أهــلا وسهــلا بكم في موقــع الحــركة الإســلاميــة المغربيـــة
تحديث بتاريخ 28 رجب 1429هـ

 الصفحة الرئيسـيـة

 حلقات تفسير القرآن

 نداء المحبة

 الحركة الإسلامية المغربية
 نشأة وتطورا

 البيان التأسـيـسي

 التقريـر العـقــدي

 التقريــر السياسي

 رسالة المرشـد العام

 الدين النصيحة

 مقالات ودراسات إسلامية

 من قضايا الأمة

 مواقف وبيانات

 المنبر الحــر

 حـوار إســلامي

الشورى منهج حكم وتدبير
التشريع الشوروي في منطقة الفراغ التشريعي
المقاصد الشرعية في تدبير الشأن العام
تفسير القرآن للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
موطأ الإمام مالك
في النظام السياسي:
ثلاثية فقه الأحكام السلطانية( الطبعة الثالثة)
تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك
بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في الفكر والدعوة
الصحراء المغربية
ملكية الأرض في الإسلام
حد السرقة بين الفهـم والتطبيق
الأخلاق والتزكية فـي رحاب الكتاب والسنة

عرب وبربر مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله

رسالة الإمام مالك إلى هارون الرشيد ( تحقيق وتخريج أحاديث)

 الحسبة  في النظام  الإسلامي: أصولها الشرعية وتطبيقاتها العمليةللأخ الأستاذ إدريس محمدعثمان

 منهجية الفتوى في   المدرسة المالكية       االأندلسية: الإمام   االشاطبي نموذجا للأخت     الأستاذة دريد الزواوي 

  الزاوية التاغية/ دار القرآن الكريم -  توثيق تاريخي للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي 

 

 مـــــن تحــــن

 اتصــــــل بنـــا

أرتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل

 
 

من قضايا الأمــة

انظر الكتاب كاملا في قسم الكتب من هذا الموقع

 

الحسبة في النظام الإسلامي

أصولها الشرعية وتطبيقاتها العملية

 الحلقة الثامنة

للأخ الأستاذ إدريس محمد عثمان

الفصل الثاني
تطبيقات الحسبة في النظام الإسلامي
النشأة والتطور

المبحث الأول

نظام الحسبة: النشأة والتطور.

 

 تجمع المصادر قاطبة  دونما استثناء على أن أصل الحسبة  ونظامها مستلهم من سنة نبوية شريفة  تتلخص في موقف النبي صلى الله عليه وسلم من تاجر في السوق ، عندما قام الرسول صلى الله عليه وسلم بفحص جزء من بضاعته  فوجدها غير صالحة، ولا تطابق شروط البيع الصحيحة ، فدعى صاحب البضاعة إلى عرضها على الملأ كيما يشتروا شيئا يستطيعون رؤيته وفحصه قبل شرائه.  ، فقد روى عن أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ : يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا ؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ :أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ .ثُمَّ قَالَ "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا."  وفي هذا الحديث دلالة علىتطبيق مقرون بالتأصيل للقيم الإسلامية في المعاملات،كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم  أنه خرج إلي المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال : يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إلاَّ مَنْ اتَّقَى اللَّهَ وَبَرَّ وَصَدَقَ." 
وعن قيس بن أبي غرزة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالأِثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ." 
وبهذا التوجيه النبوي التشريعي ابتدأت الحسبة في المجتمع الإسلامي الأول، ويرجع هذا الاهتمام من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أنه كان يومئذ في مرحلة تأسيسية يرسخ فيها أن رسالته غير محصورة على الشعائر التعبدية وحدها ، وأن هذا الدين الذي بعثه الله للناس كافة ، قيم على كل شؤون الدين والدنيا ، ومن ثم نزل الذكر الحكيم بآيات كثيرة في الشؤون الدنيوية ، ومن بينها المعاملات التجارية ، بما قد تكون عليه من منكر الغش والتدليس في التعامل بالأخذ والعطاء ، ومن الأخذ بالربا ، ومن التطفيف في المكاييل والموازين ، وما هو من هذا القبيل الذي من شأنه أن يضر بمصلحة الفرد المتعامل بداية  وبالصالح العام في النهاية.  ولذلك بين الرسول صلى الله عليه وسلم مهمات الحسبة قولا وفعلا  فضلا عن أنه قد أناط بأعلام الصحابة مهمة الرقابة , فقد أناط بعمر بن الخطاب مهمة مراقبة سوق المدينة ، كما استعمل سعيد بن سعيد بن العاص على سوق مكة بعد الفتح. .
ولم يكن أمر الحسبة مراقبة فحسب بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يحاسب عماله على " ما أخذه العمال وغيرهم من مال المسلمين بغير حق ، فكان عليه الصلاة والسلام يستوفي الحساب على العمال  ويحاسبهم على المستخرج  والمصروف.   ومما يروى عنه في هذا عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى ابْنَ الْلَّتَبِيَّةِ ، لَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ.قَالَ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَهَلاَ جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ثُمَّ خَطَبَنَا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى الْعَمَلِ مِمَّا وَلاَنِي اللَّهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ وَاللَّهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إلاَّ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلاَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ يَقُولُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أُذُنِي." 
ومما سبق يمكن القول : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعمل منذ بعثته على ترسيخ مبدأ التكامل بين الدين والدنيا ، وإلى خلق ضمير إنساني ووعي إسلامي في هذه المعاملات – الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية ، وإن ولاية الحسبة نشأت في عهده صلى الله عليه وسلم وإن كان شأن هذه الولاية ضيقا محدودا كما هو شأن أي ولاية في بدء نشأتها وتكوينها ومن ثمّ نهج الخلفاء الراشدون منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مراقبة الأسواق وعبر ممارسة مباشرة وواقعية على نحو لا يقبل الانفصام عن تعاليم الدين الإسلامي ، فمارسوا الحسبة على المجتمع بأنفسهم كما يقول الماوردي : لقد " كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم ،لعموم صلاحها  وجزيل ثوابها ، ولكن لما أعرض عنها السلطان ، وندب لها من هان وصارت عرضة للتكسب  وقبول الرشاوى لان أمرها ،وهان على الناس خطرها ،ولكن ليس إذا وقع الإخلال بقاعدة سقط حكمها."  فلما ولي أبو بكر الصديق الخلافة ، قال  له عمر " أنا أكفيك القضاء فجعله قاضيا فمكث سنة لا يخاصم إليه أحد."   ولم تذكر المصادر فيما وقفت عليه حوادث كثيرة عن الخليفة الأول ، ولعل السبب يرجع إلى عمق القيم التي رسخها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرب الحياة بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم  ثم لما تولى الخلافة عمر بن الخطاب t كان يطوف في الأسواق بنفسه متفقدا أحوالها معاقبا كل من خالف أحكامها ، وأعرافها.  والشواهد على رقابة عمر في ذلك كثيرة منها: -
أن ابن عمر قال : قدمت رفقة من التجار فنزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف هل لك أن تحرسهم الليلة من السرقة ؟ فبات يحرسهم ويصلي ما كتب الله له فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لأمه اتقي الله واحسني إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه فسمع بكاءه فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك. ثم عاد إلى مكانه ، فلما كان في آخر الليل سمع بكاءه فأتى أمه فقال ويحك إني لأراك أم سوء ما لي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة ؟ قالت يا عبد الله قد أبرمتني منذ الليلة إني أريغه عن الفطام ،فيأبى قال ولم ؟ قالت لأن عمر لا يفرض إلا للمفطوم قال وكم له ؟قالت: كذا وكذا شهرا قال : ويحك لا تعجليه فصلى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء فلما سلم قال : يا بؤسا لعمر كم قتل من أولاد المسلمين ثم أمر مناديا فنادى ألا لا تعجلوا صبيانكم الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام وكتب بذلك إلى الآفاق."
ويذكر عن عمر بن الخطاب أنه " رأى رجلا قد شاب اللبن بالماء فأراقه عليه"  وهذا يعد جانبا إجرائيا لمنع الضرر، وآثار عمر في الحسبة كثيرة ، ثم بعد وفاة الخليفة عمر وفي خلافة عثمان بن عفان مارسها الخليفة وكان يحمل درته حتى في المسجد عند الصلاة.  كما عرف عن علي كرم الله وجهه أنه كان يتفقد أمر الرعية  و يمشي في الأسواق يرشد الناس ويصلح الأخطاء ويأمر بحسن البيع والامتناع عن التدليس والفساد. ، وكان يمشى في الأسواق وحده وهو خليفة يرشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ قول الله تعالى : ( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ )  ثم يقول نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من سائر الناس.  
يتبين مما سبق أن الخلفاء الراشدين أعطوا نظام الحسبة اهتماما كبيرا ، فكان الخليفة يتولاها بنفسه أو يعين لها من يراه أهلا للقيام بها ،ونظرا لأهمية الحسبة في رسم قواعد الأخلاق في حياة المجتمع الإسلامي كان والي الأمر يعهد بمهمّة الحسبة إلى من يأتمنه عليها ممّن يحسن اختيارهم للنظر في أحوال الرعيّة ،من أهل العلم والصلاح ، حتى غدا الاحتساب علما من أدقّ العلوم وأجلها ، ولا يدركه إلاّ من له فهم ثاقب، وحدس صائب ، إذ الأشخاص والأزمان والأحوال ليست على وتيرة واحدة ، فلا بدّ لكلّ واحد من الأزمان والأحوال سياسة خاصّة ؛ وذلك من أصعب الأمور ،ومن ثمّ اشترط العلماء في المحتسب مقومات خاصّة تؤهّله للقيام بواجبات هذه الوظيفة المهمّة،والمتشعّبة الاختصاصات ،يأتي بيانها في شروط المحتسب                                            
فالحسبة كما ترد في كتب التراث الإسلامي كانت تمثل نظاما فريدا مارسه الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده  ثم فيما بعد الخلافة الراشدة ، ومنذ العصر العباسي الأول خاصة ،برز في التاريخ الإسلامي موظف يطلق عليه المحتسب يتولى ديوان الحسبة ،ويشترط فيه أن يكون أمينا قويا عالما بأحكام الشريعة ، ويساعده في عمله أشخاص يسمون المحتسبين  يتفرغون لهذا العمل وتفرض لهم رواتب من بيت المال ، بالإضافة إلى المتطوعين الذين يتبرعون بالعمل تحت إشراف والى الحسبة دون أن يكون لهم الحق في راتب مالي وبصلاحيات أقل من صلاحيات المحتسبين
ثم صارت الحسبة بعد ذلك في الدولة الإسلامية ولاية من الولايات و نظاما من الأنظمة ، فأصبح ضروريا أن يكون لها وال مأذون له من جهة الحاكم فهي فرض على القائم بأمور الأمة يعين لذلك من يراه أهلا له.  وقد كانت الحسبة في كثير من الدول الإسلامية مثل العبيديين بمصر والمغرب ، والأمويين بالأندلس داخلة في عموم ولاية القاضي يولي فيها باختياره ، ثم لما انفردت وظيفة السلطان عن الخلافة وصار نظره عاما في أمور السياسة، اندرجت في وظائف الملك  وأفردت بالولاية، وقد كانت سلطة المحتسب في الدولة الإسلامية تقوم على الرقابة بطريقتين:
الأولى : رقابة تقوم على العدل ولا تجعل في سبيل ذلك القوة أداة لها ووسيلة من وسائلها  وهي التي تقوم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الرغبة في الخير ، والنفور من الشرّ ، فيؤدي كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي ما يجب عليه طبقا لأحكام الشريعة.
الثانية : رقابة تقوم على الحزم والقوة والعقاب ، وقد تبعها والي الحسبة حين انتشر الإسلام  واتّسعت رقعة الدولة الإسلامية ، وكثر البدع المخالفة لشرع الله نتيجة ضعف الوازع الإيماني الذي يمثل أساس الرقابة الذاتية لذا أصبح لزاما أن يوجد رقيب خارجي يقوم على قوة العقاب إلى جانب قوة رقابة الضمير ، فكانت الحسبة سلطة الدولة للدفاع عن مصالح الأمة وعن قيم الإسلام الروحية والمادية.

 المبحث الثاني

نـظـريــــة الحســـــــــــبة

             بعد بيان نشأة نظام الحسبة وتطوره فيما سبق يمكن القول : بأن نظرية الحسبة ، فقها وتطبيقا هي حصيلة اجتهادات الفقهاء والولاة ، وليست في نصوص القرآن الكريم  أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم أحكام تفصيلية لها بل مصطلح الحسبة عند الفقهاء لم يعرف بمفهوم منفصل عن سائر أعمال البر واحتسابها عند الله تعالى ،ومن ثم تبلور مفهوم الحسبة في العصور التي تلت الخلافة وعرفت كأحد المؤسسات الرقابية الفاعلة في ضبط التوازن بين الدين والدولة ومن ثمّ جاء بناء نظرية الحسبة التي واكبت البناء الفكري والحضاري للمجتمع الإسلامي لتربط بين اكبر عدد من مظاهر الحياة  الاجتماعية،والاقتصادية والسياسية، والثقافية ، فنظمت لها منهجا في تتبع المنكرات وفق قواعد مرسومة في الشرع الإسلامي؛ لأن علم الاحتساب هو النظر في أمور أهل المدينة بإجراء مارسم في الرياسة الإصلاحية والنهي عما يخالفها ، فهو تنفيذ ما قرر في الشرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحماية المصالح الجماعية . وفي قلب مؤسسة الحسبة كان المحتسب يمثل دور المربي والقائد في آن معا وكانت تأتي أوامره لتقوية العلاقات الاجتماعية بالاتجاه الصحيح  ومن منطلق الإخلاص للعقيدة وليس لتحقيق أهداف ذاتية أو دنيوية صرفة ، فهو يحافظ على وحدة المجتمع ضمن إطار العقيدة بتحقيق نمط متطور من أنماط العمل الجماعي وبمشاركة شعبية واسعة وفي الجانب الموضوعي تتكامل مع المؤسسات الأخرى كالقضاء وولاية المظالم،لتحقيق أهداف الدين روحيا وماديا ،ولذلك أولى العلماء الاهتمام بالحسبة ودونوا لها في مؤلفاتهم الفقهية والتفسيرية والتاريخية .

التدوين في الحسبة

الحسبة في مرحلة تأسيس النظم لم يكن مفهومها الشرعي  منفصلا عن التطبيق الواقعي ، كما سبق ثم تدرجت كغيرها من النظم الإسلامية إلي أن أصبحت ولاية مستقلة عرفت بهذا الاسم في تأريخ الحضارة الإسلامية ، وقد أهتم بها العلماء منذ وقت مبكر بعد ظهور عصر التدوين والتأليف في الدولة الإسلامية ، ومرّ التدوين في الحسبة بمرحلتين مختلفتين مرحلة التدوين في الحسبة ضمن أبواب الفقه ، ومرحلة التدوين المستقل عن أبواب الفقه .

أ- التدوين في الحسبة ضمن أبواب الفقه :-

يسمي الباحثون هذه المرحلة دور التأليف في الحسبة غير مستقلة بذاتها ، بل كانت بابا من أبواب الفقه. " وأن أول ما وجه الاهتمام في المغرب  الإسلامي  إلي هذا الموضوع كان موطأ الإمام مالك t الذي قامت عليه الحياة ،التشريعية في هذه البلاد ، وفي الموطأ أبواب متصلة بمعاملات الناس وبأسواقهم، كانت هي العماد الأول لكل من تناول الحسبة في المغرب والأندلس "   وفي هذه الحقبة الزمنية تباينت أراء الكتاب في تسمية الحسبة بين كتاب المشرق الإسلامي ومغربه فقد أطلق عليها في المغرب الإسلامي " أحكام السوق " ، و"خطة السوق " خلافا لتسمية المشارقة لها بمصطلح الحسبة في مدونا تهم ،ولهذا يؤكد الدارسون أن مصطلح الحسبة:" اصطلاح مشرقي وكان المشارقة إليه أسبق  نظرا لأسبقيتهم في تلقي التراتيب الإسلامية.وهذا المصطلح طارئ على المغرب فقد ظلّ الأفارقة على الدوام محتفظين بمصطلح : أحكام السوق ، ولم يعرف مصطلح الحسبة بالمغرب ولا بالأندلس في عهد مبكر ،لأنّ مصطلحي" أحكام السوق" و"خطّة السوق"ظلا مرددين في مصنفات الأندلسيين إلى وقت متأخر"  

 ب- استقلال الحسبة بالتدوين:-

            تعد مرحلة الاستقلال بالتأليف ضمن مرحلة تطور العلوم الإسلامية ،وتفريعها،وتشعيبها ،ووضع دلالات ومصطلحات مستقلة لكل فرع من فروع العلوم والفنون ، ويعد كتاب أحكام السوق  ليحيى بن عمر أول مؤلف مستقل في الحسبة حسب ما أشار إليه بعض الباحثين.  وبالرغم من هذه الأسبقية في التأليف المستقل للحسبة بالمغرب الإسلامي إلا أن الكتاب لم يشر إلى مصطلح الحسبة ،ولهذا استبعد بعض الباحثين وجود أيّ رسالة حقيقية عن الحسبة بالمعنى الدقيق للكلمة حتى نهاية القرن الخامس الهجري في المغرب الإسلامي، ونهاية القرن السادس الهجري في المشرق الإسلامي، إلى حين تدوين كتاب في آداب الحسبة للسقطى المالقي، ورسالة في القضاء والحسبة ،لابن عبدون الإشبيلي.   ولعل عدم اعتبار كتاب أحكام السوق من أقدم المصادر المستقلة في الحسبة عند البعض يرجع إلى كونه كتابا تطبيقيا – لأحكام السوق ، وخطة السوق وهي المصطلحات التي عرفت بها الحسبة عند نشأتها في المغرب الإسلامي ،وهذه المصطلحات للحسبة تتطابق في مضمونها ودلالاتها ، وإن كان المشرق الإسلامي أسبق إلى تحديد المصطلح وتعريفه ، كما هو في مؤلفات مؤرخي الأحكام السلطانية كالما وردي  ، وأبي يعلى الفراء وغيرهما من الذين تناولوا موضوع الحسبة ضمن أبواب الفقه وبيّنوا المفهوم الشرعي والتحليل الفقهي لها ورسموا لها نوعين من الممارسة في إطار المجتمع الإسلامي

أنــواع الحسبـة :-

بناء على المفهوم الواسع للحسبة وشموليتها لتطبيقات المبدأ العام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  فهي تنقسم إلي قسمين حسبة رسمية، وحسبة تطوعية.
 فالحسبة الرسمية هي التي تخضع لسيادة الدولة الإسلامية وتعين لها موظفا يتولاها كما يقول ابن خلدون " هي وظيفة دينية ، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين يعين لذلك من يراه أهلاله فيتعين فرضه عليه ويتخذ الأعوان على ذلك ، ويبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب على قدرها ويحمل الناس على المصالح العامة "  وقد "جرت العادة بإفراد هذا النوع بولاية خاصة  كما أفردت ولاية المظالم بولاية خاصة والمتولي لها يسمى والي المظالم ... والمتولي لفصل الخصومات وإثبات الحقوق والحكم في الأنكحة والطلاق والنفقات وصحة العقود وبطلانها المخصوص باسم الحاكم ، والقاضي "  فتكون فرض عين بحكم الولاية على الإمام والمحتسب . وتختص ولاية الحسبة بالحكم بين الناس في القضايا التي لا تحتاج إلي دعوى وبينات فيبحث المحتسب عن المنكرات الظاهرة مثل : "منكرات الطرقات ومنع الحمالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها وإزالة ما يتوقع من ضررها على السابلة ،والضرب على أيدي المعلمين . .. ومنع الغش ،والتدليس  في المعاش وغيرها" ولا تقتصر سلطة المحتسب على أصحاب المهن والحرف وإنما تتعداها إلى الولاة ، والقضاة كما ذكر العديد من المصنفين في الحسبة ولهذا اشترطوا في المحتسب أن يكون عدلا ذا رأي وصرامة وهيبة وعلم بالمنكرات ؛ لأن "الحسبة موضوعة للرهبة فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزا فيها ولا خرقا "  وهذا كله في مجال الحسبة الرسمية
.
أما الحسبة التطوعية فهي التي يقوم بها المسلم امتثالا لأمر الله تعالى الوارد في الأوامر والنواهي ويطلق الفقهاء على من يقوم بها "المتطوع "؛ لأنه يقوم بها دون تعيين  من ولي الأمر ، وإنما يستند في القيام بها على الواجب الديني الملقى على عاتقه وهو واجب عام يؤديه كل مسلم حسب طاقته وقدرته ، ولا يعني قيام المحتسب المتطوع بالحسبة انتقاصا من قدر المحتسب المعيّن بقدر ما هو قيام بواجب قد يكون كفائيا في بعض الأحايين ولكنه من القربات كما يقول الجويني  "إن القيام بما هو من فروض الكفايات أحرى بإحراز الدرجات وأعلى من فنون القربات من فرائض الأعيان ، فإنّ ما تعين على المتعبد المكلف لو تركه ولم يقابل أمر الشارع فيه بالارتسام  اختص المأثم به ولو أقامه فهو المثاب . ولو فرض تعطيل فرض من فروض الكفايات ، لعمّ المأثم على الكافة على اختلاف الرتب والدرجات ، والقائم به كاف نفسه وكافة المخاطبين الحرج والعقاب، وآمل أفضل الثواب ، ولايهون قدر من يحل محل المسلمين أجمعين في القيام بمهمة من مهمات الدين "  والحسبة في حكمها الشرعي واجبة بقدر طاقة المكلف،ولاتسقط عن الجميع ألا بالأداء، وقد حد ابن القيم مناط الوجوب فقال :"وهذا واجب على كل مسلم قادر ، وهو فرض كفاية …لأن مناط الوجوب هو القدرة ، فيجب على القادر مالا يجب على العاجز "  كما قال الله عزّ وجلّ:( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  )   ويقول الرسول  صلى الله عليه وسلم: " إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ." فالمحتسب المتطوع هو من ندب نفسه للدعوة إلى الخير والفضيلة ، فهو يمارس دورا تربويا ودعويا عاما وقد فرق الفقهاء بين صلاحياته وصلاحيات المحتسب المكلف في كون المعين يقوم مقام والي الأمر في هذا العمل  فيجوزله أن يعزر ويعاقب في المنكرات الظاهرة ، بخلاف المتطوع الذي له من الحسبة الوسائل السلمية كالنصح والوعظ والحوار والمجادلة وغيرها من الوسائل كما سبق بيانه.       

الفرق بين الحسبة الخاصة والحسبة العامة

            وضع الفقهاء فروقا بين الحسبة العمومية التي يمارسها موظف رسمي تعينه الدولة  والحسبة الخاصة التي يمارسها شخص متطوع باعتبارها واجبا دينيا يقع على عاتق كل فرد قادر من أفراد المجتمع الإسلامي، لقوله صلى الله عليه وسلم :" إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ."  وقد شدد الشارع الحكيم في المنهيات وحذر من ارتكاب المنكرات ، وقرر لكل من ارتكب المحرم ، والمكروه ،عقوبة تختلف بحسب نوع المنكر ومقدار ضرره ، والحسبة تكون واجبة على الكفاية على عامة الناس وتكون فرض عين على القائم بأمر الأمة يعين لها من ينوب عنه ، ولهذا فرق العلماء بين المتطوع بالحسبة والمحتسب المكلف بأمر الحسبة ، وقد حصر الأمام الماوردي وأبو يعلى الفراء الفروق بين المحتسب المتطوع  والمحتسب المعين في تسعة أوجه:-
أحدها : القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض متعين على المحتسب المعين بحكم الولاية ، وفرض على المتطوع داخل في فروض الكفاية .
الثاني : قيام المحتسب المعين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  من الحقوق الواجبة عليه ولا يجوز أن يتشاغل عنها وقيام المحتسب المتطوع بها من نوافل عمله الذي يجوز أن يتشاغل عنه بغيره .
الثالث : المحتسب المعين منصوب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاره وليس المحتسب المتطوع منصوبا للاستعداء .الرابع : يجب على المحتسب المعين إجابة من استعداه ،وليس على المتطوع إجابته
.
الخامس : يجب على المحتسب المعين أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ، ليصل إلى إنكارها  ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ، ليأمر بإقامته ، وليس على غيره من المتطوعة بحث ولا فحص .
السادس : يجوز للمحتسب المعين أن يتخذ على الإنكار أعوانا ؛ لأنه عمل هو له منصوب، وإليه مندوب ليكون له أقهر وعليه أقدر وليس للمحتسب المتطوع أن يندب لذلك أعوانا .
السابع : المحتسب المعين له أن يعزر على المنكرات الظاهرة ولا يتجاوزها إلى الحدود ، أما المحتسب المتطوع فليس له أن يوقع عقوبة تعزيرية على منكر تم ارتكابه .
الثامن : الاحتساب بالنسبة للمحتسب المعين يعتبر وظيفة يتقاضى عنه راتبا من الدولة أو بعبارة الماوردي : له أن يرتزق على الحسبة من بيت المال ولا يجوز للمحتسب المتطوع أن يرتزق على إنكار المنكر .
التاسع : المحتسب المعين له اجتهاد رأيه فيما يتعلق بالعرف دون الشرع وليس هذا للمحتسب المتطوع.
وبهذه الوجوه فرقوا بين الحسبة العمومية والحسبة الخاصة على أن هذه الفروق التي اجتهد الإمام الماوردي في تحديدها، منها ما للزمان والمكان فيه اعتبار،ومنها ما يلزم النظر إليه بالتوازي مع متغيرات النظام في الدولة الإسلامية وبخاصة في تقلبات الأوضاع وتعدد المؤثرات والعلاقات مع اعتبار لمسألة التوازن في الحياة العملية  حيث تتأكد الصبغة العمومية للحسبة إذا تدنت درجة الاهتمام بها من قبل أجهزة الدولة في المجتمع الإسلامي ، فالمسألة ذات أهمية في الحياة الإسلامية المعاصرة، لكن الأبحاث الفقهية الراهنة لم تعط هذا الموضوع الاهتمام اللازم حيث لم تدرجه في صور عملية تبدي درجة أهميته لدى المؤسسات القانونية والتنفيذية وهذا الموضوع قد جعل من مفهوم الحسبة نغمة غريبة في الخطاب القانوني المعاصر.

 المبحث الثالث
صـور الاحتســاب ودرجـاتـه.

