة كانت أو مختصرة-؛ وهو ما احتاج في القرون
المتأخرة إلى معالجة هذا الوضع.
وقد كان للدولة
العثمانية إسهام مهم في هذا السياق لاسيما وهي راعية المذهب الحنفي،
حيث كلفت في أواخر القرن الثالث عشر الهجري مجموعة من كبار العلماء
لوضع مجلة الأحكام العدلية تتضمن القوانين التي يستند إليها القضاة في
المحاكم المدنية التي أنشئت آنذاك. ولعل ما ميز المجلة عن غيرها من
المصنفات الفقهية طريقة تأليفها، فهي لم تأت على نمط المصادر العلمية
أوالتعليمية، وإنما صيغت بأسلوب المراجع القانونية والقضائية ترتيباً
وترقيماً وسهولة عبارة وإعراضا عن كثرة الأقوال في المسألة الواحدة.
وعلى الرغم من أن
المجلة أخذت مواردها من الفقه الحنفي فحسب، فقد تجلى فيها قدرة الفقه
على الوفاء بما تقتضيه حياة الناس من تنظيم المعاملات وفض النزاعات وفق
أحكام الشرع الحكيم.
وهي – بذلك – تعد
خطوة مهمة مهدت لحركة التقنين في المجتمعات الإسلامية التي كانت تواجه
تحديات كبيرة في مجال السياسة والاقتصاد والتنظيمين الإداري والقانوني.
فظهرت عقبها دراسات عصرية مقدمة بأسلوب علمي سهل يركز – فقط – على
المنهجية في العرض والتحليل دون إضافة أي جديد متميز عن الدراسات
القديمة، كما أن بعض الباحثين المعاصرين تناول قواعد بعينها وأفردها
بالدراسة والتحليل، في حين أن بعضهم الآخر قد توسع في بحث جوانب من علم
القواعد وعلاقته بغيره من العلوم الشرعية، وأغلب هذه الدراسات تأتي في
سياق البحوث الأكاديمية لنيل درجات علمية.
رسالة
مبكية
من الحسن البصري إلى كل ولد آدم
• يا ابن آدم عملَك عملَك ، فإنما هو لحمك و دمك فانظر على أي حال
تلقى عملَك .
• إن لأهل التقوى علاماتٍ يُعرَفون بها :صدقَ الحديث
ووفاءً بالعهد
وصلةَ الرحم و رحمةَ الضعفاء وقلةَ المباهاة للناس و حسنَ الخُلُق،
وسعَةَ الخُلُقِ فيما يقرب إلى الله
• يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك غدا يوزن خيره وشره، فلا تَحْقِرَنَّ
من الخير شيئا و إن صغر، فإنك إذا رأيته سرك مكانُه. ولا تَحْقِرَنَّ
من الشر شيئا، فإنك إذا رأيته ساءك مكانُه. فإياك و مُحَقَّراتِ
الذنوب.
• رحم الله رجلا كسب طيبا و أنفق قصدا و قدم فضلا ليوم فقره و فاقته.
• هيهات .. هيهات ذهبت الدنيا بحال بالها وبقيت الأعمال قلائدَ في
أعناقكم
• أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم و قد أُسْرِعَ بخياركم فماذا
تنتظرون ؟!!
• يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك .. تربحهما جميعا و لا تبيعَنَّ آخرتك
بدنياك ..فتخسَرَهما جميعا.
• يا ابن آدم إنما أنت أيامٌ ! كلما ذهب يوم ذهب بعضُك فكيف البقاء
؟!• لقد أدركتُ أقواما ما كانوا يفرحون بشئ من الدنيا أَقْبَلَ، و لا
يتأسفون على شئ منها أَدْبَرَ، لَهِيَ كانت أهونَ في أعينهم من التراب
فأين نحن منهم الآن ؟!
• إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه يقول : ما أرَدْتُ بكلمتي ؟ يقول :
ما أردت بأُكْلَتي ؟ يقول : ما أردت بحديث نفسي ؟ فلا تراه إلا
يعاتبها.
• أما الفاجر - نعوذ بالله من حال الفاجر - فإنه يمضي قُدُما و لا
يعاتب نفسه حتى يقع في حفرته وعندها يقول : يا ويلتى ...يا ليتني ..يا
ليتني ..ولاتَ حين مَنْدَم !!!
• يا ابن آدم إياك و الظلمَ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، و ليأتين
أناس يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فما يزال يؤخذ منهم حتى يبقى
الواحد منهم مفلساً ثم يسحب إلى النار ؟
• يا ابن آدم إذا رأيت الرجل ينافس في الدنيا..فنافسه في الآخرة.
• يا ابن آدم نزّه نفسك، فإنك لا تزال كريما على الناس و لا يزال الناس
يكرمونك، ما لم تَتَعاطَ ما في أيديهم فإذا فعلت ذلك استخفّوا بك و
كرهوا حديثك و أبغضوك.
• أيها الناس أحبّوا هَوْنا و أبغضوا هونا فقد أفرط أقوام في الحبحتى
هلكوا، و أفرط أقوام في البغض حتى هلكوا .
• أيها الناس لو لم يكن لنا ذنوب إلا حب الدنيا لخشينا على أنفسنا
منها، إن الله عز وجل يقول :{
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ }( الأنفال : 67 )، فرحم الله امرءاً أراد ما أراد
الله عزّ و جلّ .
• أيها الناس لقد كان الرجل إذا طلب العلم يرى ذلك في بصره و
تَخَشُّعه و لسانه ويده وصلاته وصِلَتِه وزهده، أما الآن فقد أصبح
العلم ( مصيدةً ) و الكل يصيد أو يتصيد، إلا من رحم ربك وقليل ما هم.
• توشك العيـن تغيـض، و البحيرات تجفّ، بعضنا يصطاد بعضاً و الـشباك
تختلف. ذا يجئ الأمرَ رأسـا وذا يدور أو يَلِفّ. و الصغير قد يَعِفّ و
الكبير لا يعف.و الإمام قد يُسِفّ والصغير لا يسف. و الثياب قد تصون و
الثياب قد تَشِفّ . و البَغِيُّ قد تُداري سُمَّها و تَلْتَحِف. و
الشتات لا يزال يأتلف و يختلف . و الخطيب لا يزال .. بالعقول يستخف .
و القلوب لا تزال.. للشمال تنحرف . و الصغير بات يدري.. كيف تؤكل الكتف
لا تخادع يا صـديقي بالحقيقة ...اعتـــرف.
• لقد رأيت أقواما..كانت الدنيا أهون عليهم من التراب،و رأيت أقواما
يمسي أحدهم و ما يجد إلا قوتا فيقول:لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن
بعضه لله عز وجل، فيتصدق ببعضه وهو أحوج ممن يتصدق به عليه !
• يا قوم إن الدنيا دار عمل من صحبها بالنقص لها و الزهادة فيها سعد
بها و نفعته صحبتها . ومن صحبها على الرغبة فيها و المحبة لها شقي بها
.و لكن أين القلوب التي تفقه ؟ و العيون التي تبصر ؟والآذان التي تسمع
؟
• أين منكم من سمع ؟!!، لم أسمع الله عزّ و جلّ - فيما عهد إلى عباده و
أنزل عليهم في كتابه -رغب في الدنيا أحدا من خلقه ولا رضي له
بالطمأنينة فيها و لا الركون إليها، بل صرّف الآيات و ضرب الأمثال :
بالعيب لها و الترغيب في غيرها.
• أفق يا مغرور تنشط للقبيح و تنام عن الحسن و تتكاسل إذا جدّ الجد
!!• القلب ينشط للقبيح .. وكم ينام عن الحسن. يا نفس ويحك ما الذي ..
يرضيك في دنيا العفن ؟!... أولى بنا سفح الدموع و أن يجلببنا
الحزن. أولى بنا أن نرعوي أولى بنا لبس ( الكفن). أولى بنا قتل (
الهوى ) في الصدر أصبح كالوثن. فأمامنا سفر طويل .. بعده يأتـي السكن.
إما إلى ( نار الجحيم ) .. أو الجنان : ( جنان عدن ). أقسمت ما هذي
الحياة.. بها المقام أو ( الوطن). فلم التلوّن و الخداع ؟ لم الدخول
على ( الفتن ) ؟! . يكفي مصانعة الرعاع .. مع التقلب في المحن. تبا
لهم من معشر ألفوا معاقرة ( النتن). بينا يُدَبَّرُ للأمين أخو الخيانة
( مؤتمن)!. تبا لمن يتمـلقون و ينطوون على ( دخن ). تبا لهم فنفاقهم قد
لطّخ ( الوجه الحسن). تبا لمن باع ( الجنان ) لأجل ( خضراء الدمن).
• أفيقوا يأهل الغفلة فالقافلة قد تحركت و عند الصباح ..يحمد القوم
السّرى{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا
بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن
يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ
اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ }
الأعراف: 97-99)
• لا يزداد المؤمن صلاحا..إلا ازداد خوفا حتى يقول : لا أنجو ! أما
الفاسق فيقول : الناس مثلي كثير وسيغفر لي ، و لا بأس علي ، فرحمة الله
واسعة والله غفور رحيم ! أكمل يا مغرور ولا تقل : فويل للمصلين !{
قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ
شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ
وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً
عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ
وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ
مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } ( الأعراف : 156-157).واقرأ
يا مغرور !{ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } (
الأعراف : 56 )و اقرأ يا مغرور :{ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ
وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى }( طه : 82 )و اقرأ يا مغرور
:{ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ
عَذَابَ الْجَحِيمِ } ( غافر : 7 ).و لكن الفاسق المغرور يخدع نفسه
فيؤجل العمل و يتمنى على الله تعالى.
• تباً لطلاب الدنيا وهي دنيا !!! و الله لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام
بعد عبادتهم للرحمن و ذلك بحبهم للدنيا
• و الله ما صدّق عبد بالنار..إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت و إن
المنافق المخدوع :لو كانت النار خلف هذا الحائط لم يصدق بها ..حتى
يتهجم عليها فيراها !
• القلوب .. القلوب! إن القلوب تموت وتحيا، فإذا ماتت فاحملوها على
الفرائض فإذا هي أحييت فأدبوها بالتطوع .
• المؤمن ... ما المؤمن ؟ و الله ما المؤمن بالذي يعمل شهراً أو شهرين
أو عاماً أو عامين، لا و الله ما جعل الله لمؤمن أجلا دون الموت
• الذنوب و هل تتساوى الذنوب؟ إن الرجل ليذنب الذنب فما ينساه وما يزال
متخوفا منه أبدا حتى يدخل الجنة.
• الدنيا .. وهموم الدنيا و التحسر على ما فات جعل الحسرة حسرات.
• إن المؤمن إذا طلب حاجة فتيسرت .. قبلها بميسور الله عزّ و جلّ و حمد
الله تعالى عليها و إن لم تتيسر .. تركها و لم يتبعها نفسه.
• ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا المؤمن إن
أصابته سراء شكر: فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر: فكان خيرا له) . •
نعمت الدار كانت ( الدنيا ) للمؤمن، و ذلك أنه عمل قليلاً و أخذ زاده
منها إلى ( الجنة ) . و بئست الدار كانت للكافر و المنافق، ذلك أنه
تمتع ( ليالي ) و كان زاده منها إلى ( النار ) . { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ
النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ }( آل عمران : 185 )
• إن المؤمن قوّام على نفسه يحاسب نفسه لله عزّ و جلّ و إنما خفّ
الحساب يوم الحساب ..على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا و إنما شق الحساب
..على قوم أخذوها من غير محاسبة .
• يا قوم تصبروا و تشددوا فإنما هي ليالٍ تعد و إنما أنتم ركب وقوف،
يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب فيذهب به و لا يلتفت فانقلبوا بصالح الأعمال
.
• إن هذا الحق قد أجهد الناس و حال بينهم وبين شهواتهم و إنما صبر على
الحق من عرف فضله و رجا عاقبته.
