أهــلا وسهــلا بكم في موقــع الحــركة الإســلاميــة المغربيـــة
تحديث بتاريخ 24 ذي القعدة 1430 هـ

 الصفحة الرئيسـيـة

 حلقات تفسير القرآن

 نداء المحبة

 الحركة الإسلامية المغربية
 نشأة وتطورا

 البيان التأسـيـسي

 التقريـر العـقــدي

 التقريــر السياسي

 رسالة المرشـد العام

 الدين النصيحة

 مقالات ودراسات إسلامية

 من قضايا الأمة

 مواقف وبيانات

 المنبر الحــر

 حـوار إســلامي

الشورى منهج حكم وتدبير
التشريع الشوروي في منطقة الفراغ التشريعي
المقاصد الشرعية في تدبير الشأن العام
تفسير القرآن للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
موطأ الإمام مالك
في النظام السياسي:
 ثلاثية فقه الأحكام السلطانية( الطبعة الثالثة)
تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك
بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في الفكر والدعوة
الصحراء المغربية
ملكية الأرض في الإسلام
حد السرقة بين الفهـم والتطبيق
الأخلاق والتزكية فـي رحاب الكتاب والسنة

عرب وبربر مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله

ارسالة الإمام مالك إلى هارون الرشيد ( تحقيق وتخريج أحاديث)
ا الحسبة  في النظام  الإسلامي: أصولها الشرعية وتطبيقاتها العملية للأخ الأستاذ إدريس محمدعثمان
ا منهجية الفتوى في   المدرسة المالكية الأندلسية: الإمام االشاطبي نموذجا للأخت الأستاذة دريد الزواوي
ا الزاوية التاغية/ دار القرآن الكريم -  توثيق تاريخي للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
 

 مـــــن تحــــن

 اتصــــــل بنـــا

أرتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل

 
 

مقالات ودراسات إسلامية

إسهام المدرسة الحنفية في تطوير التقنين الفقهي

بقلم الأخ الدكتور حسن عبد الرحمن بكير
الأمين العام للحركة الإسلامية المغربية
رئيس قسم الدراسات العليا بجامعة أوربا الإسلامية بروتردام-هولندا

ملخص البحث الذي تقدم به الأخ د.حسن بكير للمشاركة في المؤتمر العالمي حول "الإمام أبي حنيفة النعمان وميراثه في سياق الحوار بين الحضارات: التاريخ والمعاصرة". الذي انعقد في دوشنبه (طاجكستان) بتاريخ: 5-6/10/2009

إن الدراسة التاريخية لحياة الأئمة الفقهاء وما أبدعوه من إنتاج فقهي وتراث علمي يسهم بدور كبير في تقويم الحركة الفقهية منذ عصرها الأول إلى وقتنا الحاضر. ولعل من أبرز العلماء الذين تركوا أثرا واضحا في هذه المسيرة العلمية الثرية هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان (80-150هـ).

ولئن كان هذا الفقيه المجتهد لم يقصد تأسيس مذهب فقهي خاص به ابتداء كما هو شأن أغلب الأئمة، فقد تيسر له من المؤهلات الشخصية والظروف الموضوعية المناسبة ما جعله رائد أهم المدارس الفقهية الإسلامية قديما وحديثا.

ولعل ما ميز الإمام أبا حنيفة قرب عهده بكثير من التابعين، بل إنه عد تابعيا – على أرجح الأقوال – وتنوع مصادر تكوينه العلمي الراسخ؛ فلم يلازم شيخًا واحدًا، وإنما أخذ عن العديد من جهابذة العلم وأعلام الفقه الإسلامي. وفي تنوع هذه المدارس إثراء للفقه، بل إن فيها أساس العناصر التي اعتمدها أبو حنيفة في رسم منهجه الاجتهادي؛ إذ جمع بين فقه عمر المبني على المصلحة، وفقه علي المبني على الاستنباط والغوص طلبًا لحقائق الشرع، وعلم ابن مسعود القائم على التخريج، وعلم ابن عباس الذي هو علم القرآن وفقهه. ولم يقتصر على فقه هؤلاء فحسب، وإنما استقاه من كل المصادر التي توفرت لديه، بما في ذلك رحلاته الكثيرة - أثناء أدائه مناسك الحج – التي أتاحت له فرصة الالتقاء بنخبة من خيرة الفقهاء المجتهدين.

كما أن أهم العوامل التي أسهمت في تبلور مدرسة أبي حنيفة الفقهية وتطورها واستمرارها ترجع في الأغلب إلى ثلاثة عناصر يمكن إجمالها في ما يلي:

1-                 عنصر ذاتي: أساسه شخصية الإمام وعقله المتقد ذكاء وفطنة وحسن تبصر بالأمور وبواعثها ومآلاتها، وثراء المصادر التي كونت هذه الشخصية، إضافة إلى معرفته العميقة بالبيئات التي عاش فيها وانتقل إليها لاسيما وقد كان الإمام ممن يغشى الأسواق ويتعامل مع الناس بيعا وشراء، ويعرف أعرافهم ويدرك واقعهم الاجتماعي والسياسي. وقد أثمرت هذه المعرفة آراء واجتهادات دقيقة في مختلف المجالات التي ارتادها، ولذلك ليس من الغريب أن نجد لأبي حنيفة أقوالا وآراء في العقيدة والأخلاق والفكر والفقه: معاملات شخصية ومالية وسياسية.

2-                 عنصر موضوعي: يتمثل في وجود التلاميذ النجباء الذين تتلمذوا له ونقلوا فقهه وآراءه وأضافوا إليها ونقحوا بعضها، وتجدر الملاحظة أن الأصول التي يذكرها فقهاء المذهب الحنفي على أنها أصول المذهب، أو الأصول التي اعتمدها الأئمة في منهجهم الاجتهادي ليست من وضع الأئمة أنفسهم – وإن كانوا يلاحظونها في استنباطاتهم -؛ وإنما وضعها من جاء بعدهم بعد أن تلمسوها من أقوالهم وما أُثِر عنهم من فروع فقهية . وكثير مما نسب لأبي حنيفة – مثلا – هو تخريج على مذهبه. ولعله من حسن طالع هذه المدرسة أن يتوافر لها تلاميذ نبغاء في حياة الإمام: كمحمد  بن الحسن الشيباني والقاضي أبي يوسف  وزفر ... استطاعوا استيعاب فقه أبي حنيفة واجتهاداته ولم يقفوا عند نقل آراء أستاذهم وترديدها، وإنما نجحوا في تكوين شخصية علمية مستقلة وإن كان في الإطار العام للمدرسة التي وضع الإمام أسسها ورسم أبرز معالمها.

3-                 عنصر واقعي: يتمثل في تبني الدولة للمذهب الحنفي في القديم والحديث. قديما عندما تم تعيين الفقيه المجتهد أبي يوسف قاضيا للقضاة في زمن الدولة العباسية، فقد أسدت هذه الوظيفة الرسمية خدمة جليلة للمذهب؛ حيث صار لأبي يوسف كلمة الفصل في تعيين القضاة، وبحكم التزامه بالمدرسة الحنفية كان لا يولي القضاء إلا من كان من أتباع مدرسته؛ ولذلك قال ابن حزم: مذهبان انتشروا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان: الحنفي بالشرق، والمالكي بالأندلس. ثم إن تبني الدولة العثمانية للمذهب الحنفي في بداية تأسيسها في القرن الثامن الهجري، أسهم في ترسيخ المذهب في كثير من البلاد التي وصلت إليها الامبراطورية العثمانية.

لقد تميز الأحناف بمنهج للدراسة الأصولية حمل اسم الإمام أبي حنيفة: وهو ما عرف بطريقة الأحناف أو الفقهاء في التأليف الأصولي. وأهم ما ميز هذه الطريقة اعتماد أصحابها على الإكثار من ذكر الفروع الفقهية وبناء القواعد الأصولية عليها واستنتاجها منها، فهي متأثرة بالفروع الفقهية، ومتجهة لخدمتها وإثبات سلامة الاجتهاد فيها؛ لذا يمكن ملاحظة أن أصحابها اتبعوا منهجا استقرائيا، حيث اعتمدوا في تأليفهم على ثروة أئمتهم الفقهية، محاولين تتبع الضوابط والقواعد التي روعيت أثناء اجتهاداتهم، وعلى هذا الأساس أصلوا الأصول وحرروا قواعد هذا الفن. كما يجدر التذكير بأن التأليف على طريقة الأحناف جاء في سياق التمهيد لمؤلفات في الفقه والأحكام من أجل حسن فهمها واستيعابها، وهذا ما يثبته استقراء مؤلفات الأصوليين الأحناف.

إن ما ميز منهج الأحناف أن دراستهم جاءت دراسة تطبيقية، وليست بحوثا نظرية مجردة. فهي بذلك أسهمت في تطوير الدراسات المقارنة، ولا أدل على ذلك من استخدام أغلب المذاهب الفقهية لها من أجل خدمة المذهب وتوسيع رحابه.

ولئن كان يبدوعدم وجود قواعد أصولية مدونة لدى الأحناف في بدء الأمر مظهر نقص في مذهبهم، فإن التتبع الدقيق لتطور المذهب يكشف أن هذه الظاهرة كانت عاملا حفز بروز فقهاء أعلام أثروا علوم الشريعة – وفي مقدمتها – علم الأصول وما تفرع عنه من علوم منبثقة منه ومكملة له كعلم الخلاف وعلم القواعد الفقهية الذي ساعد فعليا على تطوير الفقه وأصوله، ومنح الفقهاء آلية عملية للاجتهاد أكثر انضباطا وأوسع دائرة.

إن استخدام الفقهاء لهذه الآليات أثمر ثروة فقهية هائلة، لكن هذه الوفرة أحدثت نوعا من الاضطراب في ميدان القضاء، لكثرة الاختلافات بين المذاهب ولتعدد الأقوال داخل المذهب الواحد، ولصعوبة الرجوع إلى فقه المبثوث في بطون ما لا يحد من المصادر – مطولة كانت أو مختصرة-؛ وهو ما احتاج في القرون المتأخرة إلى معالجة هذا الوضع.

وقد كان للدولة العثمانية إسهام مهم في هذا السياق لاسيما وهي راعية المذهب الحنفي، حيث كلفت في أواخر القرن الثالث عشر الهجري مجموعة من كبار العلماء لوضع مجلة الأحكام العدلية تتضمن القوانين التي يستند إليها القضاة في المحاكم المدنية التي أنشئت آنذاك. ولعل ما ميز المجلة عن غيرها من المصنفات الفقهية طريقة تأليفها، فهي لم تأت على نمط المصادر العلمية أوالتعليمية، وإنما صيغت بأسلوب المراجع القانونية والقضائية ترتيباً وترقيماً وسهولة عبارة وإعراضا عن كثرة الأقوال في المسألة الواحدة.

وعلى الرغم من أن المجلة أخذت مواردها من الفقه الحنفي فحسب، فقد تجلى فيها قدرة الفقه على الوفاء بما تقتضيه حياة الناس من تنظيم المعاملات وفض النزاعات وفق أحكام الشرع الحكيم.

وهي – بذلك – تعد خطوة مهمة مهدت لحركة التقنين في المجتمعات الإسلامية التي كانت تواجه تحديات كبيرة في مجال السياسة والاقتصاد والتنظيمين الإداري والقانوني. فظهرت عقبها دراسات عصرية مقدمة بأسلوب علمي سهل يركز – فقط – على المنهجية في العرض والتحليل دون إضافة أي جديد متميز عن الدراسات القديمة، كما أن بعض الباحثين المعاصرين تناول قواعد بعينها وأفردها بالدراسة والتحليل، في حين أن بعضهم الآخر قد توسع في بحث جوانب من علم القواعد وعلاقته بغيره من العلوم الشرعية، وأغلب هذه الدراسات تأتي في سياق البحوث الأكاديمية لنيل درجات علمية.

 رسالة مبكية من الحسن البصري إلى كل ولد آدم

 

• يا ابن آدم عملَك عملَك ، فإنما هو لحمك و دمك  فانظر على أي حال تلقى عملَك .
• إن لأهل التقوى علاماتٍ يُعرَفون بها :صدقَ الحديث
ووفاءً بالعهد وصلةَ الرحم و رحمةَ الضعفاء وقلةَ المباهاة للناس و حسنَ الخُلُق، وسعَةَ الخُلُقِ فيما يقرب إلى الله
• يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك غدا يوزن خيره وشره، فلا تَحْقِرَنَّ من الخير شيئا و إن صغر، فإنك إذا رأيته سرك مكانُه. ولا تَحْقِرَنَّ من الشر شيئا، فإنك إذا رأيته ساءك مكانُه. فإياك و مُحَقَّراتِ الذنوب.
• رحم الله رجلا كسب طيبا و أنفق قصدا و قدم فضلا ليوم فقره و فاقته.
• هيهات .. هيهات  ذهبت الدنيا بحال بالها وبقيت الأعمال قلائدَ في أعناقكم
• أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم و قد أُسْرِعَ بخياركم فماذا تنتظرون ؟!!
• يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك .. تربحهما جميعا و لا تبيعَنَّ آخرتك بدنياك ..فتخسَرَهما جميعا.
• يا ابن آدم  إنما أنت أيامٌ ! كلما ذهب يوم ذهب بعضُك فكيف البقاء ؟!• لقد أدركتُ أقواما ما كانوا يفرحون بشئ من الدنيا أَقْبَلَ، و لا يتأسفون على شئ منها أَدْبَرَ، لَهِيَ كانت أهونَ في أعينهم من التراب فأين نحن منهم الآن ؟!
• إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسه يقول : ما أرَدْتُ بكلمتي ؟ يقول : ما أردت بأُكْلَتي ؟ يقول : ما أردت بحديث نفسي ؟ فلا تراه إلا يعاتبها.
• أما الفاجر - نعوذ بالله من حال الفاجر - فإنه يمضي قُدُما و لا يعاتب نفسه حتى يقع في حفرته وعندها يقول : يا ويلتى ...يا ليتني ..يا ليتني ..ولاتَ حين مَنْدَم !!!
• يا ابن آدم إياك و الظلمَ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، و ليأتين أناس يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فما يزال يؤخذ منهم حتى يبقى الواحد منهم مفلساً ثم يسحب إلى النار ؟
• يا ابن آدم إذا رأيت الرجل ينافس في الدنيا..فنافسه في الآخرة.
• يا ابن آدم نزّه نفسك، فإنك لا تزال كريما على الناس و لا يزال الناس يكرمونك، ما لم تَتَعاطَ ما في أيديهم فإذا فعلت ذلك استخفّوا بك و كرهوا حديثك و أبغضوك.
• أيها الناس أحبّوا هَوْنا و أبغضوا هونا فقد أفرط أقوام في الحبحتى هلكوا، و أفرط أقوام في البغض حتى هلكوا .
• أيها الناس لو لم يكن لنا ذنوب إلا حب الدنيا لخشينا على أنفسنا منها، إن الله عز وجل يقول :{
تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }( الأنفال : 67 )، فرحم الله امرءاً  أراد ما أراد الله عزّ و جلّ .
• أيها الناس لقد كان الرجل إذا طلب العلم  يرى ذلك في بصره و تَخَشُّعه و لسانه ويده وصلاته وصِلَتِه وزهده، أما الآن فقد أصبح العلم ( مصيدةً ) و الكل يصيد أو يتصيد، إلا من رحم ربك وقليل ما هم.
• توشك العيـن تغيـض، و البحيرات تجفّ، بعضنا يصطاد بعضاً و الـشباك تختلف. ذا يجئ الأمرَ رأسـا وذا يدور أو يَلِفّ. و الصغير قد يَعِفّ و الكبير لا يعف.و الإمام قد يُسِفّ والصغير لا يسف. و الثياب قد تصون و الثياب قد تَشِفّ . و البَغِيُّ قد تُداري سُمَّها و تَلْتَحِف. و الشتات لا يزال  يأتلف و يختلف . و الخطيب لا يزال .. بالعقول يستخف . و القلوب لا تزال.. للشمال تنحرف . و الصغير بات يدري.. كيف تؤكل الكتف لا تخادع يا صـديقي بالحقيقة ...اعتـــرف.
• لقد رأيت أقواما..كانت الدنيا أهون عليهم من التراب،و رأيت أقواما يمسي أحدهم و ما يجد إلا قوتا فيقول:لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله عز وجل، فيتصدق ببعضه وهو أحوج ممن يتصدق به عليه !
• يا قوم إن الدنيا دار عمل  من صحبها بالنقص لها و الزهادة فيها سعد بها و نفعته صحبتها . ومن صحبها على الرغبة فيها و المحبة لها شقي بها .و لكن أين القلوب التي تفقه ؟ و العيون التي تبصر ؟والآذان التي تسمع ؟
• أين منكم من سمع ؟!!، لم أسمع الله عزّ و جلّ - فيما عهد إلى عباده و أنزل عليهم في كتابه -رغب في الدنيا أحدا من خلقه ولا رضي له بالطمأنينة فيها و لا الركون إليها، بل صرّف الآيات و ضرب الأمثال : بالعيب لها و الترغيب في غيرها.
• أفق يا مغرور تنشط للقبيح  و تنام عن الحسن و تتكاسل إذا جدّ الجد !!• القلب ينشط للقبيح .. وكم ينام عن الحسن. يا نفس ويحك ما الذي .. يرضيك في دنيا العفن ؟!... أولى بنا سفح الدموع  و أن يجلببنا الحزن.  أولى بنا أن نرعوي أولى بنا لبس ( الكفن). أولى بنا قتل ( الهوى ) في الصدر أصبح كالوثن.  فأمامنا سفر طويل .. بعده يأتـي السكن. إما إلى ( نار الجحيم ) .. أو الجنان : ( جنان عدن ). أقسمت ما هذي الحياة.. بها المقام أو ( الوطن). فلم التلوّن و الخداع ؟ لم الدخول على ( الفتن ) ؟! . يكفي مصانعة الرعاع .. مع التقلب في المحن.  تبا لهم من معشر ألفوا معاقرة ( النتن). بينا يُدَبَّرُ للأمين أخو الخيانة ( مؤتمن)!. تبا لمن يتمـلقون و ينطوون على ( دخن ). تبا لهم فنفاقهم قد لطّخ ( الوجه الحسن). تبا لمن باع ( الجنان ) لأجل ( خضراء الدمن).

• أفيقوا يأهل الغفلة فالقافلة قد تحركت و عند الصباح ..يحمد القوم السّرى{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } الأعراف: 97-99)
• لا يزداد المؤمن صلاحا..إلا ازداد خوفا حتى يقول : لا أنجو ! أما الفاسق فيقول : الناس مثلي كثير وسيغفر لي ، و لا بأس علي ، فرحمة الله واسعة والله غفور رحيم ! أكمل يا مغرور ولا تقل : فويل للمصلين !{ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  } ( الأعراف : 156-157).واقرأ يا مغرور !{ إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ } ( الأعراف : 56 )و اقرأ يا مغرور :{ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى }( طه : 82 )و اقرأ يا مغرور :{ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } ( غافر : 7 ).و لكن الفاسق المغرور يخدع نفسه فيؤجل العمل و يتمنى على الله تعالى.
• تباً لطلاب الدنيا وهي دنيا !!! و الله لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم للرحمن و ذلك بحبهم للدنيا
• و الله ما صدّق عبد بالنار..إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت  و إن المنافق المخدوع :لو كانت النار خلف هذا الحائط لم يصدق بها ..حتى يتهجم عليها فيراها !
• القلوب .. القلوب! إن القلوب تموت وتحيا، فإذا ماتت فاحملوها على الفرائض فإذا هي أحييت فأدبوها بالتطوع .
• المؤمن ... ما المؤمن ؟ و الله ما المؤمن بالذي يعمل شهراً أو شهرين أو عاماً أو عامين، لا و الله ما جعل الله لمؤمن أجلا دون الموت
• الذنوب و هل تتساوى الذنوب؟ إن الرجل ليذنب الذنب فما ينساه وما يزال متخوفا منه أبدا حتى يدخل الجنة.
• الدنيا .. وهموم الدنيا و التحسر على ما فات جعل الحسرة حسرات.
• إن المؤمن إذا طلب حاجة فتيسرت .. قبلها بميسور الله عزّ و جلّ و حمد الله تعالى عليها و إن لم تتيسر .. تركها و لم يتبعها نفسه.
• ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذلك لأحد إلا المؤمن إن أصابته سراء شكر: فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر: فكان خيرا له) . • نعمت الدار كانت ( الدنيا ) للمؤمن، و ذلك أنه عمل قليلاً و أخذ زاده منها إلى ( الجنة ) . و بئست الدار كانت للكافر و المنافق،  ذلك أنه تمتع ( ليالي ) و كان زاده منها إلى ( النار ) . { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ }( آل عمران : 185 )
• إن المؤمن قوّام على نفسه يحاسب نفسه لله عزّ و جلّ و إنما خفّ الحساب يوم الحساب ..على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا و إنما شق الحساب ..على قوم أخذوها من غير محاسبة .
• يا قوم تصبروا و تشددوا فإنما هي ليالٍ تعد و إنما أنتم ركب وقوف، يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب فيذهب به و لا يلتفت فانقلبوا بصالح الأعمال .
• إن هذا الحق قد أجهد الناس و حال بينهم وبين شهواتهم و إنما صبر على الحق من عرف فضله و رجا عاقبته.
• أفق يا مغرور من غفلتك وابك على خطيئتك. إذا خاف ( الخليل عليه السلام ) .. و خاف ( موسى عليه السلام ) ..كذا خاف ( المسيح عليه السلام ) .. و خاف ( نوح عليه السلام) .. وخاف ( محمد صلى الله عليه وسلم) خير البرايا فمالي لا أخاف و لا أنوح ؟!
• و يحك يا ابن آدم  هل لك بمحاربة الله طاقة ؟! إنه من عصى ربه فقد حاربه !
• يا هذا أدم الحزن على خير الآخرة لعله يوصلك إليه .وابك في ساعات الخلوة لعل مولاك يطلع عليك فيرحم عبرتك  فتكون من الفائزين .
• يا هذا  رطّب لسانك بذكر الله وندّ جفونك بالدموع ..من خشية الله  فوالله ما هو إلا حلول القرار : في الجنة أو النار ليس هناك منزل ثالث  من أخطأته الرحمة صار و الله إلى العذاب .

• السنة .. السنة وطّنوا النفوس على حبها وتعظيمها و الحنين إليها فقد جاء في الأثر : لما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر ..حنّت الجذع ..كما يحنّ الفصيل إلى أمه و بكت بكاء الصبي !! يا عباد الله ! الخشبة تحنّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً إليه ! فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه .
• و اعلم يا هذا  أن خطاك خطوتان : خطوة لك و خطوة عليك  فانظر أين تغدو ؟و أين تروح ؟
• الموت .. الموت { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ
} ( آل عمران : 185 ) ( الأنبياء : 35 ) ( العنكبوت : 57)، يحق لمن يعلم :أن الموت مورده و أن الساعة موعده و القيام بين يدي الله تعالى مشهده  يحق له أن يطول حزنه .
• يا هذا صاحب الدنيا بجسدك وفارقها بقلبك و ليزدك إعجاب أهلها بها ..زهدا فيها و حذرا منها فإن الصالحين كانوا كذلك .
• { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ
} فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحا .• و اعلم يا هذا أن المؤمن في الدنيا كالغريب لا يأنس في عزها و لا يجزع من ذلها  للناس حال وله حال .
• و احذر ( الهوى )  فشرُ داء خالط القلب : الهوى
• و احرص على العلم و أفضل العلم : الورع و التوكل
• و اعلم أن العبد لا يزال بخير ما إذا قال.. قال لله و إذا عمل .. عمل لله

• واعلم  أن أحب العباد إلى الله ..الذين يحببون ( الله ) إلى عباده و يعملون في الأرض نصحا .