إذا كان الاحتساب بحسب النظر إلى المحتسبين  ينقسم إلى حسبة تطوعية ، وحسبة إلزامية يقوم بها المحتسب المعين مقابل راتب يتقاضاه من الدولة ، فإن للحسبة باعتبار المحتسب عليه ثلاث مراتب:-
أولاً : دعوة الأمة الإسلامية سائر الأمم إلى الإسلام : والدعوة إلى الإسلام لها مناهجها وطرقها وأصولها  وقد تتطور الطرق والمناهج بحسب مقتضيات العصر وبتطور الزمان والمكان وتختلف باختلافه ولكن الجوهر والمضمون الذي تدعو إليه الأمة الإسلامية سائر الأمم لا يتبدل ولا يتغير بتغير الزمان والمكان وهو الدعوة إلى الله وفق أصول منهج القرآن الكريم  كما في قوله تعالى :) ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ   بِالْمُهْتَدِينَ(    وهذا الأمر يدخل في إطاره كل مسلم يصلح للعمل الدعوي حسب إمكاناته العلمية والثقافية والشخصية. وقد رسم الله تعالى منهج الدعوة في الآية وبينه للدعاة الرسول صلى الله عليه وسلم  قولا وعملا بالحكمة والموعظة الحسنة ، فقال تعالى في بيان منهج النبي صلى الله عليه وسلم   ) وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك َ(  وهذا هو المنهج الواجب اتباعه من أتباعه والداعين إلى منهجه"وإنما تفاوتت طرق دعوته صلى الله عليه وسلم لتفاوت مراتب الناس فمنهم خواص وهم أصحاب نفوس مشرقة قوية الاستعداد لإدراك المعاني قوية الانجذاب إلى المبادئ العالية مائلة إلى تحصيل اليقين على اختلاف مراتبه ،وهؤلاء يدعون بالحكمة، ومنهم عوام أصحاب نفوس كدرة ضعيفة الاستعداد أو شديدة الإلف بالمحسوسات ، قوية التعلق بالرسوم والعادات ، قاصرة عن درجة البرهان لكن لا عناد عندهم و هؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة ومنهم من يعاند ويجادل بالباطل ليدحض به الحق  لما غلب عليه من تقليد الأسلاف ، ورسخ فيه من العقائد الباطلة ، فصار بحيث لا تنفعه المواعظ والعبر، بل لا بد من إلقامه الحجر بأحسن طرق الجدال لتلين عريكته وتزول شكيمته وهؤلاء الذين أمرصلى الله عليه وسلم  بجدالهم بالتي هي أحسن"  وقصر الرازي الدعوة على القسمين الأولين واعتبر الجدال خارجا عن الدعوة فقال"الدعوة إن كانت بالدلائل القطعية فهي الحكمة، وإن كانت بالدلائل الظنية ، فهي الموعظة الحسنة، أما الجدال فليس من باب الدعوة بل المقصود منه غرض آخر مغاير للدعوة ، وهو الإلزام والإفحام ، فلهذا السبب لم يقل ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال الأحسن بل قطع الجدال عن باب الدعوة تنبيها على أنه لا يحصل الدعوة وإنما الغرض منه شيء آخر."
ولعل ما ذهب إليه الرازي هو الصواب ؛ لأن  الجدال قد يحقق أغراضا دنيوية أكثر مما يحقق نجاحا للدعوة، وخاصة مع اليهود والنصارى الذين عرف عنهم عدم الاعتراف بالنبي صلى الله عليه وسلم وإنكارهم المطلق لنبوته ورسالته ،حين البعثة وبعدها في الأزمنة اللاحقة،وهذا ما أكده القرآن في قوله تعالى :( وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ )  والجدال منه ما هو محمود ومطلوب إذا كان المقصود منه بيان دعوة الحق ،ومنه ما هو مذموم وهذا خلاف الحكمة والموعظة الحسنة وكما يقول الإمام الغزالي: "وأما الجدال فعبارة عن مراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها" .
والجدال قد يكون بحق وقد يكون بالباطل كمافي قوله تعالى:( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ، وقال تعالى في جدال المنكرين للحق الذي جاء به هدى القرآن ( مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ) . فإن كان الجدال للوقوف على الحق وتقريره كان محمودا تقره أصول الشريعة ومبادئها كما ورد في السياق القرآني السابق، وإن كان في مدافعة غير الحق ، أو كان جدالا بغير علم كان مذموما "وعلى التفصيل تتنزل النصوص الواردة في إباحته وذمه." 
وهذا يعزز ما ذهب إليه الرازي من أن الجدال ليس من باب الدعوة بل المقصود منه غرض آخر والحسبة دعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة خاصة مع العوام من الناس .
ثانياً : الدعوة العامة للمسلمين :- لأنّ الحسبة تكون دعوة إرشاد وتوجيه للمجتمع الإسلامي كي يحافظ علىقيمه وسلوكه  ويقوم بها العلماء والوعاظ من الدعاة ويبينون للناس طرق الخير والفلاح ويحذرون من عذاب الله ،كما قال   تعالى : )وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ  لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون(  يقول القرطبي :"هذه الآية أصل في وجوب طلب العلم"  ولا يكون من يقوم بأمر الدين أمرا ونهيا إلا عارفا بقواعد الأمر والنهي حتى لا يأمر بمنكر وينهى عن معروف " ودلت الآية على أنه يجب أن يكون المقصود من التفقه والتعلم دعوة الخلق إلى الحق ، وإرشادهم إلى الدين القويم ، والصراط المستقيم ، لأن  الآية تدل على أنه تعالى أمرهم بالتفقه في الدين لأجل أنهم إذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم ، وأولئك يحذرون الجهل والمعصية، ويرغبون في قبول الدين ، فكل من تفقه وتعلم لهذا الغرض كان على المنهج القويم والصراط المستقيم  ومن عدل عنه وطلب الدنيا بالدين كان من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا." 
والحسبة لا تكون إلا بعد علم ومعرفة بأمور الشريعة وأحكامها وحكمها حتى لا توقع المجتمع في تفرقة وشتات ، ويقوم المنكر بدلا من المعروف ، وفي هذا الصدد يمكن التمثيل بموقف عمر بن عبد العزيز.  عندما دخل عليه ابنه عبد الملك، فقال له : " يا أمير المؤمنين ما أنت قائل لربك غدا إذا سألك فقال  رأيت بدعة فلم تمنعها أو سنة فلم تحيها ؟ فقال له أبوه : رحمك الله وجزاك من ولد خيرا يابني ، إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدة عقدة ،وعروة عروة،ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقا تكثر فيه الدماء،والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمة من دم أو ماترضى أن لايأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يميت فيه بدعة ويحيى فيه سنة ؟ "  وهذا دليل على وعي عمر العميق بفرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعرفته بأحوال المجتمع وكوامنه الاجتماعية ، فنهج معهم نهج التدرج حتى لا يحدث شرخ في وحدة الأمة، فالدعوة العامة تحتاج إلى علم بقواعد الشريعة وأحكامها للحفاظ على مصالح الجماعة المسلمة ووحدتها
ثالثاً : الدعوة الجزئية :- وتكون الدعوة الجزئية في الحسبة بين أفراد المجتمع المتعارفين بالدلائل على الخير والنهي عن الشر ويستوي فيها العالم والجاهل ،كل واحد يأخذ من الفريضة العامة بقدره ؛ لأن أفراد الأمة إذا قام كل واحد منهم بنصيحة الآخر دعوة وأمرا ونهيا امتنع فشو الشر والمنكر فيهم
ويرى بعض الباحثين أن الدعوة الجزئية أكثر المراتب التصاقا بموضوع الاحتساب؛ لأن  ترك المعروف وإثبات المنكر إنما يظهر أولا في الأفراد  فإذا تمادوا ولم يردعهم رادع، أصبح المنكر معروفا، والمعروف منكرا.  ولكي تحقق الدعوة الجزئية الغايات المرجوة منها ، يجب على الأفراد الداعين إلى الخير والناهين عن الشر أن يقتدوا بمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله بقدر المستطاع دون إفراط مخل أو تفريط مضر؛ لأن مدار الشريعة : على قوله تعالى :( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )   المفسر لقوله  تعالى:( اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) وعلى قول النبي صلى الله عليه وسلم :" إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ."  وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ،فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع.  ، وهو غاية الحسبة فردية كانت أو جماعية وقد يتبين ذلك في وسائل الحسبة وآلياتها في تغيير المنكرات .

المبحث الرابع
شـــــروط المحتســــــــــب
.

بتطور المجتمع الإسلامي وتعقد نظم الحياة الاجتماعية ، كانت تتطور وسائل نظمه  وفق مقتضيات كل عصر  وفي محاولة لتأصيل الحسبة ،وبيان أحكامها الشرعية بذل الفقهاء جهدا كبيرا في إبراز الشروط الواجب توافرها في المحتسب ، فأجمع العلماء على شروط خاصّة في المحتسب ذكرتها جلّ كتب الحسبة   في مجاليها النظري والتطبيقي منها : -
1 ـ أن يكون مسلماً بالغاً عاقلاً عدلا.
2
ـ أن يكون ذا رأي وصرامة في الدين عارفاً بأحكام الشريعة ومقاصدها.
3
ـ أن يكون مواظباً على سنن الرسول صلى الله عليه وسلم.
4
ـ أن يقصد بقوله وفعله وجه الله تعالى وطلب مرضاته خالص النيّة لا تشوبه شائبة رياء ولامراء ويتجنّب في رياسته منافسة الخلق ومفاخرة أبناء الجنس  لينشر الله عليه رداء القبول والتوفيق .
5-
أن يعمل بما يعلم ولا يكون قوله مخالفاً لفعله.
6
ـ أن يكون عفيفاً عن أموال الناس متورّعاً عن قبول الهديّة من المتعيشين وأرباب الصناعات فإنّ ذلك رشوة له .
7 - أن تكون الدعوة إلى الخير مثمرة بحيث تمنع صاحب المنكر من التمادي في منكره .
8 - أن يكون المحتسب حال الدعوة آمنا على نفسه من الوقوع في خطر يهدد حياته أوماله أو أهله .
ولهذه الاعتبارات تنوعت صور الحسبة ،ومن ثم قسم الفقهاء شروط المحتسب إلى نوعين
:
أ- شروط متفق عليها وهي : الإيمان ، التكليف ، القدرة، العلم بالمنكرات.
ب - شروط مختلف فيها وهي :  العدالة ، الذكورة ، إذن الإمام,أي من بيده مقاليد الحكم.
وسأتناول هذه الشروط بشيء من التفصيل.
الإيمــان :- اتفق الفقهاء على اشتراط الإيمان فيمن يقوم بأمر الحسبة في المجتمع الإسلامي ؛  لأن الجاحد لأصل الإيمان غير معني بتطبيق نظم الإسلام وشعائره فلا يجوزله القيام بأمر الحسبة تطوعا أو ولاية لقوله تعالى ( وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً )  وهذا الوعد الإلهي يتحقق لأفراد الأمة ومجموعها " ما داموا عاملين بالحق غير راضين بالباطل، ولا تاركين للنهي عن المنكر"
واشتراط الإيمان في أمر الحسبة فيه دليل على التسامح مع غير المسلمين في تقرير مبدأ حرية العقيدة لأن  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " يدخل فيه الأمر بكل ما أوجبت الشريعة عمله أو حببت للناس فعله من صلاة وصيام وحج و توحيد و غير ذلك . والنهي عن المنكر يدخل فيه النهي عن كل ما خالف الشريعة من أفعال وعقائد فيدخل فيه النهي عن المنكر وعن شرب الخمر وعن أكل لحم الخنزير وعن غير ذلك مما تخالف فيه الشريعة الإسلامية النظم الأخرى ، فلو ألزم غير المسلم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لألزم بأن يقول بما يقول به المسلم ، وبأن يعتقد بما يعتقده المسلم ، ولألزم بأن يبطل عقيدته الدينية ويظهر عقيدة الإسلام ، و هذا هو الإكراه في الدين الذي تحرمه الشريعة الإسلامية كما في قوله تعالى ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين)  فمن أجل حماية حرية العقيدة جعل هذا الواجب إلى المسلم دون غيره. ، فالمؤمن بهذا الأصل – الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- يحمي عقيدته ونظمه وقيمه  ويدعو إلى الإيمان بالحكمة ، والموعظة الحسنة ،و( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين)  ، فإنه بيّن واضح جليّ ، دلائله وبراهينه لا تحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه ؛ بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره  ونور بصيرته دخل فيه على بيّنة ،ومن أعمى الله قلبه،وختم على سمعه  وبصره ، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرها .  والله تعالى " لم يجر أمر الإيمان على الإجبار و القسر ولكن على التمكين والاختيار فقال تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ )  أي لو شاء لقسرهم على الإيمان و لكن لم يفعل وبنى الأمر على الاختيار" .
أما من اختار الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فلا يسقط عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إذا قام به غيره؛ لذا اشترط الفقهاء شرط الإيمان في الحسبة باعتبارها من شعائر الأمة المؤمنة ولا يجوز توليتها لغير المؤمن على أمر الأمة لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
التكليـف :-  اتفق الفقهاء على شرط التكليف لمن يقوم بأمر الحسبة وتكون واجبة عليه بحكم التكليف وغير المكلف كالصغير والمجنون لا تخاطبه أوامر الشريعة ونواهيها فلا يكون آثما بتركه ، ولكنه يثاب بفعله ولا يمنع من القيام بها ؛ لأن الحسبة قربة وهو من أهلها كالصلاة وغيرها من سائر القربات ، والتكليف يعدّ " شرط الوجوب ، فأما إمكان الفعل وجوازه ، فلا يستدعي إلا العقل حتى إن الصبي المراهق للبلوغ المميز  وإن لم يكن  مكلفا ، فله إنكار المنكر ، وله أن يريق الخمر ويكسر الملاهي ، و إذا فعل ذلك نال به ثوابا  ولم يكن لأحد منعه من حيث إنه ليس بمكلف ، فإن هذه قربة و هو من أهلها
القدرة أو الاستطاعة :-  تعتبر القدرة على تغيير المنكر شرطاَ اتفق عليه العلماء ،وهذا يدلّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم:"  مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الأِيمَانِ "  فالواضح من الحديث عدم وجوب دفع المنكر بالقوة عند عدم الاستطاعة و يكفي الإنكار باللسان، ويجب الإنكار بالقلب وهذا لازم لجميع المسلمين وذلك بكراهية المنكر واعتزال أهله ومرتكبيه وعزمه على الإنكار باليد واللسان لو تمكن من ذلك كما يقول ابن مسعود : " بحسب المرء إذا رأى منكرا لا يستطيع تغييره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره" ، وقد جعل الله تعالى الاستطاعة شرطا لجميع التكاليف الشرعية فقال : (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَهَا )  وقال عز وجل ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ )   ولهذا كانت الاستطاعة شرطا لوجوب الحسبة ،وعدم القدرة التي ترفع واجب الحسبة عن المكلف تأخذ صورا ثلاثا :
1 - العجز الحسي :  تسقط الحسبة في حالة العجز الحسي عن الكلام و العمل ، والعاجز ليست عليه حسبة إلا بقلبه .2 - العجز العلمي : يسقط العجز العلمي وجوب الحسبة ، لذلك ذهب العلماء إلى أن العامي لا يأمر ولا ينهى في غير الأمور الجلية كترك الصلاة والإفطار في نهار رمضان بغير عذر شرعي وغيرها من الأمور البينة ، أما المسائل التي لا يستطيع إدراكها فالأمر والنهي فيها منوط بالعلماء وفي ذلك يقو ل الإمام الجويني: " إن الحكم الشرعي إذا استوى في إدراكه الخاص والعام ففيه للعالم وغير العالم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإذا اختص مدركه بالاجتهاد فليس للعوام فيه أمر ونهي بل الأمر فيه موكول لأهل الاجتهاد" .
3 - خشية المكروه : ومن خشي مكروها يصيبه جراء قيامه بأمر الحسبة سقط عنه أمر الوجوب لعجزه ؛ لأنه " لا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي بل يلتحق به ما يخاف عليه مكروها يناله فذلك في معنى العجز "  .
العلم بالمنكرات :- اتفق الفقهاء على وجوب علم دافع المنكِر بأن ما ينكره من قبيل المنكر الذي قيمه الشرع. " لأن  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهما قيام النواميس الدينية فينبغي لمن يقوم بهذه الوظيفة أن ينظر نظرا خالصا ، ويتأمل في العواقب ، وما يترتب على الأمر والنهي ، فقد تكون المفسدة المترتبة عليهما أشد من المفسدة المترتبة على تركهما "  ففي هذه الحالة لا يقدم عليهما المحتسب ؛ لأن  مقاصد الشريعة مبنية على تقديم المصالح و درء المفاسد . قال النووي : " إنما يأمر و ينهى من كان عالما بما يأمر به وينهى عنه ، وذلك يختلف باختلاف الشيء ؛ فإن كان من الواجبات الظاهرة كالصلاة والصيام أو ظاهر بالمنكرات كالزنا و الخمر ونحوها فكل المسلمين علماء بها ، و إن كان من وقائع الأفعال والأقوال ، ومما يتعلق بالاجتهاد لم يكن للعوام مدخل فيه ، ولا لهم إنكاره بل ذلك للعلماء" .ومن أهم العلوم التي يجب أن يتسلح بها المحتسب فقه الحسبة بأحكامها والعلم بالحلال والحرام ومواقع الأمر والنهي والإلمام بمواقع الشرع المتعلقة بالحسبة "فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلا وضلالا واتباعا للهوى وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام ، فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما  ولابد من العلم بحال المأمور والمنهي." ، وجاء في الأثر عن بعض السلف " لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال : رفيق بما يأمر به رفيق بما ينهى عنه عدل بما يأمر به وعدل بما ينهى عنه عالم بما يأمر به عالم بما ينهى عنه."
العــدالـة :- اختلف العلماء في اشتراط العدالة في المحتسب  فذهب أبو الحسن الماوردي و بعض الفقهاء إلى عدم اشتراطها.  وربما نشأ خلافهم هذا على خلافهم في معنى العدالة فمنهم من قال : إن العدالة هي ملكة تمنع من اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر ، وقال بعضهم هي ملكة تمنع من اقتراف الكبائر ، وعن فعل صغير يشعر بالخسة ، و قال بعضهم العدل من كان الأغلب من أمره الطاعة والمروءة ".  وبين الجصاص ما تتحقق به العدالة ، فقال:"إن أصلها الإيمان واجتناب الكبائر ،ومراعاة حقوق الله تعالى في الواجبات والمسؤوليات وصدق اللهجة والأمانة "  وبناء على هذا المفهوم للعدالة افترقوا إلى مذهبين: -
المذهب الأول : يشترط العدالة في المحتسب ، وليس للفاسق أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ، ويرى الإمام القرطبي أن هذا الرأي ينسب للمبتدعة .  ولكن يستدل القائلون به بالكتاب والسنة والمعقول.
أولاً : الكتاب : استدل من يشترط العدالة في المحتسب بآيات من القرآن الكريم منها قوله تعالى: ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ )   وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ )  ووجه استدلال أصحاب هذا الرأي بهاتين الآيتين أن الله سبحانه وتعالى قد شدد النكير على الذين يأمرون الناس بالبر ولا يعملونه ،وينهون عن المنكر ولا يخشونه، فيقولون مالا يفعلون  ولو لم يكن ذلك ممنوعا شرعا لما أنكره الله عليهم ، فدل ذلك على وجوب العدالة في المحتسب.
ثانياً: الســـنة : استدلوا من السنة بحديثين شريفين هما :  - ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ قَالَ قُلْتُ مَنْ هَؤُلاَءِ قَالُوا خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ " ، ووجه الاستدلال بالحديث أن هؤلاء الذين رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما استحقوا هذا العذاب إلا لأنهم فرطوا فيما دعوا الناس إليه ، ونهوهم عنه، فدل على أن من يأمر غيره بالخير، ويدعوه إلى المعروف ، وينهاه عن الشر يجب إن يأخذ نفسه بما يدعوا إليه أولا وهذه هي العدالة  فتعين قيامها بالمحتسب. .
-  كما استدلوا بما روي أن الله تعالى أوحى إلى عيسى عليه السلام :"عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستح مني ."
ثالثا : المعقـول : يرى القائلون باشتراط العدالة أن أمر الفاسق بالمعروف و نهيه عن المنكر لا فائدة فيه  لأن  هداية الغير فرع للاهتداء وكذلك تقويم الغير فرع للاستقامة ، والإصلاح زكاة عن نصاب الصلاح فمن ليس بصالح في نفسه ، فكيف يصلح غيره ؟ ومتى يستقيم الظل والعود أعوج ؟ 
المذهب الثاني : يرى أصحابه عدم اشتراط العدالة في دافع المنكر ويستدلون على مذهبهم بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول .
أولاً: الكتاب : استدل القائلون بعدم اشتراط العدالة فيمن يدفع المنكر بآيات من القرآن الكريم منها : قوله تعالى :( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )  وقوله تعالى:( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه)  وقوله تعالى :( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ).  ووجه الاستدلال بهذه الآيات أن الله تعالى خاطب فيها الأمة كلها وفي الأمة العدل وغيره ولو كانت العدالة شرطا لخصص الله تعالى المخاطبين والمأمورين بأحكامها باشتراط العدالة ، ولكن الآيات جاءت عامة فدل ذلك على أن العدالة ليست شرطا فيمن يأمر وينهى .
ثانياً: الســنة : استدلوا من السنة بما روي عن أنس بن مالك قال : " قلنا يا رسول الله لا نأمر بالمعروف حتى نعمل به ولا ننهى عن المنكر حتى نجتنبه كله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" بل مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه كله"  يتضح من هذا الحديث أنه لا يشترط في من يأمر بالمعروف أن يقوم به كله ومن ينهى عن المنكر أن يتركه كله والعدالة تقتضي القيام بفرائض الدين كلها وكذلك منهياته جميعها ولم يشترط في الحديث فدل ذلك على عدم اشتراط العدالة الكاملة في المحتسب.
ثالثاً: الإجماع : اتفق العلماء من السلف و الخلف على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسبة لله تعالى على كل مسلم.
رابعاً: -المعقول : اشتراط العدالة فيمن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر يؤدي إلى سد باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأن  العدالة لا تتوفر في جميع الخلق ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر عام لجميع الناس.   وفي ذلك يقول الإمام الغزالي  "لا عصمة للصحابة فضلا عمن دونهم ، والأنبياء عليهم السلام اختلف في عصمتهم عن الخطايا ، والقرآن العزيز دال على نسبة آدم عليه السلام إلى المعصية ، وكذا جماعة من الأنبياء . ولهذا قال سعيد بن جبير : إن لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا من لا يكون فيه شيء؛ لم يأمر أحد بشيء ، فأعجب مالكا - t-ذلك من سعيد بن جبير" .
ولعل في إيراد الإمام الغزالي المسألة على هذه الصورة في النفس منه شيء, إذ العصمة شيء والعدالة درجتها أدنى من العصمة . ولعل مرجع تعدد الآراء وصور الاستدلال حول هذه المسألة مرجعه إلى عدم الاتفاق على تحديد مفهوم العدالة . ولعل مرجع الأمر إلى الشرع وإلى العرف كليهما.
وعلى الرغم من أن أصحاب هذا المذهب لا يشترطون العدالة في المحتسب على وجه العموم إلا أنهم يستثنون الإنكار الوعظي ، فليس لمرتكب المعصية أن ينهى غيره الذي يعرف ارتكابه إياها ؛ لأن  إنكاره في هذه الحالة مما تنفر منه الطباع ، وقوله لا يقبل لعلم الناس بفسقه ، فليس عليه الحسبة بالوعظ إذ لافائدة في وعظه ، فالفسق يؤثر في إسقاط فائدة كلامه ، ثم إذا سقطت فائدة كلامه سقط وجوب الكلام ، وأما الحسبة القهرية فلا يشترط فيها العدالة ؛ لأنها عبارة عن تغيير مادي للمنكر فلا حرج على الفاسق في إراقة الخمور و كسر الملاهي و غير ذلك إذا قدر عليه  الرأي الراجح في شرط العدالة :لعل الصواب أن يقال إن شرط العدالة في المحتسب المولى واجبة باعتبار الولاية ولا يجوز تولية الظالم أمرا من أمور المسلمين ، وقد كانت العدالة من أسس التعيين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم  والخلفاء من بعده  وكانت تعتمد على الكفاية و القدرة من جهة والأمانة والإخلاص من جهة أخرى ،كما يقول  أبو بكر الصديق : " وليت عليكم و لست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني."   وهذه العدالة شرط واجب فيمن يتولى أي أمر من أمور الأمة ؛ لأن  العدل هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة الإسلامية  وقد أمر بذلك القرآن الكريم فقال تعالى :( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )   وقال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً )  فالله عز وجل أوجب على الحكام أن يقيموا العدل  وأن يولوا أمور الأمة الرجل العدل ، فالعدالة شرط فيمن ولي أمر الحسبة ،أما من يقوم بها دون ولاية من  الحاكم  فهذا يستحسن فيه العدل ولا يشترط أن يكون عدلا وأرجح المذهب الثاني الذي لا يرى اشتراط العدالة في الحسبة تطوعا .
أما أدلة أصحاب الرأي الأول فقد أبطل تأويلها العلماء بالآتي :
أولاً- قوله تعالى : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ  )  لا يصلح حجة لاشتراط العدالة في من يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر ؛ لأن  الإنكار عليهم في الآية الكريمة من حيث تركهم المعروف لا من حيث أمرهم للغير به .  ودل أمرهم بالبر غيرهم على قوة علمهم، وعقاب العالم أشد ؛لأنه لا عذر له مع قوة علمه .  - أما قوله تعالى : ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ )  فليس فيه حجة لاشتراط العدالة ؛ لأن  المقت في الآية الكريمة ينصب على الوعد الكاذب و ليس المراد به أمر الغير و ترك الفعل
-
 أما استدلالهم بالحديث " مررت ليلة أسري بي.." فإنه لا يدل على اشتراط العدالة ؛ لأن  الذين رآهم الرسول صلى الله عليه وسلم عوقبوا على خصوص تركهم ما يأمرون به غيرهم وفعل ما ينهون عنه غيرهم لقبحه.
-
 وقوله سبحانه و تعالى في الحديث القدسي لعيسى عليه السلام : " عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس ، وإلا فاستح مني " لا يدل على اشتراط العدالة فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولا  على تحريم وعظ الغير ، بل معناه استح مني فلا تترك الأهم وتشتغل بالمهم
ثانياً : القول باشتراط العدالة معناه سقوط فريضة الأمر و النهي بارتكاب معصية  فكأن ارتكاب معصية من المعاصي يؤدي إلى سقوط الفرائض و هي نتيجة لا يمكن التسليم بها ؛ إذ يستحيل القول بوجوب  النهي عن شرب الخمر على المسلم ما لم يشرب ، فإذا شرب سقط عنه النهي ، والصحيح في هذه الحالة أن عليه عقوبتين الأولى عن شرب الخمر  والثانية عن عدم النهي عن المعصية وترك فرض من الفروض لا يسقط عن المسلم الفروض الأخرى.؛ لأن  ترك الإنسان لبعض الفروض لا يسقط عنه فروضا غيرها ألا ترى أن تركه للصلاة لا يسقط عنه فرض الصوم و سائر العبادات فكذلك من لم يفعل سائر المعروف ولم ينته عن سائر المناكير فإن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير ساقط عنه"
إذن الإمام:- اختلف العلماء في اشتراط إذن السلطان ، فذهب بعضهم إلى اشتراط الإذن ، وذهب آخرون إلى عدم جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يخرج الإمام المعصوم ، وهو الإمام الحق عندهم ، ويرى جمهور الفقهاء عدم اشتراط إذن الإمام أو الحاكم وبيان ذلك في الآتي .
الرأي الأول : يشترط أصحاب هذا الرأي إذن الإمام للقيام بواجب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، وحجتهم في ذلك أن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إثبات سلطنة وولاية واحتكام على المحكوم عليه  فينبغي ألا يثبت لآحاد الرعية ، إلا بتفويض من الوالي وصاحب الأمر ولذلك لم يثبت – مع كونه حقا – للكافر على المسلم . كما يحتج أصحاب هذا الرأي بأن الإمام أو الحاكم هو الذي يستطيع اختيار من يحسن القيام به ، أما تركه لآحاد الناس دون قيود فإنه يؤدي إلى مفاسد وفتن في المجتمع.
وقد أجيب عن حجتهم الأولى بأن الكافر إنما منع من الحسبة لما فيها من السلطنة وعز الاحتكام والكافر ذليل ولا يستحسن أن ينال عز الاحتكام على المسلم أما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين و المعرفة ، ولا يحتاجون فيه إلى تفويض أو إذن الإمام  .
أما قولهم بأن الإمام يحسن اختيار من يقوم بهذا العمل ربما في أمر الولاية وتعين المحتسب ، أما خلاف ذلك فيردّ عليهم بأن الخطاب القرآني موجه إلى الأمة كلها ، والإمام فرد من أفرادها فإن قصر عن معروف أو ارتكب منكرا ، وجب أمره بالأول ونهيه عن الثاني  فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب لا يسقط بغير الأداء ، والحاكم وغيره في ذلك سواء مع اعتبار الاختلاف في آليات الأمر والنهي.
الرأي الثاني : وهو رأي الروافض.  الذين ذهبوا إلى أنه لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لم يخرج الإمام المعصوم وهو الإمام الحق عندهم.  وهذا الرأي بطلانه واضح ؛ لأن  معناه عدم القيام بهذه الفرضية أبدا ما لم يثبت خروج الإمام المعصوم ، وقد أجاب عن هذا الرأي الإمام الغزالي بقوله: "وهؤلاء جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القضاء طالبين لحقوقهم في دمائهم وأموالهم ، إن نصرتكم أمر بالمعروف واستخراج حقوقكم من أيدي من ظلمكم نهي عن المنكر ، وطلبكم لحقكم من جملة المعروف  وما هذا زمان النهي عن الظلم و طلب الحقوق ؛ لأن الإمام الحق بعد لم يخرج."
الرأي الثالث : يرى جمهور الفقهاء والكتاب المعاصرين.  عدم اشتراط إذن الحاكم ، وثبوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لآحاد المسلمين ، وحجتهم في ذلك عموم الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذا السياق فهي توجب على كل مسلم أن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أيا كانت صورته وفي جميع الأحوال ، فالتخصيص بشرط الإذن من الإمام لا دليل عليه
كما احتج الجمهور بأن الحاكم أو الوالي ممن يوجه إليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإذا كان من الواجب أمر الإمام بالمعروف و نهيه عن المنكر فكيف يحتاج في إذنه لتأدية الواجب.؟
ويستند الجمهور أخيرا إلى إجماع المسلمين فإن غير الولاة في الصدر الأول ، و العصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة  بالمعروف و ينهونهم عن المنكر من غير ولاية  . وشرط الإذن من الإمام ربما يأتي عند التجاء المحتسب للضرب وشهر السلاح ، فلا يجوز للمحتسب المتطوع أن يعزر بهاتين الوسيلتين ما لم يأذن له الإمام ،و هذا من أجل المحافظة على نظام الأمة ووحدتها واستقرارها .
ولعل الراجح في هذه المسألة : هو ما ذهب إليه الجمهور من عدم اشتراط إذن الإمام للقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأن  العمل في كل العصور حتى في الأوقات التي خصص فيها الخلفاء والولاة رجالا معينين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإن هذا التخصيص لم يمنع أي فرد من أفراد الأمة من القيام بهذا الواجب ، بل لقد كان بعض الأفراد يتصدون إلى الولاة و الخلفاء، وقد سجلت التجربة التاريخية للنظام الإسلامي الكثير من الوقائع  التي وقف فيها المؤمنون لأمر الولاة فاحتسبوا عليهم دون أن يعترض الولاة ، بل كانوا يستجيبون لهم في الغالب ،وهذا ما ورد في عدة مواقف منها:
1 - ما روى عن الحسن قال: كان بين عمر بن الخطاب وبين رجل كلام في شيء فقال له الرجل :اتق الله يا أمير المؤمنين فقال رجل من القوم: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله ؟ فقال عمر دعه ، فليقلها لي ، فنعم ما قال ، ثم قال عمر لا خير فيكم إذا لم تقولوها ، ولا خير فينا إذا لم نسمعها.
2 - ما روي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَعَثَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ بِأَنْجَاد ٍ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمَّا أَنْ كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ اللَّيْلِ فَدَعَا خَادِمَهُ فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ فَلَعَنَهُ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَتْ لَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ لَعَنْتَ خَادِمَكَ حِينَ دَعَوْتَهُ فَقَالَتْ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُول قَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم ِ ": لاَ يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلاَ شُهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ."
3 - وما روي عن مروان بن الحكم خطب  قبل صلاة العيد ، فقال له رجل: إنما الخطبة بعد الصلاة  فقال له مروان : اترك ذلك يا فلان ، فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من رأى منكم منكرا " وذكر الحديث.
4 - وروي عن الحسن بن صالح قال : كتب عمرو بن عبيد الله إلى عبد الله بن شبرمة يعذله في تخلٌّفه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فكتب إليه عبد الله بن شبرمة :