• أفق يا مغرور من غفلتك وابك على خطيئتك. إذا خاف ( الخليل عليه
السلام ) .. و خاف ( موسى عليه السلام ) ..كذا خاف ( المسيح عليه
السلام ) .. و خاف ( نوح عليه السلام) .. وخاف ( محمد صلى الله عليه
وسلم) خير البرايا فمالي لا أخاف و لا أنوح ؟!
• و يحك يا ابن آدم هل لك بمحاربة الله طاقة ؟! إنه من عصى ربه فقد
حاربه !
• يا هذا أدم الحزن على خير الآخرة لعله يوصلك إليه .وابك في ساعات
الخلوة لعل مولاك يطلع عليك فيرحم عبرتك فتكون من الفائزين .
• يا هذا رطّب لسانك بذكر الله وندّ جفونك بالدموع ..من خشية الله
فوالله ما هو إلا حلول القرار : في الجنة أو النار ليس هناك منزل ثالث
من أخطأته الرحمة صار و الله إلى العذاب .
• السنة .. السنة وطّنوا النفوس على حبها وتعظيمها و الحنين إليها فقد
جاء في الأثر : لما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر ..حنّت الجذع
..كما يحنّ الفصيل إلى أمه و بكت بكاء الصبي !! يا عباد الله ! الخشبة
تحنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً إليه ! فأنتم أحق أن
تشتاقوا إلى لقائه .
• و اعلم يا هذا أن خطاك خطوتان : خطوة لك و خطوة عليك فانظر أين
تغدو ؟و أين تروح ؟
• الموت .. الموت { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ
} ( آل عمران : 185 ) ( الأنبياء : 35 ) ( العنكبوت : 57)، يحق لمن
يعلم :أن الموت مورده و أن الساعة موعده و القيام بين يدي الله تعالى
مشهده يحق له أن يطول حزنه .
• يا هذا صاحب الدنيا بجسدك وفارقها بقلبك و ليزدك إعجاب أهلها بها
..زهدا فيها و حذرا منها فإن الصالحين كانوا كذلك .
• { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ
} فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحا .• و اعلم يا هذا أن المؤمن
في الدنيا كالغريب لا يأنس في عزها و لا يجزع من ذلها للناس حال وله
حال .
• و احذر ( الهوى ) فشرُ داء خالط القلب : الهوى
• و احرص على العلم و أفضل العلم : الورع و التوكل
• و اعلم أن العبد لا يزال بخير ما إذا قال.. قال لله و إذا عمل .. عمل
لله
• واعلم أن أحب العباد إلى الله ..الذين يحببون ( الله ) إلى عباده و
يعملون في الأرض نصحا .
• و احذر الرشوة فإنها إذا دخلت من الباب ..خرجت الأمانة من النافذة
• و احذر الدنيا فإنه قلّ من نجا منها وليس العجب لمن هلك ..كيف هلك ؟
و لكن العجب لمن نجا ..كيف نجا ؟! فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة و إلا
فإني لا أخالك ناجيا . ورغم هذا فالدنيا كلها :أولها و آخرها ما هي إلا
كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه !!!
• كيف نضحك ؟ و لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا فقال : لا أقبل منكم
!!
• يا هذا بع دنياك بآخرتك ..تربحهما جميعا . و لا تبع آخرتك بدنياك ..
فتخسرهما جميعا .
• يا هذا كفى بالموت واعظا و رب موعظة دامت ساعة ثم تنقضي و خير موعظة
ما دام أثرها
• نُراعُ إذا ( الجنائز ) قابلتنا و يحزننا بكاء الباكيات كروعة ثلة
لمغار سبع فلما غاب:عادت راتعات !!، و السلام
المرأة المسلمة والنشاط
السياسي
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
للمرأة قضايا تثار في كلِّ مجتمع مضطرب الموازين منحرف
القيم أو جاهليٍّ أو ملحدٍ ، كان للمرأة قضيّة في العصر الجاهليّ في
الجزيرة العربيَّة ، وفي اليونان وفي روما في عصور الانحلال والتفلّت .
ولها قضيّة كُبْرى في الحضارة الغربيّة التي سحقت المرأة وسرقت شرفها
وحطّمت كرامتها ورمتها في فتنة الدنيا ووحول فسادها ، مخدّرة لا تُحسُّ
بحقيقة شقائها ، خدّرتها الشهوة المتفلَّتة، أو الجري اللاهث وراء لقمة
العيش ، أو زهوة المراكز والمناصب والمسؤوليات.
ولكن لم يكن للمرأة مشكلة في عصر النبوة الخاتمة
، ولا في عصر الخلفاء الراشدين ، ولا في أيّ عصر ساد فيه حكم الكتاب
والسنَّة وكانت كلمة الله فيه هي العليا .
ولكننا اليوم نعاني من هذه القضيَّة ، قضيّة
المرأة بعامة ومشاركتها في العمل السياسي بخاصة في الآونة الأخيرة :
ونرى البعض يطلق مثل هذا الحكم :
" الإسلام لم يُفَرِّق بين المرأة والرجل في ممارسة
الحقوق السياسية فهما على قدم سواء " .
حكم عام يطلق يكاد يوحي بأنه مستقى من نصّ من الكتاب
والسنة ، أو أنه يمثل ممارسة واضحة في التاريخ الإسلامي منذ عهد
النبوّة .
إِنّ
هذا النصّ العام المطلق على هذه الصورة الجازمة والتي يطلقها بعض
العلماء المعاصرين دون أي قيود ، لا تصحّ إلا بتوافر نصّ ثابت من
الكتاب والسنة ، أو بتوافر ممارسة واقعية ممتدّة في المجتمع الإسلامي
الملتزم بالكتاب والسنة ، والذي تكون فيه كلمة الله هي العليا .
ولكننا لا نجد في الكتاب والسنّة أيّ نصّ يجيز هذا
الحكم العام المطلق الخالي من أي قيود ، ولا نجد كذلك أيّ ممارسة
عمليّة ممتدّة له في حياة المسلمين والمجتمع الإسلامي الملتزم منذ عهد
النبوة الخاتمة محمد
r
، وحياة الخلفاء الراشدين ، وسائر فترات التاريخ التي التزم فيها
المجتمعُ الإسلامَ . نساء النبيّ
r
لم يمارسن النشاط السياسيّ مساويات للرجال على قدم سواء ، ولا نساء
الخلفاء الراشدين ، ولا نساء العصور التي تلت، ولا نجد هذه الدعوة التي
يطلقها بعض العلماء إلا في العصور الحديثـة المتأخرة التي انحسر فيها
تطبيق الإسلام ، وغزا الفكر الغربي ديار المسلمين .
وإذا كان رسول الله
r
شكا إلى زوجه أم سلمة ما حدث من أصحابه في الحديبية ، فأشارت عليه
برأيٍ استحسنه وأخذ به ، فهذه حالة طبيعية في جوّ الأسرة المسلمة أن
يُفرغ الرجل إلى زوجته بعض همومه ، وأن يستشيرها في ذلك ، وأن يستمع
إلى رأيها ، فإن وجد فيه خيراً أخذ به ، وإن لم يجدْ تركه .
هذه حادثة نتعلم منها أدب الحياة الزوجيّة في الإسلام ،
ونتأسَّى برسول الله
r
ونسائه في ذلك ، دون أن نعتبر ذلك نشاطاً سياسياً لنخرج منها بحكم عام
مطلق ينطبق على جميع النساء في جميع العصور والأماكن في النشاط السياسي
.
وأم سلمة بعد ذلك لم يُعرَف عنها أنها شاركت في النشاط
السياسيّ مساوية للرجال على قدم سواء ، وكذلك سائر النساء لم يعرف عنهن
هذه المشاركة المساوية للرجـال في المجتمع المسلم .
فهذه حادثة تكاد تكون فريدة لا تصلح لإطلاق حكم عام .
وحين أنزل الله سبحانه وتعالى على عبده ورسوله
r
قوله :
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ
كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ
أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً
* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ
لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً )
[ الأحزاب : 28- 29 ]
لم يكن الأمر أن نساء النبي
r
يتطلّعن إلى الزينة والحليّ والمتع الدنيوية ، كما هو حال نساء الملوك
والرؤساء حسب ما ذكر بعضهم.
لقد كنّ يدركن وهن في مدرسة النبوة أن الإسلام نهج آخر
، ولكن حياة النبيّ
r
كان فيها شدة وتقشف وزهد لم يكن في سائر بيوت المؤمنين ، فأردن
المساواة مع مستوى غيرهنّ من المؤمنات ، لا مستوى الملوك والرؤساء .
وعندما ندرس هذه الآيات وما يتعلّق بنساء النبيّ
r
، فإنما ندرسه ليس من منطلق الرغبات الدنيوية الظاهرة في حياة الملوك ،
وإنما ندرسه منطلقين من القاعدة الرئيسة التي نصّ عليها القرآن الكريم
من أنهنّ أُمهات المؤمنين ، لهن هذه الحرمة العظيمة والمنزلة العظيمة .
فجاءت هذه الآيات الكريمة لتذكر المسلمين ونساء النبيّ
r
والنساء المؤمنات بعامة أن
هناك نهجين مختلفين للحياة في ميزان الإسلام : نهج الدار الآخرة وما
يشمله من قواعد وأسس ونظام ، ونهج الدنيا وما يموج فيه من أهواء وشهوات
.
نهجان مختلفان :
|
نهج الضلال ونهج الحقّ والرشَـدِ |
|
نهجـان قـد ميّـز الرحمن بينهمـا
|
|
نهـج الفساد ولا حقّـاً على فَنَـدِ |
|
لا يجمـع الله نهج المؤمنـين على
|
ولقد وَعَت أمهات المؤمنين رضي الله عنهن هذا التذكير ،
فاخترْن الله ورسوله والدار الآخرة ، ليكُنّ بذلك القدوة للنساء
المؤمنات أبد الدهر .
ولا يتعارض هذا مع بقاء الطباع الخاصّة بالنساء ،
الطباع التي فطرن عليها يهذّبها الإسلام ويصونها من الانحراف .
ولقد خلق الله المرأة لتكون امرأةً ، وخلق الرجل ليكون
رجلاً ، وجعل سبحانه وتعالى بحكمته تكويناً للمرأة في جسمها ونفسيّتها
، وجعل للرجل تكويناً متميزاً في جسمه ونفسيّته ، ومازال العلم يكتشف
الفوارق التي تظهر بين الرجال والنساء .
وعلى ضوء ذلك ، جعل الله للرجل مسؤوليات وواجباتٍ
وحقوقاً ، وللمرأة مسؤوليات وواجبات وحقوقاً ، لتكون المرأة شريكة
للرجل لا مساويةً له ، حتى يتكامل العمل في المجتمع الإسلامي ، حين
يوفي كلٌّ منهما بمسؤولياته وقد عرف كلٌّ منهما حدوده كما بيّنها الله
لهم جميعاً .
وهناك حقوق مشتركة بين الرجل والمرأة .
فالبيت المسلم هو ميدان التعاون في ظـلال المودّة
والسكن والرحمة ، دون أن يتحوّل الرجل إِلى امرأة أو المرأة إلى رجل .
ومن حق المرأة أن تتعلم لأنَّ طلب العلم فريضة على كل مسلم، رجلاً كان
أو امرأة
":
طلب العلم فريضة على كل مسلم
"،
(1)
ومن حقّها وواجبها أن تكون مدرِّسة للنساء ، وطبيبة
للنساء ، وفي كل نشاط مارسته النساء المؤمنات في مجتمعات يحكمها منهاج
الله وكلمة الله فيها هي العليا ، دون أن يتشبّهْن بالرجال :
فعن ابن عباس رضي عنه عن الرسول
r
قال : "لعنَ الله المتشبّهات من النساء بالرجال ،
والمتشبّهين من الرجال بالنساء .
" (2)
وعن عائشة رضي الله عنها عن الرسول
r
قال : "
لعنَ الله الرَّجُلةَ من النساء .
" .(3)
.