• و احذر الرشوة  فإنها إذا دخلت من الباب ..خرجت الأمانة من النافذة

• و احذر الدنيا فإنه قلّ من نجا منها وليس العجب لمن هلك ..كيف هلك ؟ و لكن العجب لمن نجا ..كيف نجا ؟! فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة و إلا فإني لا أخالك ناجيا . ورغم هذا فالدنيا كلها :أولها و آخرها ما هي إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه !!!
• كيف نضحك ؟ و لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا فقال : لا أقبل منكم !!
• يا هذا بع دنياك بآخرتك ..تربحهما جميعا . و لا تبع آخرتك بدنياك .. فتخسرهما جميعا .
• يا هذا كفى بالموت واعظا و رب موعظة دامت ساعة ثم تنقضي و خير موعظة ما دام أثرها
• نُراعُ إذا ( الجنائز ) قابلتنا و يحزننا بكاء الباكيات كروعة ثلة لمغار سبع  فلما غاب:عادت راتعات !!، و السلام

المرأة المسلمة والنشاط السياسي

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

للمرأة قضايا تثار في كلِّ مجتمع مضطرب الموازين منحرف القيم أو جاهليٍّ أو ملحدٍ ، كان للمرأة قضيّة في العصر الجاهليّ في الجزيرة العربيَّة ، وفي اليونان وفي روما في عصور الانحلال والتفلّت . ولها قضيّة كُبْرى في الحضارة الغربيّة التي سحقت المرأة وسرقت شرفها وحطّمت كرامتها ورمتها في فتنة الدنيا ووحول فسادها ، مخدّرة لا تُحسُّ بحقيقة شقائها ، خدّرتها الشهوة المتفلَّتة، أو الجري اللاهث وراء لقمة العيش ، أو زهوة المراكز والمناصب والمسؤوليات.

       ولكن لم يكن للمرأة مشكلة في عصر النبوة الخاتمة ، ولا في عصر الخلفاء الراشدين ، ولا في أيّ عصر ساد فيه حكم الكتاب والسنَّة وكانت كلمة الله فيه هي العليا .

       ولكننا اليوم نعاني من هذه القضيَّة ، قضيّة المرأة بعامة ومشاركتها في العمل السياسي بخاصة في الآونة الأخيرة : ونرى البعض يطلق مثل هذا الحكم :

          " الإسلام لم يُفَرِّق بين المرأة والرجل في ممارسة الحقوق السياسية فهما على قدم سواء " .

حكم عام يطلق يكاد يوحي بأنه مستقى من نصّ من الكتاب والسنة ، أو أنه يمثل ممارسة واضحة في التاريخ الإسلامي منذ عهد النبوّة .

 إِنّ هذا النصّ العام المطلق على هذه الصورة الجازمة والتي يطلقها بعض العلماء المعاصرين دون أي قيود ، لا تصحّ إلا بتوافر نصّ ثابت من الكتاب والسنة ، أو بتوافر ممارسة واقعية ممتدّة في المجتمع الإسلامي الملتزم بالكتاب والسنة ، والذي تكون فيه كلمة الله هي العليا . ولكننا لا نجد في الكتاب والسنّة أيّ نصّ يجيز هذا الحكم العام المطلق الخالي من أي قيود ، ولا نجد كذلك أيّ ممارسة عمليّة ممتدّة له في حياة المسلمين والمجتمع الإسلامي الملتزم منذ عهد النبوة الخاتمة محمد r ، وحياة الخلفاء الراشدين ، وسائر فترات التاريخ التي التزم فيها المجتمعُ الإسلامَ . نساء النبيّ r لم يمارسن النشاط السياسيّ مساويات للرجال على قدم سواء ، ولا نساء الخلفاء الراشدين ، ولا نساء العصور التي تلت، ولا نجد هذه الدعوة التي يطلقها بعض العلماء إلا في العصور الحديثـة المتأخرة التي انحسر فيها تطبيق الإسلام ، وغزا الفكر الغربي ديار المسلمين .

          وإذا كان رسول الله r شكا إلى زوجه أم سلمة ما حدث من أصحابه في الحديبية ، فأشارت عليه برأيٍ استحسنه وأخذ به ، فهذه حالة طبيعية في جوّ الأسرة المسلمة أن يُفرغ الرجل إلى زوجته بعض همومه ، وأن يستشيرها في ذلك ، وأن يستمع إلى رأيها ، فإن وجد فيه خيراً أخذ به ، وإن لم يجدْ تركه . هذه حادثة نتعلم منها أدب الحياة الزوجيّة في الإسلام ، ونتأسَّى برسول الله r ونسائه في ذلك ، دون أن نعتبر ذلك نشاطاً سياسياً لنخرج منها بحكم عام مطلق ينطبق على جميع النساء في جميع العصور والأماكن في النشاط السياسي .

          وأم سلمة بعد ذلك لم يُعرَف عنها أنها شاركت في النشاط السياسيّ مساوية للرجال على قدم سواء ، وكذلك سائر النساء لم يعرف عنهن هذه المشاركة المساوية للرجـال في المجتمع المسلم . فهذه حادثة تكاد تكون فريدة لا تصلح لإطلاق حكم عام .

          وحين أنزل الله سبحانه وتعالى على عبده ورسوله r قوله :

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً )                         [ الأحزاب : 28- 29 ]

لم يكن الأمر أن نساء النبي r يتطلّعن إلى الزينة والحليّ والمتع الدنيوية ، كما هو حال نساء الملوك والرؤساء حسب ما ذكر بعضهم. لقد كنّ يدركن وهن في مدرسة النبوة أن الإسلام نهج آخر ، ولكن حياة النبيّ r كان فيها شدة وتقشف وزهد لم يكن في سائر بيوت المؤمنين ، فأردن المساواة مع مستوى غيرهنّ من المؤمنات ، لا مستوى الملوك والرؤساء .

          وعندما ندرس هذه الآيات وما يتعلّق بنساء النبيّ r ، فإنما ندرسه ليس من منطلق الرغبات الدنيوية الظاهرة في حياة الملوك ، وإنما ندرسه منطلقين من القاعدة الرئيسة التي نصّ عليها القرآن الكريم من أنهنّ أُمهات المؤمنين ، لهن هذه الحرمة العظيمة والمنزلة العظيمة . فجاءت هذه الآيات الكريمة لتذكر المسلمين ونساء النبيّ r والنساء المؤمنات بعامة أن هناك نهجين مختلفين للحياة في ميزان الإسلام : نهج الدار الآخرة وما يشمله من قواعد وأسس ونظام ، ونهج الدنيا وما يموج فيه من أهواء وشهوات . نهجان مختلفان :

نهج الضلال  ونهج الحقّ والرشَـدِ

 

 نهجـان قـد ميّـز الرحمن بينهمـا

نهـج الفساد  ولا حقّـاً على فَنَـدِ

 

 لا يجمـع الله نهج  المؤمنـين  على

          ولقد وَعَت أمهات المؤمنين رضي الله عنهن هذا التذكير ، فاخترْن الله ورسوله والدار الآخرة ، ليكُنّ بذلك القدوة للنساء المؤمنات أبد الدهر . ولا يتعارض هذا مع بقاء الطباع الخاصّة بالنساء ، الطباع التي فطرن عليها يهذّبها الإسلام ويصونها من الانحراف .

          ولقد خلق الله المرأة لتكون امرأةً ، وخلق الرجل ليكون رجلاً ، وجعل سبحانه وتعالى بحكمته تكويناً للمرأة في جسمها ونفسيّتها ، وجعل للرجل تكويناً متميزاً في جسمه ونفسيّته ، ومازال العلم يكتشف الفوارق التي تظهر بين الرجال والنساء . وعلى ضوء ذلك ، جعل الله للرجل مسؤوليات وواجباتٍ وحقوقاً ، وللمرأة مسؤوليات وواجبات وحقوقاً ، لتكون المرأة شريكة للرجل لا مساويةً له ، حتى يتكامل العمل في المجتمع الإسلامي ، حين يوفي كلٌّ منهما بمسؤولياته وقد عرف كلٌّ منهما حدوده كما بيّنها الله لهم جميعاً .

          وهناك حقوق مشتركة بين الرجل والمرأة . فالبيت المسلم هو ميدان التعاون في ظـلال المودّة والسكن والرحمة ، دون أن يتحوّل الرجل إِلى امرأة أو المرأة إلى رجل . ومن حق المرأة أن تتعلم لأنَّ طلب العلم فريضة على كل مسلم، رجلاً كان أو امرأة   ": طلب العلم فريضة على كل مسلم "، (1) ومن حقّها وواجبها أن تكون مدرِّسة للنساء ، وطبيبة للنساء ، وفي كل نشاط مارسته النساء المؤمنات في مجتمعات يحكمها منهاج الله وكلمة الله فيها هي العليا ، دون أن يتشبّهْن بالرجال :

          فعن ابن عباس رضي عنه عن الرسول r قال : "لعنَ الله المتشبّهات من النساء بالرجال ، والمتشبّهين من الرجال بالنساء . " (2)

          وعن عائشة رضي الله عنها عن الرسول r قال : " لعنَ الله الرَّجُلةَ من النساء . " .(3) .

وأمثلة كثيرة لا مجال لحصرها هنا تبيّن أن للإسلام نهجاً مختلفاً عن نهج الاشتراكية والعلمانية والديمقراطية ، وتبيّن بالنصوص والتطبيق كما أسلفنا أن المرأة ليست مساوية للرجل في النشاط السياسي في الإسلام ، إلا إذا نزعنا إلى نهج آخر أخذت تدوّي به الدنيا ، وأخذنا نبحث عن مسوّغات له في دين الله .

                   فعندما ندرس المرأة وحقوقها ومسؤولياتها في الإسلام فيجب أن ننطلق من حماية الأسرة ورعاية الأطفال وتربيتهم ، فالأسرة والبيت المسلم هو ركن المجتمع الإسلامي وأساسه ، وهو المدرسة الأولى التي تبني للأمة أجيالها ، لا تتركهم للخادمات وغيرهن .

          في الإسلام لابد من عرض التصوّر الكامل المترابط لنشاط المرأة ، دون أن نأخذ جُزْءاً وندع أجزاءً ، ونركّز على أمر لم يركّز عليه الإسلام ولم يبرزه لا في نصوصه ولا في ميدان الممارسة . فالحياة الإسلامية متكاملة مترابطة في نهج الإسلام ، لا تتناثر قطعاً معزولة بعضها عن بعض .

          ولا يمنع شيء أن يخرج من بين النساء المؤمنات عالمات مبدعات شاعرات ، مفتيات موهوبات . ولكن هذا كله ليس هو الذي يحدّد دور المرأة في الإسلام ، فالذي يحدّده شرع الله بنصوصه الواضحة دون تأويل وبالممارسة الممتدّة الواضحة . والمرأة حين تكون عالمة أو فقيهة أو أديبة ، فهي أحرى أن تصبح أكثر تمسّكاً بقوله سبحانه وتعالى :

(.... فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ...   )        [ النساء :: 34]

          ومما يثير العجب حقّاً أن الرجل الشيوعي جوربا تشوف ، أدرك خطورة غيـاب المرأة عن بيتها وواجباتها فيه ، واجباتها التي ليس لها بديل . فلنستمع إلى ما يقوله :

 " ... ولكن في غمرة مشكلاتنا اليوميّة الصعبة كدنا ننسى حقوق المرأة ومتطلباتها المتميّزة المختلفة بدورها أماً وربّة أسرة ، كما كدنا ننسى وظيفتها التي لا بديل عنها مربّية للأطفال " .

          ويتابع فيقول : " ... فلم يعد لدى المرأة العاملة في البناء وفي الإنتاج وفي قطاع الخدمات وحقل العلم والإبداع ، ما يكفي من الوقت للاهتمام بشؤون الحياة اليومية ، كإدارة المنزل وتربية الأطفال ، وحتى مجرّد الراحة المنزليّة . وقد تبيّن أن الكثير من المشكلات في سلوكية الفتيان والشباب ، وفي قضايا خلقية واجتماعية وتربويّة وحتى إنتاجية ، إنما يتعلّق بضعف الروابط الأسرية والتهاون بالواجبات العائلية ... " (5)

          في دراستهم للمجتمع وللصناعة والإنتاج ، انطلقوا كما نرى ، ولو متأخرين ، من البيت ، من الأسرة ، من دور المرأة في البيت ، الدور الذي لا بديل له . ونحن المسلمين ، وقد فصّل لنا الإسلام نظام حياتنا منطلقاً من تحديد مسؤوليات الفرد ، الرجل والمرأة ، ثم البيت والأسرة ، تركنا ذلك وقفزنا لنبحث في حق المرأة أن تكون وزيرة أو عضواً في البرلمان أو رئيسة دولة ، أو رئيسة شركة ، ونضع من أَجل ذلك قانونا عاماً مطلقاً دون قيود  " :الإسلام لم يفرّق بين المرأة والرجل في ممارسة الحقوق السياسية ! " وحسبُنا تطبيق الصحابة والخلفاء الراشدين ، فهل كانت المرأة مساوية للرجل في الحقوق السياسية ؟! أم أن الصحابة والخلفاء الراشدين أخطأوا ولم يدركوا هذه الحقوق فظلموا المرأة وحرموها من حقوقها ؟!

          لا نقول إِنّ المرأة عامة ، أو أن النساء كلهن لا يصلحن للمهمات الكبيرة بحكم كونهنّ نساء . لا نقول هذا . ولكن نقول إن الله الذي خلق الرجل والمرأة حدّد مسؤوليات الرجل والمرأة ، ومارس المسلمون ذلك في عهد النبيّ r ، وفي عهد الخلفاء الراشدين ، وفي عصور كثيرة أخرى .

وقد يكون بعض النساء أكبر موهبة أو طاقة من بعض الرجال ، فهل هذا يعني أن تنزل المرأة معتركاً مختلفاً فيه أجواء كثيرة ، وتترك قواعد الإسلام تأسّياً بنساء غير مؤمنات ، أو مجتمعات غير ملتزمة بالإسلام .

          وغفر الله لمن قال ، كما نشرته إحدى الصحف : " أنّ الرسول r لو كان يعلم أنه سيظهر بين النساء أمثال جولدا مائير ، أنديراغاندي ، تاتشر ، ما قال حديثه الشريف : ( ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ) . فالمؤسف أنَّ من الناس من يعتبر أنَّ هؤلاء النساء أفلح بهنّ قومهن . عجباً كل العجب ! هل أصبح الكفر وزينة الدنيا ومتاعها هو ميزان الفلاح ! وأين قوله سبحانه وتعالى :

(وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ) [ الزخرف : 33-35]            نِعْمَ البيت الواسع والسرر المريحة للرجل الصالح . ونعمت القوّة والسلاح والصناعة للمؤمنين .

          إننا نعتقد أنه لا يصح أن نستشهد بمجتمعات غير ملتزمة بالإسلام لنخرج بقواعد شرعية في الإسلام .

          أما حديث رسول اللهr  : ( ما أفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة ) ، فالحديث يرويه أحمد بن حنبل وأبو داود وابن ماجه والترمذي . ويأتي الحديث بألفاظ مختلفة ولكنها تجمع على المعنى والنص . وإنّ مناسبة الحديث ونصّ الحديث باللغة العربيّة يفيد العموم ولا يفيد الخصوص . ولا يعجز الرسول r أن يخصّ ذلك بأهل فارس لو أراد التخصيص . ولكن كلمة قوم نكرة تفيد العموم ، وامرأة نكرة تفيد العموم ، فلا حاجة لنا إلى تأويل الحديـث بما لا تحتمل اللغة ، وربما لا مصلحة لنا في هذا التأويل .

          وبما أنَّ المرأة مطالبة بعبادة الله وإقامة دينه ، فإنها كذلك مكلفة مثلها مثل الرجل بتقويم المجتمع وإصلاحه ! ولكنّ الله سبحانه وتعالى جعل للرجل تكاليف في ذلك ليست للمرأة ، وجعل للمرأة تكاليف ليست للرجل . وذلك حتى في أركان العبـادة ـ في الشعائر ـ فصـلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد ، وصلاة الرجل في المسجد خير من صلاته في البيت . والجهاد فرض على الرجال في ميدان القتال ، وليس فرضاً على المرأة ، وجهاد المرأة هو في بيتها ورعايته ورعاية زوجها :

          فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ امرأة جاءت إلى النبي r فقالت : يا رسول الله ! أنا وافدة النساء إليك ! هذا الجهاد كتبه الله على الرجال ، فإن يصيبوا أجروا وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون . ونحن النساء نقوم عليهم فما لنا من ذلك ؟! فقال رسول الله r : ( أبلغي من لقيتِ من النساء أنَّ طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك ، وقليل منكنّ يفعله ) .

          وعن أنس رضي الله عنه قال : " كان رسول الله r يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار ليسقين الماء ويداوين الجرحى " (6)

          وعن ابن عمر رضي الله عنهما  عن رسول الله r قال : ( ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته " وفيه :" ... والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم ) .  (7)

          وعن عائشة رضي الله عنها قالت يا رسول الله أعلى النساء جهاد ؟!  قال: ( نعم ! عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة ) (8)  

          وبصورة عامة فإن الإسلام جعل الميدان الأول للمرأة البيت بنص الآيات والأحاديث والممارسة والتطبيق ، وجعل ميدان الرجل الأول خارج البيت ، ويبقى للمرأة دور خارج البيت غير مساوٍ للرجل ، وللرجل دور في البيت غير مساوٍ لدور المرأة .

          ولا بد أن نؤكد أن للإسلام نهجاً متميّزاً غير نهج العلمانية والديمقراطية ومناهج الغرب في عمل المرأة والرجل . نهجان كما ذكرنا مختلفان .

          نحن نمرّ بمرحلة فيها عواصف غربية وأمواج تكاد تكتسح . ما بالنا نريد أن نخرج المرأة المسلمة من مكانها الكريم الذي وضعها الإسلام فيه ، لنجاري الغرب في ديمقراطيته وعلمانيته . ونكاد نخجل من اتهام العلمانية لنا وادعائها بأن الإسلام حجر على المرأة . إن أفضل ردّ عليهم لا يكون بأن ندفع المرأة المسلمة إلى بعض مظاهر الغرب لندفع عن أنفسنا ادّعاءَهم . إن أفضل ردّ أن نقول لهم إن الإسلام أكرم المرأة وأعزها وحفظ لها شرفها وطهرها ، وأنتم أضعتم المرأة وأضعتم كرامتها ، ثمَّ نعرض الإسلامَ كما هو وكما أُنزل على محمد r ، وكما مارسه المسلمون في عهد النبوة والخلفاء الراشدين .

          المرأة المسلمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر في أجواء النساء ، حيث لا يستطع الرجل أن ينشط هناك إلا في أجواء الاختلاط التي لم يعرفها الإسلام لا في نصوصه ولا في ممارساته . وللمرأة المسلمة أنشطة كثيرة تقوم بها دون أن تلج في أجواء لم يصنعها الإسلام . المنافقات يقمن بإفساد المجتمع مع المنافقين جنباً إلى جنب سواء بسواء كما نرى في واقع البشرية اليوم . أما المؤمنات فيصلحن في المجتمع بالدور الذي بيّنه الله لهنّ ، غير مساويات للرجال ولا ملاصقات لهن . دور بيّنه الله للنساء وللرجـال لا نجده في الديمقراطية ولا في العلمانية ، ولا في تاريخ الغرب كله .

          نعم ! إن أول من صدّق رسول الله r كانت زوجه خديجة رضي الله عنها. ولكنها بتصديقها لرسول الله r التزمت حدودها في رسالته ، فلم تنطلق خديجة رضي الله عنها في أجواء النشاط السياسي أو ميادين القتال أو مجالس الرجال . وكذلك كانت سميّة أول شهيدة في الإسلام رضي الله عنها ، وكانت قبل استشهادها ملتزمة حدود الإسلام .والنساء اللواتي قاتلن في أُحد أو حنين ، كان ذلك في لحظات طارئة عصيبة لا تمثل القاعدة الدائمة الرئيسة للمرأة في الإسلام ، كما بيناها قبل قليل ، فلم نَرَهنّ بعد ذلك في مجالس الرجال أو ميادين السياسة سواء بسواء كالرجال ، وإنما كنّ أول من التزم حدودهن التي بينها لهنّ الله ورسوله r.

          المرأة التي قامت تردّ على عمر رضي الله عنه في المسجد ، كانت في مكان تعبد الله فيه وتتعلم . وهو جو يختلف عن المجالس النيابية اليوم ، وكانت في مجتمع يختلف عن مجتمعاتنا اليوم . وهذه المرأة نفسها لو عُرِض عليها الأجواء المعاصرة لأبت المشاركة فيها ، وكثير من المسلمات اليوم يأبين المشاركة في الأجواء الحديثة .

          وأتساءل عن السبب الذي يدعو بعضهم إلى الحرص على إدخال المرأة المجالس النيابية العصرية ! لقد أصبح لدينا تجربة غنيّة في المجالس النيابية تزيد عن القرن ، فلننظر ماذا قدّمت للأمة المسلمة ، هل ساعدت على جمعها أم على تمزيقها ، وهل ساهمت في نصر أم ساهمت في هزائم ، وهل هذه المجالس التي نريد أن نقحم المرأة المسلمة فيها هي صناعة الإسلام وبناؤه ، أم أنها مثل أمور أخرى غيرها استوردناها من الغرب مع الحداثة والشعر المتفلّت المنثور وغيره من بضاعة الديمقراطية والعلمانية ؟!

          وبصـورة عامة ، فإنّ هذا الموضوع : مساواة المرأة بالرجل كما يقول بعضهم : " لقد قرّر الإسلام مساواة المرأة بالرجل "! هكذا في تعميم شامل ، شاع هذا الشعار في العالم الإسلامي ، وأصبح له جنود ودعاة ودول تدعو إِليه . وكذلك: " مساواة المرأة بالرجل في ممارسة الحقوق السياسية"، هذا كله موضوع طرق حديثاً مع تسلل الأفكار الغربية إلى المجتمعات الإسلاميـة ، مع تسلل الديمقراطية والعلمانية ، كما تسلّلت قبل ذلك الاشتراكية .

          هنالك عوامل كثيرة يجب أن تدرس وتراعى عند دراسة نزول المرأة إلى ميدان العمل السياسي الذي يفرض الاختلاط في أجواء قد لا يحكمها الإسلام من ناحية ، ولا تحكمها طبيعة العمل نفسه . والاختلاط مهما وضعنا له من ضوابط ، فقد أثبتت التجربة الطويلة في الغرب وفي الشرق إِلى انفلات الأمور وإلى التورط في علاقات غير كريمة .

وكذلك فنحن لسنا بحاجـة لنزول المرأة إلى الميادين ، ففي الرجال عندنا فائض ، والرجال بحاجة إلى أن تـدرس حقوقهم السياسية التي منحهم إياها الإسلام .

إن نزول المرأة إلى الميدان السياسي ذو مزالق خطيرة ، فعندما يُطلق هذا ويباح ، فهل معظم النساء اللواتي سيمارسن هذا العمل نساء ملتزمات بقواعد الإِسلام كلّه و بالحجاب و باللباس عامة .

إنَّ إطلاق هذا الأمر ونحن لم نَبْنِ الرجل ولا المرأة ، والتفلّت في مجتمعاتنا واضح جليّ ومتزايد في الرجال والنساء ، دون أن ينفي هذا وجود بعض النساء الملتزمات والرجال الملتزمين ، إنَّ إطلاق هذا الأمر قد يقود إلى فتنة يصعب السيطرة عليها .

وإني لأتساءل : لأيّ مجتمع تصدر مثل هذه الآراء ؟! ، لأيّ رجل وأي امرأة ؟! هل المجالس النيابية الحاليّة تصلح ميداناً للمرأة المسلمة لتمارس النشاط السياسي . أين هو المجتمع الذي يطبّق شرع الله كاملاً ، ليطلق فيه مثل هذه الأمور ، وهل هذه المجالس مجالس يسودها شرع الله ؟!

وميادين العمل المباح للنساء واسعة جداً وكافية لهن ، وكلها منضبطة بقواعد الإسلام مثل المدرسات والطبيبات ، وكل عمل ليس فيه باب من أبواب الفتنة أو الاختلاط ، مع توافر جميع الشروط الشرعية الأخرى عند مزاولة هذه الأنشطة .

لا بدّ من الاستفادة مما حلَّ بأقوام آخرين حين انطلقت المرأة في المجتمع في هذا الميدان أو ذاك . وإذا نزلت ميدان السياسة فما الذي يمنعها أن تنزل إلى المصانع وسائر الميادين الأخرى ، كما نراها في العالم الغربي .

وكذلك أتساءل لماذا هذه الضجّة الكبيرة عن المرأة وحقوقها ، ألا تنظرون إلى الرجل وحقوقه . في عالمنا اليوم فَقَدَ كثير من الرجال حقوقهم ، فلماذا تكون الضجّة على حقوق المرأة وحدها ، ففي ذلك ظلم للمرأة وللرجل .

والإسلام في نهجه جعل الحقوق والواجبات متوازنة في الحياة كلها من خلال منهاج رباني أصدق من سائر المناهج وأوفى وأعدل .

وأخيراً أقول : قبل أن نطلق مثل هذه الآراء اليوم ، فلنبن الرجل ولنبن المرأة ولنبن المجتمع المسلم

فلنبنِ الأمة ، فلنبنِ الرجل والمرأة والبيت المسلم والمجتمع المسلم الملتزم ، ولنبنِ الأمة المسلمة الواحدة  الملتزمة بالكتاب والسنة . حيث تكون كلمة الله هي العليا، فيكون  هذا المجتمع أقدر على تحديد دور الرجل والمرأة .