    الأمر يا عمرو بالمعـروف نافلةٌ                  والعاملــــــون به لله أنصــار.

    والتاركون له ضعفاً لــهم عـــذْر                 والَّلائِمون لهم في ذاك أَشرار.

    الأمر يا عمرولا بالسيف تشهره                على الأئمّة إنّ القتل إضــــرار .

فهذه المرويات وغيرها عن السلف الصالح ، تبين مدى فهم المجتمع المسلم لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنها فرض ثابت على كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي وبها يتقوى أثر الشريعة في نفوس المجتمع، وإقصاء هذه الفريضة أو احتكارها قد يؤدي إلى الهلاك كما قال صلى الله عليه وسلم " مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا."  فالرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أبان علاقة القائمين على حدود الله في الدين بالواقعين فيها وبالمداهنين ، أقام الحجة على كل ذي عقل: أن صلاح المرء في نفسه غير كاف بل فريضة وعليه أن يكون صالحا وأن يكون مصلحا ما حوله قائما بالاحتساب و الرقابة الراشدة على ما حوله فلا يدع أيدي العابثين ممتدّة بالشرّ.

 

الحسبة في النظام الإسلامي
أصولها الشرعية وتطبيقاتها العملية

 الحلقة السابعة

للأخ الأستاذ إدريس محمد عثمان

 

التدرج في وسائل الحسبـة:حكم وأحكام

 الترتيب في وسائل الحسبة و آلياتها على النحو الذي سبق قد يكون مستحبا وقد يكون واجبا  فالترتيب بين التعريف والوعظ ليس واجبا و لكنه مندوب فقط.[1] باعتباره السبيل الأمثل في دعوة الإصلاح و تغيير المنكرات .أما الترتيب بين الوعظ والتعنيف فحكمه الوجوب  إذ الحكمة تقتضي الوعظ بالنصح قبل التقريع والتعنيف في دفع المنكر ، وكذلك يجب الترتيب بين بقية الوسائل فلا يباح للمحتسب دفع المنكر بالوسيلة الأشد كالضرب مادامت الوسائل الأسهل مجدية في الوصول إلى الهدف، وهو دفع المنكرات عن المجتمع الإسلامي . وهذا الترتيب يفيده الشرع والعقل : ففي منهج الدعوة والإصلاح يقول الله تعالى:} ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ {[2]

وبهذه الوسائل أو غيرها يمكن أن يحقق نظام الحسبة الأمن والعدل للفرد والأسرة والمجتمع والدولة . وفي المصنفات التي عرضت لأصول الحسبة وتعريفاتها عرض واف لأحكام الترتيب بين درجات الاحتساب ،وكل حكم يدرج في هذا السياق مقصده تحقيق حكمة من حكم شرع الله , على أن لمسألة الترتيب بين درجات الحسبة أحكاما وحكما تتضمن الثوابت التي مرجعها قواعد شرعيةكلية وتتضمن إلى جانب هذه الثوابت متغيرات لأن نظام الحسبة ليس نظاما متحجرا جامدا بل إن أساليب تطبيقه متطورة بتطور الحياة الاجتماعية.

خصوصيات في استعمال وسائل الحسبة

يستثنى من بعض وسائل الحسبة السابقة ، الوالدان ، والزوج والحاكم ، فلا تقام الحسبة على هؤلاء بشتى الوسائل ، بل تتوقف الحسبة ، تجاه هذه الفئات عند وسائل معيّنة: فالاحتساب على الوالدين من الابن لا يكون إلا ببيان الحكم الشرعي والموعظة الحسنة ولا يجوز تعدى ذلك إلى الوسائل الأخرى ، رعاية لحق الأبوة والأمومة .[3] وامتثالا لقوله تعالى:} وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَ تَعْبُدُوا إلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً {[4] فبر الوالدين والإحسان إليهما ضبط الاحتساب عند وسيلة التعريف ، والموعظة الحسنة بالقول اللين الذي لا يشعران معه إلا بالرحمة تجاههما وأكد النبيe هذا الحق لهما عندما جاءه رجل فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي ؟ قَالَ : أُمُّكَ.قَالَ :ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ : ثُمَّ أُمُّكَ .قَالَ :ثُمَّ مَن ؟ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ .قَالَ :ثُمَّ مَن ؟ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ ."[5].

 ولما سئل الحسن t عن الولد كيف يحتسب على والده قال: يعظه ما لم يغضب  فإذا غضب سكت عنه.[6]

       وعلة هذه الخصوصية للوالدين أن الله تعالى نهى عن التأفف منهما ، وإيذائهما، كما سبق في الآية  وقد ورد في حق الأبوين ما يوجب الاستثناء من العموم ، إذ لا خلاف في أن الأب لا يقاد بولده ، وأن الجلاد ليس له أن يقتل أباه في الزنا حدا ، و ليس له أن يباشر إقامة الحد عليه ، فإذا لم يجز للابن إيذاء الأب بعقوبة هي حق على جناية سابقة  فلا يجوز إيذاؤه بما هو منع عن جناية مستقبلة متوقعة [7] وأما الزوجة فحكمها مع الزوج حكم الولد مع أبويه [8] لقول الرسول e : "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله  لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ، و الذي نفس محمد بيده ،لاتؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها ،ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه"[9]،فمن حق الزوج أن يؤدب زوجته إذا لم تطعه فيما أوجبه الله عليها من طاعته وأساس هذا الحق قوله تبارك وتعالى :} وَاللاَتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً{[10] ومن اللازم في هذا السياق أن يشار إلى أن الزوج الذي له هذه المكانة عند زوجته إنماهو الزوج الملتزم بشرع الله ورسوله أمرا ونهيا المتحقق بآداب الإسلام .

 

     وهذه الوسائل متدرجة مع المنكر ، والترتيب فيهاواجب فلا يجوز الضرب قبل الوعظ ، والتوجيه والإرشاد والغاية منها التربية والتوجيه وفق ما شرع الله للمحافظة على القيم الإسلامية ، و ليس الغاية من الضرب والهجر ، تحقير المرأة، والتقليل من شأنها ؛ لأن الحقوق متبادلة بين الزوجين ، وقد أوصى النبيe بالنساء في حجة الوداع فقال "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ ،لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ ،إلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ،فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ،وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا .إِنَّ لَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلاَ يُوَطِّئَنَّ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ ، وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ أَلاَ وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ ." [11].

وأما الرعية مع الحاكم أو السلطان ، والإمام من حق الأمة تجاه من ولتهم أمورها أن تعرفهم بمواضع المنكر ، وتقدم لهم الوعظ والنصح لقوله صلى الله عليه وسلم : " الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"[12] والنصيحة لأئمة المسلمين " إعانتهم على ما حملوا القيام به وتنبيههم عند الغفلة ، وسد خلتهم عند الهفوة ، وجمع الكلمة عليهم  ورد القلوب النافرة إليهم  ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظلم بالتي هي أحسن"[13] أما استخدام الوسائل الأخرى فقد تباينت فيها آراء العلماء واجتهاداتهم مما يحتاج إلى بعض التفصيل والبيان.

 

[1] - انظر : تفسير ابن كثير 1/491/ط2/ دار المعرفة / بيروت/ 1407هـ- 1987م.

[2] - سورة النحل الآية 125.

[3] - انظر : إحياء علوم الدين 2 /460 ، وأصول الدعوة 186 ، مرجع سابق  .

[4] - سورة الإسراء الآيتان 23، 24

[5] - صحيح البخاري / كتاب الأدب/باب من أحق الناس بحسن الصحبة/ح5514.

[6] - إحياء علوم الدين 2/461.

[7] - انظر : إحياء علوم الدين 2/461 والتشريع الجنائي الإسلامي 1/509.

[8] - انظر: إحياء علوم الدين  2/461 .

[9] - سنن ابن ماجة / كتاب النكاح/ باب حق الزوج على المرأة/ح1842

[10] - سورة النساء  الآية 34 .

[11] - سنن ابن ماجة /كتاب النكاح/باب حق المرأة على الزوج/ح22391 .

[12] - سبق تخريجه.

[13] -  فتح الباري بشرح صحيح البخاري 1/167.

 

 

 

الحسبة في النظام الإسلامي

أصولها الشرعية وتطبيقاتها العملية

 

للأخ الأستاذ إدريس محمد عثمان

الحلقة السادسة: المفهوم الشرعي للمعروف والمنكر

تفقـد المعـروف في حيـاة المجتـمع والتـزام الأمر به

 

بعد بيان مفهوم المجال التطبيقي للحسبة فيما سبق ، وقبل الشروع في كيفية تفقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجال الحسبة يحسن ضبط تلك المعاني في المفهوم الشرعي لتحديد أولوياتها .

إذا كان المعروف في اللغة هو : كلّ ما تعرفه النفس من الخير وتطمئنّ إليه.[1] فإنّ العلماء وضعوا له في المفهوم الشرعي عدّة معان قد يكون ،بينها عموم وخصوص فمنهم من قصره على التوحيد .[2] ومنهم من وسع مجاله ودائرته فجعله شاملا لكل ما طلبه الشارع على سبيل الوجوب كالصلوات الخمس وبرّ الوالدين وصلة الرحم … أو على سبيل الندب كالنوافل وصدقات التطوع. ومنهم من جعل للمعروف مجالا اشمل وأعمّ من ذلك فقالوا : المعروف اسم جامع لكلّ ما عرف من طاعة الله والتقرب إليه  والإحسان إلى الناس وكلّ ما ندب إليه الشرع ونهي عنه من المحسنات والمقبحات  وهو من الصفات الغالبة  أي معروف بين الناس إذا رأوه لا ينكرونه ، والمعروف النصفة وحسن الصحبة ، مع الأهل وغيرهم من الناس ، وهو كل ما يحسن في الشرع.[3]

وبكل هذه المعاني ورد المعروف في الكتاب والسنة والمراد من الأمر به في كلّ ذلك حمل الناس على طاعة الله واتباع منهج رسوله صلى الله عليه وسلم والإقتداء به في فعل الخيرات المرتب عليها الفلاح ، كما في قول الله  تعالى : }  وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ { [4] فدعوة الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر هاهنا واجبة ويترتب عليها، قيام مجتمع له خصوصياته الشرعية والأخلاقية ، والحسبة في هذا تهدف إلى تحقيق مقاصد الشريعة في الخلق كما أشار إليها الشاطبي حيث ربط بين الحسبة ومقاصد الشريعة ، وهذه المقاصد لا تعدوا ثلاثة أقسام ، وهي الضرورات والحاجيات ، والتحسينات ، وهي مرتبة حسب أولوياتها .فالضروريات هي التي " لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة ، بل على فساد وتهارج وفوت حياة وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم ." ثم قال : ويتم حفظ الضروريات بأمرين :

الأول : ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها ، وذلك مراعاتها من جانب الوجود .

والثاني : ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها ، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم."[5]  والحسبة في هذا كله تحفظها من جانب الوجود بالأمر بالمعروف ومن جانب العدم بالنهي عن المنكر ، حفاظا على مصالح الأمة أفرادا أو جماعات لأنّ المعتبر في تقرير هذه المصالح جملة عبادات ، غير أن منها ما يكون خالصا لواحد بعينه من الآحاد. والطائفة الأولى من هذه المصالح هي وحدها التي تتعلق بها أحكام الوجوب والتحريم ، والندب والكراهة . أمّا الثانية وهي مصالح الآحاد أو حظوظهم فتتعلق بها أحكام الإباحة فحسب  لأنّ المباح هو ما خيّر فيه بين الفعل والترك بحيث لا يقصد فيه من جهة الشرع إقدام ولا إحجام فهو من هذا لا يترتب عليه أمر ضروري في الفعل أو الترك ، ولا حاجي ولا تكميلي من حيث هو جزئي فهو راجع إلى نيل حظ عاجل خاصة ، ولا أثر له على مصالح المجموع سلباً ولا إيجاباً [6].فالمعروف في الشرع ما كان مطلوب الفعل على سبيل الوجوب أو الندب  والمنكر ما كان مطلوب الترك على سبيل التحريم أو الكراهة ، أمّا المباح فلا يوصف بأي منهما إذ يستوي في الشرع فعله وتركه" [7] إلاّ أن المعتزلة ذهبوا في تعريفهم لمفهوم المعروف إلى التسوية بين الشرع والعقل فقالوا : " المعروف هو كلّ فعل عرف فاعله حسنه أو دلّ عليه  ولهذا لا يقال في أفعال الله تعالى معروف ، لما لم يعرف حسنها ولا دلّ عليه "[8] وهذا التحديد لا يصح إذ المعروف ما عرف شرعا لا عقلا  وإذا كان للعقل من مكان لضبط مفهوم المعروف ، فإنه يدور مع الشرع ، ويعرف ذلك من خلاله   " لأن الحسن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبحه الشرع ، ولا مدخل للعقول في معرفة المعروف والمنكر إلاّ بكتاب الله عزّ وجلّ  وسنة نبيه  e وربّ جاهل يستحسن بعقله ما قبحه الشرع ، فيرتكب المحظور وهو غير عالم به". [9]

وبناء على هذا يمكن القول : بأن ضابط المعروف في مجال الحسبة هو الشرع وإن كانت " معظم مصالح الدنيا ومفاسدها معروفة بالعقل ،وذلك معظم الشرائع ، إذ لا يخفى على عاقل قبل ورود الشرع أن تحصيل المصالح المحضة ودرء المفاسد المحضة عن نفس الإنسان وعن غيره محمود حسن ، وأن تقديم أرجح المصالح فأرجحها محمود حسن ، وأنّ تقديم المصالح الراجحة على المصالح المرجوحة محمود حسن ، وقد اتفق الحكماء على ذلك وكذلك الشرائع."[10] وبالرغم من ذلك لا يكون العقل وحده قاعدة لضبط المعروف والمنكر ولابد من الشرع كما يقول الأمام الغزالي في ضوابط الحكم على الأمر والنهي: " الحكم عندنا عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين ، فالحرام هو المقول فيه اتركوه  ولا تفعلوه  والواجب هو المقول فيه افعلوه ولا تتركوه ، والمباح هو المقول فيه إن شئتم فافعلوه وإن شئتم فاتركوه ، فإن لم يوجد هذا الخطاب من الشارع فلاحكم ، فلهذا قلنا العقل لا يحسن ولا يقبح ، ولا يوجب شكر المنعم ولا حكم للأفعال قبل ورود الشرع ." [11]

     ومن هذا  يستخلص تحد يد المعروف المأمور به والمنكر المنهي عنه  شرعاً في مجال الحسبة أولاً ولا تقتصر الحسبة على الواجب والحرام ولكنّها تطرأ على المباح المتروك ، فيؤمر به ندبا واستحسانا لأنه فضيلة من الفضائل المكملة للأخلاق الإسلامية " فالأمر بالمعروف يكون واجبا ومندوبا على حسب ما يؤمر به وكذلك النهي عن المنكر ، فإنه يكون واجبا إن كان المنهي عنه محرما أو مكروها كراهية تحريم ، ومندوبا إن كان المنهي عنه مكروها كراهية تنزيه"[12] ، وبذلك تتدرج أحكام الحسبة في مجال المعروف والمنكر لتشمل الكبائر والصغائر وهذه الضوابط يمكن تطبيقها على أقسام الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر  في مجالات الحسبة والتمثيل لها .

    وقد قسم الفقهاء الأمر بالمعروف  والنهي عن المنكر في مجال الحسبة إلى ما يدخل تحت الأمر بالمعروف وإلى ما يدخل تحت رفع المنكر ، ناظرين في ذلك إلى ما فيه حق الله تعالى، وما فيه حق العبد  وما يجتمع فيه الحقان معا ، إلاّ أن من الباحثين من ينتقد تقسيم الحقوق على هذا النمط ، الذي وضعه الفقهاء معللا ذلك بأن " هذا التقسيم لا يستسيغه غيرهم من رجال العصر الحاضر ، لأنهم يجدون شيئا من العنت في التفريق بين حقوق الله ، وحقوق الإنسان ، والحقوق المشتركة بينهما."[13] وربما يأتي الالتباس وعدم التفريق بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد لدى الذين كتبوا في الفقه أو الحسبة حديثا على الخصوص لسببين : إمّا لانتماء "علماني " ذووه لا يستسيغون من الإسلام حتى أصوله في الحكم وليست فروعه فحسب ، وإمّا لعدم التفقه في أوضح أمور الدين .وإلاّ كيف يخفي على مسلم حق الله تعالى ، وحقه عبادته وامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وكيف يخفي على مسلم حقّ العباد ، وحقوق العباد هي معاملتهم وفق ما شرع لهم من الدين ، وكيف تخفي على مسلم الحقوق المشتركة ؟ إن كان فقيها عارفاً بأمور الشريعة وأسرارها ؟ إنه مهما تطورت صور الحياة، أو تعقدت، فإن الحقوق فيها ثابتة وهي إمّا حق لله تعالى أو للعباد، وإمّا حقوق مشتركة بينهما على تقسيم الفقهاء.

     وبناء على ذلك فإنّ تقسيم الفقهاء للحقوق في مجال الحسبة لم يأتوا به توهما أو تزيدا على الدين وإنما استنبطوه من أصول الإسلام  وقواعد الشريعة التي حددتها الشريعة نفسها ،ويمكن تفقد المعروف في حياة المجتمع من خلالها والتمثيل لذلك في الآتي :

أولاً ـ الأمر بالمعروف في حق الله تعالى  :

        أول حقٍّ يلزم دعوة الفرد والمجتمع إليه هو حق الله تعالى وحقه إفراده بالعبودية المطلقة ، كما قال تعالى: } وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ {[14] وقال تعــالى: } وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً {[15]  وروي عن معاذ بن جبل t أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَاد؟ قَالَ :اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ .قَالَ :أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. أَتَدْرِي مَا حَقُّهُمْ عَلَيْهِ .قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ :أَنْ لاَ يُعَذِّبَهُمْ ."[16] والعبادة في هذه الأصول تعني الطاعة في الأوامر والاجتناب لكلّ ما نهى الله عنه احتساباً لمثوبة عاجلة أو آجلة .كما أن العبادة تتنوع إلى أصول وفروع في ذلك فمن الأصول التي أوجب الله تعالى عدم التفريط فيها بعد أصول الإيمان الصلوات الخمس ، والصوم والزكاة وغيرها من الفرائض التي يلزم الأمر بها ويسميها الفقهاء الحقوق التي لا تسقط إلاّ بالأداء  لأنها حقوق خالصة لله تعالى  كما يقول الإمام ابن القيم: " والحقوق نوعان حق الله وحق الآدمي ، فحق الله لا مدخل للصلح فيه كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها ، وإنما الصلح بين العبد وبين ربه في إقامتها لا في إهمالها ولهذا لا يقبل بالحدود ، وإذا بلغت السلطان فلعن الله الشافع والمشفع ."[17] لأنها ثابتة بالكتاب والسنة ، قولا وعملا من رسول الله e وإنكارها يعدّ خروجاً عن منهج الشارع ، وإهمالها يعدّ تفريطا في حقّ الله  ومن فرّط في العبادة الواجبة بالأصول القرآنية والنبوية، فقد فرط في حق من حقوق الله الخالصة  ولهذا قال الفقهاء تكون الحسبة فيها على ضربين:

 أحدهما : ما يلزم الأمر به في جماعة : كصلاة الجماعة في المساجد وإقامة الأذان فيها للصلوات وهي من أظهر شعائر الإسلام وعلامات التعبد التي فرق بها رسول الله  e بين المسلم والكافر فقال : " إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة "[18] فإذا اجتمع أهل بلد أو محلة على تعطيل الجماعة في مساجدهم وترك الأذان في أوقات صلواتهم كان المحتسب مندوبا إلى أمرهم بالأذان والجماعة في الصلوات [19]فقد روي عن أبى هريرة t قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ."[20]

ثانيهما : ما يأمر به المحتسب آحاد الناس : كأمره بأداء الصلاة في وقتها ، ويراعي في ذلك شواهد حاله وفحوى جوابه ، فإن تركها نسياناً لا يعزره ، وإن تركها لتوان أدبه وزجره ، وأخذه بفعلها جبراً  أمّا من يؤخرها مع بقاء الوقت فلا اعتراض للمحتسب عليه ، إذا اتفق أهل بلد على تأخير الصلاة إلي آخر وقتها ويري المحتسب أن تعجيلها أفضل ، كان له أن يأمرهم بالتعجيل ، وهذا لا لأنه يوافق رأيه بل لأنّ تأخير جميع الناس لها يفضي بالصغير الناشئ على مضي الزمن إلى اعتقاد أنّ هذا هو وقتها لا غير. أمّا لو عجلها بعضهم ، وأخرها البعض الآخر فلا اعتراض للمحتسب على من يؤخرها منهم .[21]

ثانياً: الأمر بالمعروف في حقوق العباد :-

أمّا حقوق العباد المتعلق بها الأمر بالمعرف في مجال الحسبة ، فهي مصالحهم  وهي عائدة عليهم بحسب أمر الشارع وعلى الحد الذي حدّه لا على مقتضى أهوائهم ، وشهواتهم.[22] يقول الله تعالى : } وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ {[23] فدلت الآية على أنّ الحقوق ما كانت مشروعةً شرعاً ، والحسبة في هذه الحقوق تكون على ضربين : عام ، وخاص .[24]

أولاً : العام : الحق العام هو كلّ ما يشترك في الانتفاع به المجتمع ، ويعود بالنفع لصالح المجموع ، كالمرافق العامة ، من مساجد ، ومستشفيات ، ومدارس ، وجسور  وطرق وغير ذلك من الحقوق العامة كالملاجئ ودور الأيتام مما يتعلق بمصلحة عموم الناس  ودور المحتسب في ذلك العمل علىالمحافظة عليها من التخريب من جهة ، والعمل على توفير الموارد المالية اللازمة لها من بيت مال المسلمين إن وجدت من جهة ثانية ،" لأنها حقوق تلزم بيت المال دونهم ، وكذلك لو استهدمت مساجدهم وجوامعهم ، فأما إذا أعوز بيت المال كان الأمر ببناء سورهم وإصلاح شربهم وعمارة مساجدهم وجوامعهم ومراعاة بني السبيل فيهم متوجها إلى كافة ذوي المكنة منهم ، ولا يتعين أحدهم في الأمر به وإن شرع ذو المكنة في عملهم وفي مراعاة بني السبيل وباشروا القيام به سقط عن المحتسب حق الأمر به ولم يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني السبيل ، ولا في بناء ماكان مهدوما."[25]

ثانياً : أمّا فيما يتعلق بحقوق الآدميين الخاصة : فهي مثل المماطلة في الديون ، وتأخيرها مع المكنة على سدادها ، فالمحتسب يأمر القادرين على السداد بقضاء ما عليهم  إذا حان وقت السّداد ، وطلب منه أصحاب الديون ذلك  لأنها حقوق خاصة ، تقبل الصلح والإسقاط ، والمعاوضة عليها.[26]والمماطلة مع المكنة ظلم كما قال:e " مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ. "[27]، فدلّ الحديث على تحريم المطل من الغني ، والمعني على تقدير أنّه من إضافة المصدر إلى الفاعل ، أنّه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه بخلاف العاجز ،وعلى معني تقدير إضافة المفعول إلى الفاعل : أنّه يجب وفاء الدين ولو كان مستحِقه غنيا ، فلا يكون غناه سببا لتأخر حقِّه  وإذا كان ذلك من حقّ الغني ففي حقّ الفقير أولى .[28] وتلحق بالحقوق الخاصة النفقات وكفالة من تجب كفالته من الصغار والوصايا والودائع ،"وليس للمحتسب أن يأمر في الوصايا والودائع أعيان الناس . وآحادهم ، ويجوزله أن يأمر بها على العموم حثا على التعاون على البر والتقوى.[29]ومقصود ذلك أن حقوق الآدميين الخاصة إذا كانت مما يحتاج إلى حكم من الحاكم فليس للمحتسب أن يتعرض لها إلاّ إذا حكم بها الحاكم فإنه ينفذ الحكم إذا طلب منه بشروطه أمّا إذا كان الأمر لا يحتاج إلى حكم الحاكم فللمحتسب أن يأمر به وقد سبق في بيان الفرق بين الحسبة والقضاء وقضاء المظالم ،وما كان من اختصاص القضاء فلا مدخل للمحتسب فيه إلا إذا خول بذلك.

