|
الحسبة في النظام الإسلامي
أصولها الشرعية وتطبيقاتها العملية
الحلقة
الثامنة
للأخ الأستاذ إدريس محمد عثمان
الفصل الثاني
تطبيقات الحسبة في النظام الإسلامي
النشأة والتطور
المبحث الأول
نظام الحسبة:
النشأة والتطور.
تجمع المصادر
قاطبة دونما استثناء على أن أصل الحسبة ونظامها مستلهم من سنة نبوية شريفة
تتلخص في موقف النبي
صلى الله عليه وسلم من تاجر في السوق ، عندما قام الرسول
صلى الله عليه وسلم بفحص جزء من بضاعته فوجدها غير
صالحة، ولا تطابق شروط البيع الصحيحة ، فدعى صاحب البضاعة إلى عرضها على الملأ
كيما يشتروا شيئا يستطيعون رؤيته وفحصه قبل شرائه. ، فقد روى عن أَبي
هُرَيْرَةَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ
فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ : يَا صَاحِبَ
الطَّعَامِ مَا هَذَا ؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ
قَالَ :أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ .ثُمَّ
قَالَ "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا." وفي هذا الحديث دلالة علىتطبيق مقرون
بالتأصيل للقيم الإسلامية في المعاملات،كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم
أنه خرج إلي المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال : يَا
مَعْشَرَ التُّجَّارِ فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ
وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إلاَّ مَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ."
وعن قيس بن أبي غرزة قال : خرج علينا رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال : "يَا مَعْشَرَ
التُّجَّارِ إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالأِثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ فَشُوبُوا
بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ."
وبهذا التوجيه النبوي التشريعي ابتدأت الحسبة في
المجتمع الإسلامي الأول، ويرجع هذا الاهتمام من الرسول
صلى الله عليه وسلم إلى أنه كان يومئذ في مرحلة
تأسيسية يرسخ فيها أن رسالته غير محصورة على الشعائر التعبدية وحدها ، وأن هذا
الدين الذي بعثه الله للناس كافة ، قيم على كل شؤون الدين والدنيا ، ومن ثم نزل
الذكر الحكيم بآيات كثيرة في الشؤون الدنيوية ، ومن بينها المعاملات التجارية ،
بما قد تكون عليه من منكر الغش والتدليس في التعامل بالأخذ والعطاء ، ومن الأخذ
بالربا ، ومن التطفيف في المكاييل والموازين ، وما هو من هذا القبيل الذي من
شأنه أن يضر بمصلحة الفرد المتعامل بداية وبالصالح العام في النهاية. ولذلك
بين الرسول صلى
الله عليه وسلم مهمات الحسبة قولا وفعلا فضلا عن أنه قد أناط بأعلام الصحابة
مهمة الرقابة , فقد أناط بعمر بن الخطاب مهمة مراقبة سوق المدينة ، كما استعمل
سعيد بن سعيد بن العاص على سوق مكة بعد الفتح. .
ولم يكن أمر الحسبة مراقبة فحسب بل كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يحاسب
عماله على " ما أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق ، فكان عليه الصلاة
والسلام يستوفي الحساب على العمال ويحاسبهم على المستخرج والمصروف. ومما
يروى عنه في هذا عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ
قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي
سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ ، لَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ.قَالَ هَذَا
مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم فَهَلاَ جَلَسْتَ فِي بَيْتِ
أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ
خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ
فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلاَنِي
اللَّهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي
أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ
وَاللَّهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إلاَّ لَقِيَ
اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلاَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ
لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ
أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ
يَقُولُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي."
ومما سبق يمكن القول : إن النبي
صلى الله عليه وسلم كان يعمل منذ بعثته على ترسيخ
مبدأ التكامل بين الدين والدنيا ، وإلى خلق ضمير إنساني ووعي إسلامي في هذه
المعاملات – الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية ، وإن ولاية الحسبة نشأت في
عهده صلى الله
عليه وسلم وإن كان شأن هذه الولاية ضيقا محدودا كما هو شأن أي ولاية في بدء
نشأتها وتكوينها ومن ثمّ نهج الخلفاء الراشدون منهج رسول الله
صلى الله عليه وسلم في مراقبة الأسواق وعبر ممارسة
مباشرة وواقعية على نحو لا يقبل الانفصام عن تعاليم الدين الإسلامي ، فمارسوا
الحسبة على المجتمع بأنفسهم كما يقول الماوردي : لقد " كان أئمة الصدر الأول
يباشرونها بأنفسهم ،لعموم صلاحها وجزيل ثوابها ، ولكن لما أعرض عنها السلطان ،
وندب لها من هان وصارت عرضة للتكسب وقبول الرشاوى لان أمرها ،وهان على الناس
خطرها ،ولكن ليس إذا وقع الإخلال بقاعدة سقط حكمها." فلما ولي أبو بكر الصديق
الخلافة ، قال له عمر "
أنا أكفيك القضاء فجعله قاضيا فمكث سنة لا يخاصم
إليه أحد." ولم تذكر المصادر فيما وقفت عليه حوادث كثيرة عن الخليفة الأول ،
ولعل السبب يرجع إلى عمق القيم التي رسخها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقرب الحياة بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
ثم لما تولى الخلافة عمر بن الخطاب
t كان يطوف في الأسواق بنفسه متفقدا أحوالها معاقبا
كل من خالف أحكامها ، وأعرافها. والشواهد على رقابة عمر
في ذلك كثيرة منها: -
أن ابن عمر قال : قدمت رفقة من التجار فنزلوا المصلى
فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف هل لك أن تحرسهم الليلة من السرقة ؟ فبات يحرسهم
ويصلي ما كتب الله له فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لأمه اتقي الله واحسني
إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك. ثم عاد
إلى مكانه ، فلما كان في آخر الليل سمع بكاءه فأتى أمه فقال ويحك إني لأراك أم
سوء ما لي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة ؟ قالت يا عبد الله قد أبرمتني منذ
الليلة إني أريغه عن الفطام ،فيأبى قال ولم ؟ قالت لأن عمر لا يفرض إلا للمفطوم
قال وكم له ؟قالت: كذا وكذا شهرا قال : ويحك لا تعجليه فصلى الفجر وما يستبين
الناس قراءته من غلبة البكاء فلما سلم قال : يا بؤسا لعمر كم قتل من أولاد
المسلمين ثم أمر مناديا فنادى ألا لا تعجلوا صبيانكم الفطام فإنا نفرض لكل
مولود في الإسلام وكتب بذلك إلى الآفاق."
ويذكر عن عمر بن الخطاب
أنه " رأى رجلا قد شاب اللبن بالماء فأراقه عليه"
وهذا يعد جانبا إجرائيا لمنع الضرر، وآثار عمر
في الحسبة كثيرة ، ثم بعد وفاة الخليفة عمر
وفي خلافة عثمان بن عفان
مارسها الخليفة وكان يحمل درته حتى في المسجد عند
الصلاة. كما عرف عن علي كرم الله وجهه أنه كان يتفقد أمر الرعية و يمشي في
الأسواق يرشد الناس ويصلح الأخطاء ويأمر بحسن البيع والامتناع عن التدليس
والفساد. ، وكان
يمشى في الأسواق وحده وهو خليفة يرشد الضال ويعين الضعيف
ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ قول الله تعالى
: ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا
لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ
) ثم
يقول نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر
الناس.