إلى ذلك يجب أن تتجه الجهود متكاتفة بدلاً من أن تتمزَّق في قضايا جزئية لا تساعد إلا على تمزيق الأمة : أيها العلماء والفقهاء والدعاة والمسلمون أقيموا الإسلام حقّ الإقامة أولاً في نفوسكم رجالاً ونساءً ، وأقيموه في الأرض ، كما يأمركم الله سبحانه وتعالى ، وبلّغوه الناس وتعهّدوهم عليه ، ثمَّ انظروا في حقوق المرأة والرجل تجدوها بيّنة جليّة لا تحتاج إلى فتوى ، كما وجدها أصحاب رسول الله r والمؤمنون المتقون في العصور كلِّها !

 

من أخلاق العلماء: أبو حازم والخليفة سليمان بن عبد الملك

 

 أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْكُمَيْتِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ وَهْبٍ الْهَمْدَانِيُّ حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ ابْنُ مُوسَى قَالَ:

مَرَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُرِيدُ مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، فَقَالَ:

 ( هَلْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ أَدْرَكَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ )

فَقَالُوا لَهُ: ( أَبُو حَازِمٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ).

 فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ:

 ( يَا أَبَا حَازِمٍ مَا هَذَا الْجَفَاءُ؟ )

 قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَيُّ جَفَاءٍ رَأَيْتَ مِنِّي؟ )

 قَال: ( أَتَانِي وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ تَأْتِنِي ).

 قَالَ: ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَقُولَ مَا لَمْ يَكُنْ، مَا عَرَفْتَنِي قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ، وَلَا أَنَا رَأَيْتُكَ).

 قَالَ فَالْتَفَتَ سُلَيْمَانُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ:

( أَصَابَ الشَّيْخُ وَأَخْطَأْتُ)

 قَالَ سُلَيْمَانُ: ( يَا أَبَا حَازِمٍ مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟)

 قَالَ: ( لِأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمُ الْآخِرَةَ وَعَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا فَكَرِهْتُمْ أَنْ تُنْقَلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ)

 قَالَ: ( أَصَبْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ فَكَيْفَ الْقُدُومُ غَدًا عَلَى اللَّهِ؟ )

 قَالَ: ( أَمَّا الْمُحْسِنُ فَكَالْغَائِبِ يَقْدُمُ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ فَكَالْآبِقِ يَقْدُمُ عَلَى مَوْلَاهُ )

 فَبَكَى سُلَيْمَانُ وَقَالَ:

 ( لَيْتَ شِعْرِي مَا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ؟ )

 قَالَ: ( اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ )

 قَالَ: ( وَأَيُّ مَكَانٍ أَجِدُهُ ؟ )

قَالَ: ( إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ )

 قَالَ سُلَيْمَانُ: ( فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ يَا أَبَا حَازِمٍ؟ )

 قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ )

 قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( يَا أَبَا حَازِمٍ فَأَيُّ عِبَادِ اللَّهِ أَكْرَمُ؟ )

 قَالَ: ( أُولُو الْمُرُوءَةِ وَالنُّهَى)

 قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( فَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ )

 قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( أَدَاءُ الْفَرَائِضِ مَعَ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ )

قَالَ سُلَيْمَانُ: ( فَأَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ )

 قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( دُعَاءُ الْمُحْسَنِ إِلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ)

 قَالَ: ( فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ )

 قَالَ: ( لِلسَّائِلِ الْبَائِسِ وَجُهْدُ الْمُقِلِّ لَيْسَ فِيهَا مَنٌّ وَلَا أَذًى)

 قَالَ: ( فَأَيُّ الْقَوْلِ أَعْدَلُ؟ )

 قَالَ: ( قَوْلُ الْحَقِّ عِنْدَ مَنْ تَخَافُهُ أَوْ تَرْجُوهُ)

 قَالَ: ( فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ )

 قَالَ: ( رَجُلٌ عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَدَلَّ النَّاسَ عَلَيْهَا)

 قَالَ: ( فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَحْمَقُ؟ )

 قَالَ: ( رَجُلٌ انْحَطَّ فِي هَوَى أَخِيهِ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَبَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ)

 قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( أَصَبْتَ فَمَا تَقُولُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؟ )

 قَالَ: ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَ تُعْفِينِي؟ )

 قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( لَا وَلَكِنْ نَصِيحَةٌ تُلْقِيهَا إِلَيَّ)

 قَالَ:( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ آبَاءَكَ قَهَرُوا النَّاسَ بِالسَّيْفِ وَأَخَذُوا هَذَا الْمُلْكَ عَنْوَةً عَلَى غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا رِضَاهُمْ، حَتَّى قَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، فَقَدِ ارْتَحَلُوا عَنْهَا؛ فَلَوْ أُشْعِرْتَ مَا قَالُوا وَمَا قِيلَ لَهُمْ )

 فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: ( بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا أَبَا حَازِمٍ )

 قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( كَذَبْتَ، إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ مِيثَاقَ الْعُلَمَاءِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ).

 قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( فَكَيْفَ لَنَا أَنْ نُصْلِحَ ؟ )

قَالَ: ( تَدَعُونَ الصَّلَفَ وَتَمَسَّكُونَ بِالْمُرُوءَةِ وَتَقْسِمُونَ بِالسَّوِيَّةِ)

 قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( كَيْفَ لَنَا بِالْمَأْخَذِ بِهِ؟ )

 قَالَ أَبُو حَاَزِمٍ: ( تَأْخُذُهُ مِنْ حِلِّهِ وَتَضَعُهُ فِي أَهْلِهِ)

 قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( هَلْ لَكَ يَا أَبَا حَازِمٍ أَنْ تَصْحَبَنَا فَتُصِيبَ مِنَّا وَنُصِيبَ مِنْكَ؟ ).

 قَالَ: ( أَعُوذُ بِاللَّهِ )

قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( وَلِمَ ذَاكَ؟ )

 قَالَ: ( أَخْشَى أَنْ أَرْكَنَ إِلَيْكُمْ شَيْئًا قَلِيلًا فَيُذِيقَنِي اللَّهُ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ)

 قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( ارْفَعْ إِلَيْنَا حَوَائِجَكَ)

 قَالَ: ( تُنْجِينِي مِنَ النَّارِ وَتُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ)

 قَالَ سُلَيْمَانُ: ( لَيْسَ ذَاكَ إِلَيَّ)

 قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( فَمَا لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ غَيْرُهَا)

 قَالَ : (فَادْعُ لِي )

 قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ وَلِيَّكَ فَيَسِّرْهُ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِنْ كَانَ عَدُوَّكَ فَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى مَا تُحِبُّ وَتَرْضَى)

 قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: ( قَطُّ ؟ )

قَالَ أَبُو حَازِمٍ: ( قَدْ أَوْجَزْتُ وَأَكْثَرْتُ إِنْ كُنْتَ مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ فَمَا يَنْفَعُنِي أَنْ أَرْمِيَ عَنْ قَوْسٍ لَيْسَ لَهَا وَتَرٌ)

 قَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ : (أَوْصِنِي )

قَالَ: ( سَأُوصِيكَ وَأُوجِزُ، عَظِّمْ رَبَّكَ وَنَزِّهْهُ أَنْ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، أَوْ يَفْقِدَكَ حَيْثُ أَمَرَكَ).

 فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ بَعَثَ إِلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ أَنْفِقْهَا وَلَكَ عِنْدِي مِثْلُهَا كَثِيرٌ. قَالَ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ:

[ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُكَ إِيَّايَ هَزْلًا أَوْ رَدِّي عَلَيْكَ بَذْلًا، وَمَا أَرْضَاهَا لَكَ فَكَيْفَ أَرْضَاهَا لِنَفْسِي؟ ] وَكَتَبَ إِلَيْهِ:[ إِنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ لَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهَا رِعَاءً يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ جَارِيَتَيْنِ تَذُودَانِ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَتَا { لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ 1 }، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ جَائِعًا خَائِفًا لَا يَأْمَنُ، فَسَأَلَ رَبَّهُ وَلَمْ يَسْأَلِ النَّاسَ، فَلَمْ يَفْطِنِ الرِّعَاءُ وَفَطِنَتِ الْجَارِيتَانِ، فَلَمَّا رَجَعَتَا إِلَى أَبِيهِمَا أَخْبَرَتَاهُ بِالْقِصَّةِ وَبِقَوْلِهِ، فَقَالَ أَبُوهُمَا وَهُوَ شُعَيْبٌ: هَذَا رَجُلٌ جَائِعٌ، فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا: اذْهَبِي فَادْعِيهِ، فَلَمَّا أَتَتْهُ عَظَّمَتْهُ وَغَطَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ { إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا 2 }، فَشَقَّ عَلَى مُوسَى حِينَ ذَكَرَتْ ( أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ) وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ أَنْ يَتْبَعَهَا، إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْجِبَالِ جَائِعًا مُسْتَوْحِشًا، فَلَمَّا تَبِعَهَا هَبَّتِ الرِّيحُ فَجَعَلَتْ تَصْفِقُ ثِيَابَهَا عَلَى ظَهْرِهَا فَتَصِفُ لَهُ عَجِيزَتَهَا، وَكَانَتْ ذَاتَ عَجُزٍ، وَجَعَلَ مُوسَى يُعْرِضُ مَرَّةً وَيَغُضُّ أُخْرَى، فَلَمَّا عِيلَ صَبْرُهُ نَادَاهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ كُونِي خَلْفِي وَأَرِينِي السَّمْتَ بِقَوْلِكِ :  ذَا.

 فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى شُعَيْبٍ إِذَا هُوَ بِالْعَشَاءِ مُهَيَّأً، فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ: اجْلِسْ يَا شَابُّ فَتَعَشَّ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَعُوذُ بِاللَّهِ، فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لِمَ؟ أَمَا أَنْتَ جَائِعٌ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عِوَضًا لِمَا سَقَيْتُ لَهُمَا، وَإِنَّا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ لَا نَبِيعُ شَيْئًا مِنْ دِينِنَا بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، فَقَالَ لَهُ شُعَيْبٌ: لَا يَا شَابُّ، وَلَكِنَّهَا عَادَتِي وَعَادَةُ آبَائِي، نُقْرِي الضَّيْفَ وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ، فَجَلَسَ مُوسَى فَأَكَلَ.

 فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمِائَةُ دِينَارٍ عِوَضًا لِمَا حَدَّثْتُ فَالْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ أَحَلُّ مِنْ هَذِهِ، وَإِنْ كَانَ لِحَقٍّ لِي فِي بَيْتِ الْمَالِ فَلِي فِيهَا نُظَرَاءُ، فَإِنْ سَاوَيْتَ بَيْنَنَا وَإِلَّا فَلَيْسَ لِي فِيهَا حَاجَةٌ].  

1-   سورة القصص24.

2- سورة القصص 25

الوحي عماد الفكر الإسلامي

لفضيلة الشيخ محمد الحمداوي رحمه الله تعالى

 بالإنسان، وفي الإنسان، اتضحت حقيقة الفكر، وبالفكر وفي الفكر، تميز الإنسان من الحيوان. وبالوحي، وفي الوحي هدى الله الإنسان المسلم إلى أن يكون "مفكرا إسلاميا" مهديا، وهاديا، باحثا عن الحقيقة، في ذاته وفي الكون، وواصلا بذلك، وصول المعرفة واليقين، إلى بارئه وبارئ الكون. وفي ذلك سعادته في نشأته الأولى، حيث خلق له بارئه ما في الأرض جميعا، وجعل له الأرض ذلولا يمشي في مناكبها ويأكل من رزقه، ويحرص على ما ينفعه، ولا ينسى نصيبه من الدنيا. وفي ذلك أيضا سعادته في نشأته الأخرى، حيث يذهب إلى ربه راضيا مرضيا، فائزا بالمغفرة والرضوان.

وفي مجال هذا البحث، وفي معارك الصراع بين منطق الهداية والوحي، ومنطق الهوى والرأي، تميزت حقيقة (الفكر الإسلامي) عن غيره من الأفكار، وعلى مر الدهور وتعاقب الأعصار.

والباحثون اليوم في المذاهب والأفكار يتبعون طريقة التحليل، حيث يرجعون الفروع إلى الجذور، والفصول إلى الأصول، والبحث في حقيقة (الفكر الإسلامي). أصوله وفروعه، يقتضينا أن نجزم تمام الجزم بأن الدعامة الأولى التي يقوم عليها هذا الفكر في أصوله وفروعه، هي أنه "من الوحي نبع وإلى الوحي يرجع"، وكل تصور للفكر الإسلامي، سواء فيما غبر منه، وما حضر، على غير هذا الأساس، فإنما هو انحراف به عن أصله، وخروج به عن حقيقته، وأن كل ما قد شبه للناس من مذاهب ونظريات، وتعاليم وثقافات، على أنه من الفكر الإسلامي فإنما هو (الدخيل) وقد تصدى (مفكرو الإسلام) في مختلف عصورهم لتمييز الأصيل من الدخيل، وأظهروا بواضح الحجة، وصحيح الدليل، على أن (الدخيل) ليس في شيء من (الأصيل).

وسأحاول في هذا البحث أن أجلي الصورة الحقيقية لتأصيل الوحي في الفكر الإسلامي منذ نشأته عبر عهود النبوات وتعاقب الرسالات، حتى ختامها بالرسالة المحمدية، التي لا تزال طائفة من أمة رسولها، المتمسكين بمبادئها، المفكرين بأصولها ، ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.

في القرآن سورة اسمها (سورة الإنسان) افتتحها رب الإنسان بقوله جل جلاله:

 "هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً(1) إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً(2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً(3)".

وفي سورة البلد، جاء قول الله:

" لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَد(4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ(5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَد(7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ(9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)".

      وفي سورة الشمس جاء قول الله:

" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10).

 الإنسان إذن، بشهادة رب الإنسان (أمشاجٌ)، فيه عنصر المادة المعرض للكون والفساد، والتحلل والتغير، وفيه غريزة الحيوان وخصائصه، وفيه إدراك العقل وسلطانه، وفيه كذلك الروح الملكوتية ذات الأشواق إلى الخير والجمال والكمال والتدين، فيه الخير والشر، ومن ثم فقد جمع الإنسان في حقيقته كل متناقضات الأشياء فأوعى، ومن ثم فقد كان حريا بأن ينشد فيه شاعر اليونان الأول سفوكليس أنشودته القائلة:(ألا ما أكثر العجائب، ولكنك لا تجد فيها عجيبة أعجب من الإنسان). ومن ثم فقد تناقضت فيه أقوال من حاولوا شرحه بالتعريف والتحديد، حتى قال فيه (باسكال): "إنه ذلك المخلوق الغريب الذي لا سبيل إلى فهمه". وحتى جاء من بعد باسكال، ألكسيس كاريل وعنون كتابه في الإنسان بقوله: (الإنسان ذلك المجهول).

ذلك لأنه الإنسان ذو الطبيعة المزدوجة، والكيان المتناقض، الذي جمع بين القوة والضعف، والفكر والغريزة، والفعل والانفعال، والتأثير والتأثر، والبطولة والخوف، والشهوة الجامحة، والعفة الكابحة، والفجور والتقوى، والكفر والإيمان، وصدق الله:

 " لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) (التين:5)

وشاء ربك، ولحكمة بالغة جلت عن الوصف، وسر خفي عز عن الإدراك، شاء ربك أن يكون الإنسان في أول خلقه (فتنة)، فتنة لملائكة الله حين أقدموا على تجريح خلق الله دون أن يعلموا السر في خلقه، وتقدموا بالسؤال إلى ربهم قائلين: " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ" (البقرة:30).

وفتنة للشيطان نفسه حين كان سببا للشيطان في الخروج من ربقة الطاعة، حيث حكم الرأي. وخالف الأمر، ورفض الأمر بالسجود قائلا: " أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" (لأعراف:12)

وفتنة لنفسه، إذ عهد له ربه فلم يجد له عزما، "وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً" (طـه:115) ، "فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى" (طـه:121) .

ولو شاء ربك لجعل في الأرض ملائكة يخلفون، وهم فعلا قد طلبوا ذلك. باستفهام الاستغراب، وصراحة القول، وإظهار الصلاحية حين قالوا: " أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ" (البقرة:30). ولكن شاء ربك أن يخلف في الأرض الإنسان، على ما في الإنسان من طبيعة الإفساد وغريزة القتل، وحب الأثرة، وتلك مقتضيات الحكمة في سر الإعمار: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ" (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ" (البقرة:32).

ولئن أثبتت قصة خلافة الإنسان في الأرض، أن الإنسان قد أوتي من نور العلم والفكر ما جعله في حجة الله على ملائكته أحق منهم بالخلافة في الأرض، فإن قصة الأكل من الشجرة، ونسيان الخطاب، ومخالفة النهي، قد أثبتت من جانب آخر أن الإنسان قد ركب في طبيعته من ضعف الإرادة، وغلبة الشهوة، ما لا يستطيع معه أن يدرأ الشبهات، أو يغلب الشهوات، أو يستكشف عواقب الأمور، فيميز دائما بين النافع والضار، والطيب والخبيث في التروك والأفعال، وذلك ما عناه الله حين قال:

"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً" (الأحزاب:72)

         وهنا اتضح أن الإنسان (لا يقف وحده). بل بدت حاجته إلى الإسناد، إسناد الله له بوحي النبوات، وإرسال الرسالات، فكان أول العهد، "وعهدنا إلى آدم"، وبدأ خطاب الله المتعلق بفعل المكلفين ينزل من السماء، ومن هنا كانت نقطة البدء في نشأة "التفكير الإسلامي" على وجه الأرض. فحين خاطب الله الإنسان الأول قائلا: " وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ" (البقرة:36) ، كان ذلك أول نزول أمر قدري في تاريخ التقدير والخلق بالنسبة إلى الإنسان، أما حين خاطب الله هذا الإنسان قائلا: "قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ" (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)" البقرة. فقد كان ذلك أول تخطيط إلهي وضع للتفكير الإسلامي الأصيل حتى لا يضل العقل، ويغلب الهوى، وتعمى القلوب التي في الصدور، فبهذا العهد الإلهي الأول لأول إنسان ظهر على وجه الأرض وضع بنو الإنسان في مفترق طريقين لاتجاه التفكير الإنساني.

1.     الاتجاه الذي يبتدئ فيه التفكير نقطة انطلاقه من (الوحي)  الإلهي، من النص وفهم النص واتباع النص والاستنباط من النص.

2.     الاتجاه الذي يبتدئ فيه التفكير نقطة انطلاقه من الرأي المجرد، والهوى المضل، ووسوسة الشيطان.

فحين فكر أبو الإنسان الأول في الإقدام على الأكل من الشجرة كان قد بنى تفكيره على استقلال الرأي ، ووسوسة الشيطان فعصى آدم ربه فغوى، وبذلك وقعت أول (شبهة) للعقل البشري في تاريخ الإنسان أما حين أعاد أبو الإنسان الأول النظر فيما أقدم عليه، ففكر وقدر، وأدرك شر المخالفة، وخطل (الرأي)، فاعترف بالخطيئة، وشعر بالندم، وأقر بالعجز، وتلقى (الكلمات) من ربه تائبا، فتاب عليه ربه وهداه، فقد بنى حينئذ تفكيره على أساس من الرجوع إلى الوحي الإلهي، وبهذه (الرجعة) يكون أبو الإنسان الأول قد وضع أول حجر أساسي في تشييد معهد للتفكير الإسلامي الصحيح، الذي رفعت قواعده على وحي من الله، ونطق من السماء.

وعلى أساس هذا العهد الذي عهده رب العالمين للإنسان الأول تتابعت رسل الله تترى عبر عهود تاريخ الإنسان المتعاقب على وجه هذه الأرض التي اقتضت حكمة ربنا أن يكون خليفته فيها، فلم يخل زمان من رسول، ولا أمة من نذير، حتى ختام هذه الرسالات بالرسالة المحمدية التي بعث بها محمد بن عبد الله إلى الإنسانية جمعاء. ولم يوح الله لمحمد بدين غير الدين الذي أوحى به إلى الأنبياء من قبله، وبذلك جاء القرآن يخاطب محمدا قائلا: "شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ"(الشورى:13) . "إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً" (النساء:163) . ولم يكن هذا الدين الذي بعث الله به أنبياءه، وأوصاهم بأن لا يتفرقوا فيه غير دين "الإسلام"، وإن كانت سنة الله في تطور الأمم، وتغير الأحوال، قد اقتضت أن تكون مناهج الرسل وأساليب الدعوات، وشرائع الأحكام، مختلفة باختلاف الظروف والبيئات، وذلك قول الله تعالى: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ" (المائدة:48) . وقد جاءت كلمة (الإسلام) في القرآن في أكثر من آية من آيات الأخبار عن الأنبياء وأتباع الأنبياء من قبل محمد e.

جاء ذلك في الخبر عن نوح حين قال نوح لقومه: " فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (يونس:72) .

وجاء ذلك في الخبر عن إبراهيم: "وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِين . إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" َ (البقرة:131:130) . " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (آل عمران:67) . " مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ "(الحج: من الآية78) .

وجاء ذلك في الخبر عن يوسف، حين دعا يوسف ربه قائلا: " رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" (يوسف:101) .

وجاء ذلك في الخبر عن موسى حين نادى موسى من آمن به من قومه قائلا: " وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ" (يونس:84) .

وجاء ذلك في الخبر عن بلقيس ملكة سبأ حين أرسل إليها سليمان بكتابه النبوي قائلا: " إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (النمل:30) "أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ" (النمل:31) . وحين أجابت بلقيس دعوة سليمان معلنة إسلامها قائلة: "  قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (النمل: من الآية44) .

وجاء ذلك في الخبر عن "إسلام" جميع أنبياء بني إسرائيل حين قال الله في شأنهم: " إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" (المائدة:44).

وجاء ذلك في الخبر عن القلة المؤمنة من حواريي عيسى حين أجابوا دعوة عيسى معلنين إسلامهم قائلين: " نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"(آل عمران: من الآية52) .

ثبت إذن بنص القرآن، أن الإسلام دين الإنسان العام، وثبت أيضا بنص القرآن أن أنبياء الله الذين آتاهم الله الهدى من عنده من عهد آدم إلى عهد محمد e كانوا "مسلمين"، وفي إطار (الوحي) كانوا يفكرون، وبناء على (فكر الوحي) كانوا يعملون. وثبت كذلك بنص القرآن أن محمدا بن عبد الله خاتم النبيين، ورسول الله إلى الناس أجمعين، لم يكن إلا رسولا قد خلت من قبله الرسل، ونبيا (مسلما) داعيا إلى دين "الإسلام العام" كما دعا إليه من قبله (الرسل المسلمون).

فعلى محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن نزل: " قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ" (الأحقاف:9) .

وعلى محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن نزل: " قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ) (الأنعام: من الآية14) .

وعلى محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن نزل: " وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا )(آل عمران: من الآية20) .

وعلى محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن نزل" إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ" (آل عمران: من الآية19).

 وعلى محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن نزل: " وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85) . وكان آخر بلاغ نزل على أهل الأرض من عند الله تلك الآية التي أعلنها محمد صلى الله عليه وسلم في عرفات مبلغا عن ربه الذي نادى أهل الأرض أجمعين قائلا: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً "(المائدة: من الآية3) .

ومن ثم لم تكن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم إلا تلك اللبنة التي كانت لا تزال تنقص ذلك الصرح الخالد الذي شيده الأنبياء من قبل محمد، فمحمد –صلى الله عليه وسلم- هو القائل: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة، قال: فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النبيئين".

ومن ثم أيضا لم يكن كتاب الله الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم سوى ذلك الفصل الجامع من كتاب "الإسلام العام".

وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية "مفكرا إسلاميا" واعيا بهذه الحقيقة تمام الوعي حين قال: "كل رسول بعث بشريعة فالعمل بها في وقتها هو دين الإسلام".

إذن، (الفكر الإسلامي) الذي قلنا في خاصته: "إنه من الوحي نبع، وإلى الوحي يرجع" تسلسل على لسان كل نبي من أنبياء الله السابقين، حتى ختم في صيغته النهائية التامة الشاملة العامة، على لسان خاتم النبيئين، الذي بعث إلى الناس كافة، على حين كان الرسول يبعث إلى قومه خاصة، وخاطب أهل الأرض أجمعين قائلا: "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" (لأعراف:158) .