ثالثاً:  الأمر بالمعروف في الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق العباد :

وهذه الحقوق تتصل بالنظام الإسلامي من ناحية ، ومن ناحية أخرى لها اتصال وثيق بحقوق الأفراد ، وتأخذ أحكامها بحسب ما يغلب فيها ، حق الله تعالى أوحق العباد لأنّ المعني بحقِّ العبد المحض : " لو أسقطه لسقط ، وإلا فما من حق للعبد إلاّ وفيه حق لله تعالى وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقيه  فيوجد حق لله تعالى دون حق العبد ، ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق لله تعالى  وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط."[30]ويمكن التمثيل لذلك بأمر الأولياء بنكاح الأيامى من أكفائهنّ إذا اشتكين للمحتسب  فيمنع تعسف الأولياء في حقّ الولاية عليهنّ ، وإلزام النساء بأحكام العدة إذا فورقن  وله تأديب من خالفت في العدة وذلك لحكَمٍ في الشريعة ففي شرع العدة عدة حِكَم منها :" العلم ببراءة الرحم وأن لا يجتمع ماء الوطئين فأكثر في رحم واحد فتختلط الأنساب ، وتفسد وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعة والحكمة ، ومنها تعظيم خطر هذا العقد ورفع قدره وإظهار شرفه ومنها تطويل زمان الرجعة للمطلق إذ لعله أن يندم ويفيء فيصادف زمنا يتمكن فيه من الرجعة ، ومنها قضاء حق الزوج المتوفى وإظهار تأثير فقده في المنع من التزين والتجمل ولذلك شرع الحداد عليه أكثر من الحداد على الوالد والولد ومنها الاحتياط لحق الزوج ومصلحة الزوجة وحق الولد والقيام بحق الله الذي أوجبه"[31] والحكم إذا كان دائرا بين حق الله تعالى، وحق العبد لا يصح للعبد إسقاطه إذا أدى إلى إسقاط حقّ الله تعالى.[32] وعلى الأمثلة السابقة يمكن قياس الحقوق المتعلق بها الأمر بالمعروف في مجال الحسبة  أمّا بالنسبة لتتبع المنكرات والنهي عنها فتتوقف على معرفة الحقيقة الشرعية للمنكر أولاً والشروط الموجبة للإنكار في مجال الحسبة ثانياً .

 

المـفـهـوم الشـــــــرعــــي للمنـــــكــر

 ورد المنكر في معاجم اللغة بأنه ضد المعروف.[33] وكل ما قبحه الشرع وحرمه ، أو كرهه ، فهو منكر  والجمع مناكير. والنكير والإنكار تعني : تغيير المنكر ، كما في قوله تعـالى : } فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ{[34] أي إنكاري وتغييري .

أمّا من حيث الحقيقة الشرعية فقد تعددت تعريفات الفقهاء للمنكر ، واختلفت عباراتهم في تحديد معناه بين العموم والخصوص ، فمنهم من قصره على الكفر .[35] ومنهم من جعله شاملا لمحرمات الشرع فقال :" كل محذور الوقوع في الشرع "[36] وذهب المعتزلة في مفهومهم  للمنكر إلى القول :بأن " المنكر كل فعل عرف فاعله قبحه  أو دلّ عليه .[37] وهذا يجعل مدار معرفة المنكر العقل ، وهو خلاف لما ذهب إليه أكثر علماء السنة في ضابط  الشرع لمعرفة المعروف والمنكر ، ويكون العقل تبعا له في ذلك  وإذا لم يكن الشرع هو الضابط للمعروف والمنكر ، فقد يكون السلوك الواحد منكرا لضوابط العقل  ومعروفا طبقا لضوابط أخرى " وهذه الظاهرة ملموسة في الدول المعاصرة ، التي تجعل التشريع الوضعي هو الضابط الرسمي للمعروف والمنكر ، وتفسح المجال إلى جانب العقل  لضوابط أخري مكملة  وإن كانت غير ملزمة بوجه عام . فبعض التشريعات الوضعية تبيح البغاء ، ولعب الميسر  وشرب الخمر والتعامل بالربا ، وتنظم ذلك بقوانين ولوائح ، وهذا يعني أنها لا تعد هذه الأفعال منكراً." [38]

وذهب آخرون إلى قول أشمل مما سبق في تعريف المنكر فقالوا : " هو ما تنكره النفوس السليمة  وتتأذي به ، مما حرمه الشرع  ونافر الطبع  وتعاظم استكباره ، وقبح غاية القبح استظهاره في محل الملأ."[39] ومما يدل على ذلك جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن البر والإثم قال : " الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالأِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاس ." [40]

وبناء على هذا الأصل يمكن القول : بأن المنكر هو كل قول أو فعل أو قصد  قبحه الشارع ونهى عنه ، وقد وضع العلماء لضبط المنكرات القولية والفعلية  في مجال الحسبة شروطا  وقواعد رتبوا عليها أحكاما وفق مراتبها ودرجاتها ، لحماية المجتمع الإسلامي من التصدع والانهيار أمام التيارات الإباحية المختلفة .

الشــروط الموجبـــة للإنكـار في مجـال الحـــسبــة

1- يشترط الفقهاء لوجوب النهي عن المنكر وجوده فعلا كان أو قولاً ؛ لأنّ كل ما قبحه الشرع من فعل أو قول ولو صغيرة يسمى منكراً  ويستوى في ذلك فاعل المنكر مكلفا كان أو غير مكلف.[41]

2- يشترط في النهي عن المنكر أن يكون حالاً ، بأن يكون صاحبه مباشرا له وقت النهي أو التغيير، أمّا إذا انقضى المنكر فليس ثمة مكان للنهي عنه أو تغييره ، وللمحتسب في هذه الحال أن يعظ مرتكب المنكر ، أمّا إقامة الحد والعقوبة فهي إلى الولاة والحكام وليس للمحتسب ولاية في ذلك .

3- أن يكون المنكَر ظاهراً للمنكِر بغير تجسس للنهي الوارد في قوله تعالى: } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ { [42] ويقول صلى الله عليه وسلم: " يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الأِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لاَ تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ" [43]

4- يشترط في المنكَر المحتسب فيه أن يكون مجمعا على إنكاره ، بين أئمة الاجتهاد  وأما المختلف فيه فلا يحتسب فيه ؛ لأنّ كلّ مجتهد مصيب أو المصيب واحد فلا نعلمه  ولا إثم على المخطئ في اجتهاده.[44] لما روي عن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما – أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ."[45] ويفيد هذا أن الحق واحد ، وقد يوافقه بعض المجتهدين فيستحقون الثواب المضعّف  وقد يخالفه بعضهم ، فيقال له مخطئ ، إلا أن استحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيبا ، واسم الخطأ عليه لا يستلزم أن لا يكون له أجر كما قال الإمام  الشوكاني  : " فمن قال كل مجتهد مصيب وجعل الحق متعددا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ خطأ بينا وخالف الصواب مخالفة ظاهرة فإن النبي صلى الله عليه وسلم ? جعل المجتهدين قسمين قسما مصيبا وقسما مخطئا ولو كان كل واحد منهم مصيبا لم يكن لهذا التقسيم معنى وهكذا من قال إن الحق واحد ومخالفه آثم فان هذا الحديث يرد عليه ردا بينا ويدفعه دفعا ظاهرا لأن النبي سمى من لم يوافق الحق في اجتهاده مخطئا ورتب على ذلك استحقاقه للأجر فالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة إن الحق واحد ومخالفه مخطئ مأجور إذا كان قد وفى الاجتهاد حقه"[46]

ولعل جوهر الخلاف في هذا الشرط هو هل تصح الحسبة على من عمل بخلاف مذهبه  أم لا ؟ إذا كانت الواقعة في محل الاجتهاد الشرعي أو العرفي ؟ ولأهمية هذا الشرط ودقته ، رأى الفقهاء وجوب التفرقة بين الفقيه وغيره ، إذا احتسبا فقالوا في احتساب العوام:"العامي ينبغي له أن لا يحتسب إلاّ في الجليّات المعلومة ، كشرب الخمر ، والزنا ، وترك الصلاة ، فأما ما يعلم كونه معصية بالإضافة إلى ما يطيف به من الأفعال ، ويفتقر فيه إلى اجتهاد ، فالعامي إن خاض فيه كان ما يفسده أكثر مما يصلحه  وعن هذا يتأكّد ظن من لا يثبت ولاية الحسبة إلاّ بتعيين الوالي  إذ ربما ينتدب لها من ليس أهلا لها  لقصور معرفته أو قصور ديانته ، فيؤدي ذلك إلى وجوه من الخلل"[47].

خلاصة القول أن المفهوم الشرعي للمنكر المحتَسب فيه لا يخلو من أمرين :-

أحدهما : أن يكون منكراً محرماً محظوراً ، وهو كل ما ألزم الشارع الحكيم المسلمين أن يجتنبوه  ويطهروا منه حياتهم الفردية  والجماعية وذلك لورود تحريمه صريحا في أصول الشريعة كتابا وسنة .

ثانيهما : أن يكون منكراً مكروهاً  كراهية تنزيه وهو كل ما أظهر الشارع الحكيم كراهيته صراحةً أو كنايةً ، فيحذِّر منه المسلمون لشبهته .وبناء على هذا يمكن تتبع المنكرات والنهي عنها ، مع ترتيب أولوياتها في التقسيم الذي قدمه الفقهاء لها في مجال الحسبة .

تتبع المنــكرات في حيـاة المجتمع والتزام النهي عنــها

المنكرات وإن كانت من باب واحد في وجوب النهي عنها في مجال الحسبة عند استكمال شرائطها  إلاّ أن الفقهاء ، قسموها كتقسيم المعروف بحسب ما تتعلق به  فقد يتعلق المنكر بحقوق الله المحضة ، وقد يتعلق بحقوق الآدميين أو بالحقوق المشتركة بينهما ، وعلى هذا التقسيم يمكن تتبع المنكرات في مجال الحسبة والتمثيل لها .

أ- النهي عن المنكر فيما يتعلق بحقوق الله :-

سبق في البحث  أن حقوق الله تتمثل في طاعته والتزام ما أمر به في شرعه المنزل  دون أن تلحقه من ذلك الالتزام مصلحة أو دفع مضرة  وأن ما كان حقا لله تعالى عائد للعباد في ترتيب المصالح والمفاسد ، " وجلب المنفعة يكون في الدنيا وفى الدين ، ففي الدنيا كالمعاملات والأعمال التي يقال فيها مصلحة للخلق من غير حظر شرعي وفى الدين ككثير من المعارف والأحوال ، والعبادات والزهادات التي يقال فيها مصلحة للإنسان من غير منع شرعي ، فمن قصر المصالح على العقوبات التي فيها دفع الفساد عن تلك الأحوال ليحفظ الجسم فقط فقد قصر ." [48] في حقوق الله تعالى ومن هنا يأتي النهي عن المنكر فيما يتعلق بحقوق الله تعالى وهو على ثلاثة أضرب : ما يتعلق بالعبادات ، أوالمحظورات الشرعية ، أو المعاملات .

1- أمّا ما يتعلق بالعبادات :

 فكالقاصد مخالفة هيئاتها المشروعة والمتعمد تغيير أوصافها المسنونة مثلا  من يقصد الجهر في صلاة الإسرار ، أو يزيد في الصلاة أو في الآذان أذكارا غير مسنونة فللمحتسب إنكار ذلك  وتأديب المعاند  إذا لم يقل بما ارتكبه إمام متبوع وكذلك إذا أخل بتطهير جسده أوثوبه أوموضع صلاته أنكره عليه إذا تحقق ذلك منه.[49] ،وكذلك من الأمور الهامة التي تناولها الفقهاء في مجال الحسبة وأوجبوا الإنكار على من يقوم بها دون علم شرعي التصدي للإفتاء ممن لا تتوافر فيهم شروط الاجتهاد الشرعي والعرفي ،فالمحتسب  " إذا وجد من يتصدى لعلم الشرع وليس من أهله من فقيه أو واعظ ولم يأمن اغترار الناس به في سوء تأويل أو تحريف جواب أنكر عليه التصدي لما ليس هو من أهله وأظهر أمره لئلا يغتر به ومن أشكل عليه أمره لم يقدر عليه بالإنكار إلا بعد الاختبار ."[50] ومن أمثلة المخالفات  الواقعية والتي لا يخلو منها قطر إسلامي بناء الأضرحة والتمسح بالقبور والتوسل بالموتى  أو التبرك بتربة الأضرحة  وهذه من المنكرات التي تلحق ضررا بالعقيدة وتمسها ، وتبطل العبادات ، وتجلب للمجتمع الأوهام والخرافات التي تهدم كيانه الفردي ، والاجتماعي وتمس جوهر حقوق الله تعالى وهو إفراده بالعبودية المطلقة له.

2- أما فيما يتعلق بالمحظورات : فهي كل ما حظره الشارع الحكيم لشبهته كمواقف الرّيب ومظان التهمة التي نهى الشرع عنها لشبهتها ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: " الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ  ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ."[51] فدل على أن الحرام منه ما هو بين ومنه ما يلتبس على كثير من الناس لشبهته فوصف القرب منه بحال الراعي يرعى حول الحمى  والمحرم ليس الرعي حول الحمى إنما هو الوقوع فيه  فحذر الشارع عن الشبهات التي تعد وسيلة إلى ذلك ، " فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتاله ومنعا أن يقرب حماه ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به وحكمته تعالى وعلمه يأبي ذلك كل الإباء بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح  الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه عد متناقضا ولحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها "[52] ، فكل وسيلة تنقل المحظور - سواء أكان في العبادات أم المعاملات - إلي الحرام منهي عنها في الشرع وتكون الحسبة فيها لازمة .

3- أمّا فيما يتعلق بالمعاملات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد : فيتناول النهي كافة الصور المنكرة في المعاملات مثل : الغش في البيوع ، وتدليس الأثمان ، والتطفيف في المكاييل والموازين ، ويشمل نهي المحتسب كلّ ما يقوم به أصحاب الحرف والصناعات في ذلك ممالا يقع تحت الحصر .[53]

ب- النهي عن المنكر فيما يتعلق بحقوق العباد :-

وحقوق العباد وإن كانت محضة فهي ذات طبيعة مزدوجة ، أي أنّها مشوبة بحق الله تعالى  فما من حق للعباد يسقط بإسقاطهم ، أو لا يسقط بإسقاطهم ، إلا وفيه حق لله تعالى وهو حق الإجابة والطاعة ، سواء أكان الحق مما يباح بالإباحة ، أم لا يباح بها ، وإذا سقط حق الآدمي بالعفو فهل يعزر من عليه الحق لانتهاك الحرمة ؟ فيه اختلاف والمختار أنّه لا يسقط إغلاقا لباب الجرأة على الله عزّ وجل.[54] ، ويمكن التمثيل لحقوق العباد في مجال الحسبة  بحقوق الجيرة كرجل هدم بيته فلم يبن والجيران يتضررون به كان لهم جبره على البناء إذا كان قادرا ، لأن لهم ولاية دفع الضرر مع الخلاف في ذلك، والمختار أنه ليس لهم ذلك لأن المرء لا يجبر على بناء ملكه ، وكرجل له دار أراد أن يرفع بناءها ويمنعه الجار، لأنه يسد عليه الضوء فله المنع لأن الضوء من الحوائج الأصلية ؛فإن منعه لأنه يسد عليه الشمس والريح فليس له ذلك لأنهما من الحوائج الزائدة والأصل أن من تصرف في ملكه تصرفا يضر بجاره ضررا بينا يمنع ، وإلا فلا ، وعليه الفتوى .[55] كما في قوله e :  "لا ضرر ولا ضرار ."[56] وعلى هذه القاعدة الشرعية يحتسب على حقوق العباد كلها.

ج-  النهي عن المنكر فيما يتعلق بالحقوق المشتركة :-

ويتعلق النهي عن المنكر في مجال الحسبة بالحقوق المشتركة بين الله تعالى وبين العباد فيمنع المحتسب من الإشراف على منازل الناس ، والاطلاع على عوراتهم ، ويعمل على حرمة الحياة الخاصة ، ومن الحقوق المشتركة أيضا الاحتساب على أئمة المساجد في من يطيل منهم في الصلوات ، حتى لا يعجز عنها الضعفاء ، ولا ينقطع عنها ذوو الحاجات  فقد روي عن جابر بن عبد الله -t -أن معاذ بن جبل -t -كان يصلى مع صلى الله عليه وسلم - ثمّ يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة ، فقرأ عليهم البقرة قال:فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة ، فبلغ ذلك معاذ فقال : إنه منافق . فبلغ ذلك الرجل فأتى النبي صلى الله عليه وسلم  فقال يا رسول الله ؛إنا قوم نعمل بأيدينا ونسقي بنواضحنا وإن معاذاً صلى بنا البارحة فقرأ البقرة ، فتجوزت ، فزعم أني منافق ، فقال : صلى الله عليه وسلم " يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ أَوْ أَفَاتِنٌ ثَلاَثَ مِرَارٍ فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ ."[57] ولا يخلوا حكم شرعي عن حق الله تعالى ، وهو جهة التعبد فإن حق الله على العباد ،أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً ، وعبادته امتثال أوامره واجتناب نواهيه ،بإطلاق ، فإن جاء ما ظاهره أنه حق للعبد مجرداً فليس كذلك بإطلاق ،بل جاء على تغليب حق العبد في الأحكام الدنيوية كما أنّ كلّ حكم شرعيّ فيه حق للعباد إمّا عاجلاً وإمّا آجلا ،بناءً على أن الشريعة وضعت لمصالح العباد"[58]

خلاصة القول : أنّ  تشريع الحسبة في مجال الحقوق يشمل الحقوق الفردية والجماعية ويشمل ما كان حقا لله تعالى أو للعباد ويمكن القياس على ما سبق من الأمثلة .

 


المبحث الخامس

وسائل الحسبة لتغيير المنكر

الحسبة كما سبق في تعريفها تهدف إلى التطبيق العملي للمبدأ القرآني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولإقامة هذا المبدأ وسائل وآليات ، تتدرج وتتنوع بحسب نوعية المنكر فقد يكون المنكر قولا باطلا أو فعلا مخالفا للنظام الإسلامي وقيمه الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية .

وقد حصر بعض الفقهاء وسائل دفع المنكرات في الآتي :

1-  شرح المنكر للناس  .

2- النهي بالنصح والوعظ.

3- النهي بالقول الغليظ .

4- التغيير باليد لذات المنكر .

5-التهديد والتخويف .

6- مباشرة الضرب .

7-الاستعانة بالغير .[59]

وهذه الوسائل يمكن تناول كل وسيلة منها بشيء من التفصيل للخروج بالحكمة من ترتيبها وتدرجها, ولتبين آليات الأداء ودرجاته في هذا السياق .

1- شرح المنكر للناس:-  :-  وهو أول وسيلة في دفع المنكرات عن المجتمع  ومن واجب المحتسب  التعريف ببيان حكم الله تعالى على المحتسب عليه ، وكما يقول الغزالي : فإنّ المنكر قد يقدم عليه المقدم بجهله ، وإذا عرف أنه منكر تركه كالذي يصلي ولا يحسن الركوع والسجود .. فيجب تعريفه باللطف من غير عنف : وذلك لأن  ضمن التعريف نسبة إلى الجهل والتجهيل إيذاء ، وقلما يرضى الإنسان بأن ينسب إلى الجهل بالأمور لا سيما بالشرع .. فإن إيذاء المسلم حرام محذور كما أن تقريره على المنكر محذور [60] والتعريف باللطف والرفق هو أول ما يجب أن يبدأ به المحتسب  لأنه من الحكمة التي ينبغي أن يتوخاها المحتسب في الدعوة إلى الحق ، فقد قال الله تعالى لموسى عليه   السلام – لمّا أرسله إلى فرعون- : } فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى{[61] فالتعريف بالقول اللين أوقع في القلب وأقرب إلى السمع ، وهو منهج رسول الله e في دعوته وتبليغ رسالة ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، وهو المنهج الواجب نهجه ، إذ التعريف ببيان حكم الشريعة أولى من إقامة الحدود على مرتكب المنكر الذي لا يعرف حكم الشرع فيما ارتكب والشواهد على هذا المنهج كثيرة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله ، فعن أبي هُرَيْرَة t  أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَعُوهُ وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ."[62]  وهذا دليل على رفق النبي e بالجاهل وتعليمه باللين قبل الإنكار عليه ،فالعلم سابق و تبنى عليه الأحكام الشرعية ، ولا يعاقب جاهل بأحكام الشرع قبل معرفته،والصحابة رضوان الله عليهم سلكوا نهج رسول الله e في ذلك فقد نهى عمر t أن يصلي الرجال مع النساء ، ثم رأى رجلا يصلي معهن ، فضربه بالدرة ، فقال له الرجل لئن كنت تقيا لقد ظلمتني ، وإن كنت أسأت فما علمتني ، فقال عمر t أما شهدت عزمتي ؟ قال : ما شهدت لك عزمة ، فألقى إليه عمر الدرة ، وقال اقتص مني  فقال : لا أقتص اليوم، قال :فاعف ،قال : لا أعفو ، فافترقا على ذلك ثم لقيه من الغد  فتغير لون عمر t ،فقال الرجل : يا أمير المؤمنين ، كأني أرى ما كان أسرع مني قد أسرع فيك ، قال أجل ، قال : فأشهدك أني قد عفوت عنك.[63]

   ودلائل لزوم التعريف والتعليم كثيرة في أحاديث رسول الله e وسيرة السلف الصالح والعلماء، وهذا ما تفتقده الأمة في مناهجها التربوية والتعليمية القائمة على أسس خالية من معرفة قواعد الإيمان ومنهج الإسلام فكيف بنظام الحسبة وسط هذا الركام من المعارف المتناقضة مع أحكام الشريعة وأخلاقها ؟ فالتعريف بمحذورات الشريعة أول وسيلة لقيام نظمها وعليه تقوم الوسائل الرادعة .

2 - النهي بالوعظ والنصح:-  تغيير المنكر بالقول وهذه الدرجة يستطيعها أغلب الناس خاصة إذا قوى بعضهم بعضا ، بأن يستحسن المجتمع فعل من يغير المنكر ويستهجن سكوت من أقر الباطل ، والاحتساب بالقول تقوم به الحجة على العامة والخاصة ، والسلطان والرعية ويدخل في القول الكتابة بأنواعها ، والخطابة ، والشريط المسجل ، والحوار المباشر ونحوه  وفي هذه المرتبة من الأمور الضرورية التي تنبغي معرفتها ومنها : اختيار الأسلوب الأمثل ، ودائرة القول متسعة بحيث تشمل نشاط كل الأفراد الذين يحبون أن تشيع أحكام الله تعالى وتختفي الفواحش و المخالفات و يسود –في الجملة – شرع الله تعالى، ولا نرى في هذا العصر الذي عمت فيه الصحوة الإسلامية النزول عن هذه الدرجة[64].

     وتعتمد الحسبة على وسيلة الوعظ والنصح لنشر القيم الأخلاقية والحث عليها وتعتبر هذه الوسيلة الدعوية للتوعية والتنوير ردا للمخالفات المحتمل وقوعها : وهذا أسلوب تربوي فعال في توجيه الأفراد والجماعات إذا قام على أسس علمية توافق الشرع الإسلامي . فالوعظ لا يكون مخالفا لقوله         تعالى : } وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً {[65] وقوله تعالى:} وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً{[66]، فالقول الحسن في الإرشاد والتوجيه يعد من أهم الوسائل لمقاومة المنكر ،ونشر المعروف في صفوف المجتمع ،وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم النصح أساس الدين ، فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ ؟ قَالَ:  لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ."[67] وهذا توجيه شامل للقيم كلها " فالنصيحة لله وصفه بما هو أهل له،والخضوع له ظاهرا وباطنا ، والرغبة في محابه بفعل طاعته ، والرهبة من مساخطه بترك معصيته و الجهاد في رد العاصين إليه "[68]، وينبغي أن تكون الموعظة في السر والعلانية ، وفي السر أولى ،فقد قال الإمام الشافعي :" من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه"[69]،والنصح في شريعة الإسلام فرض لازم لكل مسلم ، وقد جعله رسول الله  e شرطا في الدين  فعن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ t قَالَ : بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى إِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.[70] وبالنصح يتحقق توجيه الفرد  والأسرة و الدولة، وعليه يقوم نظام الشورى والعدل والمساواة، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم منهجهم في الحياة التناصح يقول أبو بكر الصديق t وهو يحث المسلمين على نصحه"يا أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله ، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله  فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم"[71] وهذا الخطاب يتضمن مجموعة قيم أخلاقية تمس الأفراد والمجتمع والدولة في تحقيق العدل والحرية والمساواة وهي القيم التي يقوم عليها نظام الأمة.