وأمثلة كثيرة لا مجال لحصرها هنا تبيّن أن للإسلام
نهجاً مختلفاً عن نهج الاشتراكية والعلمانية والديمقراطية ، وتبيّن
بالنصوص والتطبيق كما أسلفنا أن المرأة ليست مساوية للرجل في النشاط
السياسي في الإسلام ، إلا إذا نزعنا إلى نهج آخر أخذت تدوّي به الدنيا
، وأخذنا نبحث عن مسوّغات له في دين الله .
فعندما ندرس المرأة وحقوقها ومسؤولياتها في الإسلام
فيجب أن ننطلق من حماية الأسرة ورعاية الأطفال وتربيتهم ، فالأسرة
والبيت المسلم هو ركن المجتمع الإسلامي وأساسه ، وهو المدرسة الأولى
التي تبني للأمة أجيالها ، لا تتركهم للخادمات وغيرهن .
في الإسلام لابد من عرض التصوّر الكامل المترابط لنشاط
المرأة ، دون أن نأخذ جُزْءاً وندع أجزاءً ، ونركّز على أمر لم يركّز
عليه الإسلام ولم يبرزه لا في نصوصه ولا في ميدان الممارسة .
فالحياة الإسلامية متكاملة مترابطة في نهج الإسلام ، لا
تتناثر قطعاً معزولة بعضها عن بعض .
ولا يمنع شيء أن يخرج من بين النساء المؤمنات عالمات
مبدعات شاعرات ، مفتيات موهوبات .
ولكن هذا كله ليس هو الذي يحدّد دور المرأة في الإسلام
، فالذي يحدّده شرع الله بنصوصه الواضحة دون تأويل وبالممارسة الممتدّة
الواضحة .
والمرأة حين تكون عالمة أو فقيهة أو أديبة ، فهي أحرى
أن تصبح أكثر تمسّكاً بقوله سبحانه وتعالى
:
(....
فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ...
)
[
النساء
::
34]
ومما يثير العجب حقّاً أن الرجل الشيوعي جوربا تشوف ،
أدرك خطورة غيـاب المرأة عن بيتها وواجباتها فيه ، واجباتها التي ليس
لها بديل .
فلنستمع إلى ما يقوله :
"
... ولكن في غمرة مشكلاتنا اليوميّة الصعبة كدنا ننسى
حقوق المرأة ومتطلباتها المتميّزة المختلفة بدورها أماً وربّة أسرة ،
كما كدنا ننسى وظيفتها التي لا بديل عنها مربّية للأطفال
"
.
ويتابع فيقول
: " ... فلم يعد
لدى المرأة العاملة في البناء وفي الإنتاج وفي قطاع الخدمات وحقل العلم
والإبداع ، ما يكفي من الوقت للاهتمام بشؤون الحياة اليومية ، كإدارة
المنزل وتربية الأطفال ، وحتى مجرّد الراحة المنزليّة .
وقد تبيّن أن الكثير من المشكلات في سلوكية الفتيان
والشباب ، وفي قضايا خلقية واجتماعية وتربويّة وحتى إنتاجية ، إنما
يتعلّق بضعف الروابط الأسرية والتهاون بالواجبات العائلية ...
" (5)
في دراستهم للمجتمع وللصناعة والإنتاج ، انطلقوا كما
نرى ، ولو متأخرين ، من البيت ، من الأسرة ، من دور المرأة في البيت ،
الدور الذي لا بديل له .
ونحن المسلمين ، وقد فصّل لنا الإسلام نظام حياتنا
منطلقاً من تحديد مسؤوليات الفرد ، الرجل والمرأة ، ثم البيت والأسرة ،
تركنا ذلك وقفزنا لنبحث في حق المرأة أن تكون وزيرة أو عضواً في
البرلمان أو رئيسة دولة ، أو رئيسة شركة ، ونضع من أَجل ذلك قانونا
عاماً مطلقاً دون قيود
" :الإسلام
لم يفرّق بين المرأة والرجل في ممارسة الحقوق السياسية
! " وحسبُنا تطبيق الصحابة والخلفاء الراشدين ، فهل كانت المرأة مساوية
للرجل في الحقوق السياسية ؟!
أم أن الصحابة والخلفاء الراشدين أخطأوا ولم يدركوا هذه
الحقوق فظلموا المرأة وحرموها من حقوقها ؟!
لا نقول إِنّ المرأة عامة ، أو أن النساء كلهن لا يصلحن
للمهمات الكبيرة بحكم كونهنّ نساء .
لا نقول هذا .
ولكن نقول إن الله الذي خلق الرجل والمرأة حدّد
مسؤوليات الرجل والمرأة ، ومارس المسلمون ذلك في عهد النبيّ
r
، وفي عهد الخلفاء الراشدين ، وفي عصور كثيرة أخرى .
وقد يكون بعض النساء أكبر موهبة أو طاقة من بعض الرجال
، فهل هذا يعني أن تنزل المرأة معتركاً مختلفاً فيه أجواء كثيرة ،
وتترك قواعد الإسلام تأسّياً بنساء غير مؤمنات ، أو مجتمعات غير ملتزمة
بالإسلام .
وغفر الله لمن قال ، كما نشرته إحدى الصحف :
"
أنّ الرسول
r
لو كان يعلم أنه سيظهر بين النساء أمثال جولدا مائير ، أنديراغاندي ،
تاتشر ، ما قال حديثه الشريف :
( ما أفلح قوم
ولوا أمرهم امرأة )
.
فالمؤسف أنَّ من الناس من يعتبر أنَّ هؤلاء النساء أفلح
بهنّ قومهن .
عجباً كل العجب
! هل أصبح الكفر وزينة الدنيا ومتاعها هو ميزان الفلاح
!
وأين قوله سبحانه وتعالى
:
(وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً
لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ
فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ *
وَلِبُيُوتِهِمْ
أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ
* وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ )
[ الزخرف : 33-35]
نِعْمَ البيت الواسع والسرر المريحة للرجل الصالح .
ونعمت القوّة والسلاح والصناعة للمؤمنين .
إننا نعتقد أنه لا يصح أن نستشهد بمجتمعات غير ملتزمة
بالإسلام لنخرج بقواعد شرعية في الإسلام .
أما حديث رسول اللهr
:
( ما أفلح قوم ولَّوا
أمرهم امرأة )
، فالحديث يرويه أحمد بن حنبل وأبو داود وابن ماجه
والترمذي .
ويأتي الحديث بألفاظ مختلفة ولكنها تجمع على المعنى
والنص .
وإنّ مناسبة الحديث ونصّ الحديث باللغة العربيّة يفيد
العموم ولا يفيد الخصوص .
ولا يعجز الرسول
r
أن يخصّ ذلك بأهل فارس لو أراد التخصيص .
ولكن كلمة قوم نكرة تفيد العموم ، وامرأة نكرة تفيد
العموم ، فلا حاجة لنا إلى تأويل الحديـث بما لا تحتمل اللغة ، وربما
لا مصلحة لنا في هذا التأويل .
وبما أنَّ المرأة مطالبة بعبادة الله وإقامة دينه ،
فإنها كذلك مكلفة مثلها مثل الرجل بتقويم المجتمع وإصلاحه
!
ولكنّ الله سبحانه وتعالى جعل للرجل تكاليف في ذلك ليست
للمرأة ، وجعل للمرأة تكاليف ليست للرجل .
وذلك حتى في أركان العبـادة ـ في الشعائر ـ فصـلاة
المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد ، وصلاة الرجل في المسجد خير
من صلاته في البيت .
والجهاد فرض على الرجال في ميدان القتال ، وليس فرضاً
على المرأة ، وجهاد المرأة هو في بيتها ورعايته ورعاية زوجها :
فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ امرأة جاءت إلى النبي
r
فقالت : يا رسول الله !
أنا وافدة النساء إليك !
هذا الجهاد كتبه الله على الرجال ، فإن يصيبوا أجروا
وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون . ونحن النساء نقوم عليهم فما
لنا من ذلك ؟!
فقال رسول الله
r
: ( أبلغي من لقيتِ من النساء أنَّ طاعة
الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك ، وقليل منكنّ يفعله )
.
وعن أنس رضي الله عنه قال :
"
كان رسول الله
r
يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار ليسقين الماء ويداوين الجرحى
"
(6)
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله
r
قال : ( ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته
"
وفيه :" ...
والمرأة راعية
على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم ) .
(7)
وعن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله أعلى النساء
جهاد ؟! قال: ( نعم ! عليهن جهاد لا قتال
فيه الحج والعمرة )
(8)
وبصورة عامة فإن الإسلام جعل الميدان الأول للمرأة
البيت بنص الآيات والأحاديث والممارسة والتطبيق ، وجعل ميدان الرجل
الأول خارج البيت ، ويبقى للمرأة دور خارج البيت غير مساوٍ للرجل ،
وللرجل دور في البيت غير مساوٍ لدور المرأة .
ولا بد أن نؤكد أن للإسلام نهجاً متميّزاً غير نهج
العلمانية والديمقراطية ومناهج الغرب في عمل المرأة والرجل .
نهجان كما ذكرنا مختلفان .
نحن نمرّ بمرحلة فيها عواصف غربية وأمواج تكاد تكتسح .
ما بالنا نريد أن نخرج المرأة المسلمة من مكانها الكريم
الذي وضعها الإسلام فيه ، لنجاري الغرب في ديمقراطيته وعلمانيته .
ونكاد نخجل من اتهام العلمانية لنا وادعائها بأن
الإسلام حجر على المرأة .
إن أفضل ردّ عليهم لا يكون بأن ندفع المرأة المسلمة إلى
بعض مظاهر الغرب لندفع عن أنفسنا ادّعاءَهم .
إن أفضل ردّ أن نقول لهم
إن
الإسلام أكرم المرأة وأعزها وحفظ لها شرفها وطهرها ، وأنتم أضعتم
المرأة وأضعتم كرامتها ، ثمَّ نعرض الإسلامَ كما هو وكما أُنزل على
محمد
r
، وكما مارسه المسلمون في عهد النبوة والخلفاء الراشدين .
المرأة المسلمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في أجواء
النساء ، حيث لا يستطع الرجل أن ينشط هناك إلا في أجواء الاختلاط التي
لم يعرفها الإسلام لا في نصوصه ولا في ممارساته .
وللمرأة المسلمة أنشطة كثيرة تقوم بها دون أن تلج في
أجواء لم يصنعها الإسلام .
المنافقات يقمن بإفساد المجتمع مع المنافقين جنباً إلى
جنب سواء بسواء كما نرى في واقع البشرية اليوم .
أما المؤمنات فيصلحن في المجتمع بالدور الذي بيّنه الله
لهنّ ، غير مساويات للرجال ولا ملاصقات لهن .
دور بيّنه الله للنساء وللرجـال لا نجده في الديمقراطية
ولا في العلمانية ، ولا في تاريخ الغرب كله .
نعم !
إن أول من صدّق رسول الله
r
كانت زوجه خديجة رضي الله عنها.
ولكنها بتصديقها لرسول الله
r
التزمت حدودها في رسالته ، فلم تنطلق خديجة رضي الله عنها في أجواء
النشاط السياسي أو ميادين القتال أو مجالس الرجال . وكذلك كانت سميّة
أول شهيدة في الإسلام رضي الله عنها ، وكانت قبل استشهادها ملتزمة حدود
الإسلام .والنساء اللواتي قاتلن في أُحد أو حنين ، كان ذلك في لحظات
طارئة عصيبة لا تمثل القاعدة الدائمة الرئيسة للمرأة في الإسلام ، كما
بيناها قبل قليل ، فلم نَرَهنّ بعد ذلك في مجالس الرجال أو ميادين
السياسة سواء بسواء كالرجال ، وإنما كنّ أول من التزم حدودهن التي
بينها لهنّ الله ورسوله
r.
المرأة التي قامت تردّ على عمر رضي الله عنه في المسجد
، كانت في مكان تعبد الله فيه وتتعلم . وهو جو يختلف عن المجالس
النيابية اليوم ، وكانت في مجتمع يختلف عن مجتمعاتنا اليوم .
وهذه المرأة نفسها لو عُرِض عليها الأجواء المعاصرة
لأبت المشاركة فيها ، وكثير من المسلمات اليوم يأبين المشاركة في
الأجواء الحديثة .