وإن كانت هناك ظاهرة لزمت هذا الفكر "الفكر الإسلامي" منذ نشأته من عهد آدم ، حتى ختامه في عهد محمد صلى الله عليه وسلم، فإنما هي ظاهرة الثبوت والاستمرار، واللزوم والالتزام، التزام النص، وتحكيم الوحي، في مواجهة المجتمعات، ودعوات الأمم، ومصارعة الأهواء، ومقارعة الآراء، فالنبي نوح عليه السلام، وهو أول رسول بعث إلى البشر برسالة، ودعا قومه إلى توحيد الله وعبادته، هذا الرسول المسلم الذي عندما طعن الملأ المترفون من قومه في رسالته، ورموه بالجهل والضلال، قائلين له، فيما حكاه القرآن: (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (لأعراف:60) . لم يرد عليهم بأنه برئ مما رموه به لأنه متفوق عليهم في العقل والفكر والرأي، أو أنه ذو علم أُوتِـيَهُ من عنده، وإنما رد عليهم قائلا: "قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ" (الأعراف:61) . أي إنني لم أؤسس (تفكيري) في دعوتكم إلى عبادة الله على استقلال فردي في الرأي، وابتداع شخصي في الدين حتى أضل، ولكني رسول أوحي إلي من رب العالمين، وحين نادى نوح ربه طالبا نجاة ابنه من الغرق في قصة الطوفان قائلا: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ) (هود:45) . وأجابه ربه: ( قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (هود:46) ، تبرأ نوح من أن يكون له بعد نزول الوحي رأي خاص، وفهم  فردي حتى فيما يتعلق بفلذة كبده، مناديا ربه تائبا آيبا: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (هود:47) . إنه التزام في مجال التفكير للخضوع للوحي، وخطاب التنزيل ، في تقدير الحقائق، وإبعاد الأوهام، وصرف الظنون، وذلك هو (التفكير الإسلامي الأصيل).

كذلك عندما جحد قوم هود رسالة هود قائلين" قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (الأعراف:66) ، أجابهم هود قائلا: (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف:67) ، أي إنني لم أعتمد في دعوتكم على رأي خاص، وفكر مجرد حتى أسفه، وإنما هو (الوحي) ، وإنما هو التلقي من رب العالمين: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) (هود:57) .

كذلك عندما جاء صالح من  بعد هود، مقتفيا الأثر، وسالكا نفس الطريق، مناديا قومه: " إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي " الشعراء 142".

وعندما أرسل موسى إلى فرعون وملإه، لم يخاطب موسى فرعون وملأه على أنه زعيم من زعماء بني إسرائيل، ذو فلسفة ومذهب وفكر خاص، وإنما نادى موسى فرعون قائلا: (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ)(الأعراف: 104 – 105).

كذلك عندما ادعى من ادعى من بني إسرائيل أن عيسى أمرهم بأن يتخذوه هو وأمه إلهين من دون الله، تبرأ عيسى من أن يتقول على الله بما لم يوح إليه به من عند الله وقال: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ  مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة: 116-117) . 

ولما سأل قوم محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بقرآن غير القرآن الذي أنزل عليه، أجابهم محمد صلى الله عليه وسلم قائلا: ( مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس:15) ، (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:203) ، (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (الزخرف:43) . ولقد استمسك محمد في دعوته بالذي أوحي إليه، فبالوحي كان يفكر، وبالوحي كان يحكم، وبالوحي كان يفتي، وبالوحي كان يسالم، وبالوحي كان يحارب، وبذلك كان محمد آخر (مفكر إسلامي) نزل عليه الوحي، كما كان آدم أول (مفكر إسلامي) نزل عليه الوحي.

ثم صار الذين اتبعوا محمداً وآمنوا به وعززوه ونصروه على النهج، فالتزموا (الوحي) وحكموا الخطاب، فكان هديهم في السلوك وفي الحكم، وفكرهم في الحياة وشؤون الحياة (كتاب الوحي) ، وسنة صاحب الوحي، وإن القصة التالية – على سبيل المثال – لتدلنا على مقدار التزام أصحاب محمد للنص الذي ورد به الوحي على لسان محمد، وأن أحدهم مهما علت منزلته في العلم، وسمت مرتبته في الحكم، إذا قدر له أن ارتأى رأيا، ورأى أنه عين الصواب، ثم أظهر له أحد أفراد الأمة بالحجة والبرهان والعلم بالكتاب، أن ما ارتآه لم يكن عين الصواب كما ظن؛ لأن الوحي نزل بما يخالفه، ودل على ما يناقضه، عدل عن رأيه الذي ظنه من قبل يقيناً، وأعلن بصراحة، وهو رئيس الأمة وحاكمها الأعلى ، رجوعه إلى دليل الوحي الذي نبهته إليه امرأة من عامة الناس كان لها بكتاب الوحي علم، وهذه القصة كما يرويها أصحاب العلم بالحديث هي: "أن الخليفة عمر بن الخطاب صعد يوما منبر رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم في صداق النساء، وقد كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله، أو كرامة، لم تسبقوهم إليها، فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم، ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين ، نهيت الناس أن يزيدوا في مهور النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ قالت: أما سمعت الله يقول: "وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً" (النساء:20) . فقال: اللهم غفرانك كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر، فقال: أيها الناس، إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب" (ابن كثير عن الحافظ ابن يعلى).

ثم جاء من بعد أصحاب محمد التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين من رجال (الفكر الإسلامي الأصيل) فساروا على السنن، والتزموا السبيل، فتمسكوا بالكتاب، وفكروا بالوحي، وتفقهوا بالسنة، فما اتبعوا شبهة، ولا أحدثوا بدعة، وما كان لهم خارج الكتاب والسنة فكر ولا رأي، وإنما كانوا رحمهم الله من وحي الإسلام يصدرون، وفي رحاب الوحي يفكرون، حين يقضون، وحين يفتون، وحين يؤلفون، وحين يكتبون، وحين يدرسون، وحين يجادلون، ثم جاء من بعد السلف (خلف) وفي الخلف أصناف، فيهم الهاجر للكتاب، والنابذ للسنة، والمتفقه بالتقليد، والمفتي بالرأي، والمتفلسف بالكفر، والمفكر بالشبه، والمتصوف بالجهل، ولكن "الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل سنة من يجدد لها دينها" - (أبو داوود والحاكم) – وفي إطار الدين، وفي رحاب الوحي، وعبر عهود هذه المئات من السنين حتى عهدنا الحاضر ظل رجال (الفكر الإسلامي الأصيل) يصارعون من توزعت بهم الآراء، وأضلتهم الأهواء، واختلفت بهم المذاهب، ويقارعون بأصيل الفكر، وحجج العقل، من أعداء هذه الأمة، من نصبوا لها العداء، وشنوا عليها الغارات، يحرفون تاريخها ويقدحون في دينها وفكرها، ويشككون في قيمها، وأنهم على سنن (الوحي) سائرون لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.

وبعد فلئن كانت هناك كلمة جامعة مانعة يحسن أن نأتي بها كتعريف جامع ومانع للفكر الإسلامي في ختام هذا الكلام فإنما هي كلمة الرسول عليه السلام: (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً وَهِيَ الْجَمَاعَةُ )ابن ماجه.( إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) الترمذي

وما كان عليه النبي وأصحابه لم يكن حكمة الهنود، ولا فلسفة اليونان، ولا أدب فارس، ولا ليبرالية الغرب، ولا جدلية ماركس، وإنما كان (الوحي). ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) (النجم 1-3).

ومن ثم كان حقا ما أثبتناه من أن (الوحي عماد الفكر الإسلامي).


هل يحقق المسلمون وجودهم في التاريخ المعاصر؟

لفضيلة الشيخ محمد الحمداوي رحمه الله تعالى

 لم يكن أبو محمد سليمان بن مهران الأعمش عالم الكوفة من أحد أولئك الذين اشتروا بعهد الله وإيمانهم ثمنا قليلا، أولئك الذين اصطبغوا بصبغة العلم ولكنهم زهدوا غيرهم في طلبه من قلة عملهم به، اصطبغوا بصبغة العلم ليتصدروا به المجالس ويجمعوا به الحطام وينالوا به الحظوة والشرف؛ وصدق نبي الإسلام فيما وصف به حالهم حينما قال (يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ مِنْهُمْ حَيْرَانًا) الترمذي، وصدق نبي الإسلام فيما أخبر عن مآلهم حينما قال: ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ) الترمذي. وقد أحسن الشاعر الأندلسي فأجاد الطرفة حينما وصف بعض الأصناف منهم قائلا

أهل الرياء لبستم ناموسكم    كالذئب أدلج في الظلام العاتم

فملكتم الدنيا بمذهب مالك    وقسمتم الأموال بابن القاسم

وركبتم شهب الدواب بأشهب وبأصبغ صبغت لكم في العالم

أجل، لم يكن الأعمش من هذا الصنف الذي حدثوا عن بعض أفراده أنه أدرك من الفقه والجاه ما جمع به مالا فأوعى ثم حين أدركه الموت وانكشفت له النهاية أخرج عنه الأهل والأصحاب وغلق عليه الباب وأخذ يلطم وجهه مرددا قول الله تعالى (يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ ) الزمر56.

ولكنه كان عالما من علماء الإسلام الذين ورثوا الأنبياء، لم يرثوا منهم درهما ولا دينارا، وإنما ورثوا العلم يهدون به ويهتدون. كان عالم َالكوفة ومحدثَها وزاهدَها وعابدَها.

قام ذات ليلة يقرأ ما تيسر من القرآن ويتهجد عسى أن يبعثه ربه مقاما محمودا، فمر بهذه الآية الكريمة (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) آل عمران 18، وإذا هو علامة الإسلام كما وصفه يحيى القطان، فلم يمر على الآية مر الذين يقرؤون القرآن لا يتجاوز حلاقيمهم والتراقي، وإنما وقف عندها وقوف الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون، لذلك خشع قلبه لما تلا لسانه، ونطق قائلا:( وأنا كذلك أشهد بما شهد الله وأستودع هذه الشهادة عنده، وهي عنده سبحانه وديعة)، وكرر الآية مرددا مرارا ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ).

أي والله، لقد صدق الله وصدق أنبياؤه ورسله وصدق المؤمنون من أحياء القلوب من عباده (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ).

لكن، وما الإسلام؟

الإسلام هو ما أوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب، هو الرسالة العامة التي أرسل بها محمد صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل إلى الخلق أجمعين، الشرقي والغربي والأحمر والأسود، اليهودي والنصراني ( كان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ) ( بعثت إلى الأحمر والأسود).

هو خاتمة النبوءات السابقة، ونهاية المراحل لجميع رسالات الله من السماء لأهل الأرض (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) الأحزاب 40.

هو المعنى الشامل والخلاصة الجامعة والتصحيح المحكم لمعاني ما أنزل على الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) المائدة 48.

هو البيان الكاشف لما أخفى أهل الكتاب من الكتاب (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ) المائدة 15.

هو النور الساطع الذي جلى معاني السمو والكمال في ملكوت الله في السماء وفي الأرض ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ) النساء174.

هو اللبنة التي عجب الناس لخلو مكانها في هيكل قصر النبوءات الذي بناه رب العرش العظيم لبني الإنسان على الأرض، ليبلوهم أيهم أحسن عملا، ومن ثم جاء قول نبي الإسلام صادقا: (إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ ) البخاري.

هو الحق وليس بعد الحق إلا الضلال (فَذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ ) يونس 32 (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ) البقرة 119 (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) سبأ 6.

هو العلم وليس بعد العلم إلا الجهل (وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ ) البقرة 145.

هو الصدق وليس بعد الصدق إلا الكذب (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا )الإسراء 73،74.

هو الدستور الإلهي الذي جمع قوانين الروح وقوانين الجسد، قوانين الفرد وقوانين الجماعة، قوانين الحال وقوانين المآل، للإنسانية في آخر مرحلة من مراحلها التاريخية المتعاقبة على مر الزمان والأحقاب (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) النحل 89.

هو القرار الإلهي الأخير الذي قرر معنى الفطرة الإنسانية في أتم حقيقتها طبعا وخلقا (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) الروم 30.

هو المحجة البيضاء إلى السلام لو شاء أهل الأرض التائهون في بيداء القلق والحيرة والاضطراب أن يهتدوا إلى السلام (قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) المائدة 16.

كان بدءُ ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من وحي الإسلام بدءَ النعم المسبغة من رب الإنسان على الإنسان ومنشأَها، وكان آخرُ ما أنزل عليه أتمَّ النعم وأكملها.

كان أولُ ما أنزل منه تعالى أولَ النعم ، إذ كان النعمةَ التي فضلت وكرمت، وصرفت من اعترض وجود الإنسان خليفة ً في الأرض عن اللجج، كان نعمةَ العلم التي بعث بها الرب الأكرم إلى محمد صلى الله عليه وسلم في الغار على لسان الناموس الأكبر قائلا:(اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) العلق3،4.

وكان آخرُ ما أنزل منه أتمَّ النعم وأكملَها، إذ كان النطقَ الإلهي الكريم الذي أعلن لبني الإنسان يوم الحج الأكبر في عرفات أن الهداية الإلهية المسددة التي أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر وأحلت الطيبات وحرمت الخبائث ووضعت الإصر ورفعت الأغلال  وسمت بالروح ووجهت الإنسانية وجهة السعادة الأبدية ، قد تم بها الوحي اليوم في الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا ) المائدة3.

ومن هنا كان صدقا ما جاء عن نبي الإسلام من أن عقيدة الإسلام هي العقيدة التي يأخذ الله بها ويعطي يوم القيامة، ومن ثم كان من العدل الإلهي أن لا يقبل من أهل الأرض أن يدينوا بغيره هذه العقيدة على الأرض (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ ) آل عمران 85، ومن ثم أمر الله محمدا نبي الإسلام أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم، ومن ثم أمر المؤمنين من أتباع محمد أن يقاتلوا الذين يلونهم من الكفار الواقفين في وجه العقيدة والمقاومين لها والمعترضين على انتشارها، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد ( بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ ).

 ومن حيث كانت عقيدة الإسلام العقيدة التي قررت الوضع المجتبى الذي أراد رب الحياة في الأزل أن تحيى عليه النسمات المبروءة على الأرض، بعد أن تكون قد اجتازت من المراحل ما استكملت به تموها ووصلت إلى الطور الذي تنطبق فيه حياتها مع معاني هذه الرسالة انطباق المخلوق مع ما خلق لأجله، فقد كان من المحتم في طبيعة الخلق وسنة الله أن تشمل من عناصر القوة والحق ما تحقق به وجودها في التاريخ البشري الحي.

لذلك حققت العقيدة الإسلامية وجودها العقدي في قلوب المؤمنين بها أولا، ثم حققت وجودها الواقعي في تاريخ الدنيا ثانيا.

حققت وجودها في قلب محمد صلى الله عليه وسلم، رسولها المبعوث بها أول ما نزلت عليه وتملكت كل مشاعره وجميع إحساساته، وأقامته في طفرة البعث يصدع بما أمر، ينذر عشيرته الأقربين ويدعو إلى دين الله، فيسفه الأحلام، ويضل الأقوام، ويعيب الآلهة غير إله الحق، ويقول لعمه حين جد الجد وحزب الأمر: «  يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، لما رجعت عن هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ».

 وحققت وجودها في صمود محمد - صلى الله عليه وسلم – حين أوقفته في فترة الضعف صامداً صابراً يتحمل الأذى، ولا يبالي الاضطهاد، وإنما يحسب الحساب فقط لأن لا يكون عليه من ربه غضب أو سخط، اسمعوه ينادي ربه حينما أغرت به ثقيف سفهاءها وعبيدها يطاردونه ويرمونه بالحجارة: « اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، أنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري، إن لم يك بك علي غضب فلا أبالي ».

 وحققت وجودها في شجاعة محمد - صلى الله عليه وسلم – يوم أوقفته في فترة الكفاح بطلا شجاعاً يخوض المعامع ويقارع السيوف، ويتلقى الرماح، فتكسر رباعيته ويشج في وجهه ويقف ثابتاً لا يتزحزح.

 وحققت وجودها في عظمة محمد – صلى الله عليه وسلم – يوم كانت أساس سلوكه مع القوم في فترة الانتصار، فكان بها المثل الأعلى للإنسان المهذب، الحليم الصبور، السياسي المحنك، أليس هو القائل يوم دخل مكة منتصراً: « يا معشر قريش، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب ، ثم تلا الآية ] يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [ يا معشر قريش اذهبوا فأنتم الطلقاء».

ثم حققت وجودها في أصحاب محمد الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه فصبروا، وصابروا، ورابطوا، وجاهدوا في سبيل الثبات على عقيدة الإسلام.

حققت وجودها في أبي بكر الذي كان بها أول المؤمنين، وخير الصديقين، فقلبته من رجل التجارة والتكسب وجمع المال، إلى رجل الإيمان والعقيدة والتضحية وبذل المال، اسمعوا إلى بنته أسماء تحدثكم عنه حينما ترك وطنه وأهله وخرج مهاجراً مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – باذلا له ماله ومعطيه رفده، قالت: « لما خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر ماله كله خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، قالت فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال والله إني لأراه قد فجعكم بماله ونفسه، قالت: فأخذت أحجاراً فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده ، فقال : لا بأس، إذا كان ترك لكم فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، قالت والله ما ترك لنا شيئاً، وإنما أردت أن أسكن الشيخ بذلك».

وحققت وجودها في عمر حين كانت بتأثيرها العقدي في نفسه ذلك (الديناميت) الذي هزه هزاً ورماه كالقذيفة إلى دار الأرقم يعلن إيمانه لنبي الإسلام الذي لم تعد يومئذ في الأرض نسمة أحب إليه من نفسه منه كما قال. ويشهد أمامه معلنا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فيهز محمد ومن معه من الصحب القلائل المختفين هزاً، ويرفعون التكبير قائلين: "الله أكبر"، ثم يقول: « ألسنا على الحق يا رسول الله إن متنا أو حيينا؟ قال: « بلى والذي نفسي بيده إنكم لعلى الحق إن متم وإن حييتم »، قال عمر: « ففيم والذي بعثك بالحق  نختفي؟ لنخرجن ويخرج الجميع مهللين مكبرين، لهم كديد ككديد الطحين، فتراهم قريش وتصاب يومئذ بكآبة لم تصب بمثلها من قبل».

وكما حققت هذه العقيدة وجودها في عمر بعملها العقدي في نفسه، فقد حققت وجودها فيه بتأثيرها التربوي في سيرته، حين صيرت منه ذلك الحاكم القوي الذي « فتح الفتوح ووضع الخراج ومصَّر الأمصار واستقضى القضاة ودوَّن الدواوين وفرض الأعطية».

وحققت وجودها في المستضعفين من المؤمنين الأولين عندما تركزت في قلوبهم، وامتزجت بدمائهم وأعصابهم، وجعلتهم يتحملون من أجل الثبات عليها من ألوان العذاب ما كان صناديد قريش يوقعونه بهم من العذاب، وهم صامدون صابرون، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان وبلال ينشدهم تحت السياط نشيد الإيمان مرددا : « أحد أحد ».

وحققت وجودها في سلمان الفارسي الذي كان إذا سئل: ما نسبك؟ أجاب: نسبي الإسلام.

وحققت العقيدة الإسلامية وجودها في غير أولئك وهؤلاء من قادة الإسلام وساسته وحكمائه وعلمائه ورجاله الفاتحين في كل بقعة حلها الإسلام، فكونوا بذلك (تاريخ الإسلام).

فمن قلوب رجال الإسلام، من أخلاقهم، من سيرهم، من أعمالهم، حققت العقيدة الإسلامية وجودها في المجتمعات الإسلامية، حققت وجودها في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – في الجزيرة العربية، فقلبت أهلها من أولئك الأعراب الجفاة المتناحرين الأشد كفرا ونفاقا، إلى أولئك المسلمين المؤمنين الموحدين، بالإيمان تهذيباً وخلقا، وصيرتهم كما وصفهم جعفر بن أبي طالب عندما سأله ملك الحبشة عن حقيقة هذه العقيدة التي فارقوا فيها دين آبائهم وهجروا من أجلها أهلهم وأوطانهم، فقال: « كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، وكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل أموال اليتيم وقذف المحصنة وأن نعبد الله وحده لا شريك له ».

ثم حققت هذه العقيدة وجودها في الشام والعراق ومصر في عهد الخليفتين عمر وأبي بكر ثم انتشرت بعد شرقا وغربا من جبال القوقاز إلى شاطئ الأطلسي، إلى المغرب العربي ، إلى هذا البلد حيث حملها أولئك الفاتحون الأطهار، والمؤمنون الأبرار الذين قطعوا الفيافي وجابوا القفار، لا يحدوهم مطمع، ولا يحفزهم غرض، فاتحون أطهار، لم يكن غرضهم من فتح هذا البلد كنوزه وخيراته واستثمار أراضيه واستعمارها، وإنما كان غرضهم أسمى من ذلك كله، كان غرضهم أن يفتحوا قلوب أهله ليغرسوا فيها مبادئ قدسية سماوية هي عقيدة الإسلام.

إن العقيدة الإسلامية التي حققت وجودها في المغرب الإسلامي بفضل جهاد أولئك الفاتحين الأبرار، هي العقيدة الإسلامية التي جعلت منه أمة وكونت له تاريخا، وأسست له دولة، وخلدت له مجدا لا يزال في التاريخ يذكر ويعتبر، ففي هذا البلد حقق الإسلام وجوده في المغاربة الذين اعتنقوه فكانوا به المغاربة المسلمين، والأبطال العظام، رجال الفتح والإيمان، الذين رسخت عقيدة الإسلام في نفوسهم، ثم حملوا بعد ذلك مشعلها، يضيئون به ما حوالي هذه البلاد من أصقاع وبقاع، في هذا البلد حقق السلام وجوده في الفريق الأول الذي عبر بحر الزقاق إلى الأندلس بقيادة طارق، ثم أحرق ما عبر به البحر من سفن لأنه عبر البحر وليس من أمله الرجوع إلا أن تخفق راية الإسلام فوق الجزيرة أو تكون الجزيرة قبورا لرفاقهم، كأبرار شهداء في سبيل العقيدة والمبدأ، فكانت لهم الغلبة، وكان لهم النصر، وكان لهم الفتح، وكان لهم أن كونوا في تلك البلاد فردوسا أرضيا لا تزال آثاره ماثلة حية ناطقة لمجد الإسلام هناك.

وفي هذا البلد حقق الإسلام وجوده في الفريق الثاني الذي عبر البحر ثانيا بقيادة يوسف بن تاشفين وضربوا النصرانية في وقعة الزلاقة ضربة مدوا بها من عمر الإسلام، ومن مدنية الإسلام، في الجزيرة الأندلسية ما يزيد على أربعة قرون.

لقد كان للعقيدة الإسلامية من الأمجاد في هذا البلد، وفي غير هذا البلد، ما هو في التاريخ القديم والحديث مسطور، واعترف به البعيد والداني، والعدو والصديق، ولقد حاول المستعمرون الأوربيون أن يطفئوا نور هذه العقيدة السامية المبدأ في عالم الروح، المحققة الوجود في التاريخ الحي، في كل أرض حلتها أقدامهم في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بعد أن أخفق أجدادهم في القضاء عليها بحملاتهم الصليبية في القرن الثالث عشر، اسمعوا إلى الجنرال الإنكليزي (اللورد اللنبي) يفصح في نهاية الحرب العالمية الأولى عن أن تلك الحرب لم تكن بالذات حرب الحلفاء الألمان ولكنها كانت في المقصد والغاية حرب النصارى للمسلمين، أليس هو القائل في خطبته بعد أن وطئت جنوده بالغدر والحيلة والمكر أرض فلسطين: (الآن انتهت الحروب الصليبية). ثم ألم يصرح زميلاه الفرنسيان في تلك الحرب كورو وكوابي، أن الجنود الفرنسية التي دخلت دمشق بقيادتهما قد أخذت الثأر لأجدادهم الصليبيين في أرض الشام؟ ثم ألم يحاول المستعمرون الفرنسيون بالعمل على تطبيق سياستهم البربرية في الجزائر والمغرب القضاء على عقيدة الإسلام، وتعاليم الإسلام، وقوانين الإسلام، في الأغلبية الغالبة من مسلمي هذه البلاد؟ ثم ألم يصرح المشرعون والقانونيون الفرنسيون في بدء الاستعمار الفرنسي للأقطار المغربية بأنه لا يثبت للتشريعات والقوانين الفرنسية أي وجود في هذه البلاد ما دامت فرنسا لم تعمل على إحلال الكثْلكة محل الإسلام في دنيا الشمال الإفريقي؟.