3- النهي بالقول الغليظ :-  إذا تبين عدم جدوى وسيلة النهي بالوعظ والنصح ولين القول تكون وسيلة النهي بالقول الغليظ ولكن في حدود الشريعة و أخلاقها ، وقد ورد هذا الأسلوب في القرآن الكريم في العديد من آيه منها قول الله تعالى حكاية عن هود عليه السلام لقومه لعدم استجابتهم له وعنادهم وإصرارهم على كفرهم قال تعالى على لسان نبيه هود عليه السلام :} وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إلاَّ مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ {[72] فالوصف بالافتراء وعدم العقل ، والإجرام كلها أساليب فيها غلظة وخشونة تستعمل في الحسبة مع من لا يرتدع بالوعظ ولين القول ،ومثل ذلك ما حكاه القرآن من قول إبراهيم عليه السلام لقومه : } أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ{ [73] ، وقد وبخ النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر t مع علو منزلته وإيمانه،عندما سابب رجلا فعيره بأمه،فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ".[74] فقد نهي الإسلام عن الفحش في القول والسخرية من المسلمين وحث على محاسن الأخلاق وفضائلها وقد حذّر النبي e من مساوي الأخلاق في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم " إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ."[75]

ولهذه الوسيلة أدبان : أولهما : ألا يقدم عليها إلا عند الضرورة وعدم جدوى أسلوب اللطف .

ثانيهما : ألا ينطق إلا بالصدق ، ولا يسترسل في الحديث ، بما لا يحتاج إليه ، بل يقتصر على قدر الحاجة.[76]

4- النهي باليد لذات المنكر :-  تعتبر هذه الدرجة هي الأولى  في تغيير المنكر حسب ورودها في الحديث ،وهي أعلا مراتب الاحتساب ، وهذه المرتبة يقوم عليها أرباب الإمامة، ومن ولته الدولة أمر الاحتساب ، وقد يقدر عليها العامة برفع الأمر إلى القضاء ، أو إلى المحتسب الذي قد تفوض إليه بعض الصلاحيات في التعزير والتأديب.[77] ، ويكون التغيير بكل فعل من شأنه إبطال المنكر و إزالته أو منع الفاسق من الاستمرار في ارتكابه المعصية ، لقوله e :" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان "[78] "وفي هذا الحديث من غريب الفقه إن النبي e بدأ في البيان بالأخير في الفعل ، وهو تغيير المنكر باليد وإنما يبدأ باللسان ، والبيان فإن لم يكن فباليد"[79]،فهذا يشير إلى عدم اقرار أحد على منكر باضاعة الوقت في اقناعه إن كان المحتسب ممن له صلاحية ذلك ؛ لأن  تغيير المنكر باليد يكون من المؤمن القوي و هو مثل قوله e: " الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ "[80]، فالمؤمن القوي أكثر إقداما على طاعة الله ، وإنكار المنكر، إلا أن التغيير باليد ليس مطلقا،" وليس لأحد أن يزيل المنكر بما هو أنكر منه مثل أن يقوم واحد من الناس يريد أن يقطع يد السارق ، و يجلد الشارب ، ويقيم الحدود ، إنه إن فعل ذلك أفضى إلى الهرج والفساد ؛ لأن  كل واحد يضرب غيره ، و يدعي أنه استحق  ذلك ، فهذا ينبغي أن يقتصر فيه على أولي الأمر[81] ويرى الإمام الغزالي خلاف ذلك: " إن كل من رأى منكرا فسكت عنه عصى إذ يجب نهيه أينما رأى وكيفما رأى على العموم فالتخصيص بشرط التفويض من الإمام تحكم لا أصل له"[82]، وربما قصد من تعميمه هذا تغيير المنكرات التي توجب التعزير بالوسائل السلمية أما المنكرات التي توجب الحدود كالجلد والقطع والقتل فلا تكون إلا بالولاية  وبأمر من جهات التخصيص.

واستخدام وسيلة اليد في تغيير المنكر تكون منضبطة بحدود الشريعة ؛ لأن  النبي صلى الله عليه وسلم " شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله و رسوله ، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه، وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره"[83].

ويشترط لإباحة التغيير بهذه الوسيلة شرطان :

أولهما :  تعذر الإنكار بغير اليد "كأن يكون صاحب المنكر قد استنفذ معه أسلوب النصيحة المباشرة  وغير المباشرة ، والرفق واللين ، والتخويف والترغيب ، والحكمة والموعظة الحسنة ، ومع ذلك بقي مصرا على منكره وعلم أن المنكر الذي يقوم به لا يزال إلا باليد بعد تعذر الإنكار بغيرها حينئذ تستخدم اليد في التغيير".[84]

ثانيهما : أن يغلب على ظن المنكر للمنكر أن تغييره بيده لا يسبب منكرا أشد منه" فإن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرا أشد منه من قتله أو قتل غيره بسبب كف يده".[85]

فالاحتساب في تغيير المنكرات الواقعة من الأفراد يكون وفقا لضوابط الشريعة وحدودها، أما تغيير الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية فلا يستحسن فيه إلا الوسائل المعنوية من تربية الأجيال وبث روح الإسلام وقيمه ، دون اللجوء إلى القوة التي قد تؤدى إلى اضطراب في المجتمع . "ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار و الصغار رآها من إضاعة هذا الأصل ، وعدم الصبر على منكر ، فطلب إزالته ، فتولى منه ما هو أكبر منه ، فقد كان رسول الله e يرى بمكة أكبر المنكرات ،ولا يستطيع تغييرها،بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام ،عزم علىتغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم ومنعه من ذلك - مع قدرته عليه - خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمر باليد."[86]وحتى لا تقع الأمة فيما ينافي الشرع تتدرج في وسائلها من العقيدة والأخلاق إلى الشريعة والنظم ،ومن الوسائل المعنوية إلى الوسائل المادية وهذا ترتيب الرسالة فما لم تفهم الأمة روح الشريعة لا تحرك ساكنا للمطالبة بنظمها وقوانينها،فمرحلة تغيير المنكر تبدأ بتغيير الذات كما قال تعالى: } إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ{ [87] وتغيير ما بالنفس المطلوب أو النموذج المنشود ليس المقصود به التحلي بالفضائل والأخلاق فحسب ، بل يكون بالفهم الرشيد أولاً، ثم بتمثيل خلق الإسلام  وبالسعي الحثيث أيضا، لإنجاز ذلك العمل الصالح في مختلف مجالات الحياة.[88] وآخر الدرجات التي ذكرها الحديث هي : الاحتساب بالقلب وهذا يكون عند الضعف العام والعجز التام ، في حالة تسلط الفسقة والملحدين والمتسلطين القاهرين ، وهذه هي الدرجة الأخيرة من درجات الإنكار وهي واجبة بإجماع العلماء ، لأن الإنكار القلبي للمعاصي والشرور والمظالم يمكن أن يقوم به كل أحد ، وفائدة هذه الدرجة نقاء قلب المؤمن في حساسيته ورفضه للمنكر .[89]وهذه الدرجات هي التي رسمها حديث رسول الله e "من رأى منكم منكرا فليغيره.. "[90] وقد عد العلماء هذا الحديث أصل في صفة التغيير ، فحق المغيّر أن يغيره بكل وجه أمكنه زواله به ، قولاً كان أو فعلا .[91]وجعل النبي e إنكار المنكر على هذه الدرجات حتى يشارك فيه جميع المؤمنين القوي والضعيف ، وبهذا لا يسقط وجوب إنكار المنكر في كل الأحوال. قال ابن تيمية : مراده بقوله " أضعف الإيمان"أنه لم يبق بعد هذا الإنكار ما يدخل في الإيمان حتى يفعله المؤمن بل الإنكار بالقلب آخر حدود الإيمان وليس مراده أن من لم ينكر لم يكن معه من الإيمان حبة خردل  ولهذا قال :" ليس وراء ذلك " فجعل المؤمنين ثلاث طبقات ، فكل منهم فعل الإيمان الذي يجب عليه".[92] ومن اللازم القول بأن مسؤولية الحسبة منوطة بمجموع الأمة من خلال مؤسساتها الرسمية الحكومية وكذلك مؤسساتها الأهلية .والمسؤولية إلى جانب ذلك منوطة بكل مسلم مكلف وتتأكد المسؤولية في الدائرتين وفق ما تقتضيه درجات انحسار المعروف أو انتشار المنكر, ومن المبين أن هذا الأصل الشرعي الذي يقوم عليه بناء الأمة الإسلامية وتتحدد وفقه هويتها إحياؤه مرهون بمدى وعي الأمة والسلطة بأهميته في الحياة العامة بما يحقق في ظله من أمن وعدل واستقامة.

5– التهديد والتخويف :-  يعتبر التهديد والتخويف من وسائل التغيير ويشترط في التهديد والتخويف أن يكون في حدود المعقول عقلا وشرعا ." وينبغي أن يقدم التهديد على إيقاع الضرب ، وتحقيقه بالفعل ، ولا يجوز للناهي عن المنكر أن يهدد مرتكبه بوعيد لا يجوز تحقيقه ، كقوله لأنهبنّ مالك أو لأضربن ولدك وما يجري مجراه  بل ذلك إن قاله عن عزم فهو حرام ، وإن قاله من غير عزم فهو كذب"[93] و الكذب منهي عنه بقوله صلى الله عليه وسلم : " إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا وَعَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا"[94] فتحرى الصدق أمر لازم على المحتسب في وعظه ونصحه ، وتهديده وتخويفه" ،ويغلظ على المتمادي في غيه والمسرف في بطالته إذا أمن أن يؤثر إغلاظه منكرا أشدّ مما غيّره ، ليكون جانبه محميا عن سطوة الظالم ، فإن غلب على ظّنه أن تغييره بيده يسبب منكرا أشد منه ، من قتله أو قتل غيره بسببٍ كفَّ يده، واقتصر على القول باللسان و الوعظ والتخويف"[95].

6 – مباشرة الضرب :- إذا تبين عدم جدوى وسائل النصح والوعظ والتهديد و التخويف من منع المنكر تأتي وسيلة الضرب وقد أشار القرآن الكريم إلي هذا الترتيب في قضية نشوز المرأة فقال تعالى: }  وَاللاَتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً {[96] وظاهر النظم القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه الأمور عند مخافة النشوز ،يقول ابن عباس رضي الله عنهما : " المرأة تنشز وتستخف بحق زوجها، ولا تطيع أمره ، فأمره الله أن يعظها و يذكرها بالله و بعظم حقه عليها ، فإن قبلت و إلا هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها ، و ذلك عليها تشديد ، فإن رجعت وإلا ضربها ضربا غير مبرح ، ولا يكسر لها عظما ، ولا يجرح بها جرحا"[97] ، وهذا تدرج في مراتب الاحتساب و تنوع في وسائله ، تراعى فيه الحقوق ، وتقوم عليه قيم وتهدم به منكرات. ولا يلجأ المحتسب إلى الوسائل المادية لتغيير المنكر إلا بعد نفاد الوسائل المعنوية ، ثم لا تكون بعد ذلك إلا على قدر الحاجة حتى لا يكون خروجا عن ضوابط الشريعة.

7-الاستعانة بالغير : إذا نفدت كل الوسائل السابقة في تغيير المنكر من تعريف ووعظ ونصح ، والنصح بالقول والضرب والتهديد والتخويف ، يجوز عند الضرورة فيمن لا يندفع عن فساده في الأرض إلا بالقتل قتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين  والداعي إلى البدع في الدين [98] قال الله تعالى : } مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ   لَمُسْرِفُونَ {[99] فإن العقوبة إنما شرعت للردع و الزجر ، والمحافظة على مصالح الفرد والمجتمع . "والعقوبة إن لم تؤد المقصود منها يكون شرعها عبثا  ومن الناس من خبثت نفسه ، وضعفت خشيته من الله تعالى – فانعدم في نفسه الشعور بأي معنى من معاني الخير؛ فإعدام مثل هذا فيه خلاص المجتمع من شر عظيم ، وبلاء مستطير ولا يندفع فساده إلا بإعدامه ، وتطهير المجتمع من شروره ، وقد قرر الفقهاء إن المفسد في الأرض  كالصائل إذا لم يندفع إلا بالقتل قتل"[100] إلا أن المحتسب ليس له القتل والقطع  لأن  إقامة الحدود في العقوبات الشرعية واجبة على ولاة الأمور، خشية  إثارة الفتنة، مع من ليس معه أمر من سلطان المسلمين ، فقد ذكر السماني في الفروق بين المحتسب والمتطوع بالحسبة "أن للمحتسب اتخاذ الأعوان لإزالة المنكر ، وإن لم يكفه أعوانه طلب أعوان السلطان  فليس له العذر في ترك الإنكار ؛لأنه ما ولي إلا لإزالته المنكرات بشتى الطرق ، أمّا المتطوع بالحسبة فيستعين بأهل الصلاح ، فإن لم يعنه أحد يعذر في هذا ولا يكون آثماً بتركه  وأمّا ثواب الاحتساب فلا يناله إلا بفعله ؛ لأنّ الثواب جزاء العمل ، وهو لم يعمل ما يستحق الثواب "[101]

 8- العزلة والمقاطعة : تتعدد وسائل الحسبة وتتطور مع تطور المجتمع آخذة في أحكامها وحكمتها من أصولها الشرعية كتابا وسنة ، فالعزلة والمقاطعة من الوسائل التأديبية لمن يمارس المنكرات، وقد شرع الله ذلك في كتابه الكريم فقال تعالى: } وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً{[102] ففي الهجر تأديب وتوجيه وهذه الوسيلة يمكن أن يطوق بها كل من يمارس المنكرات ويستهين بالقيم والمبادئ الخيرة ، فشارب الخمر والمرتشي ، والمرابي والكذاب  والنمام.. الخ ،إذا فرضت عليه العزلة والمقاطعة ربما يشعر بالعزلة ويتراجع عن منكره. فمن تخلف عن منهج الأمة ، واستهان بقيمها وجب على الأمة مقاطعته وهجره .

ومن الشواهد التاريخية - التي تعد منهجا تربويا وتأديبيا للمؤمنين - في العزلة والمقاطعة ماروي أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هجروا الثلاثة الذين تخلفوا عنه e في غزوة تبوك يقول كعب بن مالك t لماّ تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فذكر حديثه ونهى رسول الله e المسلمين عن كلامنا فلبثنا على ذلك خمسين ليلة وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم  بتوبة الله علينا.[103] ونزل قوله تعالى : } وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ {[104] فالهجر والمقاطعة لمن ارتكب المعاصي نوع من أنواع العقوبات التعزيرية المشروعة ، كما يقول الإمام الشوكاني :"وفي هذه الآية دليل على هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي."[105] .

 


 

[1]  -  لسان العرب 9/155 ،مصدر سابق

[2]- انظر : تفسير البحر المحيط لأبى حيان ، تحقيق :عادل أحمد عبد الموجود 3/24/ط1/ دار الكتب العلمية / بيروت /      1413هـ- 1993م

[3] - انظر : الموسوعة الفقهية  الكويتية  17 /239 /ط2/ وزارة الأوقاف والشؤن الإسلامية / الكويت / 1410هـ - 1990م .

 [4] - سورة آل عمران الآية 104

[5]- الموافقات للشاطبي ، تحقيق : إبراهيم رمضان 2/324 /ط3/ دار المعرفة /بيروت /1417هـ1997م.

[6]- انظر : موجب الحسبة في الفقه الشرعي ، د. عوض محمد عوض 25 / بحث في مجلة "المسلم المعاصر" / بيروت /ع 13/  1408هـ- 1988م.

[7]- انظر : الزبدة الفقهية في شرح الروضة البهية لمحمد حسن ترحيني 3/669/ط1/ مؤسسة العروة الوثقى/ دار الهادي/ بيروت/ 1415هـ- 1994م.

[8]- شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي ،تحقيق : د. عبد الكريم عثمان 141 /ط1/ مكتبة وهبة / القاهرة /1384هـ- 1965م.

[9]- كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة لعبد الرحمن الشيزري 6 تحقيق : السيد البازي العريني /ط1/دار الثقافة/ بيروت/ 1401هـ- 1981م.

[10]- قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام 2/135 /دار الشروق / القاهرة / 1968م.

[11]- المستصفى من علم الأصول للغزالي 1/55/ ط2/ دار الكتب العلمية /بيروت/ 1322هـ.

[12]- الكليات 4/185 ،مصدر سابق .

[13]- عبقرية الإسلام في أصول الحكم :د.منير العجلاني 295 / ط1/ دار النفائس /بيروت/1405هـ -1985م

[14]- سورة الذاريات الآية 56.

[15]- سورة النساء الآية 36.

[16]- صحيح البخاري /كتاب التوحيد/باب ما جاء في دعاء النبي أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى/ح6825.

[17]  -إعلام الموقعين لابن القيم 1/108مصدر سابق.

[18]  -أخرجه الحاكم في مستدركه 1/48/11،  وقال: هذا حديث صحيح الإسناد لا تعرف له علة بوجه من الوجوه ، ولم يخرجاه بهذا اللفظ ، ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعا .

[19] - الأحكام السلطانية للما وردي 275 .

[20]- صحيح البخاري/كتاب الآذان/باب وجوب صلاة الجماعة/ح608. 451/651 .

[21]- معالم القربة في أحكام الحسبة للقرشي50 / ط1/ دار الحداثة / بيروت –لبنان / 1990م.

[22]- انظر : الموافقات 2/473 ، مصدر سابق .

[23] - سورة المؤمنون الآية 71.

[24]- الأحكام السلطانية للما وردي 276 . 

[25]- المصدر السابق 276.

[26]- انظر : إعلام الموقعين  1/108 مصدر سابق .

[27]- صحيح البخاري /كتاب الحوالات /باب الحوالة وهل يرجع في الحوالة/ح2125.

[28]- انظر : سبل السلام للصنعاني ،خرّج أحاديثه :محمد عبد القادر أحمد عطا 3/62/ دار الكتب العلمية/ بيروت / 1420هـ- 2000م .

[29]- انظر الأحكام السلطانية للماوردى 247 ، والأحكام السلطانية لأبي يعلى 291

[30]- الفروق للقرافي 1 / 141 /ط1/ مطبعة  دار إحياء الكتب العربية / مصر / 1346 هـ.

[31]- إعلام الموقعين 2/84 ،مصدر سابق .

[32]- انظر : المصدر نفسه 2/375  .

[33]- انظر : لسان العرب 5/233 ،مصدر سابق.

[34]- سورة الحج الآية 44.

[35]- انظر : تفسير البحر المحيط 3/24، مصدر سابق .

[36]- إحياء علوم الدين 2/468 ،مصدر سابق .

[37]- الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار  145 ، مصدر سابق .

[38]- انظر موجب الحسبة في الفقه الشرعي 24 ، مرجع سابق .

[39]- موسوعة أخلاق القرآن : د.أحمد الشرباصي 3/220/مرجع سابق.

[40]- صحيح مسلم/كتاب البر والصلة والآداب/باب تفسير البر والإثم/ح4633..

[41]  -انظر : إحياء علوم الدين 2/468 ،مصدر سابق .

[42]- سورة الحجرات الآية 12 .

[43]- سنن الترمذي /كتاب البر والصلة/باب ما جاء في تعظيم المؤمن/1955 وقال أبو عيسى حديث غريب ، والحديث انفرد به الترمذي

[44]- انظر : إحياء علوم الدين 2/470 .

[45]- صحيح البخاري /كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة /باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ /ح6805 ، ومسلم في كتاب الأقضية/ح3240.وأبو داود في الأقضية /31032.

[46]- إرشاد الفحول  للشوكاني  1/ 437 / ط1/ دار الفكر / بيروت /1412هـ- 1982.

[47]- إحياء علوم الدين 2/462 ،وانظر : تلبيس إبليس لابن الجوزية ،تحقيق : أيمن صالح 152/ط4/ دار الحداثة / القاهرة / 1422هـ-2001م .

[48]- مجموع الفتاوى  11/343 ،مصدر سابق .

[49]- انظر : الأحكام السلطانية للما وردي  248 .

[50]- الأحكام السلطانية للما وردي 280 ، وانظر : معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة  79 .

[51]- صحيح البخاري /كتاب الإيمان/باب فضل من استبرأ لدينه/ح50.

[52]- إعلام الموقعين  3/135 ،مصدر سابق .

[53]- وقد ذكر ت مؤلفات الحسبة العديد من المنكرات في المعاملات ،وخاصة منكرات أرباب الحرف والصناعات ، ففي معالم القربة في أحكام الحسبة  للقرشي أورد تسع وتسعين من أصحاب الحرف والصناعات منها على سبيل المثال:  الفرانين  والطباخين ،  والنحاسين ..  . إلى غير ذلك مما وصلت إليه الحرف والصناعات في عهده .

[54]- قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 229 مصدر سابق.

[55]- انظر:نصاب الاحتساب  198 ،مصدر سابق .

[56]- سبق تخريجه .

[57]- صحيح البخاري كتاب الأذان/باب من شكا إمامه إذا طول/ح664..

[58]- الموافقات 2/317 ،مصدر سابق .

[59]- انظر : إحياء علوم الدين 2/474 ، والدفاع الشرعي في الشريعة الإسلامية  لمحمد علي السر طاوي 50/دار الفكر /  عمان – الأردن  1998م.

 

[60] - انظر : إحياء علوم الدين 2/475 .

[61] - سورة طه الآية 44 .

[62] - صحيح البخاري كتاب الأدب/باب قول النبي e بشروا ولا تعسروا /5663 .

[63] -  مناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي 99 / دار إحياء التراث/ بيروت / دون تاريخ، والذخيرة للقرافي 10/51 .

[64] - انظر : حكمة مشروعية الاحتساب 272، مقال في " مجلة البحوث الإسلامية/ الرياض / السعودية / العدد 23 /1987م.

[65] - سورة البقرة الآية 83 .

[66] - سورة النساء الآية 63 .

[67] - صحيح مسلم/كتاب الإيمان/باب أن الدين النصيحة/ح62.

[68] - انظر : فتح الباري بشرح صحيح البخاري  ابن حجر 1 /166.

[69] - انظر : شرح صحيح مسلم للنووي  2/24.

[70] - صحيح البخاري /كتاب الإيمان/باب الدين النصيحة/ح55 .

[71] - السيرة النبوية لابن هشام 2/661  ،وانظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي 89 ،والبداية والنهاية لابن كثير5/248

[72] - سورة هود الآيات 50،51، 52

[73] - سورة الأنبياء الآية 67.

[74] - صحيح البخاري /كتاب الإيمان /باب المعاصي من أمر الجاهلية/ح29.

[75] - صحيح البخاري / كتاب الأدب /باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد والريب/ح5594.

[76] - انظر : إحياء علوم الدين 2/477 ، ومعالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة 234.

[77] - انظر :إحياء علوم الدين 2/478 ،والدفاع الشرعي في الشريعة الإسلامية لمحمد علي السر طاوي 53 .

[78] - سبق تخريجه .

[79] - أحكام القرآن لابن العربي 1/293 مصدر سابق.

[80] - صحيح مسلم / كتاب القدر/ باب في الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله/ح4816.

[81] - انظر: الحسبة في الإسلام لابن تيمية 27 .

[82] - انظر :إحياء علوم الدين 2/455

[83] -  إعلام الموقعين لابن القيم 2/12.

[84] -  الآداب الشرعية للمقدسي 1/172 ،ونظر: أحكام القرآن للجصاص 2/31 .

[85] - شرح صحيح مسلم للنووي  2/25 ،وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار 143.

[86] -  إعلام الموقعين 2/12 ،مصدر سابق .

[87] - سورة الرعد الآية 11

[88]- انظر:الحضارة الإنسانية بين التصور الديني والنظريات الوضعية لفهمي هويدى 53/ط1/ دار الشروق/ القاهرة /1989.

[89] - انظر :أصول الدعوة 260 ،مرجع سابق  .

[90] -  سبق تخريجه .

[91] - انظر : صحيح مسلم بشرح النووي 2/385.

[92] - مجموع الفتاوى  28/ 127 ،مصدر سابق.

[93] -  إحياء علوم الدين 2/479 .

[94] -  سنن أبي داود / كتاب الأدب /باب التشديد في الكذب/ح4337.

[95] - شرح صحيح مسلم للنووي 2/ 25.

[96] - سورة النساء  الآية 34 .

[97] - فتح القدير 1/740 مصدر سابق .

[98] - انظر: الحسبة في الإسلام لابن تيمية 38 .

[99] - سورة المائدة الآية 32 .

[100] - الحسبة في الإسلام لابن تيمية 39 ، والسياسة الشرعية لابن تيمية 53.

[101] - نصاب الاحتساب 100 مصدر سابق .

[102] - سورة النساء الآية 140.

[103] - انظر: فتح الباري 6/2640 .

[104] - سورة التوبة الآية 118 .

[105] - فتح لقدير 2/584 .