وأتساءل عن السبب الذي يدعو بعضهم إلى الحرص على إدخال
المرأة المجالس النيابية العصرية
! لقد أصبح لدينا تجربة غنيّة في المجالس النيابية تزيد
عن القرن ، فلننظر ماذا قدّمت للأمة المسلمة ، هل ساعدت على جمعها أم
على تمزيقها ، وهل ساهمت في نصر أم ساهمت في هزائم ، وهل هذه المجالس
التي نريد أن نقحم المرأة المسلمة فيها هي صناعة الإسلام وبناؤه ، أم
أنها مثل أمور أخرى غيرها استوردناها من الغرب مع الحداثة والشعر
المتفلّت المنثور وغيره من بضاعة الديمقراطية والعلمانية ؟!
وبصـورة عامة ، فإنّ هذا الموضوع :
مساواة المرأة بالرجل كما يقول بعضهم :
"
لقد قرّر الإسلام مساواة المرأة بالرجل "!
هكذا في تعميم شامل ، شاع هذا الشعار في العالم الإسلامي ، وأصبح له
جنود ودعاة ودول تدعو إِليه .
وكذلك: " مساواة المرأة بالرجل في ممارسة الحقوق
السياسية"، هذا كله موضوع طرق حديثاً مع تسلل الأفكار الغربية إلى
المجتمعات الإسلاميـة ، مع تسلل الديمقراطية والعلمانية ، كما تسلّلت
قبل ذلك الاشتراكية .
هنالك عوامل كثيرة يجب أن تدرس وتراعى عند دراسة نزول
المرأة إلى ميدان العمل السياسي الذي يفرض الاختلاط في أجواء قد لا
يحكمها الإسلام من ناحية ، ولا تحكمها طبيعة العمل نفسه .
والاختلاط مهما وضعنا له من ضوابط ، فقد أثبتت التجربة
الطويلة في الغرب وفي الشرق إِلى انفلات الأمور وإلى التورط في علاقات
غير كريمة .
وكذلك فنحن لسنا بحاجـة لنزول المرأة إلى الميادين ،
ففي الرجال عندنا فائض ، والرجال بحاجة إلى أن تـدرس حقوقهم السياسية
التي منحهم إياها الإسلام .
إن نزول المرأة إلى الميدان السياسي ذو مزالق خطيرة ،
فعندما يُطلق هذا ويباح ، فهل معظم النساء اللواتي سيمارسن هذا العمل
نساء ملتزمات بقواعد الإِسلام كلّه و بالحجاب و باللباس عامة .
إنَّ إطلاق هذا الأمر ونحن لم نَبْنِ الرجل ولا المرأة
، والتفلّت في مجتمعاتنا واضح جليّ ومتزايد في الرجال والنساء ، دون أن
ينفي هذا وجود بعض النساء الملتزمات والرجال الملتزمين ، إنَّ إطلاق
هذا الأمر قد يقود إلى فتنة يصعب السيطرة عليها .
وإني لأتساءل :
لأيّ مجتمع تصدر مثل هذه الآراء ؟!
، لأيّ رجل وأي امرأة ؟! هل المجالس النيابية الحاليّة
تصلح ميداناً للمرأة المسلمة لتمارس النشاط السياسي .
أين هو المجتمع الذي يطبّق شرع الله كاملاً ، ليطلق فيه
مثل هذه الأمور ، وهل هذه المجالس مجالس يسودها شرع الله ؟!
وميادين العمل المباح للنساء واسعة جداً وكافية لهن ،
وكلها منضبطة بقواعد الإسلام مثل المدرسات والطبيبات ، وكل عمل ليس فيه
باب من أبواب الفتنة أو الاختلاط ، مع توافر جميع الشروط الشرعية
الأخرى عند مزاولة هذه الأنشطة .
لا بدّ من الاستفادة مما حلَّ بأقوام آخرين حين انطلقت
المرأة في المجتمع في هذا الميدان أو ذاك .
وإذا نزلت ميدان السياسة فما الذي يمنعها أن تنزل إلى
المصانع وسائر الميادين الأخرى ، كما نراها في العالم الغربي .
وكذلك أتساءل لماذا هذه الضجّة الكبيرة عن المرأة
وحقوقها ، ألا تنظرون إلى الرجل وحقوقه .
في عالمنا اليوم فَقَدَ كثير من الرجال حقوقهم ، فلماذا
تكون الضجّة على حقوق المرأة وحدها ، ففي ذلك ظلم للمرأة وللرجل .
والإسلام في نهجه جعل الحقوق والواجبات متوازنة في
الحياة كلها من خلال منهاج رباني أصدق من سائر المناهج وأوفى وأعدل .
وأخيراً أقول :
قبل أن نطلق مثل هذه الآراء اليوم ، فلنبن الرجل ولنبن
المرأة ولنبن المجتمع المسلم
فلنبنِ الأمة ، فلنبنِ الرجل والمرأة والبيت المسلم
والمجتمع المسلم الملتزم ، ولنبنِ الأمة المسلمة الواحدة الملتزمة
بالكتاب والسنة . حيث تكون كلمة الله هي العليا، فيكون
هذا
المجتمع أقدر على تحديد دور الرجل والمرأة .
إلى ذلك يجب أن تتجه الجهود متكاتفة بدلاً من أن
تتمزَّق في قضايا جزئية لا تساعد إلا على تمزيق الأمة : أيها العلماء
والفقهاء والدعاة والمسلمون أقيموا الإسلام حقّ الإقامة أولاً في
نفوسكم رجالاً ونساءً ، وأقيموه في الأرض ، كما يأمركم الله سبحانه
وتعالى ، وبلّغوه الناس وتعهّدوهم عليه ، ثمَّ انظروا في حقوق المرأة
والرجل تجدوها بيّنة جليّة لا تحتاج إلى فتوى ، كما وجدها أصحاب رسول
الله
r
والمؤمنون المتقون في العصور كلِّها !
من أخلاق العلماء: أبو حازم والخليفة سليمان بن عبد الملك
أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
بْنُ عُمَرَ بْنِ الْكُمَيْتِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ وَهْبٍ
الْهَمْدَانِيُّ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ ابْنُ مُوسَى قَالَ:
مَرَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ
يُرِيدُ مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، فَقَالَ:
( هَلْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ أَدْرَكَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ )
فَقَالُوا لَهُ: ( أَبُو حَازِمٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ).
فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ:
( يَا أَبَا حَازِمٍ مَا هَذَا الْجَفَاءُ؟ )
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَيُّ جَفَاءٍ
رَأَيْتَ مِنِّي؟ )
قَال: ( أَتَانِي وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ تَأْتِنِي ).
قَالَ: ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ
تَقُولَ مَا لَمْ يَكُنْ، مَا عَرَفْتَنِي قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ،
وَلَا أَنَا رَأَيْتُكَ).
قَالَ فَالْتَفَتَ سُلَيْمَانُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ
الزُّهْرِيِّ فَقَالَ:
(
أَصَابَ الشَّيْخُ وَأَخْطَأْتُ)
قَالَ سُلَيْمَانُ: ( يَا أَبَا حَازِمٍ مَا لَنَا نَكْرَهُ
الْمَوْتَ؟)
قَالَ: ( لِأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمُ الْآخِرَةَ وَعَمَّرْتُمُ
الدُّنْيَا فَكَرِهْتُمْ أَنْ تُنْقَلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى
الْخَرَابِ)
قَالَ: ( أَصَبْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ فَكَيْفَ الْقُدُومُ غَدًا عَلَى
اللَّهِ؟ )
قَالَ: ( أَمَّا الْمُحْسِنُ فَكَالْغَائِبِ يَقْدُمُ عَلَى أَهْلِهِ،
وَأَمَّا الْمُسِيءُ فَكَالْآبِقِ يَقْدُمُ عَلَى مَوْلَاهُ )
فَبَكَى سُلَيْمَانُ وَقَالَ:
( لَيْتَ شِعْرِي مَا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ؟ )
قَالَ: ( اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ )
قَالَ: ( وَأَيُّ مَكَانٍ أَجِدُهُ ؟ )
قَالَ: ( إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي
جَحِيمٍ )
قَالَ سُلَيْمَانُ: ( فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ يَا أَبَا حَازِمٍ؟ )
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
)
قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( يَا أَبَا حَازِمٍ فَأَيُّ عِبَادِ اللَّهِ
أَكْرَمُ؟ )
قَالَ: ( أُولُو الْمُرُوءَةِ وَالنُّهَى)
قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ )
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( أَدَاءُ الْفَرَائِضِ مَعَ اجْتِنَابِ
الْمَحَارِمِ )
قَالَ سُلَيْمَانُ: ( فَأَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ )
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( دُعَاءُ الْمُحْسَنِ إِلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ)
قَالَ: ( فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ )
قَالَ: ( لِلسَّائِلِ الْبَائِسِ وَجُهْدُ الْمُقِلِّ لَيْسَ فِيهَا
مَنٌّ وَلَا أَذًى)
قَالَ: ( فَأَيُّ الْقَوْلِ أَعْدَلُ؟ )
قَالَ: ( قَوْلُ الْحَقِّ عِنْدَ مَنْ تَخَافُهُ أَوْ تَرْجُوهُ)
قَالَ: ( فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ )
قَالَ: ( رَجُلٌ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَدَلَّ النَّاسَ
عَلَيْهَا)
قَالَ: ( فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَحْمَقُ؟ )
قَالَ: ( رَجُلٌ انْحَطَّ فِي هَوَى أَخِيهِ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَبَاعَ
آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ)
قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( أَصَبْتَ فَمَا تَقُولُ فِيمَا نَحْنُ
فِيهِ؟ )
قَالَ: ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَ تُعْفِينِي؟ )
قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( لَا وَلَكِنْ نَصِيحَةٌ تُلْقِيهَا
إِلَيَّ)
قَالَ:( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ آبَاءَكَ قَهَرُوا النَّاسَ
بِالسَّيْفِ وَأَخَذُوا هَذَا الْمُلْكَ عَنْوَةً عَلَى غَيْرِ
مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا رِضَاهُمْ، حَتَّى قَتَلُوا
مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، فَقَدِ ارْتَحَلُوا عَنْهَا؛ فَلَوْ
أُشْعِرْتَ مَا قَالُوا وَمَا قِيلَ لَهُمْ )
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: ( بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا أَبَا
حَازِمٍ )
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( كَذَبْتَ، إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ
الْعُلَمَاءِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ).
قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( فَكَيْفَ لَنَا أَنْ نُصْلِحَ ؟ )
قَالَ: ( تَدَعُونَ الصَّلَفَ وَتَمَسَّكُونَ بِالْمُرُوءَةِ
وَتَقْسِمُونَ بِالسَّوِيَّةِ)
قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( كَيْفَ لَنَا بِالْمَأْخَذِ بِهِ؟ )
قَالَ أَبُو حَاَزِمٍ: ( تَأْخُذُهُ مِنْ حِلِّهِ وَتَضَعُهُ فِي
أَهْلِهِ)
قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( هَلْ لَكَ يَا أَبَا حَازِمٍ أَنْ
تَصْحَبَنَا فَتُصِيبَ مِنَّا وَنُصِيبَ مِنْكَ؟ ).
قَالَ: ( أَعُوذُ بِاللَّهِ )
قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( وَلِمَ ذَاكَ؟ )
قَالَ: ( أَخْشَى أَنْ أَرْكَنَ إِلَيْكُمْ شَيْئًا قَلِيلًا
فَيُذِيقَنِي اللَّهُ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ)
قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( ارْفَعْ إِلَيْنَا حَوَائِجَكَ)
قَالَ: ( تُنْجِينِي مِنَ النَّارِ وَتُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ)
قَالَ سُلَيْمَانُ: ( لَيْسَ ذَاكَ إِلَيَّ)
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( فَمَا لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ غَيْرُهَا)
قَالَ : (فَادْعُ لِي )
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ وَلِيَّكَ
فَيَسِّرْهُ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِنْ كَانَ عَدُوَّكَ
فَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى)
قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( قَطُّ ؟ )
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( قَدْ أَوْجَزْتُ وَأَكْثَرْتُ إِنْ كُنْتَ مِنْ
أَهْلِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ فَمَا يَنْفَعُنِي أَنْ
أَرْمِيَ عَنْ قَوْسٍ لَيْسَ لَهَا وَتَرٌ)
قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ : (أَوْصِنِي )
قَالَ: ( سَأُوصِيكَ وَأُوجِزُ، عَظِّمْ رَبَّكَ وَنَزِّهْهُ أَنْ
يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، أَوْ يَفْقِدَكَ حَيْثُ أَمَرَكَ).
فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ بَعَثَ إِلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ
وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ أَنْفِقْهَا وَلَكَ عِنْدِي مِثْلُهَا كَثِيرٌ.
قَالَ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ:
[
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ يَكُونَ
سُؤَالُكَ إِيَّايَ هَزْلًا أَوْ رَدِّي عَلَيْكَ بَذْلًا، وَمَا
أَرْضَاهَا لَكَ فَكَيْفَ أَرْضَاهَا لِنَفْسِي؟ ] وَكَتَبَ إِلَيْهِ:[
إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ
عَلَيْهَا رِعَاءً يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ جَارِيَتَيْنِ
تَذُودَانِ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَتَا {
لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ
وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى
الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ
فَقِيرٌ 1
}، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ جَائِعًا
خَائِفًا لَا يَأْمَنُ، فَسَأَلَ رَبَّهُ وَلَمْ يَسْأَلِ النَّاسَ،
فَلَمْ يَفْطِنِ الرِّعَاءُ وَفَطِنَتِ الْجَارِيتَانِ، فَلَمَّا
رَجَعَتَا إِلَى أَبِيهِمَا أَخْبَرَتَاهُ بِالْقِصَّةِ وَبِقَوْلِهِ،
فَقَالَ أَبُوهُمَا وَهُوَ شُعَيْبٌ: هَذَا رَجُلٌ جَائِعٌ، فَقَالَ
لِإِحْدَاهُمَا: اذْهَبِي فَادْعِيهِ، فَلَمَّا أَتَتْهُ عَظَّمَتْهُ
وَغَطَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ {
إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ
مَا سَقَيْتَ لَنَا 2
}، فَشَقَّ عَلَى مُوسَى حِينَ
ذَكَرَتْ ( أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا
) وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَتْبَعَهَا، إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ
الْجِبَالِ جَائِعًا مُسْتَوْحِشًا، فَلَمَّا تَبِعَهَا هَبَّتِ
الرِّيحُ فَجَعَلَتْ تَصْفِقُ ثِيَابَهَا عَلَى ظَهْرِهَا فَتَصِفُ
لَهُ عَجِيزَتَهَا، وَكَانَتْ ذَاتَ عَجُزٍ، وَجَعَلَ مُوسَى يُعْرِضُ
مَرَّةً وَيَغُضُّ أُخْرَى، فَلَمَّا عِيلَ صَبْرُهُ نَادَاهَا: يَا
أَمَةَ اللَّهِ كُونِي خَلْفِي وَأَرِينِي السَّمْتَ بِقَوْلِكِ :
ذَا.
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى شُعَيْبٍ إِذَا هُوَ بِالْعَشَاءِ مُهَيَّأً،
فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ: اجْلِسْ يَا شَابُّ فَتَعَشَّ، فَقَالَ لَهُ
مُوسَى: أَعُوذُ بِاللَّهِ، فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لِمَ؟ أَمَا أَنْتَ
جَائِعٌ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عِوَضًا
لِمَا سَقَيْتُ لَهُمَا، وَإِنَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا نَبِيعُ
شَيْئًا مِنْ دِينِنَا بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، فَقَالَ لَهُ
شُعَيْبٌ: لَا يَا شَابُّ، وَلَكِنَّهَا عَادَتِي وَعَادَةُ آبَائِي،
نُقْرِي الضَّيْفَ وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ، فَجَلَسَ مُوسَى فَأَكَلَ.
فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمِائَةُ دِينَارٍ عِوَضًا لِمَا حَدَّثْتُ
فَالْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ فِي حَالِ
الِاضْطِرَارِ أَحَلُّ مِنْ هَذِهِ، وَإِنْ كَانَ لِحَقٍّ لِي فِي
بَيْتِ الْمَالِ فَلِي فِيهَا نُظَرَاءُ، فَإِنْ
سَاوَيْتَ بَيْنَنَا وَإِلَّا فَلَيْسَ لِي فِيهَا حَاجَةٌ].
1-
سورة القصص24.
2- سورة القصص 25
الوحي عماد الفكر الإسلامي
لفضيلة الشيخ محمد الحمداوي رحمه الله تعالى
بالإنسان، وفي الإنسان، اتضحت حقيقة الفكر،
وبالفكر وفي الفكر، تميز الإنسان من الحيوان.
وبالوحي، وفي الوحي هدى الله الإنسان المسلم إلى
أن يكون "مفكرا إسلاميا" مهديا، وهاديا، باحثا عن الحقيقة، في ذاته وفي
الكون، وواصلا بذلك، وصول المعرفة واليقين، إلى بارئه وبارئ الكون. وفي
ذلك سعادته في نشأته الأولى، حيث خلق له بارئه ما في الأرض جميعا، وجعل
له الأرض ذلولا يمشي في مناكبها ويأكل من رزقه، ويحرص على ما ينفعه،
ولا ينسى نصيبه من الدنيا. وفي ذلك أيضا سعادته في نشأته الأخرى، حيث
يذهب إلى ربه راضيا مرضيا، فائزا بالمغفرة والرضوان.
وفي مجال هذا البحث، وفي معارك الصراع بين منطق
الهداية والوحي، ومنطق الهوى والرأي، تميزت حقيقة (الفكر الإسلامي) عن
غيره من الأفكار، وعلى مر الدهور وتعاقب الأعصار.
والباحثون اليوم في المذاهب والأفكار يتبعون طريقة
التحليل، حيث يرجعون الفروع إلى الجذور، والفصول إلى الأصول، والبحث في
حقيقة (الفكر الإسلامي). أصوله وفروعه، يقتضينا أن نجزم تمام الجزم بأن
الدعامة الأولى التي يقوم عليها هذا الفكر في أصوله وفروعه، هي أنه "من
الوحي نبع وإلى الوحي يرجع"، وكل تصور للفكر الإسلامي، سواء فيما غبر
منه، وما حضر، على غير هذا الأساس، فإنما هو انحراف به عن أصله، وخروج
به عن حقيقته، وأن كل ما قد شبه للناس من مذاهب ونظريات، وتعاليم
وثقافات، على أنه من الفكر الإسلامي فإنما هو (الدخيل) وقد تصدى (مفكرو
الإسلام) في مختلف عصورهم لتمييز الأصيل من الدخيل، وأظهروا بواضح
الحجة، وصحيح الدليل، على أن (الدخيل) ليس في شيء من (الأصيل).
وسأحاول في هذا البحث أن أجلي الصورة الحقيقية
لتأصيل الوحي في الفكر الإسلامي منذ نشأته عبر عهود النبوات وتعاقب
الرسالات، حتى ختامها بالرسالة المحمدية، التي لا تزال طائفة من أمة
رسولها، المتمسكين بمبادئها، المفكرين بأصولها ، ظاهرين على الحق لا
يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.
في القرآن سورة اسمها (سورة الإنسان) افتتحها رب
الإنسان بقوله جل جلاله:
"هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ
الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً(1) إِنَّا خَلَقْنَا
الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ
سَمِيعاً بَصِيراً(2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً
وَإِمَّا كَفُوراً(3)".
وفي سورة البلد، جاء قول الله:
" لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَد(4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ
يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ(5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً (6)
أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَد(7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ
عَيْنَيْنِ(8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ(9) وَهَدَيْنَاهُ
النَّجْدَيْنِ(10) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)".
وفي سورة الشمس جاء قول الله:
" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7) فَأَلْهَمَهَا
فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9) وَقَدْ
خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10).
الإنسان إذن، بشهادة رب الإنسان (أمشاجٌ)، فيه
عنصر المادة المعرض للكون والفساد، والتحلل والتغير، وفيه غريزة
الحيوان وخصائصه، وفيه إدراك العقل وسلطانه، وفيه كذلك الروح الملكوتية
ذات الأشواق إلى الخير والجمال والكمال والتدين، فيه الخير والشر، ومن
ثم فقد جمع الإنسان في حقيقته كل متناقضات الأشياء فأوعى، ومن ثم فقد
كان حريا بأن ينشد فيه شاعر اليونان الأول سفوكليس أنشودته
القائلة:(ألا ما أكثر العجائب، ولكنك لا تجد فيها عجيبة أعجب من
الإنسان). ومن ثم فقد تناقضت فيه أقوال من حاولوا شرحه بالتعريف
والتحديد، حتى قال فيه (باسكال): "إنه ذلك المخلوق الغريب الذي لا سبيل
إلى فهمه". وحتى جاء من بعد باسكال، ألكسيس كاريل وعنون كتابه في
الإنسان بقوله: (الإنسان ذلك المجهول).
ذلك لأنه الإنسان ذو الطبيعة المزدوجة، والكيان
المتناقض، الذي جمع بين القوة والضعف، والفكر والغريزة، والفعل
والانفعال، والتأثير والتأثر، والبطولة والخوف، والشهوة الجامحة،
والعفة الكابحة، والفجور والتقوى، والكفر والإيمان، وصدق الله:
" لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ
تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) (التين:5)
وشاء ربك، ولحكمة بالغة جلت عن الوصف، وسر خفي عز
عن الإدراك، شاء ربك أن يكون الإنسان في أول خلقه (فتنة)، فتنة لملائكة
الله حين أقدموا على تجريح خلق الله دون أن يعلموا السر في خلقه،
وتقدموا بالسؤال إلى ربهم قائلين: " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ
فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ
وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ"
(البقرة:30).
وفتنة للشيطان نفسه حين كان سببا للشيطان في
الخروج من ربقة الطاعة، حيث حكم الرأي. وخالف الأمر، ورفض الأمر
بالسجود قائلا: " أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ
وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" (لأعراف:12)
وفتنة لنفسه، إذ عهد له ربه فلم يجد له عزما،
"وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ
لَهُ عَزْماً" (طـه:115) ، "فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا
سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ
وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى" (طـه:121) .
ولو شاء ربك لجعل في الأرض ملائكة يخلفون، وهم
فعلا قد طلبوا ذلك. باستفهام الاستغراب، وصراحة القول، وإظهار الصلاحية
حين قالوا: " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ
الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ
إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ" (البقرة:30). ولكن شاء ربك أن
يخلف في الأرض الإنسان، على ما في الإنسان من طبيعة الإفساد وغريزة
القتل، وحب الأثرة، وتلك مقتضيات الحكمة في سر الإعمار: "وَعَلَّمَ
آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ
فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"
(31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ" (البقرة:32).
ولئن أثبتت قصة خلافة الإنسان في الأرض، أن
الإنسان قد أوتي من نور العلم والفكر ما جعله في حجة الله على ملائكته
أحق منهم بالخلافة في الأرض، فإن قصة الأكل من الشجرة، ونسيان الخطاب،
ومخالفة النهي، قد أثبتت من جانب آخر أن الإنسان قد ركب في طبيعته من
ضعف الإرادة، وغلبة الشهوة، ما لا يستطيع معه أن يدرأ الشبهات، أو يغلب
الشهوات، أو يستكشف عواقب الأمور، فيميز دائما بين النافع والضار،
والطيب والخبيث في التروك والأفعال، وذلك ما عناه الله حين قال:
"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً
جَهُولاً" (الأحزاب:72)
وهنا اتضح أن الإنسان (لا يقف وحده). بل
بدت حاجته إلى الإسناد، إسناد الله له بوحي النبوات، وإرسال الرسالات،
فكان أول العهد، "وعهدنا إلى آدم"، وبدأ خطاب الله المتعلق بفعل
المكلفين ينزل من السماء، ومن هنا كانت نقطة البدء في نشأة "التفكير
الإسلامي" على وجه الأرض. فحين خاطب الله الإنسان الأول قائلا: "
وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي
الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ" (البقرة:36) ، كان ذلك
أول نزول أمر قدري في تاريخ التقدير والخلق بالنسبة إلى الإنسان، أما
حين خاطب الله هذا الإنسان قائلا: "قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا
خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا
خَالِدُونَ (39)" البقرة. فقد كان ذلك أول تخطيط إلهي وضع للتفكير
الإسلامي الأصيل حتى لا يضل العقل، ويغلب الهوى، وتعمى القلوب التي في
الصدور، فبهذا العهد الإلهي الأول لأول إنسان ظهر على وجه الأرض وضع
بنو الإنسان في مفترق طريقين لاتجاه التفكير الإنساني.