أجل، لقد بذل المستعمرون الأوربيون في العصر الحديث أكبر المجهودات للقضاء على العقيدة الإسلامية في جميع بلاد الإسلام، بقوتهم العسكرية، وبدعايتهم التبشيرية، وبأساليبهم السياسية كما حاول أجدادهم من قبلهم القضاء عليها بحملاتهم النصرانية الصليبية، ولكن الله أبى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون والمستعمرون.

في جميع أدوار التاريخ في هذا البلد وفي غير هذا البلد، وفي غير ما دولة، وفي غير ما موقف، في عالم الفكر، وفي عالم الروح، وفي عالم الصراع، حقق الإسلام وجوده كعقيدة خالدة في التاريخ الحي.

فهل سيحقق مسلمو اليوم بإحياء مثله العليا في نفوسهم، وأخلاقهم، وسلوكهم وجودهم في التاريخ المعاصر كمسلمين...؟

( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) آل عمران 18

( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) آل عمران 85.

 

مفهوم السوق في الفقه الإسلامي

بقلم  الأستاذ الدكتور سامر مظهر قنطقجي
رئيس مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية

نقلا عن موقعه في الإنترنت

أهمية البحث

تتأرجح التجارب الاقتصادية في العالم مداً وانحساراً بحثاً عن الأفضل. ففي التجربة الشيوعية تدخلت الدولة مركزياً بكل شيء ، بينما كان تدخلها بدرجة أقل في التجربة الاشتراكية ، ولم تتدخل في ظل الرأسمالية. مما أدى في نهاية القرن العشرين (الذي شهد ولادة وفشل التجربتين الشيوعية والاشتراكية) إلى تحول مراكز هاتين التجربتين إلى النظام الرأسمالي.

إلا أنه مع بداية القرن الواحد والعشرين وحصول التغير العالمي الذي عُرف بسياسة تفرّد القطب الواحد الذي ساعد في تسريع توجه الاقتصاد العالمي نحو ما يسمى بالعولمة. بدأ الاقتصاديون يواجهون محدودية النظام الرأسمالي وعدم قدرته على الاستمرار بنفس المكونات والأسس. فالاحتكار مثلاً مسموح في ظله ، لكن أن يصل إلى حد ابتلاع النظام نفسه فهذا هو الخطر بعينه. وهذا ما فعلته حكومة الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً بتقسيم شركة البرمجيات مايكروسوفت. كما أن تداعي الشركات الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 بسبب التلاعب المالي والمحاسبي لتلك الشركات بالرغم من اعتمادها على التنظيم الجيد واستخدام الأدوات المتطورة كل ذلك دلّ على عجز تلك المكونات والأسس على تنظيم الأسواق بمفردها، وهذا ما يشكل تراجعاً واضحاً في بنية النظام. فالفساد هو "إيدز الأنظمة" الاقتصادية المذكورة كلها ، وإطلاق العنان للمال وحده للتفكير والتخطيط والعمل لا يعني سوى المزيد من الفوضى والأنانية والفساد وما الرشوة وبيع الأدوية الفاسدة للشعوب الفقيرة وتجارة الرقيق والأطفال وتغذية النبات بالهرمونات لزيادة الإنتاج وإطعام الحيوانات بأعلاف مصنعة ومعدلة جينياً ، وإنتاج الأسلحة المدمرة للإنسان والبيئة لعشرات السنين وغيرها إلا بسبب الجشع وحب الذات والبحث عن المصالح المادية دون الأخذ بأي اعتبارات أخرى.

لذلك فقد بدأ الاقتصاديون في العالم بالاقتناع بأن علم الاقتصاد كعلم مستقل عن العلوم الاجتماعية والإنسانية لا يمكن أن يقود إلا إلى مزيد من الدمار. فالرغبات والحاجات هي إنسانية قبل أن تكون اقتصادية ، والاقتصاد يجب أن يكون في خدمة الإنسان وليس العكس. والتعبير عن المشاكل الاجتماعية بأرقام ومعادلات صماء ليس هو الحقيقة ، لذلك كان جديراً على برامج التنمية والتطوير أن تستوعب كل المشاكل المسؤولة عن تفكك المجتمعات والانحلال الخلقي فيها ، وأن تسعى إلى جعل المواطنين إيجابيين أو على الأقل غير سلبيين تجاه الحكومات وسياساتها.

ومن الضروري جداً تنظيم سلوك الأفراد والمجتمعات قبل صياغة القوانين وتنظيم الأسواق. وفي هذا المضمار لابد لنا من أن نتعرض إلى تجربة سباقة سادت الدنيا شرقاً وغرباً بأخلاق وسلوك تجارها وصدقهم وبرّهم. فحققوا بذلك عالمية الإسلام في جميع الأسواق التي تعاملوا معها واتجروا فيها ، بل لقد كان ذلك سبباً مباشراً في إسلام العديد من البلدان ، والتاريخ شاهد على ذلك.

المقدمة

لقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاقة بين المسلمين أنفسهم وبينهم وبين الدولة الإسلامية بقوله: "المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار" [1]. ونهى عن الاحتكار والغش والبيوع التي تؤدي إلى المنازعات بين الناس. وأُسندت مراقبة ذلك إلى محتسب السوق ، وطُلب منه التدخل لتطبيق شرع الله وتحقيق مصلحة الناس وحاجاتهم إذا لزم الأمر فهي دولة تحقق الحرية الاقتصادية للناس وتضبط مصالحهم سواء كانوا جماعات أو أفراداً. وهي تتدخل عند الحاجة لمنع الاحتكار والظلم وفض النزاعات بين الأطراف جميعا ًوتؤمن تدفق المعلومات الصحيحة دون أي تسلط فردي أو جماعي ضماناً لحرية الأسواق وتأمين الرضا لروادها دون مخالفة الثوابت الشرعية.

والسوق بوصفه المكان الذي تمارس فيه عمليات البيع والشراء وتبادل السلع ، وفيه يهدف الناس إلى تحقيق الربح كل حسب موقعه البائع والشاري ، كذلك فإن الوقت يلعب دوره لأن تلك العمليات قد لا تتم في الحال ، وقد تحدث خلال ذلك تقلبات في الأسعار يمكن أن تؤدي إلى خلافات ومنازعات.

وعليه فإن البحث يهدف إلى بيان دور السوق ومحدداته في الفقه الإسلامي من خلال ما نصت عليه الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة واستنباطات الفقهاء خلال أربعة عشر قرناً خلت لعلنا نستفيد من تجارب أسلافنا وطرق تعاملهم.

إن السوق هو المكان الذي تساق إليه السلع وما شابهها حيث يجتمع البائعون والمبتاعون (المشترون) فيه، فيتبادلون السلع بالسلع أو السلع بالنقود ، عاجلاً أو آجلاً بأشكال ووسائل دفع حسب ما يقتضيه الحال. وللسوق محتسب له مهام بيّنها ابن تيمية بقوله: "ومهمة المحتسب مشارفة السوق والنظر في مكاييله وموازينه وتحديد الأسعار ومنع الاحتكار ومنع الغش والتدليس فيما يباع ويشترى من مأكول ومصنوع ورفع الضرر عن الطريق بدفع الحرج عن السابلة من الغادين والرائحين إلى نحو ذلك من الوظائف" [2].

ولقد علل الغزالي ظهور الأسواق والمخازن [3] بسبب حاجة الناس لما عند بعضهم البعض ولتبادل الخدمات فيما بينهم. واعتبر أن شدة الحاجة عند الأطراف المتبادلة هي التي تحدد عوامل العرض والطلب وبالتالي تحدد سعر التبادل بينهم. وأوضح أنه عند انخفاض الحاجة (الطلب) يقومون بنقل سلعهم إلى أماكن أخرى أكثر طلباً ، وبذلك هم بحاجة إلى من ينقل هذه السلع حيث لا تتوافر وسائل النقل اللازمة للجميع فيكون هذا سبباً لنشوء مهنة أخرى رديفة لأعمال التسوق ، وقد سمّاهم بالتجار المتكفلون بالنقل ، وسمى العلاقة بينهم بعقد الإجارة. ويحتاج المتبادلون إلى حكم عدل يتوسط بين المتبايعين مما يعني حاجتهم إلى أعيان أموال يطول بقاؤها مما أدى لاتخاذ الذهب والفضة والنحاس كمعادن تستخدم للقياس والتبادل ، ثم نشأت الحاجة إلى ضرب النقود ونقشها مما دعا إلى نشوء دار الضرب والصيارفة ، وهكذا تداعت الأشغال والأعمال بعضها إلى بعض حتى انتهت إلى ما نراه الآن.

ويرى ابن خلدون أن الأسواق [4] تشتمل على حاجات الناس بشتى أنواعها فمنها الضروري وهي الأقوات من الحنطة وما في معناها كالبقلاء والبصل والثوم وأشباهه ، ومنها الحاجي والكمالي مثل الأدم والفواكه والملابس والماعون والمراكب وسائر المصانع والمباني. ثم يوضح ابن خلدون أثر العرض والطلب على تحديد السعر بازدياد عدد السكان ودرجة كون السلع من الضروريات أم من الكماليات. كما يتعرض أيضاً لسوق الأعمال والصنائع. وقد أرجع أسباب الغلاء فيها إلى ثلاثة أسباب: أولها: كثرة الحاجة. وثانيها: اعتزاز أهل الأعمال لخدمتهم وامتهان أنفسهم لسهولة المعاش. وثالثها: كثرة المترفين وكثرة حاجاتهم إلى امتهان غيرهم وإلى استعمال الصناع في مهنهم فيبذلون في ذلك لأهل الأعمال أكثر من قيمة أعمالهم مزاحمة ومنافسة في الاستئثار بها فيعتز العمال والصناع وأهل الحرف وتغلو أعمالهم وتكثر نفقات أهل المصر في ذلك. وفي هذا السياق فإن المنافسة كما يراها الغزالي [5] ليست بحرام بل هي إما واجبة وإما مندوبة وإما مباحة ، شرط أن تعتمد على حرية التعامل وتفاعل قوى العرض والطلب لتحديد الأسعار مع وضع ضمانات تكفل توفير هذه الحرية بمنع الغش والغرر والاحتكار وأنواع من الوساطة يترتب عليها التأثير في حرية الأسواق وقيام الدولة بمراقبة التعامل في الأسواق لتوفير حرية المنافسة وعدم الإخلال بها أو التقييد منها [6].


المبحث الأول
مقومات السوق

للسوق مقومات أساسية لا بد منها هي: المكان والزمان والسلع والخدمات ووسائل الدفع وأدوات القياس والبائعين والمشترين والقائم على السوق. وسوف نشرح كلاً منها بشيء من التفصيل.

أولاً – المكان: وهو البقعة من الأرض التي تتجمع فيها المقومات المذكورة. وقد يتبدل مفهومه اتساعاً وضيقاً، قرباً و بعداً ، كمّاً وكيفاً حسب طبيعة الأعمال المنوطة. فشبكة الانترنيت هي سوق إلكترونية تهدف الحصول على المعلومات والخدمات من شتى بقاع العالم ، والبورصة هي سوق للأموال سواء كانت للأسهم أو للسلع المتخصصة أو للعملات أو للمعادن الثمينة أو غيرها ، وأمكنة بيع البضائع والسلع بالجملة والمفرق المنتشرة في جميع بلدان العالم بشتى أنواعها واختصاصاتها هي كلها أسواق. وكان الخلفاء يكثرون من التجوال بالأسواق ويراقبونها باستمرار نظراً لأهميتها ودورها في النشاط الاقتصادي فهي كالرئة من الجسم وهي مؤشر حيوي على سلامة الحياة الاقتصادية. وهذه هي سنة الأنبياء والرسل ) وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق([ الفرقان :7] )وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق([ الفرقان :20]. ولقد ذكر القرطبي في تفسيره بأن دخول الأسواق مباح للتجارة وطلب المعيشة.

ثانياً - الزمان: ويقصد به الوقت الذي تمارس فيه الأعمال في الأسواق. فلا بد من زمان محدد يجتمع خلاله الناس ليمارسوا أعمالهم من بيع وشراء وتبادل وسداد. فقد يكون التسليم آنيا والسداد آجلا أو يكون التسليم مؤجلاً والسداد حالاً. وقد تنشأ خلافات بين الأطراف نتيجة الفروقات الزمنية بالسداد أو بالاستلام والتسليم.

ثالثاً - السلع والخدمات: وهي ما يتاجر به الناس في كافة المجالات. ويجب أن تكون حلالاً غير محرمة لا بطبيعتها و لا بتعاملها ، إضافة إلى ضرورة تأمين حرية انتقالها ووصولها إلى الأسواق و حماية أشكال ملكها وحيازتها. ومن ذلك تراضي الأطراف المتبادلة دون إذعان، فالبيّعان بالخيار ما لم يتفرقا )يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم([ النساء :29].

رابعاً - وسائل الدفع: وهي عبارة عن وسائل تداول قيم السلع والخدمات بين البائعين والمشترين وقد أُطلق عليها الأثمان من الدنانير والدراهم والفلوس ، إضافة إلى آلية التداين والإقراض. ولابد من الإشارة إلى العملات الاسمية التي كان الفقهاء يستعملونها كالدينار الجيشي والدراهم السوداء وهي تقابل اليوم حقوق السحب الخاصة.

خامساً - أدوات القياس: وهي الموازين والأوزان والمقاييس والمكاييل وغيرها. وقد اهتم فقه المعاملات بعدالتها ودقتها فضبط المثمنات من موزونات ومقيسات ومكيلات ، والأثمان من الدنانير والدراهم والفلوس ، والأسعار النقدية والسلعية ووضع أسساً عادلة لاستمرار التوازن بين العرض والطلب ، فضلاً عن الدور الذي يقوم به المناخ الاجتماعي الملائم الذي تربى عليه المسلم منذ نعومة أظافره.

سادساً - البائعون والمبتاعون (المشترون): وهم عماد السوق سواء كانوا تجارا أو مستهلكين. ولما كانت غاية المسلم هي عبادة الله تعالى فإن للسوق أخلاقا على مريديه التخلق بها، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو "لم يكن فاحشاً و لا متفحشاً ولا صخاباً في الأسواق ولا يجزي السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويصفح" [7]، كما أنه صلى الله عليه وسلم حث روّاد السوق على استغلال هذا العمل بنية ذكر الله تعالى وتعبده فقال صلى الله عليه وسلم: "من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة ورفع له ألف ألف درجة" [8].

ولقد أوجب الشرع الإسلامي على رواد السوق صفاتاً وآداباً وأخلاقاً عليهم التحلي بها وهي:

         الصدق: لقوله صلى الله عليه وسلم "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" [9].

         الأمانة: وهي عكس الخيانة ، لقول الله عز وجلّ ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون )[المؤمنون :8] وقوله أيضاً: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)[النساء:58]. وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: "يقول الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما" [10]. ومن المعروف أن الثقة والأمانة المتبادلة بين معاشر التجار هي عماد التجارة وأساسها، فإن شاعت الخيانة أحجم التجار عن التداول فيما بينهم أو قلصوا العمل إلى أدنى الدرجات مما يؤثر على السيولة المالية في السوق ، وسوف يعم التعامل النقدي على غيره من الأنواع وستكثر النزاعات وغالبا ما تضيع الحقوق وتتخلخل الحياة الاقتصادية في المجتمع كله.

         الإفصاح: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدق البيعان وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحا ويمحقا بركة بيعهما" [11]. ومحق البركة قد يكون بضياع الربح أو رأس المال أو كليهما معاً أو قد يصاب صاحبهما بمرض أو داء يذهب بما لديه.

         النصح: لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة" [12]. وبالنصح تجاوز الإسلام ما وصلت إليه الأمم في أدبياتها المحاسبية، لأن النصيحة تعني تجاوز حد الإفصاح الذي يقصد به عدم إخفاء بيانات قد تؤدي بالطرف الآخر إلى اتخاذ قرارات خاطئة. فالمسلم مأمور بإبداء النصح، وفي هذا دعم للسلوك الفردي من خلال إبداء رأيه على شكل اقتراحات وهذه درجة أعلى في سلم الصدق والإفصاح.

         البرّ: قسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم التجار إلى صنفين اثنين إما فاجر وإما تقيّ برّ، فقال: "إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبرّ وصدق" [13]، والبرّ درجة إيمانية أعلى يوصف بها المحسن في عمله.

         الاعتدال في الربح: كان عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يتجول في أسواق الكوفة ويقول: "معاشر التجار خذوا الحق تَسلموا ، ولا تردّوا قليل الربح فتحرموا كثيره". وهذه دعوة لزيادة معدلات دوران رأس المال بعدم المغالاة في رفع الأسعار  خاصة إن كان المال المتجر به كثيراً . كما يقول ابن خلدون: "وهذا الربح بالنسبة إلى أصل المال يسير إلا أن المال إذا كان كثيراً عظم الربح لأن القليل في الكثير كثير" [14].

         المسامحة: وهي مفهوم يتسامى بالإنسان إلى درجة أخلاقية وروحية عالية. فالمسامحة نوع من أنواع الكرم مطلوب من البائع والشاري وقاضي الدين. ولقد خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم البائع قائلاً: "زن وأرجح" [15]. وأمر قاضي الدين بالإحسان في أدائه فقال: "خيركم أحسنكم قضاء" [16]. كل ذلك دون شرط مسبق حتى لا يتحول الإحسان إلى ربا. وقد يكون الإحسان على شكل مكافأة مالية أو كلمة شكر أو دعاء أو هدية. ولا يخفى على أحد ما لهذا التصرف من أثر اجتماعي حسن بعيد المدى ، فهو يشجع الناس على مساعدة بعضهم البعض ، إضافة إلى أثرها في تقليص الغش والغبن والاحتيال إلى الحد الأدنى. أما إعسار الطرف المدين عن السداد فقد حث الله تعالى الدائن على الانتظار بقوله: )وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون([البقرة:282] ويبين أن التصدق على المعسر بالدين المعدوم أو المشكوك فيه أفضل في الثواب وأوقع في النفس. وقد شمل هذا كله حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "رحم الله عبداً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى سمحاً إذا اقتضى" [17].

سابعاً - القائمون على السوق [18]: وهم الذين فوضهم ولي الأمر بالإشراف على الأسواق لتأمين العمل بشكل منتظمٍ ، سواء سمي المحتسب كما ورد في الفقه الإسلامي أو وزارة التموين أو وزارة الاقتصاد أو المصرف المركزي أو البورصة أو صندوق الاستثمار أو اللجان المحاسبية الدولية أو غيرها. فحينما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة فإن أول ما أمر به هو بناء المسجد ثم سأل عن السوق فدلّوه على سوق لليهود فأمر بإشادة سوق خاصة بالمسلمين. فكان المسجد والسوق أول ما بناه رسول الله e في أول دولة إسلامية وفي هذا دلالة واضحة على الاستقلالية الاجتماعية والاقتصادية للمسلمين. ثم قال صلى الله عليه وسلم "هذا سوقكم فلا يُنتقص و لا يُضربن عليه خَراج" [19] مما يدلّ على أن هناك شروطاً يجب توافرها في السوق أولها: عدم إكراه من فيه على شيء مما سنذكره فيما بعد ، وثانيهما: عدم فرض الضرائب عليه. لكن السوق بالرغم من كل ذلك يبقى مرتعاً خصباً لأصحاب النفوس الضعيفة التي لا تقيم وزناً لمفاهيم الخير ولا للقيم السامية فيغتنمون الفرص للقيام بالغش والتدليس والتلاعب. لذلك ضبط الإسلام أشكال البيوع ، وحدد معالم الضعف فيها ووصف لها العلاج المناسب ولفظ الخبيث منها وذلك للمحافظة على سوق سليمة معافاة لا تتأثر بالأزمات الضارة بالحياة الاقتصادية العامة. فأحدث وظيفة المحتسب لمراقبة السوق وأحواله ومنع الغش في البيوع ومحاولات التأثير على الأسعار كتلقي الركبان والنجش ومنع البيوع المحرمة كالربا والغرر. ويُذكر أن عمر بن الخطاب t شاهد في إحدى جولاته جابر بن عبد الله t وبيده درهم "فقال له: ما هذا ؟ فقال: أريد أن أشتري به لأهلي لحما قرموا إليه (أي اشتهوه). فقال عمر : أو كلما اشتهيتم اشتريتم ! ما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لابن عمه وجاره! أين تذهب عنكم هذه الآية ) أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها( [الأحقاف:20]" [20]. ويلاحظ أن عمر t قصد مراقبة السوق وضبط الطلب بغية المحافظة على الأسعار ، وكأنه سعى إلى كبح جماح الغلاء وترشيد الإنفاق. وإنما ذكر الآية الكريمة للتحكم بسلوك الفرد المسلم لأنه ملتزم بشرعه مراعياً للجماعة. وفيه أيضا محاربة للجشع والاستهلاك الإسرافي كونه ربط الشراء بالشهوة. وهذا ما دعا إليه القرآن الكريم حيث نهى عن الإسراف والتقتير ودعا للقوام بينهما بقول الله عز وجل ) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما([الفرقان:67].

إذن من أهم مهام محتسب السوق:

  تأمين الرضا والحرية لرواد السوق ، لقوله صلى الله عليه وسلم "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو قال حتى يتفرقا فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" [21].

مراقبة الإفصاح والبيان في البيع ، لقوله e فإن صدقا وبيّنا.

  التدخل في حال الترويج بالدعاية الكاذبة أي بصفات ليست موجودة أصلاً في السلعة ، لقوله e "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قال فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً ، قال أبو ذر رضي الله عنه خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" [22].

مراقبة الميازين والمكاييل ومنع التلاعب بها لقول الله تعالى (فأوفوا الكيل و لا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)[ الأعراف :85]. وقوله أيضاً:(والسماء رفعها ووضع الميزان ، ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان)[الرحمن: 7].

  تنظيم أعمال الوساطة والسمسرة في السوق وذلك بمنع تلقي الركبان وعدم الكذب وإظهار العيب ونهي بيع الحاضر لباد حتى تتبين جميع الظروف المتحكمة بالعرض والطلب.

تهيئة كل ما يضمن حرية الانتقال والدخول والخروج من السوق وإليها. لذلك قال ابن تيمية في تعريفه: "ورفع الضرر عن الطريق بدفع الحرج عن السابلة من الغادين والرائحين" حفاظا على حرية رواد السوق لتأمين الرضا لهم في اتخاذ القرار الأنسب وحفظ حقوقهم.

منع الاحتكار والبيوع المنهي عنها ، ومعالجة مشكلة التسعير. وهو ما سنتعرض له في المباحث القادمة بشيء من التفصيل.


المبحث الثاني
 

الاحتكار هو "اشتراء الطعام ونحوه وحبسه إلى الغلاء" [23]، أو "رصد الأسواق انتظارا لارتفاع الأثمان" [24]، أو "إشتراء القوت وقت الغلاء وإمساكه وبيعه بأكثر من ثمنه للتضييق" [25]، أو "كل ما أضر بالناس حبسه فهو احتكار" [26]. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار بقوله: "لا يحتكر إلا خاطئ" [27]. وشدد على عدم التضييق على الناس بأقواتهم فقال "من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه" [28]. وحث على الجلب وهو عكس الاحتكار فقال: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" [29]. و للغزالي نظرة شاملة في تفسير الإتجار بالأقوات الضرورية بقصد احتكارها ، وبين أن الإنسان أهم من المال. فذكر في كتابه إحياء علوم الدين أن "التجارة في الأقوات مما لا يُستحب لأنه طلب ربح، والأقوات أصول خلقت قواما، والربح من المزايا، فينبغي أن يطلب الربح فيما خلق من جملة المزايا التي لا ضرورة للخلق إليها" [30].

والاحتكار سواءً كان على مستوى الفرد أو الجماعة أو المنظمات فهو منهي عنه (كسلوك بعض النقابات أو الاتحادات المهنية كالكارتل [31] والتروست [32]) مما يتوجب على القائم بأعمال السوق منعه. وهذا ما بيّنه ابن تيمية بقوله: فمنع البائعين الذين تواطؤوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن قدروه أولاً ، وكذلك منع المشترين إذا تواطؤوا على أن يشتركوا فيما يشتريه أحدهم حتى يهضموا سلع الناس أولاً [33]. وذكر أيضا الاحتكار الصناعي والزراعي والإنشائي فقال:"ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة ناس مثل حاجة الناس إلى الفلاحة والنساجة والبناية". ووصف هذا السلوك بالعدوان وهو أعظم من التعدي على سوق بعينه كتلقي الركبان أو بيع النجش.

ويترتب على القائم بأعمال السوق التصدي لمثل هذه التكتلات، كما يترتب عليه إجبار الناس على القيام بمثل هذه الأعمال لكفاية الناس من الحاجة لغيرهم. وهذا يعتبر من ضوابط إدارة السوق والمنظمات التسويقية. فقد روي أن عمر بن الخطاب t دخل السوق ذات مرة ولم ير فيه إلاّ النبط (الأجانب)، فلما اجتمع الناس أخبرهم بذلك وعذلهم (لامهم) في ترك السوق. فقالوا: إن الله أغنانا عن السوق بما فتح علينا. فقال t: والله لئن فعلتم (أي تركتم السوق) ليحتاج رجالكم إلى رجالهم ونساؤكم إلى نسائهم. وهذا دلالة على مدى تدخل القائم على السوق فهو يحلل ويتوقع فينصح ويرشد خشية الوقوع في المفاجآت. ولقد أدرك عمر t مدى أهمية استقلالية الأسواق فقال مقالته تلك.


المبحث الثالث
التسعير

السعر هو الثمن الذي تتم على أساسه عملية التبادل بين البائع والمشتري. والأصل أن يتحدد تلقائيا دون تدخلٍ بناء على عوامل العرض والطلب. ولا يمكن أن تتم أي عملية تبادل في السوق دون تحديد السعر بغض النظر عن كونه وحدات نقدية أو عينية.

وقد ميّز ابن عابدين بين الثمن والقيمة فقال: "الثمن هو ما تراضى عليه المتعاقدان سواء زاد على القيمة أو نقص. والقيمة هي ما قوّم به الشيء بمنزلة العيار من غير زيادة و لا نقصان" [34]. فالأول أي الثمن يكون برضى الطرفين ومن الممكن أن يُغبَن أحد الطرفين ويرضى بسبب حاجته ، وقد يعبر ذلك عن سوق احتكارية. أما الثاني أي القيمة فتمثل العوض المعيار حسب عوامل العرض والطلب في سوق منافسة كاملة. ويذكر أبو جعفر الدمشقي آلية تحديد القيمة المتوسطة و تبدل السعر حسب درجته فقال [35]: الوجه في التعرّف على القيمة المتوسطة أن تسأل الثقات الخبيرين عن سعر ذلك في بلدهم على ما جرت به العادة أكثر الأوقات المستمرة، والزيادة المتعارفة فيه والنقص المتعارف والزيادة النادرة والنقص النادر وقياس بعض ذلك ببعض ، مضافا إلى نسبة الأحوال التي هم عليها من خوف أو أمن ومن توفّر وكثرة أو اختلال وتستخرج بقريحتك لذلك الشيء قيمة متوسطة أو تستعملها من ذوي الخبرة والمعرفة والأمانة منهم. فإن لكل بضاعة ولكل شيء مما يمكن بيعه قيمة ، قيمة متوسطة معروفة عند أهل الخبرة به ، فما زاد عليها سمي بأسماء مختلفة على قدر ارتفاعه ، فإنه إذا كانت الزيادة يسيرة قيل تحرك السعر ، فإن زاد شيئا قيل قد نفق ، فإن زاد أيضا قيل ارتقى ، فإن زاد قيل غلا ، فإن زاد قيل قد تناهى فإن كان مما الحاجة إليه ضرورة كالأقوات سمي الغلاء العظيم والمبير. وبإزاء هذه الأسماء في الزيادة أسماء النقصان ، فإن كان النقصان يسيرا قيل هدأ السعر ، فإن نقص قيل قد رخص، فإن نقص قيل قد بار ، فإن نقص قيل قد سقط ، وما شاكل هذا الاسم.

وقال ابن تيمية عن تقديره لسعر السوق أو ما أسماه عِوض المثل أو قيمة المثل وأجرة المثل: "إن عِوَض المثل هو الذي يقال له السعر فالأصل فيه اختيار الآدميين وإرادتهم ورغبتهم" [36].

أما القاضي عبد الجبار فقد عرّف الثمن بأنه تقدير البدل الذي تباع به الأشياء على وجهة التراضي. ويلاحظ أنه عبر عنه بكلمة البدل بغض النظر عن التكلفة وطبقا لظروف السوق. وقد رد أسباب الرخص إلى العوامل التالية [37] :

         كثرة الشيء ووفرته.

         زيادة العرض فإذا عدل الناس إلى متاع آخر أدى ذلك إلى انخفاض قيمة المتاع الأول. وكذلك إذا تلفت البهائم فيزداد عرض علفها.

         قلة الحاجة: كنقصان الطلب بسبب الاكتفاء ، أو تغير عادات المستهلكين وأذواقهم.

         قلة المحتاجين: كالوباء والهلاك (أي بسبب انخفاض عدد السكان).

كما رد أسباب الغلاء إلى عوامل السوق أو فعل فاعل. فعوامل السوق هي:

         قلة الشيء مع الحاجة إليه.

         كثرة المحتاجين إليه.

         زيادة الحاجة والشهوة : بسبب المجاعة وعدم الشبع أو تغير عادات المستهلكين كالترف مثلاً. وقد ذكرنا سابقاً قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجابر بن عبد الله رضي الله عنه "أوكلما اشتهيتم اشتريتم".

         الخوف من عدم الحصول عليه: ويعود ذلك إلى عوامل نفسية وتوقعات المستهلكين.

أما الأسباب التي تعود لفعل فاعل فقد تكون:

         طبيعية (ظروف خارجة عن الإرادة).

         أو حكومية (عوامل سياسية).

         أو مصالح شخصية (عوامل اقتصادية كالاحتكار).

ويرى ابن تيمية أن ارتفاع السعر لقلة الرزق (العرض) أو كثرة الخلق (الطلب) هو ارتفاع عادل ، كما يراه أمراً ضرورياً لكي تقوّم به المبيعات [38].

ولقد عزل الخليفة القاهر أحد عماله لأنه قدّر ثمن الفواكه أكثر من سعر السوق ، ثم جبى الضرائب نقدا على أساس هذا التقدير. وأمره بأن يأخذ الخراج مقاسمة سواء كان ذلك على خراج الشجر أو خراج الغلات [39]. وعندما طلب الصحابة رضي الله عنهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسّعر لهم قال: "إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد بظلمة ظلمته إياها في دم ولا مال" [40].

ويرى ابن قدامة بأن "التسعير هو سبب الغلاء لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلدا يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون ومن عنده بضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها ، ويطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلا قليلا فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها فتغلوا الأسعار ويحصل الإضرار بالجانبين ، أي جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم ، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه فيكون حراما" [41].

أما القاضي عبد الجبار فأجاز التسعير إذا كان فيه نفع ومصلحة وذلك من باب المعروف والنصيحة في الدين. "وأجازه إذا تواطأ الناس على السعر لنفع لهم ما لم يؤّد إلى مضّرة عظيمة فالمالك مسلط على ملكه فله أن يبيع بسعر مخصوص وأن يمتنع من بيعه ما لم يؤد إلى ضرر عام" [42].

وأجاز ابن تيمية التسعير في حالات محددة : "كالأزمات والمجاعات والاضطرار إلى طعام الغير والاحتكار والحصر وحالة التواطؤ بين البائعين أو بين المشترين" [43] ، ولعل علياً بن أبي طالب  قد وضع حدودا للسعر في كتابه إلى واليه على مصر الأشتر النخعي بقوله : "ليكن البيع بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين من البائع والمبتاع". ووصف ابن تيمية عملية التسعير بأنها صيانة لحقوق المسلمين فقال: "إن مصلحة الناس إذا لم تتم إلاّ بالتسعير سّعر عليهم تسعير عدل لا وكس فيه ولا شطط وإذا اندفعت حاجتهم وتمت مصلحتهم بدونه لم يفعل [44]. فمثلاً إذا احتاج الناس لصناعة ما كالفلاحة أو الخياطة أو ما شابه ذلك فإن لولي الأمر (المحتسب) أن يجبر أهل هذه الصناعات على ما يحتاج إليه الناس من صناعتهم ، ويقدر لهم أجرة المثل ولا يحق للصانع المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل وهذا من التسعير الواجب.

كما لا يحق لأحد أن يبيع بسعر أخفض أو أعلى من الأسعار المتوسطة السائدة في السوق حتى لا يفسد على الآخرين ، فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال لحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيباً له بالسوق: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا. وسواء باع بخمسة والناس يبيعون بثمانية أو باع بثمانية والناس يبيعون بخمسة فإن ذلك ممنوع لأنه يفسد على أهل السوق وربما أدى ذلك للشغب والخصومة [45]. ومن الفقهاء من رأى بأن لا يُجبَر الناس على البيع إنما يُمنعون من البيع بغير السعر الذي يحدده ولي الأمر على حسب ما يرى فيه من مصلحة البائع والمشتري على حد سواء ، ولا يمنع البائع ربحاً ، ولا يسوغ منه ما يضر بالناس.

تقاطع الاحتكار مع التسعير: أوضح ابن تيمية كيفية تقاطع الاحتكار مع التسعير بقوله: "إذا امتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلاّ بزيادة على القيمة المعروفة ، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل ولا معنى للتسعير إلاّ إلزامها بقيمة المثل فيجب أن يلتزموها بما ألزمهم الله به" [46]. أما آلية تحقيق ذلك ، فيقول ابن تيمية "ينبغي على الإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ، ويحضر غيرهم استظهاراً على صدقهم فيسألهم كيف يشترون وكيف يبيعون فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا ولا يُجبرون على التسعير" [47]. والرضى عامل مهمّ في زرع الثقة والطمأنينة بين روّاد السوق حيث يؤدي ذلك إلى الازدهار ونمو التبادل واستقرار الأسعار وبالتالي انتعاش الحركة التجارية. أما العكس أي إكراه البائعين على البيع بسعر معين دون النظر إلى التكاليف فإنه يؤدي إلى "فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس" [48]. وتلجأ البورصات حاليا إلى ما يشبه ذلك لتحديد أسعار الصرف. "أما أسعار الصرف الخاصة بالعملات الأجنبية فيتم تحديدها يومياً من قبل الوسطاء المقبولين أو المعتمدين من قبل البورصة المعنية أي المصارف بما فيها المصرف المركزي" [49]. وقد سبق ابن تيمية في آرائه ما يطبق اليوم في البورصات العالمية ب 700 عام تقريباً ، حيث أنه أوجب على ولي الأمر جمع وجهاء السوق واستخراج آرائهم للوصول إلى ما يرضي جميع الأطراف. يقابله في البورصات اليوم آراء الوسطاء المعتمدين والمقبولين. كذلك فإن قرار ولي الأمر عند ابن تيمية يقابله رأي المصارف صاحبة العلاقة. بل زاد ابن تيمية عند تحديده للسعر بالمنازلة أي المساومة دون الإكراه.ولقد تنبه ابن تيمية إلى التكتلات من نقابات وكارتل وتروست ودورها في التلاعب بالأسعار ،كما أشار إلى تسعير الأعمال والأجور فقال: "ولا ُيمكَّن المستعملون من ظلمهم، ولا العمال من مطالبتهم بزيادة على حقهم مع الحاجة إليهم فهذا تسعير الأعمال" [50]. ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من التلاعب بالأسعار بقوله "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم فإن حقا على الله تبارك وتعالى أن يُقعده بِعظْم من النار يوم القيامة" [51].

وأخيرا لابد من الإشارة إلى دور المعايير المحاسبية في تنظيم الأسواق وذلك بنشرها بيانات ومعلومات تفيد في ضبط وتحريك الأسعار وتساعد في معرفة ووصف الوضع الذي تمارس به المنشأة أعمالها، ومدى التوقعات التي من الممكن الوصول إليها. فالأرباح الموزعة هي من المؤشرات الهامة في تحديد سعر السهم ، كما أن معدلات التشغيل ومعدلات الأجور تساعد في تحديد المستوى العام للأجور ، ومن المؤكد بأن بيع السلع والخدمات يتأثر بالمعلومات التي تنشرها هذه القوائم.

أثر الأسعار على حالة الأسواق: أشار ابن خلدون إلى سلسلة العمليات والإجراءات المتتالية التي تؤدي إلى فساد حالة السوق بفساد التسعير فيها ، واستفحال ذلك كلما طال الأمد حتى يؤثر ذلك في جميع نواحي الحياة. فقال [52]: "فإذا كان الرخص في أسعار السلع والعرَض من مأكول أو ملبوس أو متموَّل فسد الربح والنماء بطول تلك المدة ، وكسدت سوق ذلك الصنف ، فقعد التجار عن السعي فيها ، وفسدت رؤوس أموالهم واعتبر ذلك أولاً بالزرع ، فإنه إذا اُستديم رخصه يفسد به حال المحترفين بسائر أطواره من الفلح والزراعة لقلة الربح فيه وندرته أو فقده ، فيفقدون النماء في أموالهم أو يجدونه على قلة، ويعودون بالإنفاق على رؤوس أموالهم وتفسد أحوالهم ويصيرون إلى الفقر والخصاصة. ويتبع ذلك فساد حال المحترفين أيضا بالطحن والخبز وسائر ما يتعلق بالزراعة من الحرث إلى صيرورته مأكولاً. وكذا يفسد حال الجند إذا كانت أرزاقهم من السلطان على أهل الفلح زرعاً ، فإنها تقل جبايتهم من ذلك ويعجزون عن إقامة الجندية التي هي بسببها ومطالبون بها ومنقطعون لها فتفسد أحوالهم. وكذا إذا استديم الرخص في السكر أو العسل فسد جميع ما يتعلق به وقعد المحترفون عن التجارة فيه وكذا الملبوسات إذا استديم فيها الرخص".

إذن الرخص المفرط يجحف بمعاش المحترفين بالأصناف الرخيصة وكذلك الغلاء المفرط. وإنما معاش الناس وكسبهم في التوسط من ذلك وسرعة حوالة الأسواق.


المبحث الرابع
بيوع منهي عنها

لقد ذكرنا سابقاً أن من واجب القائم بأعمال السوق منع البيوع التي فيها غرر أو ربا أو ضرر أو ما اقترن منها بشرط غير ملائم.

         البيوع التي فيها غرر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن "بيع الملامسة و المنابذة" [53] أي أن ينبذ كل طرف ثوبه للآخر دون النظر لثوب صاحبه ، أو أن يلمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل [54]. وعن "بيع الحصاة" كأن يقول بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أرميها ، وبيع السمك في الماء الكثير واللبن في الضرع وبيع الحمل في البطن. و"بيع حبل الحبلة" كبيع الناقة بثمن مؤجل إلى أن تلد الناقة ويلد ولدها أو أن يبيع ولد الناقة الحامل في الحال. ونهى كذلك صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان قبل دخولهم الأسواق ومعرفة الأسعار بقوله:"ولا يتلقى الركبان لبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، ولا تناجشوا ، ولا يبع حاضر لباد ، ولا تصروا الإبل والغنم ، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو يخير النظر من بعد أن يحلبها فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" [55]. ونهى عن "بيع النجش" وهو أن يدفع الرجل في السلعة سعراً وهو لا يريد شراءها ، إنما ليزيد في السعر فيقتدي به من يريد الشراء فيدفع أكثر مما تستحق. وعن بيع الحاضر للباد "لا يبيعن حاضر لبادٍ دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" [56]. وفي هذا تحجيم لأعمال السمسرة غير المجدية إلا إذا وضحت الأسعار طبقاً للعرض والطلب. ونهى أيضاً عن "بيع المحفِّلة أو الُمصَرَّاة" وهي عبارة عن ربط أخلاف الناقة والشاة وعدم حلبها ليجتمع لبنها فيكثر ويظن المشتري أن ذلك من عادتها فيزيد في ثمنها لما يرى من كثرة لبنها. أي إظهار السلعة بما ليس فيها "لا تستقبلوا السوق ولا تحفّلوا و لا ينفق بعضكم لبعض" [57]. ونهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحه "لا تبتاعوا الثمر قبل أن يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة" [58]. وعن بيع النخل حتى يزهو. وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة. وعن بيع العنب حتى يسود. وعن بيع الحب حتى يشتد. ونهى صلى الله عليه وسلم أيضاً عن بيع المزابنة وهو أن يباع ثمر النخل بالتمر قبل أن يوزن ، وعن بيع المحاقلة وهو أن يباع الزرع بالقمح أي قبل الحصاد. والدرس وعن بيع الزبيب بالعنب كيلاً. كما نهى عن بيع الُعرية إلا أن يخرصها من التمر أو الرطب. والخَرص هو التخمين حسب خبرة ودراية أهل الاختصاص.  وهذا التشدد كلّه مرده لمنع الخلاف والنزاع بين أهل السوق بغية تأمين الحرية والرضا لهم دون خوف. وهذا ما توصلت إليه أسواق البورصة فقد عملت على "وضع قوانين واتخاذ تدابير وإجراءات صارمة مع وجود هيئة مختصة لتطبيقها وبالتالي حماية الفرد المستثمر والاقتصاد ككل من الآثار السلبية للمضاربة" [59].

         البيوع المشتملة على الربا: كبيع المسترسل وهو الشخص الذي لا يساوم ولا يعرف حقيقة السعر"غبن المسترسل ربا" [60]. وربا الفضل أي الزيادة في التبادل مع نفس الجنس لقوله صلى الله عليه وسلم "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء" [61]. وربا النسيئة لقوله تعالى:(وذروا ما بقي من الربا)[ البقرة :278] وقوله صلى الله عليه وسلم "لعن الله آكل الربا و مؤكله وشاهديه وكاتبه وقال: هم سواء" [62]. وبيع العِينة كأن يقول مالك السلعة للآخر الذي يريد الاقتراض منه اشتر السلعة بعشرة نقدا وأنا أشتريها منك باثنتي عشرة لأجل.

         البيوع التي فيها ضرر متوقع: كالبيوع التي تؤدي إلى الاحتكار والتضييق على الناس والإضرار بهم. أو إذا كان القصد هو الإفساد في الأرض كبيع العنب لمن سيعصره خمرا. وكذلك البيوع التي تؤدي إلى فوات صلاة يوم الجمعة لقوله تعالى: )يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة  فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع( [ الجمعة :9]. والبيع على البيع لقوله صلى الله عليه وسلم "لا يبع بعضكم على بيع بعض" [63]. والتلاعب بسعر الوقت وأن لايخفي منه شيئا [64] لرفع الأسعار و إلحاق الضرر بالناس. وكذلك بخس الناس سلعهم وخدماتهم وأشياءهم لقوله تعالى: )فأوفوا الكيل و لا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها([ الأعراف :85]. إضافة إلى ذلك ضرورة مراقبة عدم التلاعب بالموازين والمقاييس والمكاييل لقوله تعالى: ) والسماء رفعها ووضع الميزان ، ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان([الرحمن:7]. كما نهى الأغنياء عن التأخر في سداد ما عليهم من ذمم لقوله صلى الله عليه وسلم "مُطل الغني ظلم" [65] لما لذلك من أثر على التبادل وخاصة على صغار الملاك. وطلب من المدين السعي لوفاء دينه لقوله e ، "من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله" [66]. وطلب ممن يستطيع إحالة دينه أن يفعل خاصة إذا كان المحال عليه مليئاً لقوله e "إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع" [67]. كما نهى e أن تباع السلع المشتراة حتى يحوزها التجار إلى رحالهم لقوله صلى الله عليه وسلم "إذا اشتريت بيعاً فلا تبعه حتى تقبضه" [68]. ونهى e عن الحلف مع البيع لقوله صلى الله عليه وسلم "الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة" [69]. كما نهى في حديث آخر عن بيع ما ليس متوافرا لقوله صلى الله عليه وسلم "لا تبع ما ليس عندك" [70] لما في لذلك من زيادة احتمالات النزاع وزيادة حالات البيع والشراء الوهمية التي تؤدي في الغالب إلى تدهور الحالة الاقتصادية. وهذا بالفعل ما تنبهت إليه أسواق البورصة فعمدت للتخفيف منها "فالقائمون على العملية يبقون - ولمدة شهر - مدينين وبالتالي يمكنهم بيع وشراء الأصل ذاته عدة مرات وحصد أو قبض الفوارق الحاصلة بين الأسعار المتغيرة يوميا... وبالطبع تجبر - مثل هذه الخاصية التي تساعد على المضاربة - السلطات المعنية على تحديد شروط وقيود لمثل هذه السوق" [71].

         البيوع المقترنة بشرط مخالف للأصول الشرعية: كأن تكون السلعة محرمة أصلاً كالميتة والدم ولحم الخنزير لقوله تعالى:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) [المائدة:90] أو كالخمر والميسر لقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب و الأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) [المائدة:90]. وقوله صلى الله عليه وسلم "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة ولحم الخنزير والأصنام. فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود و يستصبح بها الناس. فقال: لا هو حرام. ثم قال صلى الله عليه وسلم قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه" [72].

النتائج والتوصيات

 مما سبق نستنتج أن الفقه الإسلامي ، ومن خلال نظرة الإسلام الشاملة لجميع نواحي المجتمع ، كان سباقاً في إدارة دفة الاقتصاد، وناجحاً في دمج الحياة الاقتصادية والاجتماعية معاً بما يضمن كرامة الإنسان وحريته بغض النظر عن معتقده. فقد أظهر الإسلام دور المال وأوضح أهميته ، وبيّن ضرورة عدم تداوله بشكل خاطئ وعدم اكتسابه بطرق غير شرعية كالرشوة أو الربا أو الاغتصاب. إضافة إلى أن الفرد الذي صقله الإسلام ووقر في قلبه الإيمان تشكلت لديه المناعة ضد كل ما يؤدي إلى إحداث ضرر في المجتمع مهما كان نوعه. على عكس الفرد الذي دُرّب وهُيئ للصراع الاقتصادي والتنافس المادي القائم على الأسس الرياضية والإحصائية دون النظر لمصالح المجتمع فإنه يُصبح من الصعب إجباره أو توجيهه نحو حسابات اجتماعية يظهر معها آثار الضرر البيئي والاجتماعي الذي يُحدثه مشروعه في المجتمع وما يحيط به.

إضافة إلى أنه أرسى أسواقاً ذات دعائم متينة بعيدة عن الغش وأساليبه ، وخالية من المنافسات غير الشريفة كالاحتكار أو عرقلة انتقال السلع والأفراد من وإلى السوق ، وهدفها تحديد السعر بناء على الطلب والعرض العادلين من خلال ظروف تنافسية تعكسها حالة البلدان السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وفي حال ظهور أي خلل في تحديد السعر على غير تلك القواعد يتوجب على القائم بأمر السوق التدخل لمنع تعدي أحد الفريقين على الآخر والسعي إلى التسعير من جديد لإعادة التوازن بين العرض والطلب.

وفيما يلي مخطط مقترح يبين أهمية المعلومات المتاحة لتنظيم الأسواق وتحديد الأسعار حسب العرض والطلب ودور الفقه الإسلامي في ذلك:

 

 وبناء على ما سبق فإنني أوصي الأخ القارئ بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع مناهج الحياة لأنها شريعة الله أولاً ، وفيها من الثوابت ما لا يستطيع حاكم تغييره أو محكوم مما يساعد في ثبات الأحوال واستقرارها ثانياً. وفيها من المتغيرات والاجتهادات ما يجعلها تستفيد من جميع التطورات المحيطة شريطة أن لا تخالف تلك الثوابت ثالثا.

وقد طبقها الناس على اختلاف مذاهبهم اعتقاداً وعملاً على مرّ العصور ، مما أثبت جدارتها وملاءمتها لكل زمان ومكان.

إضافة إلى أن سلوك الفرد المسلم والجماعات المؤمنة يتحدد من خلال رقابة ذاتية مصدرها الإيمان بالله تعالى ورقابة خارجية مصدرها وازع الحاكم الذي أوجب الله تعالى طاعته بقوله:( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا)[ النساء :59].

وإن تطبيق قوانين الغير وتشريعاته دون العودة إلى ما لدينا من كنوز ، يؤدي إلى وقوع المخلصين من الناس في ازدواجية هم في غنى عنها لأنهم سيطبقون في آن واحد أحكام شريعتهم وأحكام القوانين الملزمين بها مما يسبب التشويش والاضطراب والظلم أحياناً. كما يؤدي ذلك إلى ظهور طبقة من الناس محتالة على القانون نظراً لسهولة التفلت من رقابة الحاكم.

ويجب على الجهات التي حلت محل المحتسب وهي وزارة التموين أو وزارة الاقتصاد أو المصرف المركزي أو البورصة أو صندوق الاستثمار أو اللجان المحاسبية الدولية وغيرها أن تسعى إلى تطبيق الأحكام الإسلامية لأنها عقيدة أغلبية الناس فمن الواجب العمل بمقتضاها. فوزارة التموين حالياً تقوم بمراقبة ميازين ومكاييل الأسواق وتحارب الغش والتدليس والفساد ، لكنها تتدخل في سياسة التسعير بل وتجبر المنتجين والبائعين عليه مما يعرقل المنافسة والتسابق نحو خدمة المستهلك ، فضلاً عن بعض الذين يتمكنون من الاحتيال على القانون فيضعون الأسعار التي تناسبهم. وعلى كل حال فإن هذه السياسة لم تعد تجدي نفعاً خاصة بعد بدء تطبيق أحكام منظمة التجارة العالمية WTO ودخول المنتجات والسلع والخدمات إلى أسواقنا من كل حدب وصوب.

ومن المفيد تنظيم معايير مهنة الوساطة والسمسرة ومنع التكتلات المؤدية إلى إلحاق الضرر والظلم بالناس وتأمين الحرية والإفصاح اللازمين لرواد السوق من بائعين ومشترين ومنع غبن المسترسل وعدم تلقي السلع والقادمين من خارج البلد قبل أن يعلموا حقيقة الأسعار. وهذا الكلام موجه تماماً للوسطاء والسماسرة لأن الحاضر المقيم في السوق على علم ودراية بالسعر وظروف السوق ، أما الجالب للسلعة من خارج السوق فهو جاهل بهما. ولا يصح حتى أن يتوكل له به (مع أن جنس الوكالة مباح) لأنه إذا توكل له مع خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري فنهاه عن التوكل له لما في ذلك من زيادة السعر على الناس. والهدف من كل هذا هو محاربة ارتفاع الأسعار بفعل فاعل ، والذي هو عامل أساسي من عوامل تفشي التضخم.

ويجب مراقبة ومحاسبة الإدارات المشرفة على الأسواق والتي حلت محل المحتسب. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستوفي الحساب على العمال ويدقق عليهم. وهذا ما فعله مع صحابي من الأزد يقال له ابن اللتبية كان قد استعمله على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي. قال: فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه فقال: اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت ثلاثا" [73]. وبهذا فقد أرسى معياراً لتعريف الرشوة (التي هي أصل كل فساد إداري) بما لا يترك أي لُبسٍ لأحد.

انتهى والحمد لله رب العالمين

الهوامش

1  [سنن أبي داوود:3016]

2  ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، ص30 ج1

3  الغزالي ، إحياء علوم الدين ، ج3 ، ص 396.

4  ابن خلدون، المقدمة، مطبعة مصطفى محمد بمصر ، ص 362.

5 الغزالي ، مرجع سابق ، ج3 ، ص 350.

6  عفر ، د. محمد عبد المنعم ، الاقتصاد الإسلامي – النظام والسكان والرفاه والزكاة - ، ج1 ، ص 156. ، دار البيان العربي بجدة ، 1985.

7  [سنن الترمذي : 1939]

8  [سنن الترمذي : 3350]

9  [سنن الترمذي : 1130]

10  [سنن أبو داوود : 2936]

11  [صحيح البخاري : 2008]

12  [صحيح مسلم : 82]

13  [سنن ابن ماجة : 2137]

14  ابن خلدون ، مرجع سابق ، ص 395.

15  [سنن النسائي : 4515]

16  [صحيح البخاري : 2215]

17 [سنن ابن ماجة : 2194]

18 اشترط البنك الدولي في تقريره عن التنمية في العالم لعام 2002 تحت عنوان "بناء المؤسسات من أجل الأسواق" أن المؤسسات القائمة على السوق حتى تكون قادرة على تحقيق النمو وتحسين حياة الناس فإنها مطالبة بتحقيق أربعة شروط: (1) مكافحة الفساد

(2) التجديد في تصميم السياسات والمؤسسات (3) الاتصال بين المجتمعات الفاعلة في السوق من خلال تدفق المعلومات والتجارة المفتوحة (4) تعزيز المنافسة بين الشركات والأفراد.

وحسبما ذكرنا فقد شمل الفقه الإسلامي وحقق على أرض الواقع أكثر من هذه الشروط فمداخلات عمر بن الخطاب وابن تيمية أوضحت سبل المراقبة المستمرة وتوقع المستقبل والقيام بالتجديد اللازم وكذا محاربة الفساد والإفساد بكل أشكاله كما أن المنافسة مشروطة بمصلحة الجماعة وقد ضمن الفقه الإسلامي حرية انتقال السلع والأشخاص والأموال ومنع رسول الله e أن تفرض الرسوم والضرائب على الأسواق ، كما اشترط الشرع الإسلامي النصح والإفصاح في البيع والشراء بما يضمن تبادل المعلومات بين جميع أطراف السوق بغض النظر عن كونه مسلماً أو غير مسلم.

19[سنن ابن ماجة : 2224]

20  رواه الحاكم.

21 [صحيح البخاري : 1937]

22[صحيح مسلم : 154]

23  ابن عابدين ، رد المحتار ، جزء 5 ص 255.

24  الدردير ، أحمد بن محمد ، الشرح الصغير ، جزء 1 ص 639.

25  ابن قدامة ، المغني ، جزء 4 ص 244.

26  الغزالي ، إحياء علوم الدين، ج 2، ص314.

27  [سنن ابن ماجة : 2145]

28  [مسند أحمد : 4648]

29  [سنن ابن ماجة : 2144]

30  الغزالي ، إحياء علوم الدين ، مرجع سابق ، ص69.

31  هي تجمعات احتكارية رأسمالية تتقاسم السوق الداخلية بسيطرتها المطلقة تقريبا على كل إنتاج البلاد. نقلا عن الموسوعة الاقتصادية لمجموعة من الاقتصاديين ، دار ابن خلدون ببيروت 1980، ص 407.

32  شكل من أشكال الاحتكارات تتكون من تشكيلة مالية تسيطر على أسهم شركات معينة وتحولها إلى هيئة تشرف عليها مما يحول هذه الشركات إلى المجموعة المسيطرة على الهيئة مثل التروستات التي تجمع شركات تنتج المواد الأولية وتدير المصانع وتنتج منتجات نهائية وشبه نهائية. نقلا عن الموسوعة الاقتصادية ، مرجع سابق ، ص 136.

33  ابن تيميه ، مرجع سابق ص 25.

34  ابن عابدين ، حاشية ابن عابدين ، ج 4 ص 575.

35  الدمشقي ، أبو جعفر ، الإشارة لمحاسن التجارة ، ص 22.

36  ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، ج 29، ص 520.

37  القاضي عبد الجبار ، المغني في أبواب التوحيد والعدل ، مرجع سابق، ج 11 ص 56-57.

38  ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 38.

39  الصابي ، تاريخ العراق الاقتصادي ، ص 183

40  [سنن الترمذي : 1235]

41  ابن قدامة ، المغني مع الشرح الكبير مرجع سابق ، جزء 4 ص 164.

42  القاضي عبد الجبار ، المغني في أبواب التوحيد والعدل ، جزء 11 صفحات 55-58.

43  ابن تيمية ، مجموع الفتاوى ، الصفحات 28-77.

44  القرضاوي ، د. يوسف ، الاقتصاد الإسلامي ، دار الرسالة ، 1996 طبعة 1. ص 458.

45  ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 39.

46  ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 23.

47  ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 40.

48  ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 41.

49  لطفي ، مرجع سابق ، ص 31.

50 ابن تيمية ، الحسبة في الإسلام ، مرجع سابق ص 32.

51 [مسند أحمد : 19426]

52 ابن خلدون ، مرجع سابق ، ص 398.

53  [صحيح البخاري : 2002]

54  عناية ، د. غازي ، ضوابط تنظيم الاقتصاد في السوق الإسلامي ، دار النفائس ، بيروت، 1992. ص 21.

55  [صحيح مسلم : 2790]

56  [مسند أحمد : 14685]

57  [سنن الترمذي : 1189]

58  [صحيح مسلم : 2829]

59  لطفي ، د. عامر ، البورصة وأسس الاستثمار و التوظيف، منشورات دار شعاع ، 1999 ، ص 81.

60  قاعدة شرعية

61  [صحيح مسلم : 2971]

62  [صحيح مسلم : 2995]

63  [صحيح البخاري : 2020]

64  الغزالي ، مرجع سابق ج 2 ، ص 145.

65  [صحيح البخاري : 2225]

66  [صحيح البخاري : 2212]

67  [سنن النسائي : 4609]

68  [مسند أحمد : 14777]

69  [صحيح البخاري : 1945]

70 [سنن الترمذي : 1153]

71  لطفي ، مرجع سابق ، ص 37 . نقلا عن de mourgues, M. “Economie Monetaire institutions et mecanismes”,1984.

72  [صحيح البخاري : 2082]

73  [صحيح البخاري:2407

المراجع

1.         الحسبة في الإسلام، أحمد الحراني الدمشقي "ابن تيمية"، 1967، دار البيان بدمشق.

2.         مجموع الفتاوى، أحمد الحراني الدمشقي "ابن تيمية"، جمع محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، الرياض، 1398.

3.         المقدمة  ، ابن خلدون ، مطبعة مصطفى محمد بمصر.

4.         المغني مع الشرح الكبير ، ابن قدامة ، 13 جزء.

5.         حاشية ابن عابدين  رد المحتار على الدر المختار ، ابن عابدين.

6.         الإشارة إلى محاسن التجارة ومعرفة جيد الأعراض ورديها وغشوش المدلسين فيها ، أبو الفضل جعفر بن علي الدمشقي، دار صادر ببيروت ، طبعة 1 ، 1999.

7.         تاريخ العراق الاقتصادي ، الصابي .

8.         إحياء علوم الدين ، محمد أبي حامد الغزالي، 1993 الطبعة الثانية ، أربعة أجزاء ، مطبعة دار الخير.

9.         سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، المكتبة العلمية.

10.       سنن الترمذي ، الجامع الصحيح ، تحقيق  أحمد شاكر ، دار الفكر.

11.       سنن النسائي ، بحاشيتي السندي والسيوطي ، دار الكتاب العربي ببيروت.

12.       صحيح البخاري ، تحقيق د. مصطفى البغا ، دار العلوم الإنسانية ، طبعة ثانية ، 1993.

13.       صحيح مسلم ، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ، دار الحديث ، طبعة أولى ، 1991.

14.       الاقتصاد الإسلامي ، د. محمد عبد المنعم عفر، أربعة أجزاء، دار البيان العربي بجدة ، 1985.

15.       ضوابط تنظيم الاقتصاد في السوق الإسلامي ، د. غازي عناية، دار النفائس ، بيروت ، 1992.

16.       البورصة وأسس الاستثمار و التوظيف ، د. عامر لطفي، منشورات دار شعاع ، 1999.

17.       مسند أحمد

18.       الشرح الصغير ، أحمد بن محمد الدردير ، جزئين.

19.       المغني في أبواب التوحيد والعدل ، القاضي عبد الجبار.

20.       الاقتصاد الإسلامي، د. يوسف القرضاوي، دار الرسالة، 1996 طبعة 1.

 

المخالفات الشرعية في بطاقتي الخير و التيسير الائتمانية

 إعداد : خالد بن إبراهيم الدعيجي
وردنا هذا المقال المهم بواسطة بريدنا الإلكتروني

 مقدمة

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

أما بعد: ففي ظل تنامي السوق المالية، وتطور شبكة الاتصالات الدولية، أدى ذلك إلى تنافس المصارف التجارية بجلب أكبر عدد من العملاء؛ لتوفير قدر أعلى من الربح: فقامت بتقديم خدمات مصرفية، وتسهيلات لعملائها،فأنشأت في ساحة التعامل المصرفي مجموعة من :" عقود الائتمان" منها:

1-بيع المرابحة للآمر بالشراء.

2-بيع الأجل.

3-الاستصناع.

4-بطاقات الائتمان.

وأوسع هذه العقود انتشاراً هي بطاقات الائتمان، إذ يصدرها نحو:"200" مائتي بنك في العالم في أكثر من "163" دولة، مستخدمة في أكثر من (12000000) محل تجاري في العالم، وللسحب والتمويل فيما يقرب من :"500000" مؤسسة مالية، وجهاز صرف إلكتروني، من خلال شبكات الصرف الدولية. ([1])

وهذه البطاقات نشأت وتطورت في دول لا تحكم شرع الله في معاملاتها، وكانت في  بنوك  قائمة على الربا غير مراعية الشرعية الإسلامية، فداخل بعضها من الأوصاف، والشروط، ما يعلم قطعاً بحرمة بعضها،  وبالتالي تلقفها المسلمون على ما فيها من مخالفات شرعية، وأعظمها القرض بفائدة المجمع على تحريمه. ([2])

        ولكن بتوفيق من الله، قامت جهود مخلصة في هيئات شرعية لدى البنوك الإسلامية، بتنقيح وتهذيب هذا النوع من البطاقات، حتى صيرتها بطاقات إسلامية .

وتتالت الهيئات الشرعية في البنوك بدراسة هذا النوع من البطاقات، ومحاولة أسلمتها، وتأصيلها،  وتخريجها على ضوابط المعاملات وقواعدها، وذلك إما بإضافة شروط أو إلغائها، أو بتركيبها بعقدين أو أكثر حتى لا تقع فيما حرمه الله من الربا.

       ومن ذلك ما قامت به الهيئتان الشرعيتان لدى البنكين الأهلي والسعودي الأمريكي، فقد قامتا بإصدار قرار بشرعية بطاقتي الخير والتيسير الائتمانيتين التابعتين للبنكين، وأنهما متوافقتان مع الشريعة الإسلامية.

ولكن بعد التأمل في كيفية عمل هاتين البطاقتين، تبين للباحث أنهما تتضمنان مخالفات لا تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية؛ لأسباب سوف أذكرها خلال البحث.

وهذه الورقات :هي بيان لبعض المخالفات الشرعية التي تضمنتها بطاقتا الخير والتيسير الائتمانية، ينتظم عقدها في مبحثين:

المبحث الأول: تصوير عمل البطاقتين.

المبحث الثاني: المخالفات الشرعية في عمل البطاقتين.

    علماً أني لن أتطرق في هذا البحث إلى بعض المسائل وهي :

‌أ-التورق المصرفي.

‌ب-البيع الفضولي.

‌ج-التوكيل بالبيع والشراء، أي أن يتولى الوكيل طرفي العقد .

 للأسباب التالية:

1-إن العمل الآن على جواز هذه المعاملات، وإن كان يوجد فيها خلاف قوي.

2-لعدم إطالة  البحث، والخروج به عن مقصوده .

3-إن مسألة التورق المصرفي مثلاً من المسائل الشائكة، ولهذا  سوف تُبحث في الدورة القادمة لمجمع الفقه التابع لرابطة العالم الإسلامي، فمن الأولى عدم الاستعجال في بحثها؛ لأنه سيصدر فيها قرار من المجمع الفقهي.

 


المبحث الأول: تصوير عمل البطاقتين

 

          قال الفقهاء: الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقبل أن نبدأ بالحكم على البطاقتين لابد من تصوير عملهما، ومن ثم بيان حكمهما.

أولاً: تصوير عمل بطاقة تيسير الأهلي:

جاء في شروط وأحكام بطاقة تيسير الأهلي:

( ميعاد الاستحقاق:تستحق كافة الالتزامات المترتبة على حامل البطاقة نتيجة إصدار البطاقة أو استعمالها في تاريخ إصدار البنك لكشف الحساب، وبحيث يقوم حامل البطاقة بسداد قيمة الرصيد (كاملاً أو يلتزم بسداد الحد الأدنى الواجب دفعه 5% من كامل المبلغ المستحق أو مبلغ 250 ريالاً أيهما أكثر) إلى البنك خلال 20 يوماً من تاريخ إصدار كشف الحساب وبالتالي تنشيط حد التيسير للمبلغ المتبقي.

وفي حالة عدم تسديد المبلغ كاملاً أو الحد الأدنى على الأقل يقوم البنك ببيع سلعة معينة يملكها البنك قيمتها تقارب المديونية ويبيعها على العميل بيعاً فضولياً ويقسط الثمن على 24قسطاً، وفي حالة عدم اعتراض العميل بعد إبلاغه بهذا التصرف خلال عشرين يوماً من تاريخ الكشف اللاحق يعتبر هذا إجازة منه بذلك.) أ.هـ

 التوضيح:

مما لا يخفى أن هدف البطاقة الائتمانية هو إقراض حاملها، وذلك إما بالسحب الفوري من مكائن الصرف، أو من خلال ضمانه لدى التجار، حيث إن البنك يدفع عنه مستحقاته لدى التجار ومن ثم يطالبه  فيما بعد بالسداد، وغالباً تحدد المدة بشهر أو تزيد قليلاً.

فإذا شغلت ذمة حامل البطاقة بالدين نتيجة استعمالها إما بالقرض أو الشراء، فإن مصدر البطاقة( البنك الأهلي) يتيح له السداد من خلال طريقين:

الطريق الأول: إما بالتسديد النقدي لكامل المبلغ.

الطريق الثاني: إذا لم يسدد كامل المبلغ، وحل الأجل، يقوم المصرف بعملية التورق، وذلك ببيع سلعة معينة يمتلكها البنك … الخ. كما هو مبين سابقاً.

 ولتوضيح الصورة أكثر، جاء في التعريفات في نفس الاتفاقية ما يلي:

التيسير: هو صيغة تمويل معتمدة من هيئة الرقابة الشرعية تتيح الحصول على النقد على سبيل التورق.

حد التيسير الائتماني: هو مبلغ التمويل الشخصي الائتماني المعتمد من البنك الأهلي التجاري(البنك) لحامل البطاقة بناء على طلبه ليكون الطريقة الثانية (بجانب التسديد النقدي) لسداد حساب البطاقة الائتمانية الذي ينتج عن استخدام البطاقة من قبل حاملها "حامل البطاقة".

استعمالات حد التيسير الائتماني: يستخدم حد التيسير الائتماني لسداد حساب البطاقة الائتمانية فقط ويتم استخدامه لهذا الغرض بتفويض من حامل البطاقة.

استخدام حد التيسير الائتماني: هو أمر حامل البطاقة البنك بشراء سلعة/سلع وإعادة بيعها لتسديد جزء أو كل دين البطاقة الائتمانية وبالتالي سداد ثمن تلك السلع على 24 قسطاً شهرياً.

 

ثانياً: تصوير عمل بطاقة الخير التابعة للبنك السعودي الأمريكي

جاء في اتفاقية بطاقة الخير الائتمانية، الذي يصدرها البنك السعودي الأمريكي:

( في حالة عدم دفع كامل المديونية المطلوبة من عضو البطاقة فسوف يقوم سامبا بوقف البطاقة وفي حالة استمرار عدم الدفع يقوم سامبا بإلغاء البطاقة ولن يتم إصدار بطاقة بديلة إلا بعد سداد كامل المبلغ مع أن سامبا يتيح لعضو البطاقة فرصة لسداد المديونية عن طريق دخوله مع سامبا في عملية تورق تجنباً لإلغاء البطاقة.)

وجاء في نفس الاتفاقية:

( في حالة رغبة العميل في تغطية مديونية البطاقة عن طريق التورق تكون مدة البيع بالتقسيط 15 شهراً بمعدل ربح 16.30% على كامل المدة، وإذا كان المبلغ المتبقي على العميل أقل من خمسمائة ريال فلن يلبي البنك طلبه لتنفيذ عملية التورق.)

وجاء في الاتفاقية:

( نموذج وكالة

أوكل السادة/ مكتب عبد العزيز القاسم للاستشارات الشرعية والنظامية في شراء سلع من إدارة الائتمان الشخصي لدى البنك السعودي الأمريكي (سامبا) بالتقسيط بغرض تنفيذ عمليات التورق في حال وجود رصيد مدين على بطاقة الخير الائتمانية في يوم الاستحقاق أو بعده من كل شهر وذلك حسب سجلات البنك.

كما أنني أوكل إدارة الائتمان الشخصي لدى سامبا ببيع السلع التي اشتريتها وذلك لطرف آخر حسب السعر السائد وقت البيع مع حق توكيل إدارة الائتمان الشخصي لدى سامبا لطرف آخر لإتمام عملية الوكالة واستخدام المبالغ المتحصلة لتسوية الرصيد المدين على بطاقة الخير الائتمانية. ويعتبر هذا التوكيل غير قابل للنقض طالما كانت اتفاقية بطاقة الخير الائتمانية سارية المفعول.)

وجاء في نشرة تعريفية لبطاقة الخير ما يلي:

(بطاقة الخير هي البطاقة الائتمانية الجديدة، الأولى والوحيدة المجازة من هيئة الرقابة الشرعية لدى سامبا والتي تستخدم في أي مكان حول العالم.

تتم عبر تنفيذ عملية التورق والتي من خلالها يقوم العميل بشراء سلع مملوكة من قبل البنك "معادن" بالأجل بسعر معين ويفوض البنك ببيع هذه السلع "معادن" حسب سعر السوق إلى طرف ثالث.

المبلغ الناتج من عملية بيع السلع"معادن" سوف يتم استخدامه لتسوية الرصيد القائم على بطاقة الخير الائتمانية في يوم الاستحقاق من كل شهر.)

وجاء فيها:

(متى يكون العميل مؤهلاً لتنفيذ عملية التورق؟

يجب على العميل على الأقل أن يقوم بتسديد الحد الأدنى المستحق على بطاقته في يوم تاريخ الاستحقاق، في حال عدم قيام العميل بسداد أي مبلغ فلن يتم تنفيذ عملية تورق. ويجب أن يكون المبلغ المتبقي بعد سداد الحد الأدنى يساوي خمسمائة ريال سعودي أو أكثر.)

التوضيح:

من الشروط المتفق عليها بين البنك المصدر وحامل البطاقة: أنه متى حل وقت السداد ولم يسدد حامل البطاقة فإنه تجرى عملية تورق بسلع مملوكة للبنك، ومن ثم يسدد الدين المستحق على البطاقة، وينشأ دين آخر على حامل البطاقة بسبب عملية التورق ولكن يقوم بتسديده خلال (15) عشر شهراً.

 

أوجه الشبه والاختلاف بين بطاقتي الخير والتيسير:

أما وجه الشبه:

فإن كل من البطاقتين تتيح لحاملهما سداد الدين -الذي أستحق بسبب استعمالهما – عن طريق إجراء عملية تورق، وذلك ببيع سلع مملوكة للبنكين على حامل البطاقة، ومن ثم يتولى البنكان بيع هذه السلع لمصلحة العميل على طرف ثالث، وتؤخذ القيمة ويسدد بها الدين الأول، وينشأ بعد ذلك دين جديد على حامل البطاقة يسدده خلال مدة معينة.

 

أما أوجه الاختلاف فكما يلي:

أولاً: تختلفان في عملية إجراء التورق:

ففي بطاقة التيسير عن طريق البيع الفضولي، حيث يتولى البنك إجراء عمليتي الشراء لحامل البطاقة والبيع لطرف ثالث لأجل مصلحة حامل البطاقة، ويعتبر التصرف نافذاً خلال عشرين يوماً إذا لم يعترض حامل البطاقة.

 أما بطاقة الخير فعن طريق التوكيل لطرف ثالث بشراء السلع، ومن ثم توكيل إدارة الائتمان الشخصي ـ وهو تابع للبنك الأمريكي ـ ببيعها لطرف آخر.

ثانياً: معدل الربح في بيع التورق

ففي بطاقة الخير : معدل الربح 16.15% وهو أكثر بكثير من معدلات الربح العالمية في بيع الأجل والمرابحة، بل إنه يشبه إلى حد ما معدلات الفائدة على بطاقات الائتمان الربوية العالمية، حيث أنها تحتسب أكثر فائدة ربا على مستعمليها مقارنة بمعدلات الفوائد الربوية الأخرى.

أما بطاقة الخير فلم يذكر بشأن معدلات الربح شيئاً.

ثالثاً: مدة الأجل في سداد عملية التورق.

ففي بطاقة التيسير (24) شهراً، أما في بطاقة الخير (15) شهراً.


المبحث الثاني: المخالفات الشرعية لعمل البطاقتين

 

 من خلال الوصف السابق لعمل البطاقتين، يتضح للباحث أن فيهما مخالفات شرعية جلية، يمكن إيضاحها كالتالي:

المخالفة الأولى: أنهما من قلب الدين المجمع على تحريمه.

فسداد الدين في هاتين البطاقتين يتم عن طريق قلب الدين.

وقلب الدين: هو زيادة الدين في ذمة المدين بأي طريق كان.

قال شيخ الإسلام:" وأما إذا حل الدين وكان الغريم معسرا : لم يجز بإجماع المسلمين أن يقلب بالقلب لا بمعاملة ولا غيرها ; بل يجب إنظاره وإن كان موسرا كان عليه الوفاء فلا حاجة إلى القلب لا مع يساره ولا مع إعساره" ([3])

وجاء في مطالب أولى النهى شرح غاية المنتهى ([4]) :  ( وحرم قلب دين ) مؤجل على معسر لأجل ( آخر اتفاقا ) قال الشيخ تقي الدين : ويحرم على صاحب الدين أن يمتنع من إنظار المعسر حتى يقلب عليه الدين , ومتى قال رب الدين : إما أن تقلب الدين , وإما أن تقوم معي إلى عند الحاكم , وخاف أن يحبسه الحاكم ; لعدم ثبوت إعساره عنده , وهو معسر , فقلب على هذا الوجه , كانت هذه المعاملة حراما غير لازمة باتفاق المسلمين , فإن الغريم مكره عليها بغير حق , ومن نسب جواز القلب على المعسر بحيلة من الحيل إلى مذهب بعض الأئمة فقد أخطأ في ذلك وغلط.

وقال الشيخ السعدي – رحمه الله - :  " أعظم أنواع الربا قلب الدين على المدينين، سواء فعل ذلك صريحاً أو تحيلاً؛ فإنه لا يخفى على رب العالمين، فمن حل دينه على غريمه، ألزم بالوفاء، إن كان من المقتدرين، ووجب على صاحب الحق إنظاره إن كان من المعسرين" ([5])

وقد اصطلح الحنابلة على تسمية هذه المعاملة بقلب الدين، بينما المالكية يسمونها : فسخ الدين بالدين.

 قال الإمام القيرواني:" ولا يجوز فسخ دين في دين، مثل أن يكون شيء في ذمته، فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله" ([6]) وقال: " وكان فسخ الدين أشد في الحرمة؛ لأنه من ربا الجاهلية" ([7])

بل عده المالكية من أشد صور بيع الكالئ بالكالئ الذي هو محرم بالإجماع. ([8])

وقلب الدين له طريقان:

الطريقة الأولى:قلب الدين صراحة، وذلك بقول الدائن للمدين: إما أن تقضي وإما أن تربي، ويقول المدين: أنظرني أزدك. وهذا هو ربا الجاهلية.

الطريقة الثانية: قلب الدين بالحيلة، وهذا ما يتفنن به أكلة الربا، فيعمدون إلى معاملات ظاهرها الصحة؛ لأجل قلب الدين على المدين، ولهذه الطريقة عدة صور:

1-     منها: أن يكون في ذمة شخص لآخر دراهم مؤجلة فيحل أجلها وليس عنده ما يوفيه، فيقول له صاحب الدين: أدينك فتوفيني فيدينه فيوفيه، وهذا من الربا بل هو مما قال الله فيه : :] يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون [[آل عمران:130] وهذه الصورة من أعمال الجاهلية حيث كان يقول أحدهم للمدين إذا حل الدين : إما أن توفي وإما أن تربي. إلا أنهم في الجاهلية يضيفون الربا إلى الدين صراحة من غير عمل حيلة وهؤلاء يضيفون الربا إلى الدين بالحيلة. ([9]) .

2-     ومنها: أن يكون لشخص على آخر دين فإذا حل قال له: إما أن توفي دينك أو تذهب لفلان يدينك وتوفيني ويكون بين الدائن الأول والثاني اتفاق مسبق في أن كل واحد منهما يدين غريم صاحبه ليوفيه ثم يعيد الدين عليه مرة أخرى ليوفي الدائن الجديد.أو يقول: اذهب إلى فلان لتستقرض منه ويكون بين الدائن الأول والمقرض اتفاق أو شبه اتفاق على أن يقرض المدين. فإذا أوفى الدائن الأول قلب عليه الدين ثم أوفى المقرض ما أقترض منه، وهذه حيلة لقلب الدين بطريق ثلاثية. ([10])

3-     ومنها: إذا حل الدين على المدين مثلاً(مائة ) ولا وفاء عنده، وأراد أن يدينه أيضاً مائة، جعل فائدة المائة الجديدة مضاعفة، فإن كانت فائدة المائة الأولى 2%، جعل فائدة المائة الثانية 4%، مراعاة للمائة الحالة، والمدين يلتزم بذلك لاضطراره. ([11])

4-      ومنها: أن يكون للرجل دين على آخر، فيحل أجل الدين، وليس عند المدين ما يوفي به دينه، فيحتال الدائن ويعطي المدين المعسر نقوداً على أنها رأس مال سلم، لمبيع موصوف مؤجل في الذمة، ثم إن الدائن يستوفي بهذه النقود عن دينه السابق ([12]).وجاء في الدرر السنية: ومنها – أي المعاملات الربوية - : قلب الدين على المعسر، إذا حل الدين على الغريم، ولم يقدر على الوفاء أحضر طالب الدين دراهم، وأسلمها إليه في طعام في ذمته، ثم أوفاه بها في مجلس العقد، ويسمون هذا تصحيحاً، وهو فاسد ليس بصحيح، فإنه لم يسلم إليه دراهم، وإنما قلب عليه الدين الذي في ذمته، لما عجز عن استيفائه؛ والمعسر لا يجوز قلب الدين عليه. ([13])

وقد حرر هذه المسألة الموفق رحمه الله وقال : إذا كان له في ذمة رجل دينار، فجعله  سلماً في   طعام إلى أجل، لم يصح. قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل العلم، منهم مالك، والأوزاعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وعن ابن عمر أنه قال: لا يصلح ذلك. وذلك لأن المسلم فيه دين، فإذا جعل الثمن ديناً كان بيع دين بدين، ولا يصح ذلك بالإجماع. ([14]) 

5-     ومنها: من له دين على شخص قد حل أجله فطالبه به فوجده معسرا بجميعه , ووجد عنده سلعة لا تفي به فأخذها منه في جميع الدين , ثم باعها له بأكثر من الدين , فهذا لا يجوز أيضا ; لأن السلعة التي خرجت من اليد وعادت إليها تعد لغوا , وكأنه فسخ ما في ذمة المدين في أكثر منه ابتداء فهو ربا الجاهلية. ([15])

6-     ومنها: ما جاء في الموطأ : ( قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل قال مالك هذا بيع لا يصلح , ولم يزل أهل العلم ينهون عنه قال مالك , وإنما كره ذلك ; لأنه إنما  يعطيه ثمن ما باعه بعينه , ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة , ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه فهذا مكروه , ولا يصلح , وهو أيضا يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قال للذي عليه الدين إما أن تقضي , وإما أن تربي فإن قضى أخذوا , وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل ) . أهـ. قال الباجي : وهذا على ما قال ; لأن من كان له على رجل مائة دينار إلى أجل فاشترى منه عند الأجل سلعة تساوي مائة دينار بمائة وخمسين فقضاه دينه الأول , وإنما قضاه ثمن سلعته , وزاد خمسين دينارا في دينه لتأخيره به عن أجله فهذا يشبه ما تضمنه حديث زيد بن أسلم من بيوع الجاهلية في زيادتهم في الديون عند انقضاء أجلها ليؤخروا بها , ويدخله أيضا بيع وسلف ; لأنه إنما ابتاع منه هذه السلعة بمائة معجلة وخمسين مؤجلة ليؤخره بالمائة التي حلت له عليه , ووجوه الفساد في هذا كثيرة جدا. ([16])

7-     ومنها : ما جاء في فتاوى شيخ الإسلام : " وسئل عن رجل له مع رجل معاملة فتأخر له معه دراهم فطالبه وهو معسر فاشترى له بضاعة من صاحب دكان وباعها له بزيادة مائة درهم حتى صبر عليه . فهل تصح هذه المعاملة ؟  فأجاب : لا تجوز هذه المعاملة ; بل إن كان الغريم معسرا فله أن ينتظره . وأما المعاملة التي يزاد فيها الدين والأجل فهي معاملة ربوية وإن أدخلا بينهما صاحب الحانوت . والواجب أن صاحب الدين لا يطالب إلا برأس ماله لا يطالب بالزيادة التي لم يقبضها " ([17]).

فإذا تقرر أن ما يجري عمله في بطاقتي الخير والتيسير إنما هو من قلب الدين المجمع على تحريمه، فإن من تعامل بها فإنه سيقع لازماً بمخالفتين عظيمتين،:

أحدهما: الوقوع في ربا الجاهلية.

الثاني: التحايل على الربا.

وإليك إيضاح ذلك .

 

المخالفة الثانية :أنهما داخلتان في ربا الجاهلية" إما أن تقضي وإما أن تربي".

إن أسوأ أنواع الربا وأشدها تحريماً هو ربا الجاهلية الذي يزيد فيه الدين لأجل تأخير الوفاء، فإذا حل الأجل قال الدائن:أتقضي أم تربي؟ ويقول المدين: أنظرني أزدك. وهذا هو الذي نزل فيه قوله تعالى:] يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون [ [ آل عمران:130]. ([18]) وقوله جل شأنه: ] أضعافاً مضاعفة [ بيان لما يؤول إليه حال الربا من تضاعف الدين في ذمة المدين وما يترتب عليه من الظلم الفادح وأكل المال بغير حق. والأمة مجمعة على  تحريم هذا النوع من الربا تحريماً قطعياً لا يتطرق إليه أدنى شك.

 

وجه الشبه بين ربا الجاهلية و عمل البطاقتين:

 أن ما يحدث في بطاقتي الائتمان المشار إليهما هو من هذا الباب، فالبنك المصدر للبطاقة يخير العميل بين وفاء دينه الذي حل أجله وبين تأخير الوفاء مع زيادة الدين في ذمته من خلال التورق، ثم إذا حل أجل الدين الجديد تكرر الأمر مرة أخرى، فينمو الدين ويتضاعف في ذمة المدين، وهذا عين ربا الجاهلية. ولا يؤثر في هذه الحقيقة كونها تتم من خلال سلع أو بضائع غير مقصودة لأي من الطرفين؛ فإن العبرة بالحقائق والمعاني لا بالصور والمباني. والله شرع البيع والشراء لتحقيق مصلحة الطرفين، لا للاحتيال به على الربا.

ويؤيد ذلك ما ورد عن الإمام مالك:( قال مالك في الرجل يكون له على الرجل مائة دينار إلى أجل فإذا حلت قال له الذي عليه الدين بعني سلعة يكون ثمنها مائة دينار نقدا بمائة وخمسين إلى أجل قال مالك هذا بيع لا يصلح , ولم يزل أهل العلم ينهون عنه قال مالك , وإنما كُره ذلك ; لأنه إنما  يعطيه ثمن ما باعه بعينه , ويؤخر عنه المائة الأولى إلى الأجل الذي ذكر له آخر مرة , ويزداد عليه خمسين دينارا في تأخيره عنه فهذا مكروه , ولا يصلح , وهو أيضا يشبه حديث زيد بن أسلم في بيع أهل الجاهلية أنهم كانوا إذا حلت ديونهم قال للذي عليه الدين إما أن تقضي , وإما أن تربي فإن قضى أخذوا , وإلا زادوهم في حقوقهم وزادوهم في الأجل ) . أهـ.

فالإمام مالك  -رحمه الله – جعل هذه المعاملة التي فيها قلب للدين شبيهة بربا الجاهلية إما أن تقضي وإما أن تربي، و أما قول الإمام مالك " وإنما كُره ذلك" ليس المراد به الكراهة التي يحدها الأصوليون : ما نهي عنه نهياً غير جازم، أو ما  يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، بل المراد بالكراهة عند السلف التحريم، خلافاً للمتأخرين فإنهم اصطلحوا على تخصيص الكراهة  بما ليس بمحرم. ([19])

 


المخالفة الثالثة: أن فيهما تحايلاً على الربا.

      من خلال ما سبق، تبين للباحث أن عمل البطاقتين ما هو إلا تحايل على الربا، وقد حذرنا النبي r من الاحتيال على ما حرمه الله تعالى بقوله:" لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" ([20])

 وقال r :" قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها" ([21]).

 

       وحقيقة الحيلة المحرمة أنها توسل بعمل مشروع لتحقيق غاية محرمة، فالبيع مشروع لكن التوسل به الزيادة الدين في ذمة المدين مقابل تأخير الوفاء توسل لغاية ونتيجة محرمة، فيكون البيع في هذه الحالة حيلة محرمة.

          قال الموفق:" ثبت من مذهب أحمد أن الحيل كلها باطلة" ([22])، وقال:" الحيل كلها محرمة، غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر عقداً مباحاً يريد به محرماً، مخادعة وتوسلاً إلى فعل ما حرم الله" ([23]) .

         وقال ابن القيم رحمه الله :"  النبي صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم وهما قوله : { إنما الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى } فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية , ولهذا لا يكون عمل إلا بنية , ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال , وهذا دليل على أن من نوى بالبيع عقد الربا حصل له الربا , ولا يعصمه من ذلك صورة البيع …وإذا نوى بالفعل التحيل على ما حرمه الله ورسوله كان له ما نواه ; فإنه قصد المحرم وفعل مقدوره في تحصيله , ولا فرق في التحيل على المحرم بين الفعل الموضوع له وبين الفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له , لا في عقل ولا في شرع ; ولهذا لو نهى الطبيب المريض عما يؤذيه وحماه منه فتحيل على تناوله عد متناولا لنفس ما نهى عنه , ولهذا مسخ الله اليهود قردة لما تحيلوا على فعل ما حرمه الله , ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه , ولهذا عاقب أصحاب الجنة بأن حرمهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مصبحين إلى إسقاط نصيب المساكين , ولهذا لعن اليهود لما أكلوا ثمن ما حرم الله عليهم أكله , ولم يعصمهم التوسل إلى ذلك بصورة البيع . وأيضا فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسم وتنتقل إلى اسم الودك , فلما تحيلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك .

قال الخطابي : في هذا في الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوسل إلى المحرم ; فإنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه .

إذا تبين هذا فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقا بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء المحرم ومعناه وكيفيته لم يستحقوا اللعنة لوجهين : أحدهما : أن الشحم خرج بجمله عن أن يكون شحما , وصار ودكا , كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعا عند من يستحل ذلك ; فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم اشتراها بالثمن الحال , ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما , وإنما هي كما قال فقيه الأمة دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة ; فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهما بلا حيلة ألبتة , لا في شرع ولا في عقل ولا عرف , بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها , فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقص ; فمن المستحيل على شريعة أحكم الحاكمين أن يحرم ما فيه مفسدة ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ورسوله ويوعده أشد الوعيد ثم يبيح التحيل على حصول ذلك بعينه سواء مع قيام تلك المفسدة وزيادتها بتعب الاحتيال في معصية ومخادعة الله ورسوله . هذا لا يأتي به شرع ; فإن الربا على الأرض أسهل وأقل مفسدة من الربا بسلم طويل صعب التراقي يترابى المترابيان على رأسه،  فيا لله العجب , أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتيال والخداع ؟ فهل صار هذا الذنب العظيم عند الله هو من أكبر الكبائر حسنة وطاعة بالخداع والاحتيال ؟ ويا لله , كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخبيث إلى الطيب ومن المفسدة إلى المصلحة وجعله محبوبا للرب تعالى بعد أن كان مسخوطا له ؟ ولئن كان هذا الاحتيال يبلغ هذا المبلغ  فإنه عند الله ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة وإنه من أقوى دعائم الدين وأوثق عراه وأجل أصوله .

ويا لله العجب , أي فرق بين بيع مائة بمائة وعشرين درهما صريحا وبين إدخال سلعة لم تقصد أصلا بل دخولها كخروجها ؟ ولهذا لا يسأل العاقد عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها ولا عيب فيها ولا يبالي بذلك ألبتة حتى لو كانت خرقة مقطعة أو أذن شاة أو عودا من حطب أدخلوه محللا للربا , ولما تفطن المحتالون أن هذه السلعة لا اعتبار بها في نفس الأمر ,  وأنها ليست مقصودة بوجه , وأن دخولها كخروجها – تهاونوا بها , ولم يبالوا بكونها مما يتمول عادة أو لا يتمول , ولم يبال بعضهم بكونها مملوكة للبائع أو غير مملوكة , بل لم يبال بعضهم بكونها مما يباع أو مما لا يباع كالمسجد والمنارة والقلعة , وكل هذا وقع من أرباب الحيل , وهذا لما علموا أن المشتري لا غرض له في السلعة فقالوا : أي سلعة اتفق حضورها حصل بهذا التحليل." ([24]).

 

المخالفة الرابعة: أنهما داخلتان في حديث " نهي النبي r  عن سلف وبيع".

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r :" لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك" ([25])

قال ابن القيم – رحمه الله - :" وأما السلف والبيع: فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة: فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك." ([26]) .

ووجه الشبه بين هذا التفسير للحديث وعمل البطاقتين:

أن العلاقة بين مصدر البطاقة وحاملها: هي علاقة مقرض يتمثل في مصدر البطاقة، ومقترض هو حامل البطاقة.

فحامل البطاقة إما أن يشتري سلعاً ومن ثم يقوم البنك بالسداد، ويكون هذا المبلغ ديناً في ذمة حامل البطاقة، أو أنه يسحب مبلغاً نقدياً من مكائن الصرف، وفي كلا الحالتين تكون ذمة حامل البطاقة مشغولة للبنك المصدر لها، ويحدد له يوماً يقوم بسداد الدين فيه.

وعند الرجوع إلى اتفاقية عمل البطاقتين نجد أن البنك السعودي الأمريكي وضع من ضمن الاتفاقية أنه متى حل سداد الدين ولم يسدد حامل البطاقة فإنه سوف يجري عملية تورق بالوكالة.

وأما البنك الأهلي فقد قرر في الاتفاقية أنه متى حل الدين فإنه سيجري عملية التورق من خلال التصرف الفضولي.

وفي كلا الحالتين: نجد أن البنكين اشترطا في عملية الإقراض أنه متى حل موعد سداد الدين ولم يسدد حامل البطاقة فإنه تجرى عملية التورق، فهنا اجتمع في هذه المعاملة سلف وبيع.

 

المخالفة الخامسة: أنهما داخلتان في حديث " نهي النبي r عن بيعتين في بيعة".

عن أبي هريرة t أن النبي r نهى عن بيعتين في بيعة. وفي لفظ " من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا". ([27])

قال الإمام الخطابي – رحمه الله -  في بيان معنى الحديث:" كأن يسلفه ديناراً في قفيزين إلى شهر فلما حل الأجل وطالبه بالبر، قال له: بعني القفيز الذي لك علي بقفيزين إلى شهر. فهذا بيع ثان قد دخل على البيع الأول فصار بيعتين في بيعة فيردان إلى أوكسهما وهو الأصل، فإن تبايعا المبيع الثاني قبل أن يتناقضا الأول كانا مرتبين"  معالم السنن (2/104)

وتوضيح ذلك: أن المراد به قلب الدين على المعسر في صورة بيع الدين المؤجل على المدين إلى أجل آخر بزيادة عليه.

ووجه الشبه بين هذا التفسير وعمل البطاقتين كالتالي:

 ففي عمل البطاقتين لما حل الأجل وكان صاحب البطاقة مديناً  للبنك بريالات، وليس عنده ما يوفيه، فكأنه باع هذا الدين بدين آخر إلى أجل مع زيادة، ولكن أدخلا بينهما سلعة عن طريق التورق. فاجتمع في المعاملة بيعان، فإما أن يأخذان بالبيع الأول وهو الدين الأقل، وإما أن يتمان البيع الثاني، فيقعان في النهي وهو الربا.

وهذا التفسير للحديث لا يمنع التفسير المشهور عن شيخ الإسلام وابن القيم بأن المراد بالحديث بيع العينة، من وجهين:

الأول: أن في كلا الصورتين تحايل على الربا.

الثاني: إن من القواعد المقررة عند أهل العلم: أنه إذا احتمل اللفظ أكثر من معنى وليس بينهما تعارض فإنه يحمل عليهما.

فكل معاملتين ظاهرهما الصحة وباطنهما التحايل على أكل الربا فهما داخلتان في النهي الذي في الحديث، فيشمل الحديث بيع العينة وقلب الدين وغيرها من المعاملات.

 

وأخيراً:

هذه بعض المخالفات على هاتين البطاقتين، وأحسب أن هذا البحث ما هو إلا بداية لبحوث أخرى من العلماء وطلاب العلم المهتمين بهذه المعاملات، وإني أدعو الباحثين إلى تجلية هذا الأمر وزيادة بحثه، حتى يكون الناس على بصيرة من أمرهم.

فوالله لو ترك هذا الأمر ومر مرور الكرام فلن يكون ربا في البنوك، وسينتهي الربا إلى غير رجعة بالتحايل عليه، وسيصعب رد الناس عنه إذا انغمسوا فيه.

 ونحن بأمس الحاجة إلى الرجوع إلى الله، والتوبة إليه، فالأمة تعيش في عصر تكالب عليها أعداء الله من كل جانب، والنصر لا يأتي إلا من عند الله، وكيف ندعو الله النصر؛ ونحن  نحاربه بأكل الربا .

كما أدعو القائمين على الهيئات الشرعية الذين أجازوا مثل هذه المعاملات أن يبينوا لنا مسلك إباحتهم لهذه المعاملة بالأدلة الصريحة الصحيحة، حتى تظهر للعيان حجج الطرفين ومسلك كل فريق.

وإني لأتوجه بالدعاء إلى الله قيوم السموات والأرض أن يأخذ بأيدينا إلى سواء السبيل، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وان يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم على خاتم رسله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


---------------------

([1])    بطاقات الائتمان، للشيخ بكر أبو زيد ص 11

([2])    انظر: الإجماع لابن المنذر ص 95، المغني (6/436) ط هجر.

([3])    مجموع الفتاوى (29/419)

([4])    (3/62)

([5])    الفتاوى السعدية (ص 353).

([6])    الفواكه الدواني 2/101

([7])    المصدر السابق.

([8])    انظر: شرح حدود ابن عرفه ص253، الفواكه الدواني 2/101.

([9])    رسالة المداينة للشيخ محمد العثيمين رحمه الله (ص 14-15).

([10])    الفتاوى السعدية (ص 350)، رسالة المداينة (ص 15-16).

([11])    الفتاوى السعدية (ص 352).

([12])    نيل المآرب في تهذيب عمدة الطالب، للشيخ عبد الله البسام (3/86).

([13])    الدرر السنية في الأجوبة الحنبلية (6/117). وهي فتوى لأبناء الشيخ محمد وهم:حسين وإبراهيم وعبدالله وعلي.

([14])    المغني (6/410)، الإنصاف (4/34).

([15])    الفواكه الدواني (2/102).

([16])    المنتقى شرح الموطأ (5/66)6

([17])    مجموع فتاوى شيخ الإسلام (29/439)

([18])    تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل القرآن ) (7/204).

([19])    إعلام الموقعين (2/75-81).

([20])    رواه ابن بطة في إبطال الحيل، وقواه شيخ الإسلام في بيان الدليل ص55، ط المكتب الإسلامي.

([21])    رواه البخاري في كتاب: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام ( الحديث رقم 2236)، وأخرجه في كتاب التفسير، باب :" وعلى

        الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما" (الحديث رقم 4633)، وأخرجه أيضاً في كتاب

        المغازي، باب:51، (الحديث رقم 4296)، ورواه مسلم في كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام،

        (الحديث رقم 4024).

([22])    المغني (6/116).

([23])    المغني (6/154).

([24])    إعلام الموقعين 4/522-527).

([25])    أخرجه أبو داود في كتاب: البيوع، باب: في الرجل يبيع ما ليس عنده، (الحديث رقم 3504)، والترمذي في كتاب: البيع

        باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك، (الحديث رقم 1234)، والنسائي في كتاب:البيوع، باب :شرطان في بيع، ( الحديث

        رقم (4644)، وأحمد في المسند (حديث رقم 6633). والحديث صححه ابن تيمية في الفتاوى الكبرى 6/177، وحسنه الألباني

         في إرواء الغليل 5/146-148.

([26])    التعليق عل سنن أبي داود، (عون المعبود 9/402).

([27])    أخرجه الترمذي في كتاب :البيوع ، باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة، (الحديث رقم 1231)،والنسائي في كتاب :البيوع

        باب: بيعتين في بيعة،(الحديث رقم 4646)، وأحمد في المسند (حديث رقم  9795)، وحسنه الألباني إرواء الغليل (5/149.

 

   وثائق المؤتمـر و تقاريره وبياناته

 رسالة فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي إلى المؤتمر

 البيان التأسيســـي

 التقرير العـقــدي

 التقرير السياســي

بدايــة الصفحــة

الحركة الإسلامية المغربية
جميع الحقوق محفوظة  © للحركة الإسلامية المغربية

www.elharakah.com 2006 info : elharakah@elharakah.com