الحسبة في النظام الإسلامي

 الحلقة الخامسة: مصطلحات ذات دلالات وعلاقة بمصطلح الحسبة

 للأخ الأستاذ إدريس محمد عثمان
 

                                
 مفهوم الحسبة الذي اتسعت دائرة اختصاصاته بتطور المجتمع الإسلامي ونموه ، اتصل بمفاهيم أخرى من مبادئ النظام الإسلامي تشاركه في أداء وظيفة  المبدأ العام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خصوصية كل في سياقه التطبيقي  ومن أهم هذه المصطلحات القضاء وقضاء المظالم والحسبة بينهما كما يقول الماوردي:"الحسبة واسطة بين القضاء والمظالم "[1] ونظرا لهذه الطبيعة التكاملية بين هذه المصطلحات والمفاهيم  لابد من عقد موازنات تميز كلا في سياقه العملي :
                    أولاً : الحسـبــة والقــضـاء

     كما سبق تعريف الحسبة وبيان معانيها ودلالاتها ، أشير هنا إلي المعنى اللغوي  والمعنى الاصطلاحي للقضاء، فهو في اللغة له معان كثيرة إلا أن ما آلت إليه أقوال أهل اللغة هو :" إتمام الشيء قولا وفعلا ." [2]

 أما في الاصطلاح : فقد عرفه ابن راشد بأنه : "الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام "[3] وعرفه فقهاء الشافعية بقولهم : القضاء هو فصل الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى "[4] ومن هذه التعريفات يتبين أن القضاء هو الإخبار والإفصاح عن حكم الله تعالى وإظهار الحق المدعى به بين الخصوم مع إلزامهم له،فالقضاء كما يقول ابن خلدون "من الوظائف الداخلة تحت الخلافة لأنّه منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي  وقطعا للتنازع إلاّ أنّه بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة "[5]

     أمّا أدلة مشروعيته من الكتاب والسنة فقد وردت في العديد من الآيات التي توجب الحكم والقضاء أذكر منها على سبيل المثال :-

1- قوله تعالى : } إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً {[6]

 2- وقوله تعالى :} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً  {[7]

 3- وقوله تعالى : } لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ{[8]

     فهذه النصوص وغيرها تبين أنّ الأصل في القضاء والحكم بين الناس إنما يكون بما أنزل الله تعالى في كتابه وقد وردت في السنة النبوية الشريفة القولية والفعلية مشروعية القضاء ، فقد تولى النبي e القضاء بنفسه في كثير من الخصومات وعين القضاة في الأمصار البعيدة عن دار الهجرة من ذلك ما رواه معاذ بن جبل t أنّ رسول الله e لما بعثه إلى اليمن قَالَ : كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ . قَالَ : فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ e قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ e وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ . قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو ،فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ e صَدْرَهُ وَقَالَ :الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ."[9] فالقضاء "باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "كما أن الحسبة كذلك قاعدتها وأصلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالرغم مما بينهما من صلات في تحقيق هذا المبدأ إلا أنهما يختلفان من وجوه في الاختصاص فهناك وجهان توافق فيهما الحسبة القضاء ، ووجهان تخالفه فيهما ، ووجهان تنفرد بهما الحسبة ولا يتعرض لهما القضاء.[10]  

  التوافق بين الحسبة والقضاء :

 1- توافق الحسبة القضاء في كون المحتسب يجوز له سماع دعوى المستعدى ويكون ذلك في ثلاثة أنواع من الدعاوى التي تتعلق إما بمنكر ظاهر وهو منصوب لإزالته أو اختصاصه بمعروف بيّن هو مندوب إلي إقامته ، وذلك لأن موضوع الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها ، وليس للناظر فيها الحق في أن يتجاوز ذلك إلي الحكم الناجز ، والفصل البات ، والدعاوى التي للمحتسب النظر فيها هي :

أ-أن يكون الموضوع المتنازع فيه يتعلق ببخس أو تطفيف في كيل أو وزن .

ب -أن يكون الموضوع المتنازع فيه يتعلق بغش أو تدليس في بيع أو ثمن .

ج- أن يكون الموضوع المتنازع فيه مطل أو تأخير لدين مستحق مع المكنة من وفائه .

2- وتوافق الحسبة القضاء في كون المحتسب يجوزله إلزام المدعى عليه بالخروج من الحق الذي عليه وهو أمر خاص في الحقوق التي جازله سماع الدعوى فيها ، وإذا وجبت باعتراف أو إقرار مع تمكّنه وإيساره  فيلزم المقر الموسر الخروج عنها ، ودفعها إلى مستحقيها ؛ لأن في تأخيره لها منكراً وهو منصوب لإزالته.[11]

فالحسبة على هذين الوجهين تشترك مع أحكام القضاء فيكون التكامل بين الولايتين في الدعاوى السابقة  وربما يكون هذا ما قصده ابن خلدون بقوله :" وكأنها أحكام يتنزه القاضي عنها لعموميتها  وسهولة أغراضها فتدفع إلى صاحب هذه الوظيفة   المحتسب  ليقوم بها ، فوضعها على ذلك أن تكون خادمة للقضاء " [12]

أمّا كون الحسبة عند ابن خلدون وظيفة ينزه عنها القاضي بدعوى العمومية والسهولة فغير مسلم به ذلك أنه لا قوام للحسبة دون فقه بما يؤمر به وينهى عنه من شؤون الدين والدنيا وهذا مما ليس بشأن عمومي هين ،كما أن كلا من الحسبة والقضاء يعتبر وظيفة شرعية جليلة معتبرة ،وقد تكون الحسبة عينية على القاضي إذا لم يقم بها غيره ،وعلى رأي الإمام ابن تيمية أن اختصاص المحتسب كان يتسع ويضيق باختلاف العرف والأحوال والبلاد فعموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ ، والأحوال والعرف وليس لذلك حد في الشرع فقد يدخل في ولاية القضاة في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحسبة.[13]

 وجها المخالفة بين الحسبة والقضاء :-

أ  ـ عدم توجه الحسبة إلى سماع عموم الدعاوى  الخارجة عن ظواهر المنكرات مثل : دعاوى العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات ، فلا يجوز للمحتسب أن يسمع فيها الدعاوى ولا يتعرض للحكم فيها إلا إذا كلف بذلك بنص صريح وعندها يجمع المكلف بين الحسبة والقضاء ، ويراعى في تعيينه عندئذ أن يكون من أهل الاجتهاد الشرعي والعرفي .[14]

 وقد فرقوا بين الاجتهاد الشرعي والعرفي بأنّ الاجتهاد الشرعي هو ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالشرع والاجتهاد العرفي ما ثبت حكمه بالعرف لقوله تعالى] خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين َ{ [15] ويتضح الفرق بينهما بتميز ما يسوغ فيه اجتهاده إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها.[16]

ب  ــ الحسبة مقصورة على الحقوق المعترف بها ، أمّا ما يتداخله التجاحد والتنا كر فالمحتسب لا يجوز له النظر فيه .[17]

 الوجهان اللذان تنفرد فيهما الحسبة عن القضاء:-

 (أ)- يجوز للناظر في الحسبة أن يتصفح ويتعرض لما يأمر به من المعروف ، وينهى عنه من المنكر ، وإن لم يحضره خصم ، وليس للقاضي أن يتعرض لأمر من اختصاصاته إلا بحضور خصم يجوزله سماع الدعوى منه .

 (ب)-  ولمّا كان أمر الحسبة متعلق بمحاربة المنكرات  الظاهرة ، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالغلظة في بعض المنكرات تجوزا فيها كما يقول ابن الأخوة " الحسبة موضوعة على الرهبة ، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزا فيها ولاخرقا في منصبه ، وله أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلي إنكارها ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته وليس ذلك إلى غيره".[18] وهذا بخلاف  القضاء  فهو بالأناة والوقار أخص  للفصل في الأمور التي يكون فيها المنكر خفيا.

خلاصة القول : أن غاية الحسبة والقضاء حفظ النظام ودفع الضرر ونصرة المظلوم ، وأداء الحق إلى مستحقيه ، ورد الظالم عن ظلمه وإصلاح بين الناس وتخليص لبعضهم من بعض وذلك من أبواب القرب.[19]

ثانياً : الحـسـبـة وقضــاء الـمـظــالم :-

    ولاية النظر في المظالم يعرفها بعض الفقهاء بأنها " قود  المتظالمين إلي التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة "[20]ويقول ابن خلدون : النظر في المظالم وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ، ونصفة القضاء وتحتاج إلي علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين ، وتزجر المعتدى وكأنه يمضى ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه"[21]وعلى هذا فقاضي المظالم عمله ليس قضائيا فحسب  بل هو قضائي وتنفيذي فقد يعالج الأمور الواضحة بالتنفيذ فيرد الحق لصاحبه بشتى الطرق والوسائل وطرق الإثبات في أحكام المظالم تغاير أحكام القضاء فبينما القاضي لا يحكم إلا بالبينات يصح لناظر المظالم أن يحكم بالأمارات وقد ذكر الفقهاء أوجه الخلاف بين ناظر المظالم والقاضي فقالوا:"يسوغ لوالي المظالم أن يفسح في ملازمة الخصوم إذا وضحت أمارات التجاحد ويلزم بإلزام الكفالة فيما يسوغ فيه التكفل لينقاد الخصوم إلى التناصف ويعدلوا عن التجاحد والتكاذب ، وأنه يسمع شهادات من لم تثبت عدالتهم ، ولم يثبت فسقهم  وذلك يخرج عن عرف القضاة العاديين من أنهم لا يقبلون إلا شهادة المعدلين ، ولأنّ نظرهم أحيانا يكون في مسائل الحسبة يجوز أن يبتدأ باستدعاء الشهود ويسألهم عما عندهم في تنازع الخصوم بينما القضاة لابد أن يسبق الإثبات الدعوى ."[22]

 وبناء على هذا يمكن القول : بأن قضاء المظالم يدخل في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو القاعدة الأصل التي تجمع بين الحسبة والقضاء وقضاء المظالم  إلا أنهما يفترقان في الخصوصيات التطبيقية وإن تشابها من بعض الوجوه ، ولعل ذلك يتضح من الآتي :

  وجه التشابه بين الحسبة وقضاء المظالم :-

 أ-أن كلا من نظام الحسبة وقضاء المظالم موضوعهما مستقر على الرهبة ، المختصة بالسلطة ، وقوة الصرامة ، وخاصة فيما يتعلق بالمنكرات الظاهرة .

ب- جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح ، والتطلع إلى إنكار العدوان الظاهر ولو لم يكن ثمة مُسْتعدٍ.[23]

 أوجه التباين بين الحسبة وقضاء المظالم : -

1 – أن من اختصاص قضاء المظالم أن ينظر فيما عجز عنه كل من القضاة والحسبة لذا كانت رتبة المظالم أعلى منهما ومن هنا جاز لوالي المظالم أن يوقع للقضاة والمحتسبين والمحتسب لا يوقع  لأحد منها فكانت للناظر في المظالم مهابة مع البسطة في العلم يقف بها أمام طغيان الولاة ، ومظالم الأقوياء وقد ذكر الفقهاء في وصفه أنّ "لناظر المظالم من فضل الهيبة وقوة اليد ما ليس للقضاة في كف الخصوم عن التجاحد ، ومنع الظلمة من التغالب والتجاذب "[24]وقالوا أيضا "من شروط الناظر في المظالم أن يكون جليل القدر نافذ الأمر عظيم الهيبة ظاهر العفة قليل الطمع كثير الورع ؛ لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة ، وتثبت القضاة ، فاحتاج إلى الجمع بين صفتي الفريقين"[25]

2 – يجوز لقاضي المظالم أن يحكم وليس للمحتسب ذلك .

3 – يجب على قاضي المظالم التأني في الحكم ، وله حق تأجيل الحكم إذا احتاج إلي تحقيق في موضوع النزاع أما المحتسب فإن فصله في النزاع يجب أن يكون آنيا.[26]

خلاصة القول : أن المحتسب لا يصدر أحكاما ، وإنما يوجد حلولا عملية للمشكلات التي تحدث بين المتنازعين ، شريطة أن لا يكون فيها تناكر أوتجاحد ، أو إثبات حق  أما إن وجد فيها  ذلك فهي من اختصاص القضاء ، أو قضاء المظالم كل حسب اختصاصه  وهذه النظم الثلاثة تتكامل في تحقيق مقاصد الشارع الحكيم ، وهي تسير في خطوط متوازية ثم تلتقي في نهايتها على هدف واحد وهو تطبيق الشريعة الإسلامية ونشر العدل في حياة المجتمعات الإسلامية .

خصـوصيات الأصول الشـرعيـة

      وضعت الأصول الشرعية من أجل تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل فكان من أهمّ مقاصدها حفظ الضروريات المتفق على رعايتها في جميع الشرائع وهي : الدين  والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال ؛ " لأنّ مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها ، بحيث لو إنخرم الدين لم يبق للدنيا وجود من حيث الإنسان المكلف ، ولا للآخرة من حيث ما وعد بها فلو عدم الدين عدم ترجي الجزاء المرتجى  ولو عدم الإنسان لعدم من يتدين ، ولو عدم العقل لارتفع التدبير ولو عدم النسل لم يكن البقاء عادة ولو عدم المال لم يبق عيش. "[27] لكل ذلك وضعت الشريعة أصولا وقواعد في قوانينها ونظمها تحفظ المصالح الدنيوية والأخروية على حد سواء ، وتفردت في ذلك بخصوصيات تشريعية منها:-

 أولاً : خاصية المرجعية الثابتة للأصول والقواعد الشرعية في النظام الإسلامي  وهي قائمة على قواعد الكتاب والسنة ، وهذا يكسبها جملة خصائص كالاستمرارية والكمال والشمولية بخلاف التشريعات الوضعية التي لا تتصف بهذه الخصائص .

ثانياً : القواعد الشرعية مبنية على دفع الضرر وهو من أهم القواعد التي يبنى عليها نظام الحسبة في دفع المنكرات سواء أكانت دينية أم دنيوية ، لتحقيق المصالح ودفع المفاسد وتمثل الحسبة في ذلك صورة تطبيقية لقوله e: " لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ."[28]

ثالثاً : تتسم الأصول الشرعية بيسرها وقلة تكاليفها ، فليس في أحكام القرآن الكريم أو السنة النبوية شئ مما يعسر على الناس وتضيق به صدورهم ، ودلّ على ذلك الكثير من الآيات القرآنية وأقوال النبي e وأفعاله التي تعد قواعد تشريعية ، ومن الأصول القرآنية الدالة على اليسر وقلة التكاليف ، قوله تعالى: } مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ { [29] وجاء في بيانها: " أنّ ما نفاه الله تعالى من الحرج في هذه الآية قاعدة من قواعد الشريعة  وأصل من أعظم أصول الدين ، تبنى عليه وتتفرع عنه مسائل كثيرة ، وقد أطلق هنا نفي الحرج ، والمراد به أولا وبالذات ما يتعلق بأحكام الآية ، أو بما تقدم من الأحكام  وثانيا وبالتبع : جميع أحكام الإسلام ." [30]

رابعاً : تجمع الأصول الشرعية بين الأصالة والثبات ، وبين المرونة والتطور ، فالأصالة والثبات في الأصول والأهداف والغايات والمرونة ومواكبة التطور في الفروع الاجتهادية  وهذه الخاصية تعتمد عليها  أصول النظام الإسلامي في استيعاب كل جديد ووضعه في قوالب وقواعد الشريعة بإرجاعه إلى المصادر الشرعية وقد يلاحظ ذلك في المجالات التطبيقية للحسبة ، ولكن قبل ذلك أشير إلى أهم خصوصيات النظام الإسلامي بعد تعريفه وبيان مفهومه .


[1]   - الأحكام السلطانية  245 ، مصدر سابق .

[2]  -  الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية لأبى البقاء الكفوي 4/8 مصدر سابق.

[3] - تبصرة الحكام لابن فرحون 1/8 /مطبعة مصطفى الحلبي / مصر /1378هـ-1958م.

[4] - مغني المحتاج للشربينى 4 /371 / مطبعة مصطفى أحمد / مصر 977هـ.

[5] - المقدمة  لابن خلدون 243 ، مصدر سابق .

[6]  - سورة النساء الآية 105.

[7]  - سورة النساء الآية 58

[8]  - سورة الحديد الآية 25.

 9  -  سنن أبي داود /كتاب الأقضية /باب اجتهاد الرأي في القضاء/ح3119

[10] - انظر : الأشباه والنظائر للسيوطي 646 /ط 3 / مؤسسة الكتب الثقافية / بيروت / 1419 هـ  1998م.

[11] - انظر : الأحكام السلطانية للما وردي 241 ، والأحكام السلطانية للفراء 285  .

[12] - المقدمة لابن خلدون  249 .

[13] - الحسبة في الإسلام لابن تيمية 13

[14] - انظر : الأحكام السلطانية للما وردى 242 ، والأحكام السلطانية للفراء 286 .

[15] - سورة الأعراف 199.

[16] - انظر: معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة 13  / ط1/ دار الحداثة / بيروت –لبنان / 1990م.

[17] - انظر :  المصدر نفسه 242.

[18]  - معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة  15، وأنظر : الأحكام السلطانية للما وردى ، 241.

[19]  - انظر : المغنى  لابن قدامة 11/373 / دار الكتب العلمية / بيروت / دون تاريخ . 

[20]  - الأحكام السلطانية للما وردى 86 .

[21] - المقدمة لابن خلدون  245 .

[22]- الأحكام السلطانية لأبى يعلى الفراء 64 .

[23]- انظر : الأحكام السلطانية للما وردى 273 / والذخيرة  للقرافي / تحقيق :محمد بوخبزة 10/48 /ط1/ دار الغرب الإسلامي /بيروت /1994م .

[24] - الأحكام السلطانية والولايات الدينية ، لأبي يعلى الفراء 58/ تصحيصح وتعليق : محمد حامد الفقي / دار الكتب العلمية بيروت 1403م.

[25] - المصدر السابق 63 .

[26]  -انظر : الأحكام السلطانية للما وردى 273 ، والذخيرة للقرافي 10/48 .

[27] - بدائع السلك في طبائع الملك 2/201 / الدار العربية للكتاب / ليبيا – تونس / دون تاريخ .

[28] - موطأ مالك/كتاب الأقضية/باب القضاء في المرفق/ح1234 .

 [29] - سورة المائدة الآية 6.

[30]- تفسير المنار لمحمد عبدة ،جمعه الشيخ محمد رشيد رضا 6/269 /ط2/ بيروت/ دون تاريخ.



الحسبة في النظام الإسلامي

للأخ الأستاذ إدريس محمد عثمان

الحلقة الرابعة: المجال التطبيقي للحسبة

تعريف مجال الحسبة

       إذا كان لكلّ موضوع في البحث العلمي مجال يحدد مقدماته ، وأهدافه وغاياته التي ترسم ملامحه ، فالحسبة كذلك لها مجالاتها التطبيقية ، وأهدافها ومقاصدها ، وقد حظيت مباحث الحسبة وتفريعاتها باهتمام متميز في مصنفات أعلام التفسير وشراح السنة  وأئمة الفقه ؛ ويرجع سبب ذلك كله إلى أنّ تلك المؤسسة تعبر تعبيرا صادقا  عن وعي الإنسان تجاه نفسه وتجاه مجتمعه وتجاه دينه. وقد يجد المطلع على كتب الحسبة التطبيقية سعة في مجالات الحسبة وشموليتها لكثير من قضايا العقيدة والأخلاق والشريعة وقد وضع لها العلماء القواعد التشريعية باستنباطهم الأحكام الجزئية من القواعد الكلية لتحقيق ما يجد من المصالح إذا لم يكن ورد بشأنه نص خاص به ، أو نظير يقاس عليه أولم ينعقد عليه الإجماع ،تحقيقا للمصالح الاجتماعية المتجددة بتجدد صور الحياة ، وقد أقروا أنه لا يجوز إهمال مصالح الدولة أو الأمة أو الأفراد دون تحقيقها بوسائل عملية اجتهادية إذا لم يكن لهذه المصالح ثمة نصوص خاصة بها في التطبيق.[1]

ولتحديد مجال الحسبة أسرد بعض أراء العلماء الذين اعتبروا الحسبة مبدأ شرعيا  ووظيفة دينية ، تحفظ في إطاره مصالح الفرد والمجتمع والأمة ، ومن أهمّ هذه الآراء ما ذهب إليه الماوردي الذي أكد أن الحسبة من القواعد الدينة التي لا يسقط حكمها [2] وقد أشار ابن خلدون إلى الجانب التأصيلي الشرعي وإلى الصور التطبيقية بقوله : " الحسبة وظيفة دينية ، من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين  يعين لذلك من يراه أهلا له ، فيتعين فرضه عليه ، ويتخذ الأعوان ، على ذلك "[3] ،ويرى ابن تيمية أن للحسبة مجالات دينية ومدنية واسعة من خلال تحديده لوظائف المحتسب الذي كان له " الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر  مما ليس من خصائص الولاة ، والقضاة ، وأهل الديوان ونحوهم ، فكان يأمر بالصلوات الخمس في مواقيتها ويعاقب من لم يصل بالضرب والحبس ، ... ويأمر بالجمعة والجماعات ، وبصدق الحديث ، وأداء الأمانات ، وينهى عن المنكرات  من الكذب والخيانة ، وما يدخل في ذلك من تطفيف المكيال ، والميزان ، والغش في الصناعات ، والبياعات والديانات والغش في النقود أو الجواهر أو العطر...وإبرام عقود الربا والميسر وممارسة التدليس والاحتكار ."[4] وإلى قريب من هذا البيان يذهب القلقشندي[5] الذي يرى تعدد المجالات في الحسبة  فيقول :" هي وظيفة جليلة رفيعة الشأن وموضوعها التحدث في الأمر والنهي والتحدث على المعايش والصنائع والأخذ على يد الخارج عن طريق الصلاح في معيشته وصناعته ... وهذه الوظائف لا حصر لعددها على التفصيل ولا سبيل إلى استيفاء ذكرها على تفاوت المراتب "[6]

ومن آراء العلماء السالفة يمكن تحديد مجال الحسبة بالقول : هو كلّ مجال افتقد إلى المعروف ، أو طرأ عليه منكر تحقيقا للعدل، والفضيلة ، وتطبيقا للمبادئ المقررة في الشرع الإسلامي . 

    وبناء على التعريف السابق تشمل الحسبة في مجالها التطبيقي مبدأ الأمر بالمعروف  والنهي عن المنكر  كما في أصولها الشرعية  }  كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ {[7] فهذه الآية تبيّن قاعدتها وأصلها التشريعي ، ومجالها التطبيقي في حماية المجتمع عن جميع أشكال الفساد ، والانحراف في حياة الفرد والمجتمع وذلك تمهيدا لبناء الإنسان بناء فكريا وروحيا وسلوكيا ، وتنظيم المجتمع تنظيما قانونيا  وأخلاقيا وروحيا متماسكا .[8]

وعلى ضوء هذا المفهوم الشامل للمجال التطبيقي للحسبة يتضح الخط الإسلامي تجاه رصد حركة الواقع إيجابا وسلبا، وفي النظام الإسلامي تعتبر كلّ الأعمال المشينة منكرات ، سواء تعلقت بالعقيدة ، كالمساس بحرمة الدين بدعا أو تشويها أو تحريفا أم مجال المعاملات المدنية اقتصادية كانت أو اجتماعية مما يؤثر في العلاقات الإنسانية ولهذا كان مجال الحسبة أكثر سعة في تحقيق الإشراف ، والرقابة على الأنشطة المختلفة سواء أكانت أنشطة الأفراد أم أنشطة لعمال الدولة ورجالها ومجال الحسبة أكثر مرونة من حيث إمكانية تعقب كلّ ما يظهر في المجتمع من آثام مع اختلاف أنواع الإثم ودرجاته ، وتنوع درجة الآثمين ، وأكثر مرونة في تعدد أساليب الاحتساب التي تتبع لتواجه أيا من هذه الأنواع والدرجات والمراتب .[9]

 وإذا كان التشريع في مجال الحسبة يهدف إلى تقويم سلوك الفرد والمجتمع فإنه يجب على الأمة أن " ترصد المعروف والمنكر في المجال التطبيقي للإسلام لتتحمل مسؤولية الأمر بالأول والنهي عن الثاني بكلّ الإمكانات المتاحة لها في منطقة الشعور الداخلي بالرفض النفسي للمنكر ، والتعاطف الروحي مع المعروف  وهو ما يعبر عنه بالتغيير بالقلب ، أو منطقة التعبير بإطلاق الكلمة القوية التي تؤيد أو ترفض وهو التغيير باللسان ، أو في مجال المواجهة بالدخول إلى صميم الواقع والضغط عليه بشدة وهو ما يعبر عنه بالتغيير باليد "[10] لمنع الفساد الذي نهى الله عنه بقوله تعـالى : } وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ { [11] ولفظ  الفساد عام  وهو بذلك يتضمن كلّ إفساد قل أو كثر  والقصد بالنهي هو على العموم  وتخصيص شيء دون شيء تحكم إلاّ أن يقال على وجه المثال .[12] ويدخل في هذا النهي – لا تفسدوا في الأرض – دفع الفساد الديني والأخلاقي والاجتماعي ، بوسائل النهي المترتبة على مقاصد الشارع "وإن أفضل الوسائل مترتبة على أفضل المقاصد  والأمر بالمعروف وسيلة إلي تحصيل ذلك المعروف ، والنهي عن المنكر وسيلة إلى دفع مفسدة ذلك المنكر  فالأمر بالإيمان أفضل من كل أمر ، والنهي عن الكفر أفضل من كل نهي ، والنهي عن الكبائر أفضل من النهي عن الصغائر  والنهي عن كلّ كبيرة أفضل من النهي عمّا دونها ، وكذلك الأمر بما تركه كبيرة أفضل من الأمر بما تركه صغيرة ، ثمّ تترتب فضائل الأمر والنهي على رتب المصالح والمفاسد."[13]

وبترتيب أولويات المقاصد الشرعية يكون مجال الحسبة أكثر شمولية في دفع المنكرات الفردية والجماعية ، سواء أكانت دينية تتعلق بأمر الاعتقاد أم أخلاقية أو اجتماعية ويلتقي في هذا الترتيب الوازع الداخلي الإيماني مع التشريع ، والرقابة الخارجية للحسبة في دفع المنكرات .

مصطلحات ذات دلالات وعلاقات بمصطلح الحسبة

     مفهوم الحسبة الذي اتسعت دائرة اختصاصاته بتطور المجتمع الإسلامي ونموه ، اتصل بمفاهيم أخرى من مبادئ النظام الإسلامي تشاركه في أداء وظيفة  المبدأ العام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع خصوصية كل في سياقه التطبيقي  ومن أهم هذه المصطلحات القضاء وقضاء المظالم والحسبة بينهما كما يقول الماوردي:"الحسبة واسطة بين القضاء والمظالم "[14] ونظرا لهذه الطبيعة التكاملية بين هذه المصطلحات والمفاهيم  لابد من عقد موازنات تميز كلا في سياقه العملي .