1.
الاتجاه الذي يبتدئ فيه التفكير نقطة انطلاقه من (الوحي) الإلهي،
من النص وفهم النص واتباع النص والاستنباط من النص.
2.
الاتجاه الذي يبتدئ فيه التفكير نقطة انطلاقه من الرأي المجرد، والهوى
المضل، ووسوسة الشيطان.
فحين فكر أبو الإنسان الأول في الإقدام على الأكل
من الشجرة كان قد بنى تفكيره على استقلال الرأي ، ووسوسة الشيطان فعصى
آدم ربه فغوى، وبذلك وقعت أول (شبهة) للعقل البشري في تاريخ الإنسان
أما حين أعاد أبو الإنسان الأول النظر فيما أقدم عليه، ففكر وقدر،
وأدرك شر المخالفة، وخطل (الرأي)، فاعترف بالخطيئة، وشعر بالندم، وأقر
بالعجز، وتلقى (الكلمات) من ربه تائبا، فتاب عليه ربه وهداه، فقد بنى
حينئذ تفكيره على أساس من الرجوع إلى الوحي الإلهي، وبهذه (الرجعة)
يكون أبو الإنسان الأول قد وضع أول حجر أساسي في تشييد معهد للتفكير
الإسلامي الصحيح، الذي رفعت قواعده على وحي من الله، ونطق من السماء.
وعلى أساس هذا العهد الذي عهده رب العالمين للإنسان الأول تتابعت رسل
الله تترى عبر عهود تاريخ الإنسان المتعاقب على وجه هذه الأرض التي
اقتضت حكمة ربنا أن يكون خليفته فيها، فلم يخل زمان من رسول، ولا أمة
من نذير، حتى ختام هذه الرسالات بالرسالة المحمدية التي بعث بها محمد
بن عبد الله إلى الإنسانية جمعاء. ولم يوح الله لمحمد بدين غير الدين
الذي أوحى به إلى الأنبياء من قبله، وبذلك جاء القرآن يخاطب محمدا
قائلا: "شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ
عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي
إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ"(الشورى:13) .
"إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ
وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى
وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ
زَبُوراً" (النساء:163) . ولم يكن هذا الدين الذي بعث الله به أنبياءه،
وأوصاهم بأن لا يتفرقوا فيه غير دين "الإسلام"، وإن كانت سنة الله في
تطور الأمم، وتغير الأحوال، قد اقتضت أن تكون مناهج الرسل وأساليب
الدعوات، وشرائع الأحكام، مختلفة باختلاف الظروف والبيئات، وذلك قول
الله تعالى: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ
مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً
عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ
أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا
مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ
أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً
فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (المائدة:48) .
وقد جاءت كلمة (الإسلام) في القرآن في أكثر من آية من آيات الأخبار عن
الأنبياء وأتباع الأنبياء من قبل محمد
e.
جاء ذلك في الخبر عن نوح حين قال نوح لقومه: " فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ
فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (يونس:72) .
وجاء ذلك في الخبر عن إبراهيم: "وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ
إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي
الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين . إِذْ قَالَ
لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" َ
(البقرة:131:130) . " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا
نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ" (آل عمران:67) . " مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ
هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ "(الحج: من الآية78) .
وجاء ذلك في الخبر عن يوسف، حين دعا يوسف ربه قائلا: " رَبِّ قَدْ
آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ
الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي
بِالصَّالِحِينَ" (يوسف:101) .
وجاء ذلك في الخبر عن موسى حين نادى موسى من آمن به من قومه قائلا: "
وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ
فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ" (يونس:84) .
وجاء ذلك في الخبر عن بلقيس ملكة سبأ حين أرسل إليها سليمان بكتابه
النبوي قائلا: " إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (النمل:30) "أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ
وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ" (النمل:31) . وحين أجابت بلقيس دعوة سليمان
معلنة إسلامها قائلة: " قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي
وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (النمل:
من الآية44) .
وجاء ذلك في الخبر عن "إسلام" جميع أنبياء بني إسرائيل حين قال الله في
شأنهم: " إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ
يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا
وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ
اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ
وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ
يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"
(المائدة:44).
وجاء ذلك في الخبر عن القلة المؤمنة من حواريي عيسى حين أجابوا دعوة
عيسى معلنين إسلامهم قائلين: " نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا
بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"(آل عمران: من الآية52) .
ثبت إذن بنص القرآن، أن الإسلام دين الإنسان العام، وثبت أيضا بنص
القرآن أن أنبياء الله الذين آتاهم الله الهدى من عنده من عهد آدم إلى
عهد محمد
e
كانوا "مسلمين"، وفي إطار (الوحي) كانوا يفكرون،
وبناء على (فكر الوحي) كانوا يعملون. وثبت كذلك بنص القرآن أن محمدا بن
عبد الله خاتم النبيين، ورسول الله إلى الناس أجمعين، لم يكن إلا رسولا
قد خلت من قبله الرسل، ونبيا (مسلما) داعيا إلى دين "الإسلام العام"
كما دعا إليه من قبله (الرسل المسلمون).
فعلى محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن نزل: " قُلْ مَا كُنْتُ
بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ
مُبِينٌ" (الأحقاف:9) .
وعلى محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن نزل: " قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ) (الأنعام: من الآية14) .
وعلى محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن نزل: " وَقُلْ لِلَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا
فَقَدِ اهْتَدَوْا )(آل عمران: من الآية20) .
وعلى محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن نزل" إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ
اللَّهِ الْأِسْلامُ" (آل عمران: من الآية19).
وعلى محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن نزل: " وَمَنْ يَبْتَغِ
غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي
الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85) . وكان آخر بلاغ نزل على
أهل الأرض من عند الله تلك الآية التي أعلنها محمد صلى الله عليه وسلم
في عرفات مبلغا عن ربه الذي نادى أهل الأرض أجمعين قائلا: " الْيَوْمَ
أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً "(المائدة: من الآية3) .
ومن ثم لم تكن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلا تلك اللبنة التي كانت
لا تزال تنقص ذلك الصرح الخالد الذي شيده الأنبياء من قبل محمد، فمحمد
–صلى الله عليه وسلم- هو القائل: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل
بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به
ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة ، وأنا
خاتم النبيئين".
ومن ثم أيضا لم يكن كتاب الله الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم
سوى ذلك الفصل الجامع من كتاب "الإسلام العام".
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية "مفكرا إسلاميا" واعيا بهذه الحقيقة
تمام الوعي حين قال: "كل رسول بعث بشريعة فالعمل بها في وقتها هو دين
الإسلام".
إذن، (الفكر الإسلامي) الذي قلنا في خاصته: "إنه من الوحي نبع، وإلى
الوحي يرجع" تسلسل على لسان كل نبي من أنبياء الله السابقين، حتى ختم
في صيغته النهائية التامة الشاملة العامة، على لسان خاتم النبيئين،
الذي بعث إلى الناس كافة، على حين كان الرسول يبعث إلى قومه خاصة،
وخاطب أهل الأرض أجمعين قائلا: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ
فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ
تَهْتَدُونَ" (لأعراف:158) .
وإن كانت هناك ظاهرة لزمت هذا الفكر "الفكر الإسلامي" منذ نشأته من عهد
آدم ، حتى ختامه في عهد محمد صلى الله عليه وسلم، فإنما هي ظاهرة
الثبوت والاستمرار، واللزوم والالتزام، التزام النص، وتحكيم الوحي، في
مواجهة المجتمعات، ودعوات الأمم، ومصارعة الأهواء، ومقارعة الآراء،
فالنبي نوح عليه السلام، وهو أول رسول بعث إلى البشر برسالة، ودعا قومه
إلى توحيد الله وعبادته، هذا الرسول المسلم الذي عندما طعن الملأ
المترفون من قومه في رسالته، ورموه بالجهل والضلال، قائلين له، فيما
حكاه القرآن: (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي
ضَلالٍ مُبِينٍ) (لأعراف:60) . لم يرد عليهم بأنه برئ مما رموه به لأنه
متفوق عليهم في العقل والفكر والرأي، أو أنه ذو علم أُوتِـيَهُ من
عنده، وإنما رد عليهم قائلا: "قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ
وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الأعراف:61) . أي إنني
لم أؤسس (تفكيري) في دعوتكم إلى عبادة الله على استقلال فردي في الرأي،
وابتداع شخصي في الدين حتى أضل، ولكني رسول أوحي إلي من رب العالمين،
وحين نادى نوح ربه طالبا نجاة ابنه من الغرق في قصة الطوفان قائلا:
(وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (هود:45)
. وأجابه ربه: ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ
عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود:46) ، تبرأ نوح
من أن يكون له بعد نزول الوحي رأي خاص، وفهم فردي حتى فيما يتعلق
بفلذة كبده، مناديا ربه تائبا آيبا: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ
أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي
وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (هود:47) . إنه التزام في
مجال التفكير للخضوع للوحي، وخطاب التنزيل ، في تقدير الحقائق، وإبعاد
الأوهام، وصرف الظنون، وذلك هو (التفكير الإسلامي الأصيل).
كذلك عندما جحد قوم هود رسالة هود قائلين" قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا
لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (الأعراف:66) ، أجابهم هود قائلا:
(قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ
الْعَالَمِينَ) (الأعراف:67) ، أي إنني لم أعتمد في دعوتكم على رأي
خاص، وفكر مجرد حتى أسفه، وإنما هو (الوحي) ، وإنما هو التلقي من رب
العالمين: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ
بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا
تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)
(هود:57) .
كذلك عندما جاء صالح من بعد هود، مقتفيا الأثر، وسالكا نفس الطريق،
مناديا قومه: "
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ
رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي " الشعراء 142".
وعندما أرسل موسى إلى فرعون وملإه، لم يخاطب موسى فرعون وملأه على أنه
زعيم من زعماء بني إسرائيل، ذو فلسفة ومذهب وفكر خاص، وإنما نادى موسى
فرعون قائلا: (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ
رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ
إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ
فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ)(الأعراف: 104 – 105).
كذلك عندما ادعى من ادعى من بني إسرائيل أن عيسى أمرهم بأن يتخذوه هو
وأمه إلهين من دون الله، تبرأ عيسى من أن يتقول على الله بما لم يوح
إليه به من عند الله وقال: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ
مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ
مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ
مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ
تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ
أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي
بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ
شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ
الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة:
116-117) .
ولما سأل قوم محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بقرآن غير القرآن
الذي أنزل عليه، أجابهم محمد صلى الله عليه وسلم قائلا: ( مَا يَكُونُ
لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا
مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ
يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس:15) ، (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا
لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ
مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:203) ، (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي
أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الزخرف:43) .
ولقد استمسك محمد في دعوته بالذي أوحي إليه، فبالوحي كان يفكر، وبالوحي
كان يحكم، وبالوحي كان يفتي، وبالوحي كان يسالم، وبالوحي كان يحارب،
وبذلك كان محمد آخر (مفكر إسلامي) نزل عليه الوحي، كما كان آدم أول
(مفكر إسلامي) نزل عليه الوحي.