يتبين مما سبق أن الخلفاء الراشدين أعطوا نظام
الحسبة اهتماما كبيرا ، فكان الخليفة يتولاها بنفسه أو يعين لها من يراه أهلا
للقيام بها ،ونظرا لأهمية الحسبة في رسم قواعد الأخلاق في حياة المجتمع
الإسلامي كان والي الأمر يعهد بمهمّة الحسبة إلى من يأتمنه عليها ممّن يحسن
اختيارهم للنظر في أحوال الرعيّة ،من أهل العلم والصلاح ، حتى غدا الاحتساب
علما من أدقّ العلوم وأجلها ، ولا يدركه إلاّ من له فهم ثاقب، وحدس صائب ، إذ
الأشخاص والأزمان والأحوال ليست على وتيرة واحدة ، فلا بدّ لكلّ واحد من
الأزمان والأحوال سياسة خاصّة ؛ وذلك من أصعب الأمور ،ومن ثمّ اشترط العلماء في
المحتسب مقومات خاصّة تؤهّله للقيام بواجبات هذه الوظيفة المهمّة،والمتشعّبة
الاختصاصات ،يأتي بيانها في شروط المحتسب
فالحسبة كما ترد في كتب التراث الإسلامي كانت تمثل
نظاما فريدا مارسه الرسول صلى الله عليه وسلم
والخلفاء الراشدون من بعده ثم فيما بعد الخلافة
الراشدة ، ومنذ العصر العباسي الأول خاصة ،برز في التاريخ الإسلامي موظف يطلق
عليه المحتسب يتولى ديوان الحسبة ،ويشترط فيه أن يكون أمينا قويا عالما بأحكام
الشريعة ، ويساعده في عمله أشخاص يسمون المحتسبين يتفرغون لهذا العمل وتفرض
لهم رواتب من بيت المال ، بالإضافة إلى المتطوعين الذين يتبرعون بالعمل تحت
إشراف والى الحسبة دون أن يكون لهم الحق في راتب مالي وبصلاحيات أقل من صلاحيات
المحتسبين.
ثم صارت الحسبة بعد ذلك في الدولة الإسلامية ولاية
من الولايات و نظاما من الأنظمة ، فأصبح ضروريا أن يكون لها وال مأذون له من
جهة الحاكم فهي فرض على القائم بأمور الأمة يعين لذلك من يراه أهلا له. وقد
كانت الحسبة في كثير من الدول الإسلامية مثل العبيديين بمصر والمغرب ،
والأمويين بالأندلس داخلة في عموم ولاية القاضي يولي فيها باختياره ، ثم لما
انفردت وظيفة السلطان عن الخلافة وصار نظره عاما في أمور السياسة، اندرجت في
وظائف الملك وأفردت بالولاية، وقد كانت سلطة المحتسب في الدولة الإسلامية تقوم
على الرقابة بطريقتين:
الأولى : رقابة تقوم على العدل ولا تجعل في سبيل ذلك
القوة أداة لها ووسيلة من وسائلها وهي التي تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، وعلى الرغبة في الخير ، والنفور من الشرّ ، فيؤدي كل فرد من أفراد
المجتمع الإسلامي ما يجب عليه طبقا لأحكام الشريعة.
الثانية : رقابة تقوم على الحزم والقوة والعقاب ،
وقد تبعها والي الحسبة حين انتشر الإسلام واتّسعت رقعة الدولة الإسلامية ،
وكثر البدع المخالفة لشرع الله نتيجة ضعف الوازع الإيماني الذي يمثل أساس
الرقابة الذاتية لذا أصبح لزاما أن يوجد رقيب خارجي يقوم على قوة العقاب إلى
جانب قوة رقابة الضمير ، فكانت الحسبة سلطة الدولة للدفاع عن مصالح الأمة وعن
قيم الإسلام الروحية والمادية.
المبحث
الثاني
نـظـريــــة
الحســـــــــــبة
بعد بيان نشأة نظام الحسبة وتطوره فيما سبق يمكن القول :
بأن نظرية الحسبة ، فقها وتطبيقا هي حصيلة اجتهادات الفقهاء والولاة ، وليست في
نصوص القرآن الكريم أو سنة النبي
صلى الله عليه وسلم أحكام تفصيلية لها بل مصطلح الحسبة عند
الفقهاء لم يعرف بمفهوم منفصل عن سائر أعمال البر واحتسابها عند الله تعالى
،ومن ثم تبلور مفهوم الحسبة في العصور التي تلت الخلافة وعرفت كأحد المؤسسات
الرقابية الفاعلة في ضبط التوازن بين الدين والدولة ومن ثمّ جاء بناء نظرية
الحسبة التي واكبت البناء الفكري والحضاري للمجتمع الإسلامي لتربط بين اكبر عدد
من مظاهر الحياة الاجتماعية،والاقتصادية والسياسية، والثقافية ، فنظمت لها
منهجا في تتبع المنكرات وفق قواعد مرسومة في الشرع الإسلامي؛ لأن علم الاحتساب
هو النظر في أمور أهل المدينة بإجراء مارسم في الرياسة الإصلاحية والنهي عما
يخالفها ، فهو تنفيذ ما قرر في الشرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لحماية المصالح الجماعية . وفي قلب مؤسسة الحسبة كان المحتسب يمثل دور المربي
والقائد في آن معا وكانت تأتي أوامره لتقوية العلاقات الاجتماعية بالاتجاه
الصحيح ومن منطلق الإخلاص للعقيدة وليس لتحقيق أهداف ذاتية أو دنيوية صرفة ،
فهو يحافظ على وحدة المجتمع ضمن إطار العقيدة بتحقيق نمط متطور من أنماط العمل
الجماعي وبمشاركة شعبية واسعة وفي الجانب الموضوعي تتكامل مع المؤسسات الأخرى
كالقضاء وولاية المظالم،لتحقيق أهداف الدين روحيا وماديا ،ولذلك أولى العلماء
الاهتمام بالحسبة ودونوا لها في مؤلفاتهم الفقهية والتفسيرية والتاريخية
.
التدوين في
الحسبة
الحسبة في مرحلة تأسيس النظم لم يكن مفهومها الشرعي
منفصلا عن التطبيق الواقعي ، كما سبق ثم تدرجت كغيرها من النظم الإسلامية إلي
أن أصبحت ولاية مستقلة عرفت بهذا الاسم في تأريخ الحضارة الإسلامية ، وقد أهتم
بها العلماء منذ وقت مبكر بعد ظهور عصر التدوين والتأليف في الدولة الإسلامية ،
ومرّ التدوين في الحسبة بمرحلتين مختلفتين مرحلة التدوين في الحسبة ضمن أبواب
الفقه ، ومرحلة التدوين المستقل عن أبواب الفقه .
أ- التدوين في الحسبة ضمن أبواب
الفقه :-
يسمي الباحثون هذه المرحلة دور التأليف في الحسبة غير
مستقلة بذاتها ، بل كانت بابا من أبواب الفقه. " وأن أول ما وجه الاهتمام في
المغرب الإسلامي إلي هذا الموضوع كان موطأ الإمام مالك
t الذي قامت عليه الحياة ،التشريعية في هذه البلاد ،
وفي الموطأ أبواب متصلة بمعاملات الناس وبأسواقهم، كانت هي العماد الأول لكل من
تناول الحسبة في المغرب والأندلس " وفي هذه الحقبة الزمنية تباينت أراء
الكتاب في تسمية الحسبة بين كتاب المشرق الإسلامي ومغربه فقد أطلق عليها في
المغرب الإسلامي " أحكام السوق " ، و"خطة السوق " خلافا لتسمية المشارقة لها
بمصطلح الحسبة في مدونا تهم ،ولهذا يؤكد الدارسون أن مصطلح الحسبة:" اصطلاح
مشرقي وكان المشارقة إليه أسبق نظرا لأسبقيتهم في تلقي التراتيب
الإسلامية.وهذا المصطلح طارئ على المغرب فقد ظلّ الأفارقة على الدوام محتفظين
بمصطلح : أحكام السوق ، ولم يعرف مصطلح الحسبة بالمغرب ولا بالأندلس في عهد
مبكر ،لأنّ مصطلحي" أحكام السوق" و"خطّة السوق"ظلا مرددين في مصنفات الأندلسيين
إلى وقت متأخر"
ب-
استقلال الحسبة بالتدوين:-
تعد مرحلة
الاستقلال بالتأليف ضمن مرحلة تطور العلوم الإسلامية ،وتفريعها،وتشعيبها ،ووضع
دلالات ومصطلحات مستقلة لكل فرع من فروع العلوم والفنون ، ويعد كتاب أحكام
السوق ليحيى بن عمر أول مؤلف مستقل في الحسبة حسب ما أشار إليه بعض الباحثين.
وبالرغم من هذه الأسبقية في التأليف المستقل للحسبة بالمغرب الإسلامي إلا أن
الكتاب لم يشر إلى مصطلح الحسبة ،ولهذا استبعد بعض الباحثين وجود أيّ رسالة
حقيقية عن الحسبة بالمعنى الدقيق للكلمة حتى نهاية القرن الخامس الهجري في
المغرب الإسلامي، ونهاية القرن السادس الهجري في المشرق الإسلامي، إلى حين
تدوين كتاب في آداب الحسبة للسقطى المالقي، ورسالة في القضاء والحسبة ،لابن
عبدون الإشبيلي. ولعل عدم اعتبار كتاب أحكام السوق من أقدم المصادر المستقلة
في الحسبة عند البعض يرجع إلى كونه كتابا تطبيقيا – لأحكام السوق ، وخطة السوق
وهي المصطلحات التي عرفت بها الحسبة عند نشأتها في المغرب الإسلامي ،وهذه
المصطلحات للحسبة تتطابق في مضمونها ودلالاتها ، وإن كان المشرق الإسلامي أسبق
إلى تحديد المصطلح وتعريفه ، كما هو في مؤلفات مؤرخي الأحكام السلطانية كالما
وردي ، وأبي يعلى الفراء وغيرهما من الذين تناولوا موضوع الحسبة ضمن أبواب
الفقه وبيّنوا المفهوم الشرعي والتحليل الفقهي لها ورسموا لها نوعين من
الممارسة في إطار المجتمع الإسلامي
أنــواع الحسبـة
:-
بناء على المفهوم الواسع للحسبة وشموليتها لتطبيقات
المبدأ العام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهي تنقسم إلي قسمين حسبة
رسمية، وحسبة تطوعية.
فالحسبة الرسمية هي التي تخضع لسيادة
الدولة الإسلامية وتعين لها موظفا يتولاها كما يقول ابن خلدون " هي وظيفة دينية
، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور
المسلمين يعين لذلك من يراه أهلاله فيتعين فرضه عليه ويتخذ الأعوان على ذلك ،
ويبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب على قدرها ويحمل الناس على المصالح العامة "
وقد "جرت العادة بإفراد هذا النوع بولاية خاصة كما أفردت ولاية المظالم بولاية
خاصة والمتولي لها يسمى والي المظالم ... والمتولي لفصل الخصومات وإثبات الحقوق
والحكم في الأنكحة والطلاق والنفقات وصحة العقود وبطلانها المخصوص باسم الحاكم
، والقاضي " فتكون فرض عين بحكم الولاية على الإمام والمحتسب . وتختص ولاية
الحسبة بالحكم بين الناس في القضايا التي لا تحتاج إلي دعوى وبينات فيبحث
المحتسب عن المنكرات الظاهرة مثل : "منكرات الطرقات ومنع الحمالين وأهل السفن
من الإكثار في الحمل والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما
يتوقع من ضررها على السابلة ،والضرب على أيدي المعلمين . .. ومنع الغش
،والتدليس في المعاش وغيرها" ولا تقتصر سلطة المحتسب على أصحاب المهن والحرف
وإنما تتعداها إلى الولاة ، والقضاة كما ذكر العديد من المصنفين في الحسبة
ولهذا اشترطوا في المحتسب أن يكون عدلا ذا رأي وصرامة وهيبة وعلم بالمنكرات ؛
لأن "الحسبة موضوعة للرهبة فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزا
فيها ولا خرقا " وهذا كله في مجال الحسبة الرسمية .
أما الحسبة التطوعية
فهي التي يقوم بها المسلم امتثالا لأمر الله تعالى الوارد في الأوامر والنواهي
ويطلق الفقهاء على من يقوم بها "المتطوع "؛ لأنه يقوم بها دون تعيين من ولي
الأمر ، وإنما يستند في القيام بها على الواجب الديني الملقى على عاتقه وهو
واجب عام يؤديه كل مسلم حسب طاقته وقدرته ، ولا يعني قيام المحتسب المتطوع
بالحسبة انتقاصا من قدر المحتسب المعيّن بقدر ما هو قيام بواجب قد يكون كفائيا
في بعض الأحايين ولكنه من القربات كما يقول الجويني "إن القيام بما هو من فروض
الكفايات أحرى بإحراز الدرجات وأعلى من فنون القربات من فرائض الأعيان ، فإنّ
ما تعين على المتعبد المكلف لو تركه ولم يقابل أمر الشارع فيه بالارتسام اختص
المأثم به ولو أقامه فهو المثاب . ولو فرض تعطيل فرض من فروض الكفايات ، لعمّ
المأثم على الكافة على اختلاف الرتب والدرجات ، والقائم به كاف نفسه وكافة
المخاطبين الحرج والعقاب، وآمل أفضل الثواب ، ولايهون قدر من يحل محل المسلمين
أجمعين في القيام بمهمة من مهمات الدين " والحسبة في حكمها الشرعي واجبة بقدر
طاقة المكلف،ولاتسقط عن الجميع ألا بالأداء، وقد حد ابن القيم مناط الوجوب فقال
:"وهذا واجب على كل مسلم قادر ، وهو فرض كفاية …لأن مناط الوجوب هو القدرة ،
فيجب على القادر مالا يجب على العاجز " كما قال الله عزّ وجلّ:(
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا
وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
)
ويقول الرسول
صلى الله عليه وسلم: " إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا
اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ."
فالمحتسب المتطوع هو من ندب نفسه للدعوة إلى الخير
والفضيلة ، فهو يمارس دورا تربويا ودعويا عاما وقد فرق الفقهاء بين صلاحياته
وصلاحيات المحتسب المكلف في كون المعين يقوم مقام والي الأمر في هذا العمل
فيجوزله أن يعزر ويعاقب في المنكرات الظاهرة ، بخلاف المتطوع الذي له من الحسبة
الوسائل السلمية كالنصح والوعظ والحوار والمجادلة وغيرها من الوسائل كما سبق
بيانه.
الفرق بين
الحسبة الخاصة والحسبة العامة
وضع الفقهاء
فروقا بين الحسبة العمومية التي يمارسها موظف رسمي تعينه الدولة والحسبة
الخاصة التي يمارسها شخص متطوع باعتبارها واجبا دينيا يقع على عاتق كل فرد قادر
من أفراد المجتمع الإسلامي، لقوله صلى الله عليه وسلم
:" إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا
اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ." وقد شدد الشارع
الحكيم في المنهيات وحذر من ارتكاب المنكرات ، وقرر لكل من ارتكب المحرم ،
والمكروه ،عقوبة تختلف بحسب نوع المنكر ومقدار ضرره ، والحسبة تكون واجبة على
الكفاية على عامة الناس وتكون فرض عين على القائم بأمر الأمة يعين لها من ينوب
عنه ، ولهذا فرق العلماء بين المتطوع بالحسبة والمحتسب المكلف بأمر الحسبة ،
وقد حصر الأمام الماوردي وأبو يعلى الفراء الفروق بين المحتسب المتطوع
والمحتسب المعين في تسعة أوجه:-
أحدها
: القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض متعين على المحتسب المعين بحكم
الولاية ، وفرض على المتطوع داخل في فروض الكفاية .
الثاني
: قيام المحتسب المعين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الحقوق الواجبة
عليه ولا يجوز أن يتشاغل عنها وقيام المحتسب المتطوع بها من نوافل عمله الذي
يجوز أن يتشاغل عنه بغيره .
الثالث
: المحتسب المعين منصوب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاره وليس المحتسب المتطوع
منصوبا للاستعداء .الرابع
: يجب على المحتسب المعين إجابة من استعداه ،وليس على المتطوع إجابته
.الخامس
: يجب على المحتسب المعين أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ، ليصل إلى إنكارها
ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ، ليأمر بإقامته ، وليس على غيره من المتطوعة
بحث ولا فحص .
السادس
: يجوز للمحتسب المعين أن يتخذ على الإنكار أعوانا ؛ لأنه
عمل هو له منصوب، وإليه مندوب ليكون له أقهر وعليه أقدر وليس للمحتسب المتطوع
أن يندب لذلك أعوانا .
السابع
: المحتسب المعين له أن يعزر على المنكرات الظاهرة ولا يتجاوزها إلى الحدود ،
أما المحتسب المتطوع فليس له أن يوقع عقوبة تعزيرية على منكر تم ارتكابه
.
الثامن
: الاحتساب بالنسبة للمحتسب المعين يعتبر وظيفة يتقاضى عنه راتبا من الدولة أو
بعبارة الماوردي : له أن يرتزق على الحسبة من بيت المال ولا يجوز للمحتسب
المتطوع أن يرتزق على إنكار المنكر .
التاسع
: المحتسب المعين له اجتهاد رأيه فيما يتعلق بالعرف دون الشرع وليس هذا للمحتسب
المتطوع.
وبهذه الوجوه فرقوا بين الحسبة العمومية والحسبة
الخاصة على أن هذه الفروق التي اجتهد الإمام الماوردي في تحديدها، منها ما
للزمان والمكان فيه اعتبار،ومنها ما يلزم النظر إليه بالتوازي مع متغيرات
النظام في الدولة الإسلامية وبخاصة في تقلبات الأوضاع وتعدد المؤثرات والعلاقات
مع اعتبار لمسألة التوازن في الحياة العملية حيث تتأكد الصبغة العمومية للحسبة
إذا تدنت درجة الاهتمام بها من قبل أجهزة الدولة في المجتمع الإسلامي ،
فالمسألة ذات أهمية في الحياة الإسلامية المعاصرة، لكن الأبحاث الفقهية الراهنة
لم تعط هذا الموضوع الاهتمام اللازم حيث لم تدرجه في صور عملية تبدي درجة
أهميته لدى المؤسسات القانونية والتنفيذية وهذا الموضوع قد جعل من مفهوم الحسبة
نغمة غريبة في الخطاب القانوني المعاصر.
المبحث
الثالث
صـور الاحتســاب
ودرجـاتـه.
إذا كان الاحتساب بحسب النظر إلى المحتسبين ينقسم
إلى حسبة تطوعية ، وحسبة إلزامية يقوم بها المحتسب المعين مقابل راتب يتقاضاه
من الدولة ، فإن للحسبة باعتبار المحتسب عليه ثلاث مراتب:-
أولاً : دعوة الأمة الإسلامية
سائر الأمم إلى الإسلام : والدعوة إلى الإسلام لها
مناهجها وطرقها وأصولها وقد تتطور الطرق والمناهج بحسب مقتضيات العصر وبتطور
الزمان والمكان وتختلف باختلافه ولكن الجوهر والمضمون الذي تدعو إليه الأمة
الإسلامية سائر الأمم لا يتبدل ولا يتغير بتغير الزمان والمكان وهو الدعوة إلى
الله وفق أصول منهج القرآن الكريم كما في قوله تعالى :)
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ
ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ(
وهذا الأمر يدخل في إطاره كل مسلم يصلح للعمل
الدعوي حسب إمكاناته العلمية والثقافية والشخصية. وقد رسم الله تعالى منهج
الدعوة في الآية وبينه للدعاة الرسول
صلى الله عليه وسلم
قولا وعملا بالحكمة
والموعظة الحسنة ، فقال تعالى في بيان منهج النبي
صلى الله عليه وسلم
)
وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ
حَوْلِك َ( وهذا هو المنهج
الواجب اتباعه من أتباعه والداعين إلى منهجه"وإنما تفاوتت طرق دعوته
صلى الله عليه وسلم لتفاوت مراتب الناس فمنهم خواص
وهم أصحاب نفوس مشرقة قوية الاستعداد لإدراك المعاني قوية الانجذاب إلى المبادئ
العالية مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه ،وهؤلاء يدعون بالحكمة،
ومنهم عوام أصحاب نفوس كدرة ضعيفة الاستعداد أو شديدة الإلف بالمحسوسات ، قوية
التعلق بالرسوم والعادات ، قاصرة عن درجة البرهان لكن لا عناد عندهم و هؤلاء
يدعون بالموعظة الحسنة ومنهم من يعاند ويجادل بالباطل ليدحض به الحق لما غلب
عليه من تقليد الأسلاف ، ورسخ فيه من العقائد الباطلة ، فصار بحيث لا تنفعه
المواعظ والعبر، بل لا بد من إلقامه الحجر بأحسن طرق الجدال لتلين عريكته وتزول
شكيمته وهؤلاء الذين أمرصلى الله عليه وسلم
بجدالهم بالتي هي
أحسن" وقصر الرازي الدعوة على القسمين الأولين واعتبر الجدال خارجا عن الدعوة
فقال"الدعوة إن كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية ،
فهي الموعظة الحسنة، أما الجدال فليس من باب الدعوة بل المقصود منه غرض آخر
مغاير للدعوة ، وهو الإلزام والإفحام ، فلهذا السبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك
بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الأحسن بل قطع الجدال عن باب الدعوة تنبيها
على أنه لا يحصل الدعوة وإنما الغرض منه شيء آخر."
ولعل ما ذهب إليه الرازي هو الصواب ؛ لأن الجدال قد
يحقق أغراضا دنيوية أكثر مما يحقق نجاحا للدعوة، وخاصة مع اليهود والنصارى
الذين عرف عنهم عدم الاعتراف بالنبي
صلى الله عليه وسلم وإنكارهم المطلق لنبوته ورسالته
،حين البعثة وبعدها في الأزمنة اللاحقة،وهذا ما أكده القرآن في قوله تعالى :(
وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ
مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ
أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ
مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ) والجدال منه ما هو محمود ومطلوب إذا كان المقصود
منه بيان دعوة الحق ،ومنه ما هو مذموم وهذا خلاف الحكمة والموعظة الحسنة وكما
يقول الإمام الغزالي: "وأما الجدال فعبارة عن مراء يتعلق بإظهار المذاهب
وتقريرها" .
والجدال قد يكون بحق وقد يكون بالباطل كمافي قوله
تعالى:( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ،
وقال تعالى في جدال المنكرين للحق الذي جاء به هدى القرآن ( مَا يُجَادِلُ فِي
آيَاتِ اللَّهِ إلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي
الْبِلادِ ) . فإن كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره كان محمودا تقره أصول
الشريعة ومبادئها كما ورد في السياق القرآني السابق، وإن كان في مدافعة غير
الحق ، أو كان جدالا بغير علم كان مذموما "وعلى التفصيل تتنزل النصوص الواردة
في إباحته وذمه."
وهذا يعزز ما ذهب إليه الرازي من أن الجدال ليس من
باب الدعوة بل المقصود منه غرض آخر والحسبة دعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة
الحسنة خاصة مع العوام من الناس .
ثانياً : الدعوة العامة للمسلمين
:- لأنّ الحسبة تكون دعوة إرشاد وتوجيه للمجتمع الإسلامي كي يحافظ علىقيمه
وسلوكه ويقوم بها العلماء والوعاظ من الدعاة ويبينون للناس طرق الخير والفلاح
ويحذرون من عذاب الله ،كما قال تعالى : )وَمَا
كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ
فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا
قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون(
يقول القرطبي :"هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم" ولا يكون من يقوم بأمر الدين
أمرا ونهيا إلا عارفا بقواعد الأمر والنهي حتى لا يأمر بمنكر وينهى عن معروف "
ودلت الآية على أنه يجب أن يكون المقصود من التفقه والتعلم دعوة الخلق إلى الحق
، وإرشادهم إلى الدين القويم ، والصراط المستقيم ، لأن الآية تدل على أنه
تعالى أمرهم بالتفقه في الدين لأجل أنهم إذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم ، وأولئك
يحذرون الجهل والمعصية، ويرغبون في قبول الدين ، فكل من تفقه وتعلم لهذا الغرض
كان على المنهج القويم والصراط المستقيم ومن عدل عنه وطلب الدنيا بالدين كان
من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون
صنعا."
والحسبة لا تكون إلا بعد علم ومعرفة بأمور الشريعة
وأحكامها وحكمها حتى لا توقع المجتمع في تفرقة وشتات ، ويقوم المنكر بدلا من
المعروف ، وفي هذا الصدد يمكن التمثيل بموقف عمر بن عبد العزيز. عندما دخل
عليه ابنه عبد الملك، فقال له : " يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غدا إذا
سألك فقال رأيت بدعة فلم تمنعها أو سنة فلم تحيها ؟ فقال له أبوه : رحمك الله
وجزاك من ولد خيرا يابني ، إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة ،وعروة
عروة،ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقا
تكثر فيه الدماء،والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمة من دم
أو ماترضى أن لايأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيى
فيه سنة ؟ " وهذا دليل على وعي عمر العميق بفرضية الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، ومعرفته بأحوال المجتمع وكوامنه الاجتماعية ، فنهج معهم نهج التدرج حتى
لا يحدث شرخ في وحدة الأمة، فالدعوة العامة تحتاج إلى علم بقواعد الشريعة
وأحكامها للحفاظ على مصالح الجماعة المسلمة ووحدتها.
ثالثاً : الدعوة الجزئية
:- وتكون الدعوة الجزئية في الحسبة بين أفراد
المجتمع المتعارفين بالدلائل على الخير والنهي عن الشر ويستوي فيها العالم
والجاهل ،كل واحد يأخذ من الفريضة العامة بقدره ؛ لأن أفراد الأمة إذا قام كل
واحد منهم بنصيحة الآخر دعوة وأمرا ونهيا امتنع فشو الشر والمنكر فيهم.
ويرى بعض الباحثين أن الدعوة الجزئية أكثر المراتب
التصاقا بموضوع الاحتساب؛ لأن ترك المعروف وإثبات المنكر إنما يظهر أولا في
الأفراد فإذا تمادوا ولم يردعهم رادع، أصبح المنكر معروفا، والمعروف منكرا.
ولكي تحقق الدعوة الجزئية الغايات المرجوة منها ، يجب على الأفراد الداعين إلى
الخير والناهين عن الشر أن يقتدوا بمنهج رسول الله
صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله بقدر المستطاع
دون إفراط مخل أو تفريط مضر؛ لأن مدار الشريعة : على قوله تعالى
:(
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
)
المفسر لقوله تعالى:(
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)
وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم
:" إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا
اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ." وعلى أن الواجب
تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ،فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم
المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع.
، وهو غاية الحسبة فردية كانت أو جماعية وقد يتبين ذلك في وسائل الحسبة
وآلياتها في تغيير المنكرات .
المبحث الرابع
شـــــروط المحتســــــــــب .
بتطور المجتمع الإسلامي وتعقد نظم الحياة الاجتماعية
، كانت تتطور وسائل نظمه وفق مقتضيات كل عصر وفي محاولة لتأصيل الحسبة ،وبيان
أحكامها الشرعية بذل الفقهاء جهدا كبيرا في إبراز الشروط الواجب توافرها في
المحتسب ، فأجمع العلماء على شروط خاصّة في المحتسب ذكرتها جلّ كتب الحسبة في
مجاليها النظري والتطبيقي منها : -
1
ـ أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً عدلا.
2 ـ أن يكون ذا رأي وصرامة في الدين عارفاً بأحكام
الشريعة ومقاصدها.
3 ـ أن يكون مواظباً على سنن الرسول صلى الله عليه
وسلم.
4 ـ أن يقصد بقوله وفعله وجه الله تعالى وطلب مرضاته
خالص النيّة لا تشوبه شائبة رياء ولامراء ويتجنّب في رياسته منافسة الخلق
ومفاخرة أبناء الجنس لينشر الله عليه رداء القبول والتوفيق
.
5- أن يعمل بما يعلم ولا يكون قوله مخالفاً لفعله.
6ـ أن يكون عفيفاً عن أموال الناس متورّعاً عن قبول
الهديّة من المتعيشين وأرباب الصناعات فإنّ ذلك رشوة له
.
7 - أن تكون الدعوة إلى الخير مثمرة بحيث تمنع صاحب
المنكر من التمادي في منكره .
8 - أن يكون المحتسب حال الدعوة آمنا على نفسه من
الوقوع في خطر يهدد حياته أوماله أو أهله .
ولهذه الاعتبارات تنوعت صور الحسبة ،ومن ثم قسم الفقهاء شروط المحتسب إلى نوعين
:
أ- شروط متفق عليها
وهي : الإيمان ، التكليف ، القدرة، العلم بالمنكرات.
ب - شروط مختلف فيها
وهي : العدالة ، الذكورة ، إذن الإمام,أي من بيده مقاليد
الحكم.
وسأتناول هذه الشروط بشيء من التفصيل.
الإيمــان
:- اتفق الفقهاء على اشتراط الإيمان فيمن يقوم بأمر
الحسبة في المجتمع الإسلامي ؛ لأن الجاحد لأصل الإيمان غير معني بتطبيق نظم
الإسلام وشعائره فلا يجوزله القيام بأمر الحسبة تطوعا أو ولاية لقوله تعالى (
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً )
وهذا الوعد الإلهي يتحقق لأفراد الأمة ومجموعها " ما
داموا عاملين بالحق غير راضين بالباطل، ولا تاركين للنهي عن المنكر"
واشتراط الإيمان في أمر الحسبة فيه دليل على التسامح
مع غير المسلمين في تقرير مبدأ حرية العقيدة لأن الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر " يدخل فيه الأمر بكل ما أوجبت الشريعة عمله أو حببت للناس فعله من صلاة
وصيام وحج و توحيد و غير ذلك . والنهي عن المنكر يدخل فيه النهي عن كل ما خالف
الشريعة من أفعال وعقائد فيدخل فيه النهي عن المنكر وعن شرب الخمر وعن أكل لحم
الخنزير وعن غير ذلك مما تخالف فيه الشريعة الإسلامية النظم الأخرى ، فلو ألزم
غير المسلم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لألزم بأن يقول بما يقول به
المسلم ، وبأن يعتقد بما يعتقده المسلم ، ولألزم بأن يبطل عقيدته الدينية ويظهر
عقيدة الإسلام ، و هذا هو الإكراه في الدين الذي تحرمه الشريعة الإسلامية كما
في قوله تعالى ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين)
فمن أجل حماية حرية العقيدة جعل هذا الواجب إلى المسلم دون
غيره. ، فالمؤمن بهذا الأصل – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- يحمي عقيدته
ونظمه وقيمه ويدعو إلى الإيمان بالحكمة ، والموعظة الحسنة ،و( لا إِكْرَاهَ
فِي الدِّين) ، فإنه بيّن واضح جليّ ، دلائله وبراهينه لا تحتاج إلى أن يكره
أحد على الدخول فيه ؛ بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه
على بيّنة ،ومن أعمى الله قلبه،وختم على سمعه وبصره ، فإنه لا يفيده الدخول في
الدين مكرها . والله تعالى " لم يجر أمر الإيمان على الإجبار و القسر ولكن على
التمكين والاختيار فقال تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي
الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا
مُؤْمِنِينَ ) أي لو شاء لقسرهم على الإيمان و لكن لم يفعل وبنى الأمر على
الاختيار" .
أما من اختار الإيمان بما جاء به محمد
صلى الله عليه وسلم فلا يسقط عنه الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر إلا إذا قام به غيره؛ لذا اشترط الفقهاء شرط الإيمان في
الحسبة باعتبارها من شعائر الأمة المؤمنة ولا يجوز توليتها لغير المؤمن على أمر
الأمة لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ
وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
)
التكليـف
:- اتفق الفقهاء على شرط التكليف لمن يقوم بأمر الحسبة
وتكون واجبة عليه بحكم التكليف وغير المكلف كالصغير والمجنون لا تخاطبه أوامر
الشريعة ونواهيها فلا يكون آثما بتركه ، ولكنه يثاب بفعله ولا يمنع من القيام
بها ؛ لأن الحسبة قربة وهو من أهلها كالصلاة وغيرها من سائر القربات ، والتكليف
يعدّ " شرط الوجوب ، فأما إمكان الفعل وجوازه ، فلا يستدعي إلا العقل حتى إن
الصبي المراهق للبلوغ المميز وإن لم يكن مكلفا ، فله إنكار المنكر ، وله أن
يريق الخمر ويكسر الملاهي ، و إذا فعل ذلك نال به ثوابا ولم يكن لأحد منعه من
حيث إنه ليس بمكلف ، فإن هذه قربة و هو من أهلها"
القدرة أو الاستطاعة
:- تعتبر القدرة على تغيير المنكر شرطاَ اتفق عليه العلماء ،وهذا يدلّ عليه
قول النبي صلى الله عليه وسلم:"
مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ
بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الأِيمَانِ " فالواضح من الحديث عدم وجوب دفع
المنكر بالقوة عند عدم الاستطاعة و يكفي الإنكار باللسان، ويجب الإنكار بالقلب
وهذا لازم لجميع المسلمين وذلك بكراهية المنكر واعتزال أهله ومرتكبيه وعزمه على
الإنكار باليد واللسان لو تمكن من ذلك كما يقول ابن مسعود
: " بحسب المرء إذا رأى منكرا لا
يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره" ، وقد جعل الله تعالى
الاستطاعة شرطا لجميع التكاليف الشرعية فقال : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً
إلاَّ وُسْعَهَا ) وقال عز وجل
(
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ولهذا كانت
الاستطاعة شرطا لوجوب الحسبة ،وعدم القدرة التي ترفع واجب الحسبة عن المكلف
تأخذ صورا ثلاثا :
1 - العجز الحسي
: تسقط الحسبة في حالة العجز الحسي عن الكلام و العمل ، والعاجز ليست عليه
حسبة إلا بقلبه .2
- العجز العلمي : يسقط العجز العلمي وجوب الحسبة ،
لذلك ذهب العلماء إلى أن العامي لا يأمر ولا ينهى في غير الأمور الجلية كترك
الصلاة والإفطار في نهار رمضان بغير عذر شرعي وغيرها من الأمور البينة ، أما
المسائل التي لا يستطيع إدراكها فالأمر والنهي فيها منوط بالعلماء وفي ذلك يقو
ل الإمام الجويني: " إن الحكم الشرعي إذا استوى في إدراكه الخاص والعام ففيه
للعالم وغير العالم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا اختص مدركه
بالاجتهاد فليس للعوام فيه أمر ونهي بل الأمر فيه موكول لأهل الاجتهاد"
.
3 - خشية المكروه
: ومن خشي مكروها يصيبه جراء قيامه بأمر الحسبة سقط عنه أمر الوجوب لعجزه ؛
لأنه " لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي بل يلتحق به ما يخاف عليه مكروها
يناله فذلك في معنى العجز " .
العلم بالمنكرات
:- اتفق الفقهاء على وجوب علم دافع المنكِر بأن ما
ينكره من قبيل المنكر الذي قيمه الشرع. " لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فيهما قيام النواميس الدينية فينبغي لمن يقوم بهذه الوظيفة أن ينظر نظرا خالصا
، ويتأمل في العواقب ، وما يترتب على الأمر والنهي ، فقد تكون المفسدة المترتبة
عليهما أشد من المفسدة المترتبة على تركهما " ففي هذه الحالة لا يقدم عليهما
المحتسب ؛ لأن مقاصد الشريعة مبنية على تقديم المصالح و درء المفاسد . قال
النووي : " إنما يأمر و ينهى من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه ، وذلك يختلف
باختلاف الشيء ؛ فإن كان من الواجبات الظاهرة كالصلاة والصيام أو ظاهر
بالمنكرات كالزنا و الخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها ، و إن كان من وقائع
الأفعال والأقوال ، ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ، ولا لهم
إنكاره بل ذلك للعلماء" .ومن أهم العلوم التي يجب أن يتسلح بها المحتسب فقه
الحسبة بأحكامها والعلم بالحلال والحرام ومواقع الأمر والنهي والإلمام بمواقع
الشرع المتعلقة بالحسبة "فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا
واتباعا للهوى وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام ، فلا بد من العلم
بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما ولابد من العلم بحال المأمور والمنهي." ،
وجاء في الأثر عن بعض السلف " لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان
فيه ثلاث خصال : رفيق بما يأمر به رفيق بما ينهى عنه عدل بما يأمر به وعدل بما
ينهى عنه عالم بما يأمر به عالم بما ينهى عنه."
العــدالـة
:- اختلف العلماء في اشتراط العدالة في المحتسب
فذهب أبو الحسن الماوردي و بعض الفقهاء إلى عدم اشتراطها. وربما نشأ خلافهم
هذا على خلافهم في معنى العدالة فمنهم من قال : إن العدالة هي ملكة تمنع من
اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر ، وقال بعضهم هي ملكة تمنع من اقتراف
الكبائر ، وعن فعل صغير يشعر بالخسة ، و قال بعضهم العدل من كان الأغلب من أمره
الطاعة والمروءة ". وبين الجصاص ما تتحقق به العدالة ، فقال:"إن أصلها الإيمان
واجتناب الكبائر ،ومراعاة حقوق الله تعالى في الواجبات والمسؤوليات وصدق اللهجة
والأمانة " وبناء على هذا المفهوم للعدالة افترقوا إلى مذهبين:
-
المذهب الأول : يشترط العدالة في
المحتسب
، وليس للفاسق أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ، ويرى
الإمام القرطبي أن هذا الرأي ينسب للمبتدعة . ولكن يستدل القائلون به بالكتاب
والسنة والمعقول.
أولاً : الكتاب
: استدل من يشترط العدالة في المحتسب بآيات من القرآن الكريم منها قوله تعالى:
( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ
أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) وقوله
تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ
) ووجه استدلال أصحاب هذا الرأي بهاتين الآيتين أن الله سبحانه وتعالى قد شدد
النكير على الذين يأمرون الناس بالبر ولا يعملونه ،وينهون عن المنكر ولا
يخشونه، فيقولون مالا يفعلون ولو لم يكن ذلك ممنوعا شرعا لما أنكره الله عليهم
، فدل ذلك على وجوب العدالة في المحتسب.
ثانياً: الســـنة
: استدلوا من السنة بحديثين شريفين هما :
- ما روي عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال :" مَرَرْتُ لَيْلَةَ
أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ قَالَ
قُلْتُ مَنْ هَؤُلاَءِ قَالُوا خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا
يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ
الْكِتَابَ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ " ، ووجه الاستدلال بالحديث أن هؤلاء الذين
رآهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ما استحقوا هذا العذاب إلا لأنهم
فرطوا فيما دعوا الناس إليه ، ونهوهم عنه، فدل على أن من يأمر غيره بالخير،
ويدعوه إلى المعروف ، وينهاه عن الشر يجب إن يأخذ نفسه بما يدعوا إليه أولا
وهذه هي العدالة فتعين قيامها بالمحتسب. .
- كما
استدلوا بما روي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام :"عظ نفسك فإن اتعظت
فعظ الناس وإلا فاستح مني ."
ثالثا : المعقـول
: يرى القائلون باشتراط العدالة أن أمر الفاسق بالمعروف و نهيه عن المنكر لا
فائدة فيه لأن هداية الغير فرع للاهتداء وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة ،
والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح فمن ليس بصالح في نفسه ، فكيف يصلح غيره ؟ ومتى
يستقيم الظل والعود أعوج ؟
المذهب الثاني
: يرى أصحابه عدم اشتراط العدالة في دافع المنكر ويستدلون على مذهبهم بالكتاب
والسنة والإجماع والمعقول .
أولاً: الكتاب
: استدل القائلون بعدم اشتراط العدالة فيمن يدفع المنكر بآيات من القرآن الكريم
منها : قوله تعالى :( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ) وقوله تعالى:( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
بِاللَّه) وقوله تعالى :( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا
تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ). ووجه الاستدلال بهذه الآيات أن
الله تعالى خاطب فيها الأمة كلها وفي الأمة العدل وغيره ولو كانت العدالة شرطا
لخصص الله تعالى المخاطبين والمأمورين بأحكامها باشتراط العدالة ، ولكن الآيات
جاءت عامة فدل ذلك على أن العدالة ليست شرطا فيمن يأمر وينهى
.
ثانياً: الســنة
: استدلوا من السنة بما روي عن أنس بن مالك قال : " قلنا يا رسول الله لا نأمر
بالمعروف حتى نعمل به ولا ننهى عن المنكر حتى نجتنبه كله ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم:"
بل مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن
لم تجتنبوه كله" يتضح من هذا الحديث أنه لا يشترط في من يأمر بالمعروف أن يقوم
به كله ومن ينهى عن المنكر أن يتركه كله والعدالة تقتضي القيام بفرائض الدين
كلها وكذلك منهياته جميعها ولم يشترط في الحديث فدل ذلك على عدم اشتراط العدالة
الكاملة في المحتسب.
ثالثاً: الإجماع
: اتفق العلماء من السلف و الخلف على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
حسبة لله تعالى على كل مسلم.
رابعاً: -المعقول
: اشتراط العدالة فيمن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر يؤدي إلى سد باب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأن العدالة لا تتوفر في جميع الخلق ، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر أمر عام لجميع الناس. وفي ذلك يقول الإمام
الغزالي "لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم ، والأنبياء عليهم السلام اختلف في
عصمتهم عن الخطايا ، والقرآن العزيز دال على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية
، وكذا جماعة من الأنبياء . ولهذا قال سعيد بن جبير : إن لم يأمر بالمعروف ولم
ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء؛ لم يأمر أحد بشيء ، فأعجب مالكا
- t-ذلك من سعيد بن جبير" .
ولعل في إيراد الإمام الغزالي المسألة على هذه
الصورة في النفس منه شيء, إذ العصمة شيء والعدالة درجتها أدنى من العصمة . ولعل
مرجع تعدد الآراء وصور الاستدلال حول هذه المسألة مرجعه إلى عدم الاتفاق على
تحديد مفهوم العدالة . ولعل مرجع الأمر إلى الشرع وإلى العرف كليهما.
وعلى الرغم من أن أصحاب هذا المذهب لا يشترطون
العدالة في المحتسب على وجه العموم إلا أنهم يستثنون الإنكار الوعظي ، فليس
لمرتكب المعصية أن ينهى غيره الذي يعرف ارتكابه إياها ؛ لأن إنكاره في هذه
الحالة مما تنفر منه الطباع ، وقوله لا يقبل لعلم الناس بفسقه ، فليس عليه
الحسبة بالوعظ إذ لافائدة في وعظه ، فالفسق يؤثر في إسقاط فائدة كلامه ، ثم إذا
سقطت فائدة كلامه سقط وجوب الكلام ، وأما الحسبة القهرية فلا يشترط فيها
العدالة ؛ لأنها عبارة عن تغيير مادي للمنكر فلا حرج على الفاسق في إراقة
الخمور و كسر الملاهي و غير ذلك إذا قدر عليه الرأي
الراجح في شرط العدالة
:لعل الصواب أن يقال إن شرط العدالة في المحتسب
المولى واجبة باعتبار الولاية ولا يجوز تولية الظالم أمرا من أمور المسلمين ،
وقد كانت العدالة من أسس التعيين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
والخلفاء من بعده وكانت تعتمد على الكفاية و القدرة
من جهة والأمانة والإخلاص من جهة أخرى ،كما يقول أبو بكر الصديق
: " وليت عليكم و لست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني
وإن أسأت فقوموني." وهذه العدالة شرط واجب فيمن يتولى أي أمر من أمور الأمة ؛
لأن العدل هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة الإسلامية وقد أمر بذلك القرآن
الكريم فقال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ
وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ
وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) وقال تعالى: ( إِنَّ
اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ
نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) فالله عز
وجل أوجب على الحكام أن يقيموا العدل وأن يولوا أمور الأمة الرجل العدل ،
فالعدالة شرط فيمن ولي أمر الحسبة ،أما من يقوم بها دون ولاية من الحاكم فهذا
يستحسن فيه العدل ولا يشترط أن يكون عدلا وأرجح المذهب الثاني الذي لا يرى
اشتراط العدالة في الحسبة تطوعا .
أما أدلة أصحاب الرأي الأول فقد أبطل تأويلها
العلماء بالآتي :
أولاً-
قوله تعالى : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) لا يصلح حجة لاشتراط
العدالة في من يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر ؛ لأن الإنكار عليهم في الآية
الكريمة من حيث تركهم المعروف لا من حيث أمرهم للغير به . ودل أمرهم بالبر
غيرهم على قوة علمهم، وعقاب العالم أشد ؛لأنه لا عذر له مع قوة علمه
. - أما قوله تعالى : ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ
اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) فليس فيه حجة لاشتراط العدالة ؛
لأن المقت في الآية الكريمة ينصب على الوعد الكاذب و ليس المراد به أمر الغير
و ترك الفعل .
- أما استدلالهم بالحديث
" مررت ليلة أسري بي.." فإنه لا يدل على اشتراط العدالة ؛ لأن الذين رآهم
الرسول صلى
الله عليه وسلم عوقبوا على خصوص تركهم ما يأمرون به غيرهم وفعل ما ينهون عنه
غيرهم لقبحه.
- وقوله سبحانه و تعالى في الحديث القدسي لعيسى
عليه السلام : " عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستح مني " لا يدل على
اشتراط العدالة فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا على تحريم وعظ الغير
، بل معناه استح مني فلا تترك الأهم وتشتغل بالمهم "
ثانياً
: القول باشتراط العدالة معناه سقوط فريضة الأمر و النهي
بارتكاب معصية فكأن ارتكاب معصية من المعاصي يؤدي إلى سقوط الفرائض و هي نتيجة
لا يمكن التسليم بها ؛ إذ يستحيل القول بوجوب النهي عن شرب الخمر على المسلم
ما لم يشرب ، فإذا شرب سقط عنه النهي ، والصحيح في هذه الحالة أن عليه عقوبتين
الأولى عن شرب الخمر والثانية عن عدم النهي عن المعصية وترك فرض من الفروض لا
يسقط عن المسلم الفروض الأخرى.؛ لأن ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه
فروضا غيرها ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم و سائر العبادات
فكذلك من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه"
إذن الإمام:-
اختلف العلماء في اشتراط إذن السلطان ، فذهب بعضهم إلى اشتراط الإذن ، وذهب
آخرون إلى عدم جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يخرج الإمام المعصوم
، وهو الإمام الحق عندهم ، ويرى جمهور الفقهاء عدم اشتراط إذن الإمام أو الحاكم
وبيان ذلك في الآتي .
الرأي الأول
: يشترط أصحاب هذا الرأي إذن الإمام للقيام بواجب الأمر بالمعروف و النهي عن
المنكر ، وحجتهم في ذلك أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إثبات سلطنة
وولاية واحتكام على المحكوم عليه فينبغي ألا يثبت لآحاد الرعية ، إلا بتفويض
من الوالي وصاحب الأمر ولذلك لم يثبت – مع كونه حقا – للكافر على المسلم . كما
يحتج أصحاب هذا الرأي بأن الإمام أو الحاكم هو الذي يستطيع اختيار من يحسن
القيام به ، أما تركه لآحاد الناس دون قيود فإنه يؤدي إلى مفاسد وفتن في
المجتمع.
وقد أجيب عن حجتهم الأولى بأن الكافر إنما منع من
الحسبة لما فيها من السلطنة وعز الاحتكام والكافر ذليل ولا يستحسن أن ينال عز
الاحتكام على المسلم أما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين و المعرفة ،
ولا يحتاجون فيه إلى تفويض أو إذن الإمام .
أما قولهم بأن الإمام يحسن اختيار من يقوم بهذا
العمل ربما في أمر الولاية وتعين المحتسب ، أما خلاف ذلك فيردّ عليهم بأن
الخطاب القرآني موجه إلى الأمة كلها ، والإمام فرد من أفرادها فإن قصر عن معروف
أو ارتكب منكرا ، وجب أمره بالأول ونهيه عن الثاني فالأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر واجب لا يسقط بغير الأداء ، والحاكم وغيره في ذلك سواء مع اعتبار
الاختلاف في آليات الأمر والنهي.
الرأي الثاني
: وهو رأي الروافض. الذين ذهبوا إلى أنه لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ما لم يخرج الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم. وهذا الرأي بطلانه
واضح ؛ لأن معناه عدم القيام بهذه الفرضية أبدا ما لم يثبت خروج الإمام
المعصوم ، وقد أجاب عن هذا الرأي الإمام الغزالي بقوله: "وهؤلاء جوابهم أن يقال
لهم إذا جاءوا إلى القضاء طالبين لحقوقهم في دمائهم وأموالهم ، إن نصرتكم أمر
بالمعروف واستخراج حقوقكم من أيدي من ظلمكم نهي عن المنكر ، وطلبكم لحقكم من
جملة المعروف وما هذا زمان النهي عن الظلم و طلب الحقوق ؛ لأن الإمام الحق بعد
لم يخرج."
الرأي الثالث
: يرى جمهور الفقهاء والكتاب المعاصرين. عدم اشتراط إذن الحاكم ، وثبوت الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر لآحاد المسلمين ، وحجتهم في ذلك عموم الآيات
القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذا السياق فهي توجب
على كل مسلم أن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أيا كانت صورته وفي
جميع الأحوال ، فالتخصيص بشرط الإذن من الإمام لا دليل عليه.
كما احتج الجمهور بأن الحاكم أو الوالي ممن يوجه
إليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإذا كان من الواجب أمر الإمام
بالمعروف و نهيه عن المنكر فكيف يحتاج في إذنه لتأدية الواجب.؟
ويستند الجمهور أخيرا إلى إجماع المسلمين فإن غير
الولاة في الصدر الأول ، و العصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف و
ينهونهم عن المنكر من غير ولاية . وشرط الإذن من الإمام ربما يأتي عند التجاء
المحتسب للضرب وشهر السلاح ، فلا يجوز للمحتسب المتطوع أن يعزر بهاتين
الوسيلتين ما لم يأذن له الإمام ،و هذا من أجل المحافظة على نظام الأمة ووحدتها
واستقرارها .
ولعل الراجح في هذه المسألة :
هو ما ذهب إليه الجمهور من عدم اشتراط إذن الإمام للقيام بواجب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ؛ لأن العمل في كل العصور حتى في الأوقات التي خصص فيها
الخلفاء والولاة رجالا معينين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن هذا
التخصيص لم يمنع أي فرد من أفراد الأمة من القيام بهذا الواجب ، بل لقد كان بعض
الأفراد يتصدون إلى الولاة و الخلفاء، وقد سجلت التجربة التاريخية للنظام
الإسلامي الكثير من الوقائع التي وقف فيها المؤمنون لأمر الولاة فاحتسبوا
عليهم دون أن يعترض الولاة ، بل كانوا يستجيبون لهم في الغالب ،وهذا ما ورد في
عدة مواقف منها:
1 - ما روى عن الحسن
قال: كان بين عمر بن الخطاب
وبين رجل كلام في شيء فقال له الرجل :اتق الله يا
أمير المؤمنين فقال رجل من القوم: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله ؟ فقال عمر
دعه ، فليقلها لي ، فنعم ما قال ، ثم قال عمر لا خير فيكم إذا لم تقولوها ، ولا
خير فينا إذا لم نسمعها.
2 - ما روي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَبْدَ
الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَعَثَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ بِأَنْجَاد ٍ مِنْ
عِنْدِهِ فَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ
اللَّيْلِ فَدَعَا خَادِمَهُ فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ فَلَعَنَهُ
فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَتْ لَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ
لَعَنْتَ خَادِمَكَ حِينَ دَعَوْتَهُ فَقَالَتْ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ
يَقُول قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ِ
":
لاَ يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ."
3 - وما روي عن مروان بن الحكم خطب قبل صلاة العيد
، فقال له رجل: إنما الخطبة بعد الصلاة فقال له مروان : اترك ذلك يا فلان ،
فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، قال لنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم :" من رأى منكم منكرا "
وذكر الحديث.
4 - وروي عن الحسن بن صالح قال : كتب عمرو بن عبيد
الله إلى عبد الله بن شبرمة يعذله
في تخلٌّفه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،
فكتب إليه عبد الله بن شبرمة :
الأمر يا عمرو بالمعـروف
نافلةٌ والعاملــــــون به لله أنصــار.
والتاركون له ضعفاً لــهم
عـــذْر والَّلائِمون لهم في ذاك أَشرار.
الأمر يا عمرولا بالسيف
تشهره على الأئمّة إنّ القتل إضــــرار
.
فهذه المرويات وغيرها عن السلف الصالح ، تبين مدى فهم
المجتمع المسلم لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنها فرض ثابت على كل
فرد من أفراد المجتمع الإسلامي وبها يتقوى أثر الشريعة في نفوس المجتمع، وإقصاء
هذه الفريضة أو احتكارها قد يؤدي إلى الهلاك كما قال صلى الله عليه وسلم
" مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ
وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ
بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي
أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ
فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ
فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ
أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا." فالرسول
صلى الله عليه وسلم بعد أن أبان علاقة القائمين على
حدود الله في الدين بالواقعين فيها وبالمداهنين ، أقام الحجة على كل ذي عقل: أن
صلاح المرء في نفسه غير كاف بل فريضة وعليه أن يكون صالحا وأن يكون مصلحا ما
حوله قائما بالاحتساب و الرقابة الراشدة على ما حوله فلا يدع أيدي العابثين
ممتدّة بالشرّ.
الحسبة في النظام الإسلامي
أصولها الشرعية وتطبيقاتها العملية
الحلقة
السابعة
للأخ الأستاذ إدريس محمد عثمان
التدرج في وسائل الحسبـة:حكم وأحكام
خصوصيات في استعمال وسائل الحسبة
الحسبة في النظام الإسلامي
أصولها الشرعية وتطبيقاتها العملية
للأخ الأستاذ إدريس محمد عثمان
الحلقة
السادسة: المفهوم الشرعي للمعروف والمنكر
تفقـد المعـروف في حيـاة المجتـمع والتـزام الأمر به
|