أولاً : الحسـبــة والقــضـاء:-

     كما سبق تعريف الحسبة وبيان معانيها ودلالاتها ، أشير هنا إلي المعنى اللغوي  والمعنى الاصطلاحي للقضاء، فهو في اللغة له معان كثيرة إلا أن ما آلت إليه أقوال أهل اللغة هو :" إتمام الشيء قولا وفعلا ." [15]

   أما في الاصطلاح : فقد عرفه ابن راشد بأنه : "الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام "[16] وعرفه فقهاء الشافعية بقولهم : القضاء هو فصل الخصومة بين خصمين فأكثر بحكم الله تعالى "[17] ومن هذه التعريفات يتبين أن القضاء هو الإخبار والإفصاح عن حكم الله تعالى وإظهار الحق المدعى به بين الخصوم مع إلزامهم له،فالقضاء كما يقول ابن خلدون "من الوظائف الداخلة تحت الخلافة لأنّه منصب الفصل بين الناس في الخصومات حسما للتداعي  وقطعا للتنازع إلاّ أنّه بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة "[18]

      أمّا أدلة مشروعيته من الكتاب والسنة فقد وردت في العديد من الآيات التي توجب الحكم والقضاء أذكر منها على سبيل المثال :-

1- قوله تعالى : } إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً {[19]

 2- وقوله تعالى :} إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً  {[20]

 3- وقوله تعالى : } لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ{[21]

      فهذه النصوص وغيرها تبين أنّ الأصل في القضاء والحكم بين الناس إنما يكون بما أنزل الله تعالى في كتابه وقد وردت في السنة النبوية الشريفة القولية والفعلية مشروعية القضاء ، فقد تولى النبي e القضاء بنفسه في كثير من الخصومات وعين القضاة في الأمصار البعيدة عن دار الهجرة من ذلك ما رواه معاذ بن جبل t أنّ رسول الله e لما بعثه إلى اليمن قَالَ : كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ قَالَ أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ . قَالَ : فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ e قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ e وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ . قَالَ أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو ،فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ e صَدْرَهُ وَقَالَ :الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ."[22] فالقضاء "باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "كما أن الحسبة كذلك قاعدتها وأصلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وبالرغم مما بينهما من صلات في تحقيق هذا المبدأ إلا أنهما يختلفان من وجوه في الاختصاص فهناك وجهان توافق فيهما الحسبة القضاء ، ووجهان تخالفه فيهما ، ووجهان تنفرد بهما الحسبة ولا يتعرض لهما القضاء.[23]  

  التوافق بين الحسبة والقضاء :

 1- توافق الحسبة القضاء في كون المحتسب يجوز له سماع دعوى المستعدى ويكون ذلك في ثلاثة أنواع من الدعاوى التي تتعلق إما بمنكر ظاهر وهو منصوب لإزالته أو اختصاصه بمعروف بيّن هو مندوب إلي إقامته ، وذلك لأن موضوع الحسبة إلزام الحقوق والمعونة على استيفائها ، وليس للناظر فيها الحق في أن يتجاوز ذلك إلي الحكم الناجز ، والفصل البات ، والدعاوى التي للمحتسب النظر فيها هي :

أ-أن يكون الموضوع المتنازع فيه يتعلق ببخس أو تطفيف في كيل أو وزن .

ب -أن يكون الموضوع المتنازع فيه يتعلق بغش أو تدليس في بيع أو ثمن .

ج- أن يكون الموضوع المتنازع فيه مطل أو تأخير لدين مستحق مع المكنة من وفائه .

2- وتوافق الحسبة القضاء في كون المحتسب يجوزله إلزام المدعى عليه بالخروج من الحق الذي عليه وهو أمر خاص في الحقوق التي جازله سماع الدعوى فيها ، وإذا وجبت باعتراف أو إقرار مع تمكّنه وإيساره  فيلزم المقر الموسر الخروج عنها ، ودفعها إلى مستحقيها ؛ لأن في تأخيره لها منكراً وهو منصوب لإزالته.[24]

فالحسبة على هذين الوجهين تشترك مع أحكام القضاء فيكون التكامل بين الولايتين في الدعاوى السابقة  وربما يكون هذا ما قصده ابن خلدون بقوله :" وكأنها أحكام يتنزه القاضي عنها لعموميتها  وسهولة أغراضها فتدفع إلى صاحب هذه الوظيفة   المحتسب  ليقوم بها ، فوضعها على ذلك أن تكون خادمة للقضاء " [25]

أمّا كون الحسبة عند ابن خلدون وظيفة ينزه عنها القاضي بدعوى العمومية والسهولة فغير مسلم به ذلك أنه لا قوام للحسبة دون فقه بما يؤمر به وينهى عنه من شؤون الدين والدنيا وهذا مما ليس بشأن عمومي هين ،كما أن كلا من الحسبة والقضاء يعتبر وظيفة شرعية جليلة معتبرة ،وقد تكون الحسبة عينية على القاضي إذا لم يقم بها غيره ،وعلى رأي الإمام ابن تيمية أن اختصاص المحتسب كان يتسع ويضيق باختلاف العرف والأحوال والبلاد فعموم الولايات وخصوصها وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ ، والأحوال والعرف وليس لذلك حد في الشرع فقد يدخل في ولاية القضاة في بعض الأمكنة والأزمنة ما يدخل في ولاية الحسبة.[26]

 وجها المخالفة بين الحسبة والقضاء :-  

أ  ـ عدم توجه الحسبة إلى سماع عموم الدعاوى  الخارجة عن ظواهر المنكرات مثل : دعاوى العقود والمعاملات وسائر الحقوق والمطالبات ، فلا يجوز للمحتسب أن يسمع فيها الدعاوى ولا يتعرض للحكم فيها إلا إذا كلف بذلك بنص صريح وعندها يجمع المكلف بين الحسبة والقضاء ، ويراعى في تعيينه عندئذ أن يكون من أهل الاجتهاد الشرعي والعرفي .[27]

 وقد فرقوا بين الاجتهاد الشرعي والعرفي بأنّ الاجتهاد الشرعي هو ما روعي فيه أصل ثبت حكمه بالشرع والاجتهاد العرفي ما ثبت حكمه بالعرف لقوله تعالى] خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين َ{ [28] ويتضح الفرق بينهما بتميز ما يسوغ فيه اجتهاده إذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها.[29]

ب  ــ الحسبة مقصورة على الحقوق المعترف بها ، أمّا ما يتداخله التجاحد والتنا كر فالمحتسب لا يجوز له النظر فيه .[30]

 الوجهان اللذان تنفرد فيهما الحسبة عن القضاء:-

 (أ)- يجوز للناظر في الحسبة أن يتصفح ويتعرض لما يأمر به من المعروف ، وينهى عنه من المنكر ، وإن لم يحضره خصم ، وليس للقاضي أن يتعرض لأمر من اختصاصاته إلا بحضور خصم يجوزله سماع الدعوى منه .

 (ب)-  ولمّا كان أمر الحسبة متعلق بمحاربة المنكرات  الظاهرة ، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالغلظة في بعض المنكرات تجوزا فيها كما يقول ابن الأخوة " الحسبة موضوعة على الرهبة ، فلا يكون خروج المحتسب إليها بالسلاطة والغلظة تجوزا فيها ولاخرقا في منصبه ، وله أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلي إنكارها ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته وليس ذلك إلى غيره".[31] وهذا بخلاف  القضاء  فهو بالأناة والوقار أخص  للفصل في الأمور التي يكون فيها المنكر خفيا.

خلاصة القول : أن غاية الحسبة والقضاء حفظ النظام ودفع الضرر ونصرة المظلوم ، وأداء الحق إلى مستحقيه ، ورد الظالم عن ظلمه وإصلاح بين الناس وتخليص لبعضهم من بعض وذلك من أبواب القرب.[32]

ثانياً : الحـسـبـة وقضــاء الـمـظــالم :-

    ولاية النظر في المظالم يعرفها بعض الفقهاء بأنها " قود  المتظالمين إلي التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة "[33]ويقول ابن خلدون : النظر في المظالم وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ، ونصفة القضاء وتحتاج إلي علو يد وعظيم رهبة تقمع الظالم من الخصمين ، وتزجر المعتدى وكأنه يمضى ما عجز القضاة أو غيرهم عن إمضائه"[34]وعلى هذا فقاضي المظالم عمله ليس قضائيا فحسب  بل هو قضائي وتنفيذي فقد يعالج الأمور الواضحة بالتنفيذ فيرد الحق لصاحبه بشتى الطرق والوسائل وطرق الإثبات في أحكام المظالم تغاير أحكام القضاء فبينما القاضي لا يحكم إلا بالبينات يصح لناظر المظالم أن يحكم بالأمارات وقد ذكر الفقهاء أوجه الخلاف بين ناظر المظالم والقاضي فقالوا:"يسوغ لوالي المظالم أن يفسح في ملازمة الخصوم إذا وضحت أمارات التجاحد ويلزم بإلزام الكفالة فيما يسوغ فيه التكفل لينقاد الخصوم إلى التناصف ويعدلوا عن التجاحد والتكاذب ، وأنه يسمع شهادات من لم تثبت عدالتهم ، ولم يثبت فسقهم  وذلك يخرج عن عرف القضاة العاديين من أنهم لا يقبلون إلا شهادة المعدلين ، ولأنّ نظرهم أحيانا يكون في مسائل الحسبة يجوز أن يبتدأ باستدعاء الشهود ويسألهم عما عندهم في تنازع الخصوم بينما القضاة لابد أن يسبق الإثبات الدعوى ."[35]

 وبناء على هذا يمكن القول : بأن قضاء المظالم يدخل في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو القاعدة الأصل التي تجمع بين الحسبة والقضاء وقضاء المظالم  إلا أنهما يفترقان في الخصوصيات التطبيقية وإن تشابها من بعض الوجوه ، ولعل ذلك يتضح من الآتي :

  وجه التشابه بين الحسبة وقضاء المظالم :-

 أ-أن كلا من نظام الحسبة وقضاء المظالم موضوعهما مستقر على الرهبة ، المختصة بالسلطة ، وقوة الصرامة ، وخاصة فيما يتعلق بالمنكرات الظاهرة .

ب- جواز التعرض فيهما لأسباب المصالح ، والتطلع إلى إنكار العدوان الظاهر ولو لم يكن ثمة مُسْتعدٍ.[36]

 أوجه التباين بين الحسبة وقضاء المظالم : -

1 – أن من اختصاص قضاء المظالم أن ينظر فيما عجز عنه كل من القضاة والحسبة لذا كانت رتبة المظالم أعلى منهما ومن هنا جاز لوالي المظالم أن يوقع للقضاة والمحتسبين والمحتسب لا يوقع  لأحد منها فكانت للناظر في المظالم مهابة مع البسطة في العلم يقف بها أمام طغيان الولاة ، ومظالم الأقوياء وقد ذكر الفقهاء في وصفه أنّ "لناظر المظالم من فضل الهيبة وقوة اليد ما ليس للقضاة في كف الخصوم عن التجاحد ، ومنع الظلمة من التغالب والتجاذب "[37]وقالوا أيضا "من شروط الناظر في المظالم أن يكون جليل القدر نافذ الأمر عظيم الهيبة ظاهر العفة قليل الطمع كثير الورع ؛ لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة ، وتثبت القضاة ، فاحتاج إلى الجمع بين صفتي الفريقين"[38]

2 – يجوز لقاضي المظالم أن يحكم وليس للمحتسب ذلك .

3 – يجب على قاضي المظالم التأني في الحكم ، وله حق تأجيل الحكم إذا احتاج إلي تحقيق في موضوع النزاع أما المحتسب فإن فصله في النزاع يجب أن يكون آنيا.[39]

 خلاصة القول : أن المحتسب لا يصدر أحكاما ، وإنما يوجد حلولا عملية للمشكلات التي تحدث بين المتنازعين ، شريطة أن لا يكون فيها تناكر أوتجاحد ، أو إثبات حق  أما إن وجد فيها  ذلك فهي من اختصاص القضاء ، أو قضاء المظالم كل حسب اختصاصه  وهذه النظم الثلاثة تتكامل في تحقيق مقاصد الشارع الحكيم ، وهي تسير في خطوط متوازية ثم تلتقي في نهايتها على هدف واحد وهو تطبيق الشريعة الإسلامية ونشر العدل في حياة المجتمعات الإسلامية خصـوصيات الأصول الشـرعيـة

      وضعت الأصول الشرعية من أجل تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل فكان من أهمّ مقاصدها حفظ الضروريات المتفق على رعايتها في جميع الشرائع وهي : الدين  والنفس ، والعقل ، والنسل ، والمال ؛ " لأنّ مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها ، بحيث لو إنخرم الدين لم يبق للدنيا وجود من حيث الإنسان المكلف ، ولا للآخرة من حيث ما وعد بها فلو عدم الدين عدم ترجي الجزاء المرتجى  ولو عدم الإنسان لعدم من يتدين ، ولو عدم العقل لارتفع التدبير ولو عدم النسل لم يكن البقاء عادة ولو عدم المال لم يبق عيش. "[40] لكل ذلك وضعت الشريعة أصولا وقواعد في قوانينها ونظمها تحفظ المصالح الدنيوية والأخروية على حد سواء ، وتفردت في ذلك بخصوصيات تشريعية منها:-

 أولاً : خاصية المرجعية الثابتة للأصول والقواعد الشرعية في النظام الإسلامي  وهي قائمة على قواعد الكتاب والسنة ، وهذا يكسبها جملة خصائص كالاستمرارية والكمال والشمولية بخلاف التشريعات الوضعية التي لا تتصف بهذه الخصائص .

 ثانياً : القواعد الشرعية مبنية على دفع الضرر وهو من أهم القواعد التي يبنى عليها نظام الحسبة في دفع المنكرات سواء أكانت دينية أم دنيوية ، لتحقيق المصالح ودفع المفاسد وتمثل الحسبة في ذلك صورة تطبيقية لقوله e: " لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ."[41]

 ثالثاً : تتسم الأصول الشرعية بيسرها وقلة تكاليفها ، فليس في أحكام القرآن الكريم أو السنة النبوية شئ مما يعسر على الناس وتضيق به صدورهم ، ودلّ على ذلك الكثير من الآيات القرآنية وأقوال النبي e وأفعاله التي تعد قواعد تشريعية ، ومن الأصول القرآنية الدالة على اليسر وقلة التكاليف ، قوله تعالى: } مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ { [42] وجاء في بيانها: " أنّ ما نفاه الله تعالى من الحرج في هذه الآية قاعدة من قواعد الشريعة  وأصل من أعظم أصول الدين ، تبنى عليه وتتفرع عنه مسائل كثيرة ، وقد أطلق هنا نفي الحرج ، والمراد به أولا وبالذات ما يتعلق بأحكام الآية ، أو بما تقدم من الأحكام  وثانيا وبالتبع : جميع أحكام الإسلام ." [43]

 رابعاً : تجمع الأصول الشرعية بين الأصالة والثبات ، وبين المرونة والتطور ، فالأصالة والثبات في الأصول والأهداف والغايات والمرونة ومواكبة التطور في الفروع الاجتهادية  وهذه الخاصية تعتمد عليها  أصول النظام الإسلامي في استيعاب كل جديد ووضعه في قوالب وقواعد الشريعة بإرجاعه إلى المصادر الشرعية وقد يلاحظ ذلك في المجالات التطبيقية للحسبة ، ولكن قبل ذلك أشير إلى أهم خصوصيات النظام الإسلامي بعد تعريفه وبيان مفهومه .


[1] - انظر : على سبيل المثال أهمّ كتب المجالات التطبيقية التي وضعت قواعد تشريعية خاصة بالحسبة منها : نهاية الرتبة في طلب الحسبة  لعبد الرحمن بن نصر الشيزري ، وقد حذا حذوه مؤلف كتاب   معالم القربة في أحكام الحسبة  محمد بن محمد المعروف بابن الأخوة ثمّ جاء ابن بسام وهو محمد بن احمد فأطلق على كتابه اسم كتاب الشيزري السابق  نهاية الرتبة في طلب الحسبة  هذه نماذج من مشرق العالم الإسلامي ، أمّا في المغرب الإسلامي فأقدم كتاب أشار إليه الباحثون هوكتاب  أحكام السوق  ليحي بن عمر و آداب الحسبةلأبي عبد الله المعروف بالسقطي المالقي .

[2] - انظر:  الأحكام السلطانية 258 ،مصدر سابق

[3]  - المقدمة لابن خلدون 249  ،مصدر سابق .

[4] - مجموع الفتاوى لابن تيمية 28 /69 /ط /دار عالم الكتب / الرياض/ السعودية / 1412هـ 1991م.

[5]  -  هو أحمد بن علي بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ، المحب بن العلاء القلقشندي الأصل ، القاهري  الشافعي ،توفي       821هـ  من أشهر تصانيفه صبح الأعشى في قوانين الإنشاء . انظر : الضوء اللامع للسخاوي 2/7  والأعلام للزركلي 1/77 .     

[6]  - صبح الأعشى للقلقشندى ، تحقيق :د. يوسف علي 4/37 /ط1/دار الفكر/ دمشق / 1987م.

[7]- سورة آل عمران الآية 110 .

[8]- انظر : أشرف الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحسان عبد الله 141/مقال في  مجلة الثقافة الإسلامية / المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية / دمشق /41/ 1412هـ - 1992م .

[9]- انظر: مؤسسات الدولة في النظم الإسلامية لطارق البشري 86/ مقال في  مجلة منبر الحوار  / دار الكوثر / بيروت/ 1410هـ - 1989م .

[10] - أشرف الفرائض 141 ،مرجع سابق .

[11] - سورة الأعراف الآية 56.

[12]- انظر : المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية الأندلسي / تحقيق، المجلس الأعلى بفاس 5/522 / ط1/ وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالمغرب/ 1397هـ 1977م.

[13]- الفوائد في اختصار المقاصد للعز بن عبد السلام ، تحقيق : إياد خالد الطباع 140/دار الفكر المعاصر/   بيروت /1996 م.

[14]   - الأحكام السلطانية  245 ، مصدر سابق .

[15]  -  الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية لأبى البقاء الكفوي 4/8 مصدر سابق.

[16] - تبصرة الحكام لابن فرحون 1/8 /مطبعة مصطفى الحلبي / مصر /1378هـ-1958م.

[17] - مغني المحتاج للشربينى 4 /371 / مطبعة مصطفى أحمد / مصر 977هـ.

[18] - المقدمة  لابن خلدون 243 ، مصدر سابق .

[19]  - سورة النساء الآية 105.

[20]  - سورة النساء الآية 58

[21]  - سورة الحديد الآية 25.

 -  سنن أبي داود /كتاب الأقضية /باب اجتهاد الرأي في القضاء/ح3119 [22]

[23] - انظر : الأشباه والنظائر للسيوطي 646 /ط 3 / مؤسسة الكتب الثقافية / بيروت / 1419 هـ  1998م.

[24] - انظر : الأحكام السلطانية للما وردي 241 ، والأحكام السلطانية للفراء 285  .

[25] - المقدمة لابن خلدون  249 .

[26] - الحسبة في الإسلام لابن تيمية 13

[27] - انظر : الأحكام السلطانية للما وردى 242 ، والأحكام السلطانية للفراء 286 .

[28] - سورة الأعراف 199.

[29] - انظر: معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة 13  / ط1/ دار الحداثة / بيروت –لبنان / 1990م.

[30] - انظر :  المصدر نفسه 242.

[31]  - معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة  15، وأنظر : الأحكام السلطانية للما وردى ، 241.

[32]  - انظر : المغنى  لابن قدامة 11/373 / دار الكتب العلمية / بيروت / دون تاريخ . 

[33]  - الأحكام السلطانية للما وردى 86 .

[34] - المقدمة لابن خلدون  245 .

[35]- الأحكام السلطانية لأبى يعلى الفراء 64 .

[36]- انظر : الأحكام السلطانية للما وردى 273 / والذخيرة  للقرافي / تحقيق :محمد بوخبزة 10/48 /ط1/ دار الغرب الإسلامي /بيروت /1994م .

[37] - الأحكام السلطانية والولايات الدينية ، لأبي يعلى الفراء 58/ تصحيصح وتعليق : محمد حامد الفقي / دار الكتب العلمية بيروت 1403م.

[38] - المصدر السابق 63 .

[39]  -انظر : الأحكام السلطانية للما وردى 273 ، والذخيرة للقرافي 10/48 .

[40] - بدائع السلك في طبائع الملك 2/201 / الدار العربية للكتاب / ليبيا – تونس / دون تاريخ .

[41] - موطأ مالك/كتاب الأقضية/باب القضاء في المرفق/ح1234 .

[42] - سورة المائدة الآية 6.

[43]- تفسير المنار لمحمد عبدة ،جمعه الشيخ محمد رشيد رضا 6/269 /ط2/ بيروت/ دون تاريخ.

 
 الحلقة الأولــــى  

 

الحلقة الأولى:الحسبة في النظام الإسلامي أصولها وتطبيقاتها العملية - مقدمة

للأخ الأستاذ إدريس محمد عثمان

      الحمد لله الذي أنزل الكتاب على عبده ورسوله بالقسط ولم يجعل له عوجا ،والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المجاهدين محمد صلى الله عليه وسلم، الذي صدع بالحق فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة صابرا محتسبا ابتغاء مرضاة الله تعالى،  فَصَلِّ اللهم وسَلِّمْ عليه وعلى آله وصحبه ومن سلك طريقه في الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة وهدي القرآن الكريم ونهج النبوة القويم . أما بعد ،

     فإنّ موضوع الحسبة في النظام الإسلامي مرتبط بأهمّ القضايا الجوهرية المتعلقة بإصلاح العمق الاجتماعي في عقيدته وأخلاقه وسلوكه ، و في عموم نظم حياته ،وهو موضوع خطير، والبحث فيه شائق وفيه متعة ،كما قال أحد الباحثين، شائق لأنّه يمتّ بصلة إلى التاريخ الإسلامي في تلك الحقبة من عصور الإسلام الزاهرة ويدلي برحم وشيجة ترتبط بحكمة التشريع الإسلامي ، وتؤكد شرعة التعاون والتناصر بين بني الإنسان الذين ورثوا آدم خليفة الله في أرضه ليستمتع بما آتاه الله من فضله ، في المدى الذي قدر لبقاء العالم في تلك الحياة الدنيا .[1]

     والسر في تشريع الحسبة في الإسلام أنّ الناس لا تتم مصالحهم إلاّ بالاجتماع والتعاون على جلب المنافع  ودفع المضار ،وأنهم محتاجون دائما إلى نظام يسيرون على هديه وسلطة تحرص على تحقيق هذا النظام في حياة المجتمع ،لأن " كل بني آدم لا تتم مصلحتهم لا في الدنيا ولا في الآخرة إلاّ بالاجتماع والتعاون والتناصر ؛ فالتعاون على جلب منافعهم ، والتناصر لدفع مضارهم ؛ فإذا اجتمعوا فلابد لهم من أمور يفعلونها يجتلبون بها المصلحة  وأمور يجتنبونها لما فيها من مفسدة ويكونون مطيعين للآمر بتلك المقاصد ، والناهي عن تلك المفاسد … وإذا كان لابد من طاعة آمر وناهٍ ، فمعلوم أن دخول المرء في طاعة الله ورسوله خير له ، وهو الرسول النبي الأمي المكتوب في التوراة والإنجيل ، الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث وذلك هو الواجب على جميع خلق الله تعالى "[2]

  فالحسبة في الإسلام مبنية على أصل من أصول الإسلام العظيمة وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي وصف الله به المسلمين بقوله : ] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ { [3]

وقد اهتمّ به سلف الأمة قولا وعملا ، فحقق الله الفتح على أيديهم ، ونشروا دعوة الحق في تلك البقاع الواسعة من العالم وتحقق لهم ما وعد الله به المؤمنين في قوله تعالى:] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ { [4]

     ولكن لمّا استهانت الأمة بهذه الفريضة تقهقرت عن ركب الحضارة والتقدم في نظمها وقوانينها التي استحدثتها من النظم الوضعية التي تقوم على أسس وأصول استغنت عن الحسبة وأصولها ، وجعلت السلطة كلها نابعة من السلطة الوضعية المطلقة .فترتب على ذلك كله أنّ صار احترام القوانين وقوتها في نفسية الفرد المسلم والمجتمع المسلم عائد إلى أنها صادرة عن الدولة فحسب ولها قوة الإلزام البشري ،ولا بحث وراء ذلك عن العدالة والحق والبحث عن القيم الإسلامية السامية .أمّا الوضع في الإسلام فإن الأساس الذي يرتكز عليه النظام الإسلامي كله ـ في جميع نواحيه ـ هو الإيمان بالله تعالى وهو يقوم على العمل بما أنزل الله تعالى من نصوص الكتاب والسنة وتحري المصالح والمقاصد الشرعية التي يدور الاجتهاد في إطارها.

     والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمفهوم الشامل تكليف ومسؤولية جماعية وفرض عين بقدر الوسع،ورقابة على حسن تنزيل القيم الإسلامية وبسطها على الواقع وهي نوع من منهج التقويم الدائم والمراجعة المستمرة والتسديد لكل خطوة نحو المفهوم الصحيح للمبادئ الإسلامية ،فهي المنهج الذي يوقظ روح الأمة ، ويضمن استمرارها ويحول دون خرابها وانقراضها بتسترها على الخطأ، وفي ذلك ما فيه من شيوع الظلم والانحراف.

      فقد جاءت الشريعة الغراء بأحكام تحفظ مصالح الإنسانية كلها : من دين ونفس وعقل ونسل ومال  وكل أحكام الشريعة في هذا الخصوص إنما هي أوامر ونواه للحفاظ على هذه الكليات الأصول المجمع على حمايتها في جميع الشرائع، والحسبة إنما شرعت في النظام الإسلامي للتحقق من تطبيق هذه الأوامر واجتناب النواهي في السلوك والمعاملات الاجتماعية.

   ورسالة الإسلام تستهدف في إصلاحها ما يشمل العقيدة والشريعة والأخلاق  وذلك بتوجه الفرد والمجتمع إلى الإيمان والعمل الصالح ، وبذلك ينتشر المعروف وينحسر المنكر ،ويندثر الظلم والبغي والعدوان والفساد في الأرض لتتحقق غاية الحسبة وهي غاية عالمية خالدة ،وهي في بعدها الإيماني ليست آنية يتوقف وجودها وإقرارها على وجود نظام بعينه. وهي في النظام تهدف إلى حفظ مقاصد الشريعة التي تشمل الضروريات والحاجيات والتحسينيات ، وبهذا شملت رسالة الإسلام الحياة الروحية والمادية  الفردية والجماعية ،ورسمت من الأصول ، والقواعد ، والضوابط ، ما هو كفيل بحل المشكلات المتجددة في الحياة الإنسانية بأصولها الثابتة وقواعدها المرنة ومناهجها المتعددة الوسائل في تحقيق المقاصد ودرء المفاسد .