ثم صار الذين اتبعوا محمداً وآمنوا به وعززوه ونصروه على النهج،
فالتزموا (الوحي) وحكموا الخطاب، فكان هديهم في السلوك وفي الحكم،
وفكرهم في الحياة وشؤون الحياة (كتاب الوحي) ، وسنة صاحب الوحي، وإن
القصة التالية – على سبيل المثال – لتدلنا على مقدار التزام أصحاب محمد
للنص الذي ورد به الوحي على لسان محمد، وأن أحدهم مهما علت منزلته في
العلم، وسمت مرتبته في الحكم، إذا قدر له أن ارتأى رأيا، ورأى أنه عين
الصواب، ثم أظهر له أحد أفراد الأمة بالحجة والبرهان والعلم بالكتاب،
أن ما ارتآه لم يكن عين الصواب كما ظن؛ لأن الوحي نزل بما يخالفه، ودل
على ما يناقضه، عدل عن رأيه الذي ظنه من قبل يقيناً، وأعلن بصراحة، وهو
رئيس الأمة وحاكمها الأعلى ، رجوعه إلى دليل الوحي الذي نبهته إليه
امرأة من عامة الناس كان لها بكتاب الوحي علم، وهذه القصة كما يرويها
أصحاب العلم بالحديث هي: "أن الخليفة عمر بن الخطاب صعد يوما منبر رسول
الله – صلى الله عليه وسلم- ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم في صداق
النساء، وقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه والصدقات
فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى
عند الله، أو كرامة، لم تسبقوهم إليها، فلأعرفن ما زاد رجل في صداق
امرأة على أربعمائة درهم، ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا
أمير المؤمنين ، نهيت الناس أن يزيدوا في مهور النساء على أربعمائة
درهم؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي
ذلك؟ قالت: أما سمعت الله يقول: "وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ
زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا
تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً
مُبِيناً" (النساء:20) . فقال: اللهم غفرانك كل الناس أفقه من عمر، ثم
رجع فركب المنبر، فقال: أيها الناس، إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء
في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب" (ابن
كثير عن الحافظ ابن يعلى).
ثم جاء من بعد أصحاب محمد التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين من رجال
(الفكر الإسلامي الأصيل) فساروا على السنن، والتزموا السبيل، فتمسكوا
بالكتاب، وفكروا بالوحي، وتفقهوا بالسنة، فما اتبعوا شبهة، ولا أحدثوا
بدعة، وما كان لهم خارج الكتاب والسنة فكر ولا رأي، وإنما كانوا رحمهم
الله من وحي الإسلام يصدرون، وفي رحاب الوحي يفكرون، حين يقضون، وحين
يفتون، وحين يؤلفون، وحين يكتبون، وحين يدرسون، وحين يجادلون، ثم جاء
من بعد السلف (خلف) وفي الخلف أصناف، فيهم الهاجر للكتاب، والنابذ
للسنة، والمتفقه بالتقليد، والمفتي بالرأي، والمتفلسف بالكفر، والمفكر
بالشبه، والمتصوف بالجهل، ولكن "الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل سنة
من يجدد لها دينها" - (أبو داوود والحاكم) – وفي إطار الدين، وفي رحاب
الوحي، وعبر عهود هذه المئات من السنين حتى عهدنا الحاضر ظل رجال
(الفكر الإسلامي الأصيل) يصارعون من توزعت بهم الآراء، وأضلتهم
الأهواء، واختلفت بهم المذاهب، ويقارعون بأصيل الفكر، وحجج العقل، من
أعداء هذه الأمة، من نصبوا لها العداء، وشنوا عليها الغارات، يحرفون
تاريخها ويقدحون في دينها وفكرها، ويشككون في قيمها، وأنهم على سنن
(الوحي) سائرون لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.
وبعد فلئن كانت هناك كلمة جامعة مانعة يحسن أن نأتي بها كتعريف جامع
ومانع للفكر الإسلامي في ختام هذا الكلام فإنما هي كلمة الرسول عليه
السلام: (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى
وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ
وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ
الْجَمَاعَةُ )ابن ماجه.( إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى
ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ
وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً
قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ
وَأَصْحَابِي) الترمذي
وما كان عليه النبي وأصحابه لم يكن حكمة الهنود، ولا فلسفة اليونان،
ولا أدب فارس، ولا ليبرالية الغرب، ولا جدلية ماركس، وإنما كان
(الوحي). ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى
وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم
1-3).
ومن ثم كان حقا ما أثبتناه من أن (الوحي عماد الفكر الإسلامي).
هل يحقق
المسلمون وجودهم في التاريخ المعاصر؟
لفضيلة الشيخ محمد الحمداوي رحمه الله تعالى
لم يكن أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش عالم الكوفة من أحد أولئك
الذين اشتروا بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا، أولئك الذين اصطبغوا
بصبغة العلم ولكنهم زهدوا غيرهم في طلبه من قلة عملهم به، اصطبغوا
بصبغة العلم ليتصدروا به المجالس ويجمعوا به الحطام وينالوا به الحظوة
والشرف؛ وصدق نبي الإسلام فيما وصف به حالهم حينما قال (يَخْرُجُ فِي
آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ
يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ أَلْسِنَتُهُمْ
أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ يَقُولُ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ
فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً
تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا) الترمذي، وصدق نبي الإسلام
فيما أخبر عن مآلهم حينما قال: ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ
اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ
مِنَ النَّارِ ) الترمذي. وقد أحسن الشاعر الأندلسي فأجاد الطرفة حينما
وصف بعض الأصناف منهم قائلا
أهل الرياء لبستم ناموسكم
كالذئب أدلج في الظلام العاتم
فملكتم الدنيا بمذهب مالك
وقسمتم الأموال بابن القاسم
وركبتم شهب الدواب بأشهب
وبأصبغ صبغت لكم في العالم
أجل، لم يكن الأعمش من هذا الصنف الذي حدثوا عن بعض أفراده أنه أدرك من
الفقه والجاه ما جمع به مالا فأوعى ثم حين أدركه الموت وانكشفت له
النهاية أخرج عنه الأهل والأصحاب وغلق عليه الباب وأخذ يلطم وجهه مرددا
قول الله تعالى (يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ ) الزمر56.
ولكنه كان عالما من علماء الإسلام الذين ورثوا الأنبياء، لم يرثوا منهم
درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم يهدون به ويهتدون. كان عالم
َالكوفة ومحدثَها وزاهدَها وعابدَها.
قام ذات ليلة يقرأ ما تيسر من القرآن ويتهجد عسى أن يبعثه ربه مقاما
محمودا، فمر بهذه الآية الكريمة (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا
بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ
الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) آل عمران 18، وإذا هو علامة
الإسلام كما وصفه يحيى القطان، فلم يمر على الآية مر الذين يقرؤون
القرآن لا يتجاوز حلاقيمهم والتراقي، وإنما وقف عندها وقوف الذين إذا
تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، لذلك خشع قلبه لما
تلا لسانه، ونطق قائلا:( وأنا كذلك أشهد بما شهد الله وأستودع هذه
الشهادة عنده، وهي عنده سبحانه وديعة)، وكرر الآية مرددا مرارا ( إِنَّ
الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ).
أي والله، لقد صدق الله وصدق أنبياؤه ورسله وصدق المؤمنون من أحياء
القلوب من عباده (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ).
لكن، وما الإسلام؟
الإسلام هو ما أوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب، هو الرسالة
العامة التي أرسل بها محمد صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل
إلى الخلق أجمعين، الشرقي والغربي والأحمر والأسود، اليهودي والنصراني
( كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ) ( بعثت إلى
الأحمر والأسود).
هو خاتمة النبوءات السابقة، ونهاية المراحل لجميع رسالات الله من
السماء لأهل الأرض (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ
وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) الأحزاب 40.
هو المعنى الشامل والخلاصة الجامعة والتصحيح المحكم لمعاني ما أنزل على
الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ
بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ
وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) المائدة 48.
هو البيان الكاشف لما أخفى أهل الكتاب من الكتاب (يَا أَهْلَ
الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا
مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ
قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) المائدة 15.
هو النور الساطع الذي جلى معاني السمو والكمال في ملكوت الله في السماء
وفي الأرض ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ
رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ) النساء174.
هو اللبنة التي عجب الناس لخلو مكانها في هيكل قصر النبوءات الذي بناه
رب العرش العظيم لبني الإنسان على الأرض، ليبلوهم أيهم أحسن عملا، ومن
ثم جاء قول نبي الإسلام صادقا: (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ
مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ
إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ
بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ
اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ
) البخاري.
هو الحق وليس بعد الحق إلا الضلال (فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ
الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا
تُصْرَفُونَ ) يونس 32 (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا
وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) البقرة 119
(وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ
رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
) سبأ 6.
هو العلم وليس بعد العلم إلا الجهل (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ
مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ
الظَّالِمِينَ ) البقرة 145.
هو الصدق وليس بعد الصدق إلا الكذب (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ
عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ
وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ
كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ
ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ
عَلَيْنَا نَصِيرًا )الإسراء 73،74.
هو الدستور الإلهي الذي جمع قوانين الروح وقوانين الجسد، قوانين الفرد
وقوانين الجماعة، قوانين الحال وقوانين المآل، للإنسانية في آخر مرحلة
من مراحلها التاريخية المتعاقبة على مر الزمان والأحقاب (وَنَزَّلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً
وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) النحل 89.
هو القرار الإلهي الأخير الذي قرر معنى الفطرة الإنسانية في أتم
حقيقتها طبعا وخلقا (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ
اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ
اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ ) الروم 30.
هو المحجة البيضاء إلى السلام لو شاء أهل الأرض التائهون في بيداء
القلق والحيرة والاضطراب أن يهتدوا إلى السلام (قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ
اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ
رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى
النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
المائدة 16.
كان بدءُ ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من وحي الإسلام بدءَ
النعم المسبغة من رب الإنسان على الإنسان ومنشأَها، وكان آخرُ ما أنزل
عليه أتمَّ النعم وأكملها.
كان أولُ ما أنزل منه تعالى أولَ النعم ، إذ كان النعمةَ التي فضلت
وكرمت، وصرفت من اعترض وجود الإنسان خليفة ً في الأرض عن اللجج، كان
نعمةَ العلم التي بعث بها الرب الأكرم إلى محمد صلى الله عليه وسلم في
الغار على لسان الناموس الأكبر قائلا:(اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ )
العلق3،4.
وكان آخرُ ما أنزل منه أتمَّ النعم وأكملَها، إذ كان النطقَ الإلهي
الكريم الذي أعلن لبني الإنسان يوم الحج الأكبر في عرفات أن الهداية
الإلهية المسددة التي أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وأحلت الطيبات
وحرمت الخبائث ووضعت الإصر ورفعت الأغلال وسمت بالروح ووجهت
الإنسانية وجهة السعادة الأبدية ، قد تم بها الوحي اليوم في الكتاب
المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ
الْإِسْلَامَ دِينًا ) المائدة3.
ومن هنا كان صدقا ما جاء عن نبي الإسلام من أن عقيدة الإسلام هي
العقيدة التي يأخذ الله بها ويعطي يوم القيامة، ومن ثم كان من العدل
الإلهي أن لا يقبل من أهل الأرض أن يدينوا بغيره هذه العقيدة على الأرض
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) آل عمران 85، ومن ثم أمر
الله محمدا نبي الإسلام أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم، ومن
ثم أمر المؤمنين من أتباع محمد أن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار
الواقفين في وجه العقيدة والمقاومين لها والمعترضين على انتشارها، قال
صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد ( بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ
السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذُّلُّ
وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ
فَهُوَ مِنْهُمْ ).
ومن حيث كانت عقيدة الإسلام العقيدة التي قررت الوضع المجتبى الذي
أراد رب الحياة في الأزل أن تحيى عليه النسمات المبروءة على الأرض، بعد
أن تكون قد اجتازت من المراحل ما استكملت به تموها ووصلت إلى الطور
الذي تنطبق فيه حياتها مع معاني هذه الرسالة انطباق المخلوق مع ما خلق
لأجله، فقد كان من المحتم في طبيعة الخلق وسنة الله أن تشمل من عناصر
القوة والحق ما تحقق به وجودها في التاريخ البشري الحي.
لذلك حققت العقيدة الإسلامية وجودها العقدي في قلوب المؤمنين بها أولا،
ثم حققت وجودها الواقعي في تاريخ الدنيا ثانيا.
حققت وجودها في قلب محمد صلى الله عليه وسلم، رسولها المبعوث بها أول
ما نزلت عليه وتملكت كل مشاعره وجميع إحساساته، وأقامته في طفرة البعث
يصدع بما أمر، ينذر عشيرته الأقربين ويدعو إلى دين الله، فيسفه
الأحلام، ويضل الأقوام، ويعيب الآلهة غير إله الحق، ويقول لعمه حين جد
الجد وحزب الأمر: «
يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، لما رجعت عن
هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ».
وحققت وجودها في صمود محمد - صلى الله عليه وسلم – حين أوقفته في فترة
الضعف صامداً صابراً يتحمل الأذى، ولا يبالي الاضطهاد، وإنما يحسب
الحساب فقط لأن لا يكون عليه من ربه غضب أو سخط، اسمعوه ينادي ربه
حينما أغرت به ثقيف سفهاءها وعبيدها يطاردونه ويرمونه بالحجارة: «
اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب
المستضعفين، أنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو
ملكته أمري، إن لم يك بك علي غضب فلا أبالي ».
وحققت وجودها في شجاعة محمد - صلى الله عليه وسلم – يوم أوقفته في
فترة الكفاح بطلا شجاعاً يخوض المعامع ويقارع السيوف، ويتلقى الرماح،
فتكسر رباعيته ويشج في وجهه ويقف ثابتاً لا يتزحزح.
وحققت وجودها في عظمة محمد – صلى الله عليه وسلم – يوم كانت أساس
سلوكه مع القوم في فترة الانتصار، فكان بها المثل الأعلى للإنسان
المهذب، الحليم الصبور، السياسي المحنك، أليس هو القائل يوم دخل مكة
منتصراً: « يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها
بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب ، ثم تلا الآية
]
يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ
ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
[
يا معشر قريش اذهبوا فأنتم الطلقاء».
ثم حققت وجودها في أصحاب محمد الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا
النور الذي أنزل معه فصبروا، وصابروا، ورابطوا، وجاهدوا في سبيل الثبات
على عقيدة الإسلام.
حققت وجودها في أبي بكر الذي كان بها أول المؤمنين، وخير الصديقين،
فقلبته من رجل التجارة والتكسب وجمع المال، إلى رجل الإيمان والعقيدة
والتضحية وبذل المال، اسمعوا إلى بنته أسماء تحدثكم عنه حينما ترك وطنه
وأهله وخرج مهاجراً مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – باذلا له ماله
ومعطيه رفده، قالت: « لما خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وخرج
أبو بكر معه احتمل أبو بكر ماله كله خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم،
فانطلق بها معه، قالت فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال
والله إني لأراه قد فجعكم بماله ونفسه، قالت: فأخذت أحجاراً فوضعتها في
كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت
بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده ، فقال : لا
بأس، إذا كان ترك لكم فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، قالت والله ما ترك
لنا شيئاً، وإنما أردت أن أسكن الشيخ بذلك».
وحققت وجودها في عمر حين كانت بتأثيرها العقدي في نفسه ذلك (الديناميت)
الذي هزه هزاً ورماه كالقذيفة إلى دار الأرقم يعلن إيمانه لنبي الإسلام
الذي لم تعد يومئذ في الأرض نسمة أحب إليه من نفسه منه كما قال. ويشهد
أمامه معلنا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فيهز محمد ومن
معه من الصحب القلائل المختفين هزاً، ويرفعون التكبير قائلين: "الله
أكبر"، ثم يقول: « ألسنا على الحق يا رسول الله إن متنا أو حيينا؟ قال:
« بلى والذي نفسي بيده إنكم لعلى الحق إن متم وإن حييتم »، قال عمر: «
ففيم والذي بعثك بالحق نختفي؟ لنخرجن ويخرج الجميع مهللين مكبرين، لهم
كديد ككديد الطحين، فتراهم قريش وتصاب يومئذ بكآبة لم تصب بمثلها من
قبل».
وكما حققت هذه العقيدة وجودها في عمر بعملها العقدي في نفسه، فقد حققت
وجودها فيه بتأثيرها التربوي في سيرته، حين صيرت منه ذلك الحاكم القوي
الذي « فتح الفتوح ووضع الخراج ومصَّر الأمصار واستقضى القضاة ودوَّن
الدواوين وفرض الأعطية».
وحققت وجودها في المستضعفين من المؤمنين الأولين عندما تركزت في
قلوبهم، وامتزجت بدمائهم وأعصابهم، وجعلتهم يتحملون من أجل الثبات
عليها من ألوان العذاب ما كان صناديد قريش يوقعونه بهم من العذاب، وهم
صامدون صابرون، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان وبلال ينشدهم تحت السياط نشيد
الإيمان مرددا : « أحد أحد ».
وحققت وجودها في سلمان الفارسي الذي كان إذا سئل: ما نسبك؟ أجاب: نسبي
الإسلام.
وحققت العقيدة الإسلامية وجودها في غير أولئك وهؤلاء من قادة الإسلام
وساسته وحكمائه وعلمائه ورجاله الفاتحين في كل بقعة حلها الإسلام،
فكونوا بذلك (تاريخ الإسلام).
فمن قلوب رجال الإسلام، من أخلاقهم، من سيرهم، من أعمالهم، حققت
العقيدة الإسلامية وجودها في المجتمعات الإسلامية، حققت وجودها في عهد
النبي – صلى الله عليه وسلم – في الجزيرة العربية، فقلبت أهلها من
أولئك الأعراب الجفاة المتناحرين الأشد كفرا ونفاقا، إلى أولئك
المسلمين المؤمنين الموحدين، بالإيمان تهذيباً وخلقا، وصيرتهم كما
وصفهم جعفر بن أبي طالب عندما سأله ملك الحبشة عن حقيقة هذه العقيدة
التي فارقوا فيها دين آبائهم وهجروا من أجلها أهلهم وأوطانهم، فقال: «
كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع
الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث
الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله
لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان
وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن
المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل أموال اليتيم وقذف
المحصنة وأن نعبد الله وحده لا شريك له ».
ثم حققت هذه العقيدة وجودها في الشام والعراق ومصر في عهد الخليفتين
عمر وأبي بكر ثم انتشرت بعد شرقا وغربا من جبال القوقاز إلى شاطئ
الأطلسي، إلى المغرب العربي ، إلى هذا البلد حيث حملها أولئك الفاتحون
الأطهار، والمؤمنون الأبرار الذين قطعوا الفيافي وجابوا القفار، لا
يحدوهم مطمع، ولا يحفزهم غرض، فاتحون أطهار، لم يكن غرضهم من فتح هذا
البلد كنوزه وخيراته واستثمار أراضيه واستعمارها، وإنما كان غرضهم أسمى
من ذلك كله، كان غرضهم أن يفتحوا قلوب أهله ليغرسوا فيها مبادئ قدسية
سماوية هي عقيدة الإسلام.
إن العقيدة الإسلامية التي حققت وجودها في المغرب الإسلامي بفضل جهاد
أولئك الفاتحين الأبرار، هي العقيدة الإسلامية التي جعلت منه أمة وكونت
له تاريخا، وأسست له دولة، وخلدت له مجدا لا يزال في التاريخ يذكر
ويعتبر، ففي هذا البلد حقق الإسلام وجوده في المغاربة الذين اعتنقوه
فكانوا به المغاربة المسلمين، والأبطال العظام، رجال الفتح والإيمان،
الذين رسخت عقيدة الإسلام في نفوسهم، ثم حملوا بعد ذلك مشعلها، يضيئون
به ما حوالي هذه البلاد من أصقاع وبقاع، في هذا البلد حقق السلام وجوده
في الفريق الأول الذي عبر بحر الزقاق إلى الأندلس بقيادة طارق، ثم أحرق
ما عبر به البحر من سفن لأنه عبر البحر وليس من أمله الرجوع إلا أن
تخفق راية الإسلام فوق الجزيرة أو تكون الجزيرة قبورا لرفاقهم، كأبرار
شهداء في سبيل العقيدة والمبدأ، فكانت لهم الغلبة، وكان لهم النصر،
وكان لهم الفتح، وكان لهم أن كونوا في تلك البلاد فردوسا أرضيا لا تزال
آثاره ماثلة حية ناطقة لمجد الإسلام هناك.
وفي هذا البلد حقق الإسلام وجوده في الفريق الثاني الذي عبر البحر
ثانيا بقيادة يوسف بن تاشفين وضربوا النصرانية في وقعة الزلاقة ضربة
مدوا بها من عمر الإسلام، ومن مدنية الإسلام، في الجزيرة الأندلسية ما
يزيد على أربعة قرون.
لقد كان للعقيدة الإسلامية من الأمجاد في هذا البلد، وفي غير هذا
البلد، ما هو في التاريخ القديم والحديث مسطور، واعترف به البعيد
والداني، والعدو والصديق، ولقد حاول المستعمرون الأوربيون أن يطفئوا
نور هذه العقيدة السامية المبدأ في عالم الروح، المحققة الوجود في
التاريخ الحي، في كل أرض حلتها أقدامهم في القرن التاسع عشر والقرن
العشرين بعد أن أخفق أجدادهم في القضاء عليها بحملاتهم الصليبية في
القرن الثالث عشر، اسمعوا إلى الجنرال الإنكليزي (اللورد اللنبي) يفصح
في نهاية الحرب العالمية الأولى عن أن تلك الحرب لم تكن بالذات حرب
الحلفاء الألمان ولكنها كانت في المقصد والغاية حرب النصارى للمسلمين،
أليس هو القائل في خطبته بعد أن وطئت جنوده بالغدر والحيلة والمكر أرض
فلسطين: (الآن انتهت الحروب الصليبية). ثم ألم يصرح زميلاه الفرنسيان
في تلك الحرب كورو وكوابي، أن الجنود الفرنسية التي دخلت دمشق
بقيادتهما قد أخذت الثأر لأجدادهم الصليبيين في أرض الشام؟ ثم ألم
يحاول المستعمرون الفرنسيون بالعمل على تطبيق سياستهم البربرية في
الجزائر والمغرب القضاء على عقيدة الإسلام، وتعاليم الإسلام، وقوانين
الإسلام، في الأغلبية الغالبة من مسلمي هذه البلاد؟ ثم ألم يصرح
المشرعون والقانونيون الفرنسيون في بدء الاستعمار الفرنسي للأقطار
المغربية بأنه لا يثبت للتشريعات والقوانين الفرنسية أي وجود في هذه
البلاد ما دامت فرنسا لم تعمل على إحلال الكثْلكة محل الإسلام في دنيا
الشمال الإفريقي؟.
أجل، لقد بذل المستعمرون الأوربيون في العصر الحديث أكبر المجهودات
للقضاء على العقيدة الإسلامية في جميع بلاد الإسلام، بقوتهم العسكرية،
وبدعايتهم التبشيرية، وبأساليبهم السياسية كما حاول أجدادهم من قبلهم
القضاء عليها بحملاتهم النصرانية الصليبية، ولكن الله أبى إلا أن يتم
نوره ولو كره الكافرون والمستعمرون.
في جميع أدوار التاريخ في هذا البلد وفي غير هذا البلد، وفي غير ما
دولة، وفي غير ما موقف، في عالم الفكر، وفي عالم الروح، وفي عالم
الصراع، حقق الإسلام وجوده كعقيدة خالدة في التاريخ الحي.
فهل سيحقق مسلمو اليوم بإحياء مثله العليا في نفوسهم، وأخلاقهم،
وسلوكهم وجودهم في التاريخ المعاصر كمسلمين...؟
( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) آل عمران 18
( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) آل عمران 85.
|