     وقد شرع الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل حماية مقاصد الشريعة في الخلق ،فجعله تارة أمراً كفائيا ،وتارة عينيا حتى لا يشق على عباده ، وعلى هذا النهج التشريعي الموافق للفطرة الإنسانية السليمة سار النبي  e في تطبيق قواعد الشريعة وآدابها ، ثم سار على نهجها الصحابة رضوان الله عليهم وتبعهم على منوالهم التابعون ، ومن بعدهم إلى عصرنا الحاضر حتى تبقى خاصية الخيرة التي وصفت بها هذه الأمة في قوله تعالى : ] كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ[[5] ،وما تمت هذه الفضيلة للأمة إلا بعد تحقيق الصفات المذكورة في الآية كما قال سيدنا عمر t في حجة حجها فرأى من الناس منكرا فقرأ الآية السابقة ثم قال:" من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها"[6]

      وقد أمر الله تعالى بالقيام بواجب الاحتساب بصيغة الوجوب على الأمة لما يترتب عليه من حفظ مقاصد  الشريعة وغاياتها ، فقال تعالى: ]وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[[7]، وقال النبي e "مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الأِيمَانِ."[8]

 ومن ثمّ اتفقت كلمة المجتهدين من السلف والخلف على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسبة لله تعالى بلا خلاف من أحد منهم.[9] فتطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين ."[10]

 وقد كان لدعاة الإسلام أساليب ومناهج متعددة ،في بيان فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولكنهم يجتمعون في دائرة الإقتداء،والاقتباس من منهج الرسول الكريم e فجعل الله تعالى لجهودهم ثمارا أصبحت من الكنوز التي تفخر بها هذه الأمة في الحسبة والاحتساب ،وفي الدعوة إلى الإيمان بوحدانية الله عزّ وجل وهو الغاية والقضية الأساسية الكبرى التي تقوم عليها كل قواعد الشريعة ونظمها ، فكان أوّل ما اعتنى به الرسول  e والمؤمنون دعوة الناس إلى الخير الذي أراده الله للناس كافة ،} وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ { [11]وهذا المقصد لا يتم كماله إلا بتطبيق أصول الإسلام وفروعه على واقع الحياة ، وكما يقول الإمام الغزالي ـ رحمه الله ـ  "إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين وهو الأمر المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ، ولو طوي بساطه وأهمل عمله ، لتعطلت النبوة ، واضمحلت الديانة وعمت الفترة ، وفشت الضلالة ، وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق ، وخربت البلاد ، وهلك العباد ، ولم يشعروا بالهلاك إلاّ يوم التناد."[12]

وواقع الأمة الإسلامية خير شاهد على انحراف أغلب المسلمين عن الدين الحق وانتشار المنكرات حتى جاهر بالمعاصي العصاة ،بل أصبحت الفضيلة عند بعض الناس أمرا مستغربا ، وأصبح الآمر بالمعروف يستهزأ به في بعض المجتمعات، وغاب مفهوم الحسبة عن أذهان الأجيال التي تربت على تشريعات النظم الوضعية التي لا تعير اهتماما لما هو حق لله تعالى ،وبهذا غابت الحقيقة القرآنيّة المركزيّة التي تؤكّد قوّة العلاقة القائمة بين أصول الإسلام وتشريعاته وبين مقاصده وغاياته ،كما في قوله تعالى : } الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ{ [13]وهذا الأصل يدل دلالة واضحة على الهدف والغاية عند تمكين الأمة من حفظ شعائر الله وحدوده ومقاومة الشر والفساد ، باعتباره واجب منوط بالدولة.

      وممّا لاشكّ فيه أنّ المصطفى e كان أوّل من عمل بمفهوم هذه الآيات ودعا الصحابة رضوان الله عليهم ، والناس جميعاً إلى كلّ ما ينضوي تحت أهدافها الجزئيّة والكليّة وهي كثيرة لا حصر لها في حياة الفرد والمجتمع والأمّة وسيأتي التمثيل لها في ثنايا البحث.

 أهمية الموضوع وأسباب اختياره :-

      إنّ أهمية موضوع الحسبة تكمن في كونها أصلا شرعيا من أصول الإسلام الذي تتعدد أهدافه وغاياته في النظام الإسلامي وفق مقتضيات الأحوال والأزمان، ومن ثمّ برز ت في النظام الإسلامي كأحد أهمّ تطبيقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،وعرفت بذلك عند أغلب الفقهاء، واعتبرت الحسبة في النظام الإسلامي ولاية دينية واجبة يقوم ولي الأمر ـ الحاكم ـ بمقتضاها يتم تعيين من يتولى مهمة الأمر بالمعروف إذا أظهر الناس تركه ،والنهي عن المنكر إذا أظهر الناس فعله صيانة للمجتمع من الانحراف،وحماية للدين من الضياع ، وتحقيقا لمصالح الناس الدينية والدنيوية وفقا لقواعد الشريعة ومبادئها.

      وتأتي أهمية الحسبة في النظام الإسلامي لتحقيق شرعة التعاون على البر والتقوى حتى يتمكن الجميع من القيام بواجب الخلافة في الأرض ،وتحقيق الغاية الأساسية من خلق الإنسان ، وهي إفراد الله تعالى بالعبودية المطلقة في كل ما أوجبه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهو واجب يتطلب وسائل بيان المنهج في إلزام المجتمع بضوابط الشريعة ـ فيما أمر الله به وما نهى عنه ـ وهذا أمر تكليف ليس بهيّن ولا بيسير ؛ وذلك بالنظر إلى طبيعته،وصدامه بشهوات الناس ونزواتهم ، ومنافع بعضهم وغرور بعضهم وكبريائهم ،ففيهم الجبّار الغاشم  وفيهم الحاكم المتسلّط ، وفيهم الهابط الذي يكره الصعود  وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد ، وفيهم المنحل الذي يكره الجدّ وفيهم الظالم الذي يكره العدل ،وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة وفيهم من ينكرون المعروف ويعرفون المنكر ، وقد ظهرت كل هذه الأصناف في واقع الأمة المعاصر ،وغاب عن أذهان الأجيال الناشئة مفهوم الحسبة والاحتساب ، وأهميته ودوره في القضاء على المنكرات وإزالتها حماية لمقاصد الشريعة وآدابها وتعمل الحسبة على تهيئة المجتمع لقبول النظام الإسلامي ؛وذلك بتدعيم الفضائل وإنمائها ،وبإعداد المؤمن الإيجابي الذي ينتمي بشعوره  للأمة ويسعى إلى حماية مبادئها وقيمها ،ويحرص على رعاية حقوق الأمة التي أمر الله برعايتها وهي مقاصد الشريعة وقيمها الروحية والمادية .

      وبناء على ما سبق رأيت اختيار موضوع "الحسبة في النظام الإسلامي أصولها الشرعية وتطبيقاتها العملية " لعلي بذلك أسهم في إبراز دور هذا النظام في حماية قيم المجتمع الإسلامي الروحية والمادية .

الدراسات السابقة :-

     الإشارة إلى موضوع الدراسات السابقة لدراسة أيّ موضوع تحتلّ مركزاً متميّزاً بالنسبة للموضوع  ومجالاته وقضاياه ، وموضوعاته ، والحسبة في مصادر التراث الإسلامي التاريخيّة وكتب التفاسير والفقه والكتابات المستقلّة احتلّت مكاناً كبيراً نظراً لارتباطها بمسيرة الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة ، إلاّ أنّ أغلب هذه الدراسات المستقلّة من كتب التراث قد ضاعت كما تشير إلى ذلك موسوعة الحضارة العربيّة الإسلاميّة ، ولكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى ما نشر منها أو ما هو مخطوط أشارت إليه المصادر التي نقلت عنها سواء أكانت كتبا أم رسائل أفردت للحسبة ، أم مؤلفات تحدثت عن الحسبة ضمن موضوعاتها الفقهية  أم التاريخية ، أم الموسوعية - ومن هذه المصادر:

أولاً : من أقدم الكتب التي تناولت الموضوع  كتاب أحكام السوق ليحيى بن عمر ( ت : 289 هـ) وكتاب الاحتساب للإمام الزيدي (ت 304هـ ) الناطق بالحق، الناصر للحق والأحكام ، وكتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر أحمد بن هارون المعروف بالخلال (ت:311هــ )، وكتاب إحياء علوم الدين للإمام الغزالي الذي أفرد لها فصلاً مفصلاً في كتابه بعنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،وكتاب الأحكام السلطانيّة للما وردي المتوفى ( 450 هــ )،وفي آداب الحسبة، للسقطي المالقي       (ت : 500 هـ )،ورسالة في القضاء والحسبة لابن عبدون الإشبيلي  (ت : 541 هـ ) ، وكتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة للشيزري  (ت :589هـ )، وهو المصدر الذي اعتمده المؤلّفون في كتاباتهم، ممّن جاؤوا بعده وقد عنون بعضهم بنفس العنوان : ككتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة لابن بسّام المحتسب حوالي القرن السابع الهجري  ، ومعالم القربة في أحكام الحسبة لمحمّد بن محمد بن أحمد القرشي المعروف بابن الأخوة (ت : 729 هـ ) ، ثم جاء السماني فألف كتابه نصاب الاحتساب ، لخص فيه مجمل القضايا التي تناولتها المصادر السابقة ،وقد توالت بعد ذلك الدراسات المستقلة التي أفردت لها عناوين متقاربة في أغلبها ومنها: رسالة الحسبة في الإسلام للإمام ابن تيمية (ت: 728هـ) المتفرّدة عن هذه المؤلّفات في تأصيلها للحسبة وإن كان فيها تقليد لمنهج الماوردي في التأليف من حيث المنهجيّة  وسار على نهجه تلميذه الإمام ابن القيّم (ت : 751 هـ)  في كتابه : الطرق الحكمية في السياسة الشرعيّة ، فتناول الحسبة ضمن أبواب كتابه .

 ومن الكتب الموسوعية التى تناولت الحسبة ،كتاب :نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري (ت:733هـ) وكتاب صبح الأعشى في صناعة الأنشاء للقلقشندي (ت:820هـ.)

 ومن كتب التاريخ كذلك ،مقدمة عبد الرحمن بن خلدون (ت:808هـ) وإغاثة الأمة بكشف الغمّة للمقريزي (ت:845هـ).

هذه بعض المؤلفات التراثية التي تناولت الحسبة ، وربما إحصاء مصادر الحسبة في التراث الإسلامي إحصاءا دقيقا صعب إن لم يكن غير ممكن وذلك لسببين :-

الأول :– كثرة المصادر التي تناولت الحسبة في التراث الإسلامي .

الثاني : وجود بعض مصادر الحسبة في التراث المخطوط وفقدان بعضها . وبالرغم من ذلك يمكن تصنيف هذه المصادر التراثية مخطوطها ومطبوعها إلي  قسمين :

أ- المصادر التي تناولت الحسبة في فصول ونبذ وهي أغلب مصادر التراث.

ب- المصادر التي تخصصت في الحسبة وأفردت لها مؤلفات مستقلة.

وهذه المؤلّفات مع قيمتها العلميّة لم يظهر أثرها في ثقافة الناس و ربما يرجع السبب في ذلك إلى عاملين أساسيين 

أوّلهما : بعد المجتمعات الإسلاميّة عن المفاهيم و المصطلحات التي أنتجها التراث الفكري للحضارة الإسلاميّة ، وهذا يعدّ في ذاته غربة عن مفهوم القيم الإسلاميّة .

ثانيهما : فقدان أغلب المصادر التراثية وتناثر بعض موضوعات الحسبة ضمن أسفار ضخمة يصعب الوصول إليها من قبل العامة .

     و بناء على ما أشرت إليه ، فإنّ الدراسات التاريخية السابقة تعدّ مصادر انطلاق لهذا البحث في كثير من قضاياه مرورا بما جد من دراسات حديثة وبهذا سيكون ضم الطارف للتليد إسهاما مفيدا دون أن يكون في ذلك تكرار مخل بموضوع البحث في النقل عن هذه المصادر إن شاء الله.

 ثـانيـاً: أمّا الدراسات والبحوث المعاصرة عن الحسبة ، فهي عديدة وهي تتناول موضوع الحسبة من جوانب مختلفة ومتفرقة ،أشير إلى بعض الأبعاد التي تفترق فيها هذه الدراسة عنها في الآتي:-

أولاً: ولاية الحسبة في الإسلام د : عبد الله محمد عبد الله و هي أطروحة دكتوراه ، نوقشت في الأزهر الشريف ، وقد ركزت على الولاية كإحدى المؤسسات السياسية البارزة في تاريخ المسلمين ، وهذا المجال بالرغم من أهميته إلاّ أنّ الحسبة فريضة شرعية شاملة ،وأمر القيام بها غير محصور على الجانب التاريخي دون غيره من المجالات والجوانب الإنسانية والاجتماعية بعامة . وقد حاولت أن أبين العلاقة بين البعد التاريخي الحضاري ومستويات الواقع المعاصر الذي يتطلب أمر الحسبة : سواء أكانت متمثلة في النظام والسلطة والولاية أم الحسبة العامة التي لا تسقط عن الأمة إلا بالأداء ، وإني لم أتتبع الفترة التاريخية لتجربة الولاية كما في هذه الدراسة وإنما اكتفيت بنموذج عصر النبوة والخلفاء الراشدين في تطبيقات نظام الحسبة والتأصيل لها.

ثانيا: الحسبة المذهبيّة في بلاد المغرب العربي نشأتها وتطورّها ، لموسى لقبال وهي رسالة " ماجستير" نوقشت في جامعة الجزائر ،وهي تمثل دراسة تاريخية للحسبة في المغرب الإسلامي ، ولكنها اختزلت المغرب الإسلامي في الجزائر والأندلس بالرغم من سعة مفهوم المصطلح وشموله للعديد من أقطار المغرب الإسلامي . وهذا فيما أعتقد يعد قصورا فيها من الناحية المنهجية .

     ولعل الفارق بين هذه الدراسات والدراسة التي أرمي إليها تكمن في أن هذه الأخيرة دراسة تأصيلية واقعية نقدية معاصرة ، ولا ينفصل عنها الجانب التاريخي في أنموذجه الأمثل في تطبيق نظام الحسبة .


[1] -  انظر : الحسبة في الإسلام لأحمد المراغي 693/ مقال في مجلة الأزهر 1/2/1346هـ.

[2] - الحسبة في الإسلام لابن تيمية 1/دار الحداثة / بيروت/1995م.

[3] -  سورة آل عمران الآية110

[4] - سورة النور الآية 55.

[5] - سورة آل عمران 110

[6] - جامع البيان عن تأويل آي القرآن 4/43/دار الفكر / بيروت/1405هـ .

[7] - سورة آل عمران الآية 104

[8] - صحيح مسلم /كتاب الإيمان/ باب كون النهي عن المنكر من الإيمان/ح70 .

[9] - انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم تحقيق:محمد إبراهيم نصر 4/171 /ط1/ مكتبة عكاظ/السعودية/1402هـ - 1982م.

[10] - صحيح مسلم بشرح النووي 2/22

[11] - سورة الذاريات الآية 56

[12] - إحياء علوم الدين للغزالي 2/333 /ط1/دار قتيبة /بيروت /1412هـ 1992م.

 [13] - سورة  الحج الآية41.  


الحلقة الثانية: التعريف والتأصيل الشرعي

الحسبة وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

المبحث الأول: تعريف الحسبة لغة واصطلاحا.
التـــحـديـد اللغــوي لمصــطلح الحســبـة

     الحسبة في اللغة : بكسر الحاء وتسكين السين ، اسم من الاحتساب كالعدة من الاعتداد. والاحتساب مأخوذ من الحسب،وهو على معان عدة منها :

1 ـ العدد والحساب . يقال : حسبت الشيء أحسبه حسابا وحسبانا ، إذا عددته .[1] ومنه قول الله تعالى : } فَالِقُ الأِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ{ [2] وقوله تعالى :} وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً{ [3] ويندرج تحت هذا المعنى العد احتساب الإنسان الأجر عند الله تعالى إذا اعتد فيما يدخره عند الله تعالى وعليه حديث أبى بكر الصديق – t– إني أحتسب خطاي هذه ،أي أعدها في سبيل الله تعالي وفي الحديث قال رسول الله e : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ    ذَنْبِهِ"[4] ويقول  النبي e: " مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ."[5]

فدلت هذه الأحاديث على معنى احتساب الأجر عند الله وهو العد وفي البخاري : " إنما الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى . فدخل فيه الإيمان ، والوضوء والصلاة ،والزكاة والصوم ،والأحكام "[6] أي الأعمال الشرعية معتبرة بالنية والحسبة والمراد بالحسبة طلب الثواب . كما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه قال رسول الله e:" إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً. "[7]قوله يحتسبها  قال القرطبي : أفاد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يحصل بقصد القربة  سواء أكانت واجبة أو مباحة وأفاد مفهومه أن من لم يقصد القربة لم يؤجر ، لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة لأنها معقولة المعنى وأطلق الصدقة على النفقة مجازا والمراد بها الأجر"[8]

     أمّا الاعتداد في الأعمال المكروهة التي تنزل بالإنسان ، فيكون بالصبر والتسليم لأمر الله تعالى ، كما روى عن النبي e في تعزية ابنته أنه قال :" إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ " [9]

2 ـ من معاني الحسبة : الكفاية ،فيقال احتسب بكذا اكتفى به ومنه قول الله تعالى: }الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ { [10] وقوله تعالى: ] وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً{ [11] 

3 ـ من معاني الحسبة : الإنكار  ،فيقال أحتسب عليه : أي أنكر عليه قبيح عمله وتسمية الإنكار بالاحتساب " من قبيل تسمية المسبب بالسبب ؛لأن الإنكار على الغير سبب بإزالته وهو الاحتساب لان المعروف إذا ترك فالأمر بإزالة تركه أمر بالمعروف ، والمنكر إذا فعل  فالأمر بإزالته هو النهى عن المنكر."[12]

4 ـ من معاني الحسبة أيضا : التدبير . فيقال : فلان حسن الحسبة في الأمر أي حسن التدبيرله والنظر فيه وفق القوانين والأنظمة والمحتسب يقوم بتدبير خاص ، وهو تدبير تطبيق الشرع الإسلامي وهو أحسن وجوه التدبير .[13]

5 ـ من المجاز يقال : خرجا يحتسبان الأخبار :يتعرفانها كما يوضع الظن موضع العلم واحتسبت ما عند فلان : اختبرته وسيرته . كما ورد في الشعر:

     تقول نساء يحتسبن مودتي     ***    ليعلمن ما أخفى ويعلمن ما أبدى[14]

أي النساء يختبرن  ما عند الرجال من تصرفات والمحتسب ينظر في تصرفات الناس الظاهرة ويحكم عليها  ويقدم على تغيير المنكر منها بعد التدقيق والنظر في المآلات.

 ومما سبق يمكن إجمال معاني الحسبة في الآتي :

 أ )- العد والحساب .

ب )- طلب الأجر والثواب من الله والاكتفاء به .

ج  )- حسن التدبير في الأمور والنظر في مآلاتها .

د )- الإنكار .

هـ )- الاختبار والسبر .

التحليل الفقهي لمصطلح الحسبة

 تعددت تعريفات الحسبة الاصطلاحية تبعا لمدلولاتها اللغوية ، فقد عرفها جمهور الفقهاء بأنها أمر بالمعروف إذا ظهر تركه ، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله.[15]وأضاف الشيزري[16]وابن الأخوة[17]  في تعريفهما وإصلاح بين الناس  واعتقد أنهما لم يضيفا جديدا على تعريف الجمهور ، وهو يشمل كل ما أمر الشارع الحكيم به على سبيل الوجوب أو الندب ،كما يشمل كل ما نهى عنه الشارع الحكيم ،ويدخل في كل ذلك العقائد والعبادات والمعاملات.

وقال ابن خلدون[18] في تعريف الحسبة : بأنها وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر." [19] ،ويلاحظ أن هذه التعريفات تتقارب مع وضوح وإطلاق تعريف الجمهور.ثم يأتي تعريف  ابن تيميه[20]للحسبة من خلال تعريفه للمحتسب ومن ثم وضعه معيارا عاما يميز بين اختصاصاته واختصاصات الولاة والقضاة فيقول : " أما المحتسب فله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من اختصاص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم."[21] وهذا التعريف يلاحظ فيه أمران وهما:  الاختصاص والتقييد وهو ما ذهب إليه تلميذه الإمام ابن القيم[22]، حيث قال : " الحكم بين الناس في النوع الذي لا يتوقف على الدعوى هو المعروف بولاية الحسبة وقاعدته وأصله هو الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر."[23]

     ويأتي تعريف آخر مختصر وهو للإمام الغزالي[24] يقول فيه : " الحسبة عبارة شاملة للأمر بالمعروف  والنهى عن المنكر ." وقريب من هذا ما ذكره السماني في قوله  الحسبة في الشريعة : أمر عام تتناول كل مشروع يفعل لله تعالى ، كالآذان والإقامة ، وأداء الشهادة مع كثرة تعدادها ،  ولهذا قيل القضاء باب من أبواب الحسبة ، وقيل القضاء جزء من أجزاء الاحتساب "[25]وعرف الحسبة صاحب كشف الظنون تعريفا معتمدا على تبيان مهامها واختصاصاتها العامة من واقع فاعليتها في المجتمع ،   فقال :" علم الاحتساب :علم باحث عن الأمور الجارية بين أهل البلد من معاملاتهم التي لا يتم التمدن بدونها من حيث إجراؤها على القانون المعدل ، بحيث يتم التراضي بين المتعاملين ، وعن سياسة العباد بنهي عن المنكر وأمر بالمعروف ، وحيث لا يؤدي إلى مشاجرات وتفاخر بين العباد بحيث ما رآه الخليفة من الزجر والمنع ومباديه، بعضها نقص ،وبعضها أمور استحسانية ناشئة عن رأي الخليفة."[26] وهذا التعريف ربما قصد منه الحسبة التي توليها الدولة اهتماما ، فهو بذلك قصر الحسبة على الولاية ولا يدخل في هذا التعريف المحتسب المتطوع الذي يباشر الحسبة دون إذن الوالي.   

 فقد تبين مما سبق أن المعنى الاصطلاحي للحسبة لا يقتصر على تغيير المنكر الظاهر فحسب  وإنما يشمل كل ما يفعل ويراد به ابتغاء مرضاة الله تعالى كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصدقة والأذان ، والإقامة وأداء الشهادة ، والجهاد في سبيل الله ، وجميع أنواع البر ، ويؤيد ذلك العديد من الشواهد القرآنية والنبوية ، منها قول الله تعالى}وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ{[27] وقوله تعالى:} وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{ [28] وقوله تعال: } وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ{  [29]

 فهذه الآيات تبين أن أعمال المسلمين يجب أن تكون ابتغاء مرضاة الله تعالى ، وكما ورد في الحديث عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ t عَنْ النَّبِيِّ e قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ ثَلاَثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ وَالرَّامِيَ بِهِ وَمُنَبِّلَهُ ."[30] وقال e: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ السِّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إِلَى الْجَنَّةِ إِذَا احْتَسَبَتْهُ "[31] وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا غير مدبر أيكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم.  فهذه النصوص وغيرها مما سيأتي بيانه تدل على سعة مفهوم الحسبة وعدم اقتصارها على نوع معين من الأحكام.

     وبناء على ذلك وضع لها بعض المحدثين تعريفات اصطلاحية عدة لا تخرج في فحواها عن التعاريف السالفة ومن هذه التعريفات قولهم : "إن الحسبة رقابة إدارية تقوم بها الدولة عن طريق موظفين خاصين ، على نشاط الأفراد  في مجال الأخلاق والدين ، والاقتصاد ، تحقيقا للعدل ، والفضيلة ، وفقا للمبادئ المقررة في الشرع الإسلامي ، وللأعراف المألوفة في كل بيئة وزمن ."[32]

     وهذا التعريف قد يفهم منه بأن الحسبة مجرد رقابة إدارية تقوم بها الدولة على أنشطة الأفراد فحسب ،وهو خلاف لمفهوم الحسبة الشامل الذي لا يتوقف على رقابة الدولة وإنما يشمل رقابة أفراد المجتمع المسلم للمنكر والتصدي له ،وحماية القيم الإسلامية واجب على الجميع بقدر الطاقة التي يمتلكها كل مسلم ،أما الرقابة الإدارية فهي تمثل دور المحتسب المكلف .

ولعل في تعريف من قال :إن الحسبة هي : " فاعلية المجتمع المسلم في القيام بأعمال البر والخير وتغيير المنكر ، وفق السياسة الشرعية ، حماية لمقاصد الشريعة الإسلامية ."[33]أقرب إلى المعنى الشامل لتعريف جمهور الفقهاء المتقدمين.

 خلاصة القول : أن الحسبة تمثل الرقابة التطبيقية العامة على قيم المجتمع الإسلامي ، باعتبارها وظيفة دينية خلقية وقاعدتها وأصلها هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما قال بن القيم : وهي صفة وصف الله بها هذه الأمة ، وفضلها من أجل ذلك على سائر الأمم.[34] فقال الله تعالى : } كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُون{ [35] وهذا الأمر الإلهي الخاص بالأمة الإسلامية  يدخل فيه جميع ما أمر الله به وكلّ أنواع البر وهو من الاحتساب ، و المنكر تدخل فيه كل المعاصي المخالفة لقواعد الشريعة ونظامها ومن هنا يأتي التداخل بين مفهوم الحسبة وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فما هي طبيعة هذا التداخل ؟ لبيان ذلك يمكن عقد مقارنة بينهما.

الحسبة وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

            يلاحظ من  تعريفات الفقهاء لمصطلح الحسبة التطابق بينه وبين قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إلا أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أمر إلهي عام ورد في كل الشرائع السماوية وبه جاء المرسلون كما يقول ابن تيمية : " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله من الدين "[36] كما ذكر المفسرون في بيان قول الله  تعالى :} إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ {[37]  فهذه الآية دلت على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة وقد نزلت الآية في بنى إسرائيل لأنهم كانوا يقتلون من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.[38] وقد لعنهم الله تعالى بقوله: } لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ{ [39] فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصطلح قرآني يعبر عن مهمة الرسل  ووظيفة الأنبياء  وعلى أثر الأنبياء يقتدى فيهما لبيان نهج الإسلام وشريعته كما يقول السرخسي[40] "أحق ما يبدأ به في البيان الأمر والنهي ؛ لأن معظم الابتلاء بهما ، وعبر معرفتهما يتم معرفة الأحكام ، ويتميز الحلال والحرام. "[41] ومن هنا يمكن القول إن العلاقة بين هذا المبدأ والحسبة علاقة عموم وخصوص ، فالحسبة قد تكون قائمة ولا وجود للمنكر أما النهي عن المنكر ، فلا يكون إلاّ على اثر منكر واقع أو متوقع.

        فالحسبة تشمل مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتعد أدلة وجوبه أدلة للحسبة ،كما في قول الله تعالى : } وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ   {[42]وقوله تعالى : } وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ{ [43]وعلى هذا التوجيه القرآني تعتبر فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أصلاً شرعياً له تطبيقاته المختلفة ، بحيث يصبح إغفاله ليس مخالفة دينية فحسب ، بل إنه ينهي حيوية المجتمع الإسلامي ، وفاعلية الفرد المسلم ، فهو نظام يتأكد به دور الأمة كمرشد، ودور الجماعة الإسلامية كحارس، ودور الفرد المسلم باعتباره مسئولا مسئولية فردية أمام الله عن القيام بواجبه الديني والخلقي  والاجتماعي ليصبح جهاز رقابة ، ذات فاعلية خاصة ، والحسبة تبرز أهمية المسئولية الفردية ومكانتها في تطبيق قواعد الشرع الإسلامي ، فالفرد هنا مسئول مسئولية مزدوجة.[44] ولا تقتصر الحسبة على تغيير المنكر الظاهر الملاحظ في بعض التعريفات السابقة فحسب وإنما تشمل كل ما يفعل ويراد به وجه الله تعالى وهذا يبدو جليا في التوجيه النبوي فقد روي عن أم سلمة – رضي الله عنها – قالت : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e :إِذَا أَصَابَتْ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَقُلْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .اللَّهُمَّ عِنْدَكَ أَحْتَسِبُ مُصِيبَتِي فَآجِرْنِي فِيهَا وَأَبْدِلْ لِي بِهَا خَيْرًا مِنْهَا"[45] .

ويقول e : " إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَ