أهــلا وسهــلا بكم في موقــع الحــركة الإســلاميــة المغربيـــة
تحديث بتاريخ  04 ربيع الأول 1432هـ

 الصفحة الرئيسـيـة

 حلقات تفسير القرآن

 نداء المحبة

 الحركة الإسلامية المغربية
 نشأة وتطورا

 البيان التأسـيـسي

 التقريـر العـقــدي

 التقريــر السياسي

 رسالة المرشـد العام

 الدين النصيحة

 مقالات ودراسات إسلامية

 من قضايا الأمة

 مواقف وبيانات

 المنبر الحــر

 حـوار إســلامي

الشورى منهج حكم وتدبير
التشريع الشوروي في منطقة الفراغ التشريعي
المقاصد الشرعية في تدبير الشأن العام

 تفسير القرآن للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

موطأ الإمام مالك
في النظام السياسي:
 ثلاثية فقه الأحكام السلطانية
(الطبعة الثالثة)
تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك
بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في الفكر والدعوة
الصحراء المغربية
ملكية الأرض في الإسلام
حد السرقة بين الفهـم والتطبيق
ا ألأخلاق والتزكية فـي رحاب الكتاب والسنة

عرب وبربر مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله

 رسالة الإمام مالك إلى هارون الرشيد ( تحقيق وتخريج أحاديث)

  الحسبة  في النظام  الإسلامي: أصولها الشرعية وتطبيقاتها العمليةللأخ الأستاذ إدريس محمدعثمان 

  منهجية الفتوى في   المدرسة المالكية الأندلسية: الإمام االشاطبي نموذجا  للأخت الأستاذة دريد الزواوي

  الزاوية التاغية/ دار القرآن الكريم -  توثيق تاريخي للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

 

 مـــــن تحــــن

 اتصــــــل بنـــا

أرتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل

 
 

المنبـــر الحــــر

نفتتح هذه الصفحة للمفكرين والأدباء والكتاب من كافة الاتجاهات ضمن ضوابط الأخلاق السوية، وعدم تعبير ما ينشر عن رأينا أو اتجاهنا

      

          كتب

                  الأديب المغربي: أحمد بن الصديق

المقامة العقارية

 

حدثنا أبو المحاسن المراكشي قال:

في خِضم الحديث عن الشفافية، عُقدت ندوة صحفية، ترأسها نجم البنوك اللامع، بدرُ العقار الساطع، ومنعشُ السياحة البارز، مانح القروض بلا حاجز، فقال:

أيها الشباب الطامح، و يا أهل الفضول الجامح، بَلَغنِي عنكم قيلٌ و قال، وتداولتم أكثر من سؤال، عن عقار اقْتنيتُه وأنا مطمئن البال، فزَعمتُم أني دفعت سومة واهية، بينما قيمتُه في السوق غالية، فصِحْتم أين مبادئ الحكامة، وأين ضوابط الصرامة، و رفعتم للاستفهام علامة، واستنفرتم خطاب العنف والاتهام، كأني من لصوص المال العام، وقلتم هذا سريع الاغتناء، لم يصبر عند الابتلاء، فأتيتُكم واعتليتُ هذه المنصّة، لأحدثكم عن تفاصيل القصة، لتعلموا أنَّ ذِمَّتي سليمة، وأنِّي ما اقترفتُ أدنى جريمة، وإن ساوَرتْكُم شكوك وشبهات، فاسمعوا و أحسنوا الإنصات. 

كل ما في الأمر أني نظرت في تقلب الظروف والأوقات، و تعاقب الشهور والسنوات، فرأيت أيام عمري تمُرُّ تِباعا، فأردت أن أزيد نفسي متاعا، وأنتم تعلمون من التجارب، أمرَ هذه التعيينات و المناصب، بين خافض ورافع، ومنحدر وطالع، فهذا تألق اسمُه، وآخر قد أفَل نجمه، أنا اليوم رئيس بنك وقطب سياحة، فمن يضمن لي غدا أسباب الراحة، فتحَيَّنت الفرصة السانحة، لأظفر بالصفقة بالرابحة، حتى إذا وجدت ضالتي، أقسمتُ أن أسمِّن بسرعة ثروتي، فلبستُ  قبعتين، وصليت للرحمن الرحيم ركعتين، وانتقيت من أملاك البنك أحسن شُقَّتين، فاشتريتهما من شخصي و بعتهما لنفسي، وأعطيت التوجيهات والأوامر، لجبر بعض الخواطر، والشروع في تنفيذ كل المساطر، والملف أمامكم سليم ناصع كالجواهر. 

فسأله أحد الحضور: وهل وافق مجلس الرقابة و فحص الأرقام، أم دسَّ رأسه في الرمل كالنعام، و مرَّ على هذه العملية الغريبة مرَّ الكرام؟

و سأل آخر: ما سمعتُ قبل اليوم زبونا يشتري من نفسه، و يتفاوض مع رأسه، فيدفع حصة زهيدة، ويظفر بملايين عديدة، دون إعلان عن مناقصة، ولا شروط للمنافسة...

فأجاب الرئيس: أما مجلس الرقابة فقد وافق بالإجماع، على تفويتي ذلك المتاع، دون الحاجة لطويل إقناع، فلما طرحت عليهم الفكرة، حبذوها بلا ندم ولا حسرة، قالوا :

"يا صاحب الاسم الخالد، عَلَوْتَ رؤساء البنوك الأماجد، فأنقذْتَ البنك من براثن الإفلاس، وأصلحْتَ أحواله بكل مقياس، حتى أصبحَتْ تجارته رابحة، و حساباته سليمةً صالحة، فأخرجْتَه وحدَك من الأزمة و عالجْتَه من تلك الصدمة، فلئن استأثرتَ بشقتين فاخرتين فما هي رشوة غلفتها الوثائق أثوابا، أو خدعة لبست من القانون جلبابا، إنما اعترافٌ لك بالحنكة والكفاءة، و القدرة البناءة، فقد أحكمتَ تصميم البرامج و حصلتَ على جميل النتائج، ومن اشْتَمَّ رائحة الفضيحة، فقد أساء الفهم و خانته القريحة، فاذهب واظفر بالشقتين بسلام، لا تثريب عليك ولا ملام، وتمتع بعقارك فأنت الهُمام و الباقي تفاصيل تمحوها الأيام. لقد سنَنْتَ لنا سُنة حميدة، وأسست لتقاليد فريدة، فأنت اليوم لنا الإمام والقدوة، ولنا فيك غدا المثال والأسوة."

ثم أضاف بابتسامة ساخرة، وحركة ماكرة :ففهمتُ بسرعة تلك الرسالة، ووعيتُ المضمون والدلالة، بعد أن أقنعتُ نفسي بهدوء وبساطة، أن الشفافية فكرة مطاطة، وأن الإدمان على المبادئ، قد ينطوي على بعض المساوئ، فأسرعت ثم اختليت بنفسي، وهيأت أسباب رضايَ وأُنسي، بين أرائك وثيرة، وظلال وفيرة، فأكرمْتُ لجنابي الوفادة، وضمنتُ لسيادتي شروط السعادة، و باشرتُ معي المفاوضات العسيرة، وعشتُ ملابسات كثيرة، وأخيرا سألتُنِي : يا سيدي الرئيس، و يا أعز جليس، أنت سعيد الطالع، فاعطف على حالي المتواضع، ما أنا إلا وزير سابق، وباسم الحكومة ناطق، و متقاعد لاحق، ما أرجو إلا شقتين فاخرتين لأستر عيالي، و أمضي على منوالي، فاجعل لي ثمنا زهيدا، فما عهدت رأيك إلا سديداً.

فغيرت القبعة وأجبت نفسي : والله لن تعود من لقائي خائبا، ورغباتك أصبحت واجبا، ولولا خشيتي من سؤال سائل، لمنحتك العقار بلا مقابل، وأغدقت عليك  من المال الكَمَّ الهائل، فما قولك لو دفعْتَ من قيمته الخُمْس، أيطيب خاطرك و تنشرح من الأنس ؟ فما كدت أنتهي من هذا العرض حتى حصل بيني وبين نفسي الاتفاق، و ابتعدت أسباب الفراق و الشقاق، فصافحتْ يميني شمالي، وأدركتُ أجمل أحوالي، و حققت أكبر آمالي، وأصبح حلمي حقيقة، ووقعنا أنا وأنا خير وثيقة، أبرمت مع نفسي عقدة البيع والشراء، وغمرتنا الفرحة والهناء، وحمدت الله على ما أعطاني من دهاء.

وعندما انتهى الرئيس من هذا الجواب المباغت، خيم على القاعة ذهول طويل صامت، حتى قام شاب وسيم، و سأل بصوت هادئ رخيم : يا سيدي الرئيس، اعذُرْني على صراحة

سؤالي، وليتَّسِعْ صدرك لمقالي، لقد قلبتَ المنطق ضدًّا، وجئت شيئا إدًّا، ألم تشعر ببعض الانزعاج، أو قليل من الإحراج، وأنت تستغل ما عندك من نفوذ و تنهمك بجمع النقود، فكيف تدَّعي البعد عن الطمع، ومحاربة الغش والجشع ؟ ألم يفتح الله عليك بنصح من ناصح، أو صحبة فقيه صالح؟ يهديك سبل الخيرات، و يبعدك عن الشبهات؟

فأطرق الرئيس مليا ثم قال: كلامكَ نبيه و سؤالكَ وجيه، ولستَ بمُعْتلٍّ ولا سفيه، ولكني اهتديتُ وحدي إلى الوسيلة وعالجت الأمر بأحسن حيلة، فلما حددتُ من الدنيا مطلبي وحسمتُ بين الأنام مذهبي، سألت الله أن يعيذني من شر النـزاهة، لأنها قمة البلاهة، وينقذنـي من براثن الاستقامة، فليس في صحبتها سلامة، ووضعت في أذنيَّ وقْرًا، فلا أسمع نصحاً ولا زجراً، و مضيتُ على وجهي في هذا الطريق، لا يعاكسني عدوٌّ ولا صديق، ثم نزعت ضميري وقد خَفَتَ له البريق، وأيقنت أنه أسوأ رفيق، فألقيتُه في بئر سحيق، ودعوتُ عليه : اللهم لا تنقذ هذا الغريق، اللهم لا تنقذ هذا الغريق، اللهم لا تنقذ هذا الغريق!!

           

المقامة الفاسية

 حدثنا أبو المحاسن المراكشي قال:

قادتني الأقدار منذ أيام، إلى لقاء إخوان يشاطروني المرام، يعشقون مساءلة التاريخ وسَبْر ما فيه من أغوار، ما بين إقبال أيامه وإدبار.

قال أحدهم : يا إخواني المغاربة، يا من تتقاسموني الأرض المعطاء، والطبيعة الفيحاء، يا من جُلتم الحواضر والبوادي، ولبيتم نداء الوطن المنادي، لتزدادوا بوطنكم معرفة وفخرا، وتستلهموا من عِبَر تاريخكم زادا و ذُخرا، فتستنطقوا الصخور والبنيان، و تلامسوا منطق العمران، وتبصروا تعاقب التجارب، و تمحصوا المخطئ و الصائب، ثم أنشد:

لـيس بإنســان ولا عـاقــل       من لا يـعي التاريـخ في صــدره

ومن وعـى أخـبـار من مـضى       أضـاف أعـمـارًا  إلـى عـمـره

ثم قام سائلا: ما قولكم في مَنْ ضيَّع أجمل فرصة على جميلة الدرر، عاصمة إدريس الأزهر، لما استكملت من القرون اثني عشر ؟

فأجاب آخر: لعلك تقصد ذلك التخليد، المشروع الحضاري الفريد، الذي أشرق في حلة راقية، واستنهض النفوس العالية، لرفع صورة البلاد في الآفاق، وإبراز تراثها الحضاري الخلاق، حتى انقضّ عليه ذوو الإخفاقات الكروية، وأبطال الانتكاسات المدوية، فهدموا ما بَنَتْهُ السواعد، ونسفوا البنيان من القواعد، فأفرغوا الحدث من أسباب الاعتزاز، وأثاروا في الناس أعمق اشمئزاز، تسلَّموه حلما جميلا، وحوَّلوه كابوسا ثقيلا. 

فقال ثالث : ولكن زعيمهم بعيدٌ عن حقل الحضارة، وما له في الثقافة أية شطارة، ما هو إلا تاجر يراقب الربح والخسارة. ليته عرف قدر نفسه، ولم يستكبر على بني جنسه، لما خاطب الناس بغرور وخيلاء، وأهان الوطنية بلا استحياء، وتجاهل قدر العربية، وأنشأ يغازل الفرنسية، فرفع شعار الرداءة، ولبس من الفشل عباءة، وأغرق في التفاهة والسخافة، حتى ثار في وجهه أهل الصحافة، فغادروا القاعة احتجاجا وغضبا، و سدَّدوا له من أقلامهم سهاما و شهبا، ثم تلعثم في الكلام، من البدء إلى الختام، فكان كمَنْ سكت دهرا و نطق كفرا.

فقال رابع وقد اشتد به العجب و أخذ منه النَّصَب: يا خير أحباب و يا صفوة الصحاب، كيف نصبر على من يرمينا بالمهازل، ويهدم آمالنا بالمعاول، لعمري لقد عاد ظننا فيهم خائبا، وأًًًضحت محاسبتهم واجبا، أجسامهم في تطوان أو حدائق كيليز، ولكن قلوبهم في بورصة لندن ومتاجر باريز...

فأين تلك الأموال الطائلة، وكل المبالغ الهائلة، التي خصصها مجلس النواب، للإنفاق في هذا الباب، هل صُرِفتْ في الأسفار إلى الخارج، وركوب الطائرات والبوارج؟ أمْ لإبرام الصفقات الغامضة الأسباب، لذوي القربى والأهل والصحاب، بدون وضوح ولا شفافية، حيث الإشارات الخفيفة كافية، أم لاستفزاز المشاعر و الكرامة، بلا رقيب ولا صرامة؟  فأهانوا تاريخنا إهانة سافرة، وعاملوا مبدعينا معاملة ماكرة، لقد أجهزوا على فرحة الشعب إجهازا، ولم يستحْيوا ِلا حقيقة ولا مجازا، فلم ُينتجوا لا ذوقا رفيعا، ولا فنا بديعا، لعمرك قد أساؤوا صنيعا !  .

فزاد عليه الخامس وقد ضاقت به الأحوال من كل هذه الأهوال : لقد أصاب إخوانُنا الأمازيغ حيث استشاطوا من الغضب، واحتجوا في المجلات و الخطب، لما رأوا مشروعا للوحدة وتعزيز الوئام، يكرّس الفُرقة و يؤجِّج الخصام ، فكيف تأملُ خيرا ممن يقرْصِن الأفكار و يستحوذ على الإبداع، كل أمانة لديه مآلها الضياع، فكم ذي فكرة تعهَّدها بالتهذيب، وأنضجها بالصبر و التشذيب، أعانه فريق عمل، قاسمه الطموح والأمل، فسهر طويل الليالي، ورفعها للمقام العالي، وناقشها في الديوان، بأمر من السلطان، حتى نالتْ أرقى الرعاية و حظيتْ بسامي العناية، فإذا ببطل القراصنة من مهمته يُقصيه، ويأتي بنَكِرة من ذويه، متجاهلا أمر ملك البلاد، متحديا ومكابرا في عناد! و إنْ سألته عن الأسباب، قال ذاك أحمق فَقََد الصواب ، ثم أصرَّ على البهتان وأمعن في الطغيان، فحرَّف أمَّ الوثائق، وأنكر المعلوم من الحقائق، وبدّد الجهود، وأخلف الوعود، إلى أن أجهض روح المبادرة، واتخذ تراث الأمة للمتاجرة، فما أسوأها مغامرة.

أما لجنة البرامج ودقيق الشؤون فقد أُُفرغت من كل مضمون : جمعوها مرة واحدة أمام التلفزة، ثم فرقوها بلا نرفزة، ثم طُويت تلك الصفحة، كأنها مجرد مزحة.

فعاد الأول للكلام و هو يغالب العبرة و يطلق الزفرة بعد الزفرة : من كان بالأمر يستفرد، و بالقرارات يستبد، لا حاجة له بلجنة وطنية ولا فرقة أكاديمية، ترهقه بالتقارير وباله مشغول بالدراهم والدنانير، ولْتذهب الحقوق إلى الجحيم، ولْيخسأ المنطق السليم، فمن يتصدى لهذا الغريم...

 تالله لو كان إدريس حيّا لاحتجَّ بكل حزم، ولو سمع عبد الحميد الأَوْرَبِي لشمَّر عن ساعد العزم، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، ومن استطاب المذلة فقد ضاع وأفلس، أما اليوم فلم ينتفض من القرويين فقيه ولا عالم، ولا استنكر من عقلاء الرباط رجل صارم، تُرى خانهم التمييز والبيان، واستصغروا ذاكرة الأوطان؟

فكيف إذا ساءَلَتْهُم من أعماق فاس آثار سور صامد، أو عاتبتهم مئات المآذن و المساجد، بناها أجداد ذوي مواقف ومشاهد،  فصرخَتْ قد خذلتُم ذكري وفرَّطْتُم في أمري، ونغَّصتم عليَّ عيد ميلادي، ونسيتُم تراثي وأمجادي، أنا التي وسِعْتُ الأجناس والأصول، وآخيتُ أبناء الجبال والسهول، من أمازيغ أحرار، وآل البيت الأخيار، شهدتُ مهد الدولة في رحابي، وأرسيتُ المعالم من ترابي، آويتُ القادمين من البلدان، من أندلس وقيروان، ضممتُ سكان العدْوَتين، ورحَّبتُ بذي الوزارتين، وبالقاضي عبد الرحمان، و أبي الوليد ذي البرهان، و ابن ميمون و الوزّان، وساهمتُ في رقي الإنسان، أنا صرح حضارة في وعي الأمة، أنجبتُ الأدباء والشعراء والأئمة، ِعشتُ الأحداث الجسام و ذقتُ النصر و الانهزام، بعثت القوافل و السفراء، لنشر المحجَّة البيضاء،  و رفعتُ صوتي بالأذكار، آناء الليل و النهار، و رجوتُ الخير من الجبار، واستغفرتُ الله بالأسحار، وسبَّحتُ الواحد القهار، حتى صنفتموني عاصمة روحية، فلِمَ تركتموني للعابثين ضحية ؟ فيا لها من هدية !! قذفتموني كالأسيرة في سوق النخاسة، بين إغراء المال و خُبث السياسة ؟ أغمضتم العيان ورضيتم لي بالهوان، وبعتموني كبَيع أبي غبشان، فأين المكارم و الضمائر، ولِمَ العقوق يا ذوي النُّهى والبصائر، وأصحابَ المناصب والمنابر، بالأمس هَرْوَلْتُم، واليوم أين أنتم ؟ ثم أنشد:

و ظلم ذوي القربى أشد مضـاضـة                 على المرء من وقْع الحسام المهنّد

فأضاف جاره فورا : أكاد أسمع صوت المدينة العتيقة، وهي تعبِّر عن ألامها العميقة، و تضمد جراحها السحيقة ولسان حالها يقول: ألم يكفكم من دنسوني صبحا و ظهرا، واغتصبوا مجالسي ظلما و قهرا، وعبثوا بالتاريخ دون عقل راجح، و سفِّهوا الذكرىَ و طمسواُ لها الملامح، حتى تمَّ إتلافها بالكامل، وإفراغها من جميل الشمائل، فيا وُجهاء البلاد، ويا قدوة العباد هل اختلَّتْ عندكم الموازين و تعطلت لديكم القوانين؟ كفاكم من العقم والغثاء، ومجاملة المكر والرياء، فهلاَّ أصلحتم ما أفسد السفهاء، وأنصفتم المخلصين والأكفاء، وقاومتم بطش الأشرار، وآزرتم جهد الأبرار، من قدسوا مصلحة البلاد، وكابدوا الصعاب الشداد، فلا تخافوا في الله لومة لائم، ولا تقايضوا مبادئكم بالولائم، وأخلِصوا الُّنصح والمشورة، كلما دعت الضرورة، وأبعِدوا الجهل عن كل مَعْلَمة، ولا تُزكُّوا بصَمْتِكم أية مظلمة.

و بعد صمت طويل نطق جاره: ولكن، ألم تر أن بعض الحكماء الكبار، والعلماء ذوي الوقار، ساهموا في بناء المشروع، واليوم لم يعد لهم صوت مسموع، فهذا للجامعة رئيس، وهذا مستشارو جليس، وآخر بين القضاة مرموق، وذاك مدافع عن الحقوق، حبذوا مبادرة الذكرى، لإحياء المناسبة الكبرى، ورحبوا بمعاني التخليد، وشاطروا مغزاها السديد، ليشعَّ نورها في القريب والبعيد، وتشرقَ في صفحات العهد الجديد، فيصغِيَ العالم لنبضات مغرب سعيد، له ماض بالدروس حافل، ومستقبل بالآمال آهل، بين أوراش و تشييد، و سعي نحو التجديد، يبني الأذهان والعقول، و يصافح الكون المأهول، فقام هؤلاء الفضلاء و أغنوا الفكرة في المحافل، وعززوها بجميل الرسائل، و كانوا من المتحمسين الأوائل، فكيف سكتوا اليوم عن أم المهازل؟

ثم عاد فقال : للهِ درُّك يا مدينة فاس، شغلتْكِ الأحزان من فرط الخذلان،

وللهِ درُّك يا تاريخ بلاد و ذكرى أمة، كيف ترضى السفح و مكانك أعلى القمة...؟

 

  المرأة و الحقل الديني بالبوادي المغربية: شهيرات نساء بادية سوس كنموذج

بقلم \ الأستاذ موشيم أحمد
                                         تقديم
في المجتمع المغربي و عبر حقبه و تطوراته التاريخية ، كان للمرأة حضور في شتى المجالات الثقافية و الدينية والسياسية ، و قد احتفظ لنا التاريخ المغربي بأسماء نساء شهيرات عرفن كعالمات و فقيهات و أديبات و دبلوماسيات .... غير أن ما يحكم هذا النوع من التاريخ هو غلبة نساء الحواضر و ندرة في نساء الأطراف ، و كأن البوادي المغربية لم تكن بها نساؤها الشهيرات ...
السؤال المطروح هنا هل يرجع ذلك إلى كون هذا التاريخ بحكم مركزيته يتجاهل ثقافة و نخب الهوامش و الأطراف، و بالتالي يتعامل مع النخب المحلية لهذه الأطراف ، رجالها و نساءها ، بالتجاهل و الاقصاء و التهميش و النسيان ؟
 قد تكون هذه الفرضية واردة بحكم الهيمنة الثقافية و الفكرية للنخب الحضرية و مركزية الحواضر و تهميش البوادي ، لكن للبوادي والأطراف نخبها التي عملت بدورها على مقاومة التهميش و النسيان من خلال كتاباتها و إنتاجها لتاريخ محلي يستحضر الأطراف النائية و ثقافتها المحلية و يؤسس أسره العلمية ورموزه الدينية التي حظيت بالشهرة و السلطة الرمزية ، و برزت المرأة العالمة و المتصوفة ضمن هذه النخب بأدوارها التي دونها التاريخ المحلي لهذه الجهات ، و الذي هو بمثابة ذاكرة جماعية تقاوم النسيان
...

1 - الثقافة العلمية بسوس :

أ – نظامها التربوي ، خصائصها و مؤسساتها :

إن الإشكال حول كيفية بناء و تأسيس العلم الديني و تقاليده في وسط بدوي يحيل إلى وجود فئة أو هيئة انجزت عملية البناء و التأسيس للعلم في هذه الجهة ، و هذه الفئة أعني بها العلماء و الفقهاء و المتصوفة الذين يعتبرون " رجالات العلم العربي بسوس " و قد خصها المرحوم المختار السوسي بتآليفه التي حاول من خلالها رصد هذه النخبة و أدوارها سواء في كتابه " المعسول " أو في كتابه " سوس العالمة " أو " رجالات العلم العربي بسوس " أو " خلال جزولة " ... كما عمل على تتبع الأسر العلمية التي تسلسل فيها العلم ، و اشترط في الأسرة العلمية أن يتولى العلم فيها ثلاثة أجيال على الأقل أو جيلان .
فهذه الجماعة بحكم امتلاكها للعلم الديني كرأس مال رمزي كانت لها امتيازات و نفوذ هام داخل مجتمعها و كانت تقوم بعدة وظائف أساسية كالقضاء و التعليم بالمدارس و المساجد و الزوايا و التحكيم بين القبائل المتصارعة ...
وهكذا فإن امتلاك العلم بسوس مقارنة مع المراكز الحضرية يطرح عدة مشاكل و صعوبات يواجهها الطالب السوسي ، فهناك أولا تعلم اللغة العربية و قواعدها التي هي ضرورية كمدخل للعلوم الدينية ، و هناك الرحلة العلمية و الهجرة إلى مدارس أخرى و حواضر العلم بمراكش و فاس أو المشرق و ما يتطلبه من جهد ، و قبل هذا و ذاك ينبغي توفر تراكم علمي داخل الأسرة .

شهيرات النساء بسوس :
 أدوارهن و حضورهن في الحقل الديني و الصوفي :

إذا كنت شخصيا قد أكدت في تقديم هذا المقال على أن لسوس نساء شهيرات يعتبرن علامة من علامات الذاكرة الثقافية المحلية التي تقوم بها النساء فلا أجانب الصواب ، إذ بالرجوع إلى المصادر التي أرخت للنخب المحلية ككتب الطبقات و المناقب نجد كوكبة من النساء اللواتي لا تقل شهرتهن على أمثالهن من نساء الحواضر و كانت منهن العالمات و الفقيهات و المتصوفات، لهن مشاركة في الحقل الثقافي و الديني والتربوي ، و منهن من بلغن درجة الولاية الصوفية ، ومارسن التعليم و الوعظ و الارشاد و كانت لهن تآليف باللسان المحلي في الفقه والتصوف و من بين هذه النساء الشهيرات:

1 - عائشة الأكمارية : توفيت سنة 1334 هـ فقيهة و مدرسة أتقنت مترجم المختصر للهوزالي ، فكانت تملي على زوجها الفقيه محمد بن عبد الله الوافي ما كان يتوقف عليه ، حفظت بعضا من القرآن الكريم ، و تتصدر مجالس النساء و تملي عليهن و تعظهن ...

2 - رحمة بنت الإمام محمد سعيد السوسي المرغيتي : ألفت مختصرا فقهيا، و كانت على درجة عالية من العلم .

3 - فاضمة بنت محمد الهلالية : أصلها من وعل ( توعلات ) توفيت سنة 1207 هـ لها ترجمة في فهرس تلميذها محمد بن عمر السوسي البييوركي يصفها فيه بالفقيهة العالمة السالكة ، و يذكر أخذها عن الشيخ أبي العباس بن ناصر ، لها شهرة و منظومات شلحية .

4 - عائشة بنت الحاج مبارك المتوكي ( 1245) : كانت نسَّاخة خطت بيدها مصحفا شريفا و مؤلفين هما " مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات " للجزولي و " مدارك التنـزيل و حقائق التأويل " و هو تفسير القرآن الكريم لعبد الله النسفي .

5 - رحمة بنت يوسف اعبالئية : ولية صالحة توثر عنها خوارق مع أحمد بن موسى ، و لا تزال شهرتها مدوية .

6 - مماس بنت علي المنوزية : ولية صالحة توفيت 1130هـ .

7 - مريم محمد السملالية : توفيت سنة 1163 هـ ، ألف حول مناقبها و كراماتها مجلد ضخم ...

8 - حكا ( حواء ) بنت يحيى الرسموكية : توفيت سنة 1155 هـ صالحة عابدة يعتقدها الناس لها مشهد يقام عليه موسم نسائي .

9 -تعزَّى السملالية : ربيعة زمانها ، ذات الشهرة الفائقة و لها أخبار ...

10 – عائشة التوننية : كانت فقيرة مسنة لا أرب للرجال فيها و كانت لها القدم التابثة في الطريقة ، فكانت تجمع الفقيرات و تعظهن وتعلمهن لأن لها إلماما كبيرا بأمور الدين و يذكر أن طريقتها درقاوية ...
يظهر لنا جليا أن المرأة استطاعت أن تتغلب على مجموعة من العوائق و الموانع و الصعوبات التي تحول دون الوصول إلى مراتب عليا في العقل العلمي الديني و الصوفي ، لتمتلك رأسَمال رمزياً وسلطة دينية جعلتها تفرض نفسها على التاريخ المحلي، و لتبرهن بالتالي أن العلم والولاية ليسا مجالا يحتكره الذكور بل يمكن للنساء أيضا ولوجه و التواجد فيه و اختراقه رغم السياج الأرثوذوكسي المعارض لكل ما هو نسائي و الذي يحاول إقصاء المرأة و تهميشها تحت مبررات دينية ؛ و بهذا تكونت في هذه الأطراف نخبة من النساء الشهيرات لعبن أدواراً فاعلة في انتاج و إعادة انتاج الثقافة العالمة كعالمات و فقيهات و متصوفات ، و تكون بذلك علامة من علامات الذاكرة الثقافية للبوادي والأطراف التي تقاوم التهميش و النسيان .

المصادر المعتمدة :

1 - بحث ابراهيم أعراب : أعمال الدورة الرابعة تحت شعار : " الثقافة الأمازيغية بين التقليد و الحداثة " الجامعة الصيفية بأكادير سنة 1996م ( من 19 يوليوز إلى 05 غشت 1991 م ) .

2 -التازي عبد الهادي : المرأة في تاريخ الغرب الاسلامي . الفقه ط . 1 ، 1992 م .

3 - سوس العالمة للمرحوم المختار السوسي ، الطبعة 2 ، 1984 ص . 121 – 152 ، حيث يرد ذكر 157 أسرة علمية .

4 - مخطوط لمناقب الحضيكي .

5 - خلال جزولة لمحمد المختار السوسي ج. 3 ص . 186 .

6 - المعسول للمختار السوسي ج . 1 ص . 199 .

7 - مخطوط " الفوائد الجمة " التمنارتي أبو زيد .

8 - رجالات العلم العربي في سوس ، للمختار السوسي ، من القرن 8 هـ إلى نصف الرابع عشر ، الطبعة 1 سنة 1987 ص . 130 .

10 - المؤسسات التعليمية الأولى بسوس ، محمد المنوني ، مجلة المناهل العدد 34 السنة 13 ، 1986 ص. 50-51 .

11 - من أفواه الرجال للمختار السوسي ص 55 .

 الأستاذ / زهير موين
من بني ملال في 15 يناير 2007

 بعض من الحيف الذي يطال الأساتذة الباحثين خريجي سلك تكوين المكونين

                                               أفواج 94-95-96
لقد أعطت المادة 16 من مرسوم 2.90.445  بتاريخ 8 يناير 1991  الخاص بسلك تكوين المكونين لخريجي هذا السلك الحق في التسجيل لمناقشة دبلوم الدراسات العليا (DES)، واقر هذا المرسوم بثلاث سنوات كحد أقصى لمناقشة أطروحاتهم لكي يتم ترسيمهم مع ترتيبهم تبعا لذلك في إطارهم الجديد وفقا لمقتضيات المرسوم رقم 2.90.101 بتاريخ 25 ماي 1990 المغير والمتمم للمرسوم 2.75.665 بتاريخ 17 أكتوبر 1975.
    
وقبل دخول المرسوم رقم 2.96.796 بتاريخ 19 فبراير 1997 لتحديد نظام الدراسة والامتحانات لنيل الدكتوراه ودبلوم الدراسات العليا المعمقة ودبلوم الدراسات العليا المتخصصة وكذا الشروط والإجراءات المتعلقة باعتماد المؤسسات الجامعية لتحضير الشهادات المذكورة وتسليمها حيز التنفيذ كان بإمكان خريجي سلك تكوين المكونين التسجيل لتهيئ دكتوراه الدولة بعد مناقشتهم لأطروحة دبلوم الدراسات العليا.
    
وإذا كانت الأفواج الأولى لخريجي هذا السلك  قد استفادت من هذه المقتضيات،  فقد تم حرمان خريجي أفواج 94-95-96  من هذه الحقوق بدعوى عدم حصولهم على دبلوم الدراسات العليا  قبل 20 فبراير 1997، علما بأن أجل مناقشة هذه الأطروحة قد حدد في نفس المرسوم في خمس سنوات (المرحلة الانتقالية).
    
كما منح نفس المرسوم، كل الباحثين المسجلين لتهيئ دبلوم الدراسات العليا (DES) حق تحويل هذا التسجيل لتحضير أطروحة الدكتوراه الوطنية، وهنا أيضا تم منع خريجي سلك تكوين المكونين من هذا الحق بدعوى أن أحكام المرسوم السيئ الذكر لا تشملهم.
    
وحيث أنه تم تمديد آجال مناقشة أطروحات دكتوراه الدولة إلى غاية   2007 عبر مراسيم صدرت بعد تاريخ 19  فبراير1997 يتضح جليا مدى حدة الحيف الذي مازال يطال خريجي سلك تكوين المكونين أفواج 94-95-96 الذين منعوا من  التسجيل لتهيئ دكتوراه الدولة  الشيء الذي يعتبر ضربا لمبدأ المساواة مع زملائهم من خريجي نفس السلك، وإجهازا على الحقوق المكتسبة عند تخرجهم وتوظيفهم كأساتذة مساعدين قبل دخول مرسوم 19  فبراير1997 حيز التنفيذ.
    
ولقد كانت كل هذه التمديدات في آجال مناقشة أطروحات دكتوراه الدولة كافية بالنسبة لهم للتسجيل و تهيئ و مناقشة أطروحات  دكتوراه الدولة.
    
والخلاصة أنه تمت صياغة مرسوم 19 فبراير1997 دون مراعاة خصوصية المسار الجامعي و الأكاديمي لخريجي أفواج 94-95-96   ، مقارنة مع فئات أخرى.   هذا و لابد من التذكير بأن الأساتذة الباحثين خريجي سلك تكوين المكونين أفواج 94-95-96   ومنذ حصولهم على دبلوم الدراسات العليا لم ينقطعوا عن البحث العلمي من خلال أنشطتهم داخل المؤسسات الجامعية وتأطيرهم للبحوث، و قد سبق و أن طالبوا الوزارة الوصية برفع هذا الحيف منذ 2002.

 

جناية مرسوم 19 فبراير 1997 على الأساتذة المساعدين حملة دبلوم الدراسات العليا وما يعادله

من انجاز : الأستاذ سعيدي المولودي   - كلية الآداب-مكناس 

في الجزء الثالث الذي يحمل عنوان: " أحكام خاصة وانتقالية" من المرسوم رقم 793. 96. 2بتاريخ 19 فبراير 1997 في شأن النظام الأساسي الخاص بهيئة الأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، وفي الباب الثاني منه، المتضمن الأحكام المتعلقة بالأساتذة الباحثين المتدربين والمرسمين، يبدع صانعو هذا القانون في أساليب تفكيك طبقات الأساتذة الباحثين، وتشتيت أطيافهم شيعا وفرقا وفئات متسكعة على باب رقعة جغرافية متنوعة التضاريس تنجرف بهم إلى كيانات متناثرة ،متعارضة، محاصرة في مجاري موحشة ومذهلة، تفتقد أية مبررات قانونية أو أية مرجعيات تشريعية موضوعية.

وكانت إرادة التفكيك هذه مقصودة باعتبارها الصيغة المثلى التي تنتهي بقليل من الأذى، إذ أن إطار الأساتذة المساعدين حملة دبلوم الدراسات العليا وما يعادله كانوا يشكلون إبان فترة صدور المرسوم المذكور القاعدة العريضة للأساتذة الباحثين بالتعليم العالي، وقامت على عاتقهم المؤسسات الجامعية التي تضاعفت وتيرة نموها خلال هذه الحقبة، إذ أدوا بكل تفان وبروح تضحية نادرة كل أعباء التدريس والتأطير خارج مهامهم الفعلية التي حددت إطارها القوانين المعمول بها، ولذلك كان إجراء تكسير قوتهم العددية ، وتفتيت "كثافتهم" ضروريا لضرب وحدتهم من جهة والتشكيك في وحدة مطالبهم من جهة وتسهيل مأمورية  الإجهاز على مكتسباتهم من جهة ثالثة، وهذا ما جسدته فعلا بنود المرسوم. ففي المادة 33 منه، المحددة لطرائق إدماج الأساتذة المساعدين، وإفراغهم في " القوالب" الجديدة المحدثة، يتم توزيعهم إلى هذه الفئات:

ـ الفئة الأولى: وتشمل الأساتذة المساعدين البالغين الرتبة الأولى من الدرجة ( ب ) من إطار أستاذ مساعد وفق مرسوم 1985، أي الذين استوفوا عمليا كل رتب الدرجة   (أ ) وقضوا على الأقل تسع سنوات من العمل، تبعا لهذا المرسوم، وهؤلاء يعاد إدماجهم أو إفراغهم وفق التركيبة أو التشكيلة الجديدة في إطار " أستاذ التعليم العالي مساعد" الدرجة ( أ )، أي أنهم سيبدأون تاريخهم المهني مرة أخرى من الصفر،حيث ستسلب منهم كل سنوات عملهم التي قضوها في الإطار القديم ـ  عدا أقدميتهم في الرتبة الأخيرة ـ ويغدون وكأنهم يوظفون للمرة الأولى. على حين كان من المنصف إفراغهم في الدرجة ( ب ) من الإطار الجديد، لأن أقدميتهم عمليا تستوجب بل وتفرض هذا الترتيب، لأن هذا هو موقعهم الطبيعي.

ـ الفئة الثانية:وتشمل الأساتذة المساعدين البالغين الرتبة الخامسة من الدرجة ( أ ) وفق مرسوم 1985، أي أولئك الذين قضوا على الأقل ست سنوات من العمل الفعلي في هذا الإطار، وهؤلاء تتم إعادة إدماجهم   في الإطار الجديد أستاذ التعليم العالي مساعد الرتبة ( أ ) دون أقدمية وبشروط، إذ أن إعادة إدماجهم لا تتم بصورة تلقائية وإنما بناء على اقتراح من اللجنة العلمية ومراعاة مجموعة من المعايير هي : الشهادات والمؤهلات المتوفر عليها ، والأعمال والنشرات المنجزة، والعروض المقدمة في المناظرات والندوات الوطنية والدولية وأعمال البحث الجارية، أي بناء على ملف علمي متكامل يعرض على أنظار اللجنة العلمية. وليس ثمة في الحقيقة ما يبرر إدراج هذه المعايير ووضع المزيد من العراقيل في وجه هذه الفئة، إذ ما يفصلها عن الفئة الأولى لا يعدو أن يكون سنوات معدودة من الأقدمية، لا تكاد تبلغ ثلاث سنوات في أقصى الاحتمالات، فالشهادات بالنسبة للفئتين واحدة، والمؤهلات في الغالب واحدة، والفرق أن الفئة الأولى استوفت كل رتب الدرجة   (أ ) في الإطار القديم، بينما هذه الفئة تشرف بالكاد على استيفائها، والفرق على الإطلاق لا يمكن أن يكون ذا طابع علمي وأكاديمي، وإنما هو فرق زمني بسيط، و لا  يجوز في أية حال أن يعتمد هذا الفاصل الزمني معيارا للتشكيك في مؤهلات وشهادات هذه الفئة، ومن ثمة الإجهاز على أقدميتهم في إطارهم القديم.

ويعني هذا من زاوية أخرى أن عدم توفر المعايير السالفة وفق المسطرة المنصوص عليها، سيؤدي حتما إلى تقهقر وضعية هذه الفئة وضياع عمرها المهني تماما، لأن الإطار الجديد لن يستوعبها، وستظل معرضة لإجراءات أخرى أشد قسوة وأعظم جورا، هي الإجراءات التي تهم الفئة الثالثة.

 ـ الفئة الثالثة:وتشمل الأساتذة المساعدين المرسمين، لكنهم لم يبلغوا في تدرجهم المهني الرتبة الخامسة من الدرجة ( أ ) في إطار أستاذ مساعد حسب مرسوم 1985، أي الذين يتواجدون في الرتب 2 أو 3 أو 4 ، ودون الخامسة، وهؤلاء سيظلون "خارج التغطية" في التشكيلة الجديدة لإطارات التعليم العالي ، وخارج عملية إعادة الإدماج التي لن تتم إلا بعد مناقشة أطروحاتهم لنيل الدكتوراه المنصوص عليها في المرسوم الخاص بتحديد نظام الدراسة والامتحانات لنيل الدكتوراه...

ـ الفئة الرابعة: وتشمل الأساتذة المساعدين الحاصلين على شهادة معترف بمعادلتها للدكتوراه ( حسب النظام الجديد ) والمقصود بهذه الشهادة هنا هي ما يعرف بالدكتوراه الفرنسية، وهؤلاء تتم إعادة إدماجهم في الإطار الجديد " أستاذ التعليم العالي مساعد"بامتيازات مضافة هي : ترسيمهم في إطارهم الأصلي أولا ، وثانيا منحهم أقدمية "اعتباطية" مدتها ست سنوات. ولا يقدم المرسوم أي تبرير لإغداق هذه "الامتيازات" على هذه الفئة دون سواها، ولا خلفيات هذه "الأفضلية" التي منحت لها.

ـ الفئة الخامسة:وتشمل الأساتذة المساعدين الذين لا يخضعون لأي من المواصفات أو الأوضاع أو الشروط والخصوصيات المشار إليها،بحيث لا يندرجون في أي من الفئات المصنفة المذكورة، وهؤلاء سيظلون خاضعين لأحكام مرسوم 17 أكتوبر 1975، حتى تتوفر لهم إحدى الشروط  لدى الفئات الأخرى، والتي ستخول لهم فرصة إعادة الإدماج طبقا لمقتضياتها.

ويتيح لنا هذا الرصد الوقوف على الاستنتاجات التالية:

1 ـ إن المرسوم يتولى ببراعة فائقة عملية تفتيت الأساتذة المساعدين إلى خمس فئات أو طبقات أو مجموعات تبدو وكأنها متمايزة أو منفصلة بعضها عن بعض، في غياب تام لأية معايير أو اعتبارات قانونية أو تشريعية موضوعية تسند أو ترجح منحى هذا التفتيت أو التوزيع وموضوعيته وعدالته كذلك.

2 ـ إن مجموع أربع من خمس من هذه الفئات أو المجموعات التي تم نسجها ، يمكن اعتبارها ضحايا هذا التوزيع، أو هي قرابين لتمرير وتكريس بركة النظام الأساسي الجديد للأساتذة الباحثين، إذ تعامل معها المرسوم بإرادة تصميم مسبق على التضحية بها، وممارسة الكثير من العسف والجور وعدم الإنصاف في حقها، مع سبق الإصرار والترصد الدقيق. فهناك فئتان منها يحاصرهما المرسوم في دائرة مغلقة هي "وضعهما الخاص" ويتم إقصاؤهما تماما من رقعة التشكيلة الجديدة وإطاراتها، مما يعني بكل وضوح عدم الاعتراف بهما في سياق هذه التشكيلة، وهذا ما ينطبق على الفئة الثالثة والخامسة، أما الفئتان الأولى والثانية، فإن إدراجهما في نطاق التشكيلة لا يتم إلا بعد تجريدهما من كل ركام الأقدمية المكتسبة في الإطارات الأصلية السابقة، لتلتحق بالتشكيلة عارية من تاريخها، وكأنها تولد للمرة الأولى،ويتم إهدار تاريخها الفعلي والمهني بدون أي سند قانوني أو تنظيمي وتشريعي.

3 ـ إن الفئة الرابعة ضمن هذه المجموعات شكلت استثناء داخل السياق، إذ أن المرسوم يحيطها بعنايته الشاملة، ويغدق عليها خيراته ( الترسيم وأقدمية ست سنوات اعتباطية ) دون أن يقدم مسوغاته لهذا التمييز أو مبررات هذه الرعاية والحظوة الكبرى.

4 ـ إن المنطق الذي يوجه حركة ودلالات المرسوم ، لم يكن يخضع في الواقع إلا  لمزاج خاص، يفتقد أية منطلقات أو أهداف موضوعية، ويحكمه نزوع اصطفائي وتصفوي، ومنظور غير موضوعي وغير نزيه، ولذلك لم يراع حقوق الأساتذة المساعدين ولا حتى منظومة القوانين والأعراف الجاري بها العمل في هذه البلاد، وإلا كيف يمكن أن نستوعب هذه المفارقة العجائبية: انتزاع أقدمية حقيقة وفعلية تصل إلى تسع سنوات أو ما يفوق، لفئة من الأساتذة المساعدين حاصلين على شهادة معترف بأصالتها وأصليتها، ومنح ست سنوات جزافية، مجانا، لفئة أخرى بدعوى أنها تتوفر على شهادة معترف بمعادلتها.

قد يكون المرسوم بهذا يوارب في محاولة من الوزارة الوصية تقويم وإصلاح الخطأ الجسيم الذي اقترفته في حق هذه الفئة من الأساتذة المساعدين الذين تم توظيفهم ابتداء من أواسط الثمانينيات من غير الاحتكام إلى مبدأ تطبيق المسطرة الخاصة بمنح معادلة شهادات التعليم العالي، غير أن إصلاح ذلك الخطأ لا يمكن أن يكون على حساب الفئات الأخرى، وبارتكاب جريرة أخرى لا تقل جسامة هي انتزاع سنوات الأقدمية الفعلية من تاريخ الأساتذة المساعدين المهني اعتسافا وجورا، وتقديمها على طبق من ذهب لفئة أخرى، كان من الأجدر أن يتم إنصافها طبقا للنصوص التشريعية المعمول بها، وتحديد مسؤولية من يتحمل الخطأ ومبادرة خرق المساطر القانونية في هذا الشأن.

5 ـ إن المرسوم عمليا جسد مبدأ الغزو القديم والمعروف "فرق تسد"، إذ وزع قاعدة الأساتذة المساعدين إلى "جيوب" و"قطعان" صغيرة، ليسهل الانقضاض عليها وافتراسها، ولعب بذلك دور "الذئب" الحكيم الذي استطاع بفراسته أن يفتح شبكة ثغرات في صفوفهم ويباشر الفتك بهم في خلوتهم بعد أن نجح في عزل بعضهم عن بعض ، وخلق فوارق وهمية ،وظلال مصالح متعارضة بينهم.  

6 ـ إن استراتيجية المرسوم واضحة المعالم، وتستهدف اتساع قاعدة الأساتذة المساعدين وتاريخهم في الجامعة المغربية، وهي استراتيجية تحكم فيها على ما يبدو هاجس الأمن المالي الذي ما فتيء يرهن و يوجه خيارات الحكومة ووزارة المالية منذ التسعينيات، ولذلك مارس "فصالته" و"خياطته" وفق هذه الاستراتيجية التي لم تكن تتوخى سوى بلوغ غاية واحدة هي تكريس تغيير النظام الأساسي للأساتذة الباحثين وأوضاعهم بأقل تكلفة ممكنة أو بدون أي تكلفة متى استطاع إلى ذلك سبيلا، وليس مهما حجم الضحايا في طريق هذا الاختيار، فالغاية تبرر الوسيلة مهما مدمرة.

7 ـ إن المرسوم بهذه الصيغة يكرس في الواقع ألوانا من الظلم والجور في حق فئات كثيرة من الأساتذة المساعدين، وهو لذلك فاقد لمشروعيته ولمصداقيته، ولا مناص من ضرورة تقويمه في اتجاه إعادة الأمور إلى نصابها، ورد الحق إلى أصحابه، وإنصاف كل الذين لحقهم الجور أثناء عمليات إعادة الإدماج، باحتساب كل الأقدمية المغتصبة من تاريخهم المهني والعملي، وجبر الضرر الذي لحقهم منذ دخول المرسوم المذكور حيز التطبيق.

إشارة :

استرعى انتباهنا ونحن نشتغل على نص هذا المرسوم أنه في سياق الحيثيات المقدمة والتي تستعرض المرجعيات والظهائر والمراسيم والقوانين التي اعتمدت لصياغة بنود مرسوم النظام الأساسي للأساتذة الباحثين، الإشارة إلى المرسوم رقم 796 . 96 . 2 الصادر في 19 فبراير 1997 الخاص بتحديد نظام الدراسة والامتحانات لنيل الدكتوراه ودبلوم الدراسات العليا المعمقة ودبلوم الدراسات العليا المتخصصة وكذا الشروط والإجراءات المتعلقة باعتماد المؤسسات الجامعية لتحضير الشهادة المذكورة وتسليمها. والإشارة هنا تعني أن هذا المرسوم هو أحد المرجعيات التشريعية التي استند عليها مرسوم النظام الأساسي للأساتذة الباحثين، ولكن كيف تتأتى الإحالة بهذه الصيغة، والوضع أن هذا المرسوم نشر في العدد نفسه من الجريدة الرسمية الذي نشر فيه مرسوم النظام الأساسي( عدد 4458 / 1997 )، فكيف أمكن الاعتماد عليه كمرجعية في هذا الباب، قبل صدوره وقبل أن ينشر في الجريدة الرسمية ويأخذ صفته القانونية.

من جهة أخرى فإن المجلس الوزاري الذي صادق على مرسوم النظام الأساسي انعقد يوم 29 أكتوبر 1996، فهل من المنطقي أن يعتمد في حيثيات المرسوم المصادق عليه مرسوم صادر في 19 فبراير 1997 أي صادر بعد انعقاد المجلس بأربعة شهور.؟بل إن المجلس نفسه صادق على هذا المرسوم في هذا التاريخ بالذات ( 29 أكتو  1996 ). مجرد إشارة فقط، فربما تعلق الأمر بقصور في الفهم من جانبنا، لا بخطأ أو خلل في هذا الشأن.

سعيدي المولودي

كلية الآداب. مكناس

 فلسطين: التحية و القضية والمسؤولية

الأستاذ/ أحمد الفراك  - برشيد

التحيـة

          تحية الإكبار والإجلال والاعتذار لإخواننا المجاهدين الأبطال في أرض الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، رجالا ونساء، شبابا وكهولا، أطفالا رضع وشيوخا ركع، لكل قطرة دم من دماء المجاهدين، في ترب غزة والضفة وكل فلسطين، إلى كل اللاجئين والمرحلين والمبعدين، الأحياء فوق الأرض و المستبشرين في السماء، في كل شبر من أرض فلسطين، في كل مدينة وقرية وحي وبيت وقلب. إلى حركتي العزة والكرامة والاقتحام؛ الجهاد و حماس، ولكل أبناء فلسطين وبنات فلسطين.
         
تحية المحبة والشكر والنصرة للصامدين عند اللقاء، الرافضين للرضوخ والاستسلام أمام جلد الفاجر وعجز الثقة، أمام غطرسة الخارج وتواطؤ الداخل، أمام المجازر والهدم والتجريف. أمام التجويع والتخويف والتسويف. إلى الصابرين المصابرين المرابطين
        تحية الولاء والوفاء والفداء للشهداء الأمناء، صانعي العز والمجد والإباء، من العزام إلى القسام إلى كل مجاهد من قبل ومن بعد، إلى الشيخ ياسين وعبد العزيز الرنتيسي ويحيى عياش وفتحي الشقاقي وإسماعيل أبو شنب وعماد عقل وفارس عودة وإيمان الزهرة و جمال الذرة وكل الشهداء في الأزل. إلى الأحرار الأبرار الأطهار ما عسعس ليل وتجلى نهار.
       فالسلام عليكم أحبابنا، السلام عليكم أبطالنا، السلام عليكم إخواننا وأخواتنا ورحمة الله وعونه واصطفاؤه يكلأكم في كل حركة وسكنة.

القـضيـة

         فلسطين قضية القضايا في عصرنا الحالي وفي مستقبلنا القريب، هي المرآة الكاشفة لمعاناة الإنسانية من طاغوت النظام الاستكباري الدولي الذي يرفض الإختلاف والتعايش والحوار وحسن الجوار. نظام استعلائي بسط سلطانه الماكر على العالم عبر وسائله العسكرية المتوحشة وشركاته العملاقة، ومجموعاته المالية والصناعية، وثورات التكنولوجيا والمعلومات. نظام تطفيفي يستضعف الناس ويبخسهم حقوقهم، و خاصة إذا كانوا مسلمين. المسلمون اليوم هم الذين يذبح أبناؤهم ويرمل نسا! ءهم وتهدم بيوتهم ومدارسهم ومساجدهم ومشفياتهم وتجرف أراضيهم وتتلف مزارعهم؛ في فلسطين، و في العراق والبوسنة والهرسك والشيشان وأفغانستان...والعالم يتفرج!
القضية الفلسطينية، قضية إنسان وأمة وإيمان وتاريخ ومستقبل...
قضية إنسان: قضية الإنسان المظلوم، المستضعف، المضلل، المغلوب، الذي أخرج من داره عسفا بالعنف والترهيب، قضيته في مواجهة الإنسان الظالم، المستكبر، الضال، الغالب، وعدم الاستسلام له {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون}، ...
قضية كل إنسان حر ينشد العدل والكرامة والحرية، يرفض الظلم والطغيان والإهانة ولا يرضى بالذل والهوان ولا يعطي الدنية في دينه، ولا يخشى في الله إلا الله، قال الله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ ! النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج39/40)، وتلك هي سنة الله في التدافع بين أهل الحق وأهل الباطل.
قضية أمة: ليست القضية الفلسطينية من حجم صدام دولة مع دولة، وإنما هي من حجم صراع أمة مع أمة، مصداقا لقوله تعالى: 'وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون' و 'كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله'. وقوله عز وجل: 'ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون'. 
يتوجه لنا الخطاب القرآني أمة فيها الخير، بل خير الأمم، لذلك واجب علينا أن نستجيب أمة واحدة؛ نفسيا ووجدانيا وفكريا وماديا وعسكريا واقتصاديا وسياسيا، بالدعوة إلى كل خير والأمر بكل معروف والنهي عن أي منكر، ولا دعوة للخير إلا برفض الشر، ولا أمر بالمعروف إلا بالنهي عن المنكر، ومن المنكر الكبير غطرسة وظلم وتجبر وطغيان اليهود ومن والاهم. ليكون المعروف الكبير هو مقاومة هذا المنكر وشل تمدده وعناده بما أوتينا من قوة وحيلة ووسيلة. قضية فلسطين قضية كل الأمة، ومن اعتبرها تخص الفلسطينيين وحدهم فليس من الأمة ولا يمثل هذه الأمة. كيف لا وهم يقاتلوننا كافة؟ وابحث إن شأت في القرآن الكريم لتعرف العقلية اليهودية، والنفسية اليهودية، والطباع السلوكية اليهودية وانظرفي التجربة النبوية التي هي امتداد لتجارب الأنبياء السابقين (سيدنا زكرياء وسيدنا يحيى وسيدنا داود وسيدنا موسى وسيدنا عيسى عليهم السلام). إن شهادة القرآن هي شهادة الخالق سبحانه على مخلوقاته(1)، قال جل وعلا: 'لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبيس ما كانوا يفعلون. ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا، لبيس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يومنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء، ولكن كثيرا منهم فاسقون. لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون! ' (سورة المائدة، الآيات: 78-82). عليهم اللعنة على لسان خير الخلق وهم الرسل عليهم السلام، وذلك بعصيانهم واعتدائهم وتماديهم في المنكرات، وكتمانهم للحق، وخيانتهم للعهود، وافترائهم على الله (عبثوا بمعنى اللفظين العبريين القريبين من العربية 'إسر' و'إيل'، وأوَّلُوهما ليصبح معناهما 'المنتصر على الرب' بعد أن كان 'خادم الرب')، قالوا: 'إن الله فقير ونحن أغنياء'! ، وقالوا: 'يد الله مغلولة، غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا' (المائدة66) و 'عزير بن الله'، تعالى وتقدس في نور جلاله وكبريائه وعزته ، فقتلوا أطهر الناس وأشرفهم وأحسنهم أخلاقا (الأنبياء)، وحرفوا شرائعهم، وكذبوا على ربهم زاعمين أنهم أحباءه وأصفياءه من خلقه، اخترعوا الأباطيل وزوروا الحقائق، وأكلوا الربا وأباحوا الزنا 'لا يتناهون عن منكر فعلوه'، يسارعون في الآثام والعدوان، ويوقدون نيران الحروب والفتن وينشرون العداوة والبغضاء. لكل هذا لازمهم غضب الله ومقته 'كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله'.
قضية إيمان: لكن لا أمة بلا إيمان، لأن الإيمان هو الزاد الأغلى والكنز الأبقى الذي على العبد أن يحيى به ويجاهد من أجله، ويحب به، ويبغض لأجله، ويلقى به ربه. بالإيمان نخشى الله ولا نخشى سواه، نتوحد ولا نتفرق، نتعاون ولا نتهاون، نجاهد ولا نسوف، نقبل على الله ولا ندبر، نحتسب ولا ننسحب.
يحدثنا القرآن الكريم عن إفساد اليهود واستعلائهم في سورة الإسراء: 'وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَ لَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَ كَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً' (الإسراء5) ، اختلف المفسرون في الفساد الأول لكثرة إفساد اليهود، أما الإفساد الثاني فهو بلا شك ما يقع اليوم في زماننا، على مرأى ومسمع من إنس العالم وجنه. لضعف إيماننا وانتكاس إرادتنا وسفاهة حكامنا وهرولة مثقفينا و تبدير ثروات أمتنا في اللهو والعبث. ولما يصلح حالنا يبعث الله عبادا مؤمنين محسنين مجاهدين في قلوبهم الإيمان الجديد وفي أيديهم البأس الشديد ' فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَ كَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً'. حتى اليهود يعتبرونها قضية إيمان، انطلاقا من أسطورة 'أرض الميعاد' المسترجعة التي يعتبرونها فقط مرحلة انتقالية نحو 'إسرائيل الكبرى' التي ترسمها الخرائط الصهيونية والتي تضم جزءا كبيرا من المشرق العربي؛ الأردن وسوريا والعراق ومصر، وكأن المسلمين انقرضوا من على وجه البسيطة، فهم في نظر اليهود 'أمميون' مصيرهم – حسب التأويل المتطرف للتوراة– الإبادة، إن هم امتنعوا عن خدمة الشعب المختار. 'ليس علينا في الأميين سبيل'...فاعتبر يا من يوهم الناس بمفاوضات مدريد (1991) أوسلو(1993) وشرم الشيخ.....واللجنة الرباعية والخيانة الخماسية!
بالإيمان والإيمان وحده' كما كان يردد بطل الريف محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله تتحقق المعجزات، وبالإيمان اليوم تقف مواكب الشهادة غصة في حلوق الظالمين، وسهما في أعناقهم...لا يضرهم من خذلهم، ومن لم يحدث نفسه بالجهاد لتحرير فلسطين ومات فقد مات على شعبة من نفاق، و'من لم! يهتم بأمر المسلمين فليس منهم'.
قضية تاريخ: أرض فلسطين، نموذج صارخ للصراع بين الحق والباطل، بين الإيمان والكفر، بين دعوة الأنبياء و جهالة أقوامهم، بين الذين يأمرون بالقسط من الناس وبين الملأ المستكبر. سنة الله في خلقه: التدافع؛ يوم لنا ويوم غيره حتى يأتي أمر الله، حسنة النصر أو حسنة الشهادة. 'ولا تظلمون فتيلا'.
أكثر الأنبياء قتلوا في فلسطين، وأكثر المجاهدين استشهدوا في فلسطين، وأكبر صمود اليوم هو صمود أهل فلسطين. بارك الله في أبناء فلسطين وفي أبناء كل المسلمين.
إن الاستكبار والغدر متجذران في الشخصية اليهودية التي تُلقَّن منذ نعومة أظافرها مبادئ العنصرية والسفك والقتل، وتجعل من بني إسرائيل شعب الله الم! تفوق خلقة على كل الشعوب (خاصة العرب). وذلك ما سطر في توراتهم: 'ففي ذلك اليوم، فتح يوشع ماقدة وأباحها وملِكها للسيف. لم يدع فيها حيا '. وتحكي  قصة المدن التي أبيحت وأبيد أهلوها عن آخرهم: ليفرا، لاقش، غزة، عجلون، حبرون (الخليل)...
علينا فهم التاريخ لمعرفة قوانينه الإلهية والاستعداد لموعود الله بالشرط الثابت في كتابه الكريم: 'ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، إن يمسسكم قرح فقد مس ! القوم قرح مثله. وتلك الأيام نداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين' (آل عمران، 139/140). تداول الأيام بين الناس، بين الأمم، بين الحضارات، سنة الله في سير الأحداث؛ تسخيره واستدراجه، إيجاده وإمداده، أخذه وعطاؤه، رفعه وخفضه، تأييده وانتقامه، نصره ومكره، خلقه وأمره...
يعيش شعب فلسطين اليوم -في عصر المشاريع الحداثية الديمقراطية- معاناة دائمة، دشنت رسميا من مصيبة 19! 48، و بلية 1956، مرورا بطامة 1967، ثم كارثة 1973 إلى مذابح صبرا وشاتيلا و جنين وبيت حانون و يوميات غزة والبقية تأتي.
قضية مستقبل: ستظل إسرائيل الابتلاء مؤقتا، ريثما يدرك المليار ونصف المليار مسلم المتشرذمون الذين يعيشون الغثائية في أجلى صورها هويتهم الحقيقية، أنهم حملة رسالة تفرض التبليغ، وعليهم أمان! ة توجب الأداء. إن الابتلاء قاعدة معيارية مركزية في ديننا يميز الله بها الذين آمنوا وعملوا الصالحات من المنافقين والمرتابين. وعد الله  بالنصر جلي في كتابه المجيد، لكن تنزيله في أرض الواقع رهين بإعداد شروط القوة؛ قوة الإيمان والإيقان، قوة التخطيط والتدبير، قوة الحديد والبأس الشديد، قوة الصبر الحازم واليقين الجازم، إلى أن يأتي 'وعد الآخرة'، وعد المواجهة المصيرية الكبرى، التي سنسوء فيها وجوه الغاصبين ونردهم على أدبارهم مدحورين مخذولين ملعونين، وعد الشراكة بين البشر والحجر والشجر، فيعز الله فيه جنده، وينصر عبده. وشرط النصر الاستحقاق. بيننا وذلك اليوم زمن وكيان وقوة وحكمة.

المسـؤولية

على من تقع المسؤولية تجاه فلسطين؟ أمام الله وأمام الأمة.
على الحكام؟ أم على الشعوب؟ أم على أمريكا؟ أم على أوربا؟ أم على الجميع؟
أعتقد أن كل صنف من هؤلاء عليه كفل مما أصاب فلسطين.
مسؤولية الحكام: الذين جعلوا أولوية أولوياتهم في حفظ عروشهم، باعوا الدين بعرض من الدنيا، فوالوا الكفار ومكنوهم من رقاب الأمة في كل مجال، مقابل حماية كراسيهم، وعادوا المسلمين واستضعفوهم وقتلوا فيهم المروءة والشهامة، وحولوهم إلى عبيد يتكففون الناس، يموتون بالجوع والفقر والأمية والهجرة والسجون. الحكام العرب اليوم رهانات خاسرة في قضية فلسطين وفي كل ما يهم أمر المسلمين.
رائحة الخيانة الرسمية والعمالة لإسرائيل تزكم الأنوف، والنخوة العربية أصبحت تقاس بالانحناء للعدو والتطبيع معه. أسد علي وفي الحروب نعامة. وخذ مثالا مخجلا للانبطاح الرسمي: حصان الملك عبد الله هدية تشجيعية للمجرم السفاك شارون عليه لعنة الله والملائكة و الناس أجمعين، على حسن معاملته للفلسطينيين، وخاصة بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي!!! (29)  
فضلا عما ذكره الأعور موشي ديان في مذكراته أنه كان ينزل في أفخم قصور الملك الح! سن الثاني وكان يشعر بكثير من الرفاهية وهو في قصور الضيافة في الرباط دون أن يعلم بوجوده فيها غالبية الشعب المغربي وحتى العديد من المسؤولين والرسميين
لم يعد الحاكم ذلك العائق الذاتي الذي يمنع تحقيق المواجهة مع عدو أمة الرسالة: الصهيونية والاستكبار الأمريكي، بل يقف سدا منيعا دون انبعاث الأمة على جميع المستويات. إنه يخنق أنفاس الشعب ويتعامل معه دون مرتبة العبيد. يحاصر قيام أية إرادة فاعلة قادرة على التشريع والتخطيط والتدبير وإبداء الرأي والنظر إلى الأمور باستقلالية. شعاره دائما هو 'ما أريكم إلا ما أرى'، وحوله للأسف حاشية السوء يطبلون.
إننا في حاجة إلى فقه سياسي جديد يتجاوز الحاضر وخيارات الحاضر، فقه تتجدد فيه علاقة الحاكم بالقرآن أولا، وبالمحكومين ثانيا، على هذه العروة وضع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أصبعه حين قال: 'ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب! حيث دار. ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم، إن عصيتموهم قتلوكم، وإن أطعتموهم أضلوكم' (3)
ومع تجديد علاقة الحاكم بالقرآن ستتجدد علاقة الحاكم بالمحكومين على شكل ينزل الأول من مقام العصمة الذي يعتبر خيانة لله وخيانة لرسوله، ويخضعه لرقابة الأمة ومعيار القرآن والسنة النبوية والتجربة الراشدة.
فكلنا نستهجن هذا الصمت والعجز العربي والإسلامي الرسمي، ووقوف قادة الأمة العربية والإسلامية يتفرجون على أبناء شعبنا العزل وهم يذبحون بالمئات وتدمر مدنهم وقراهم ومخيماتهم، ويقطع عنهم الماء والكهرباء والغذاء، فلا عذر لكم يا قادة الأمة العربية والإسلامية ولجيوشها أمام الله، عن سكوتكم المخجل على جرائم العدو دون أن تحركوا ساكنا .أين سلاح النفط؟ أين هي قيمتكم عند العدو وانتم تطبعون معه في كل شيء؟ ألم تسمعوا الأمهات الفلسطينيات تصحن بعد كل مجزرة: أين أنتم يا حكام العرب؟؟؟
إن تاريخ الحكام العرب يثبت أنهم لم يتورعوا في يوم من الأيام عن وضع أيديهم في أيدي الصهاينة الملطخة بدماء الفلسطينيين العزل، في السر أو في العلن. مبرهنين أنهم لا يمثلون شعوبهم في شيء. بل مثبتين أنهم حراس اليهود من غضب الشعوب، ولا ننسى ذلك الامتناع المخجل من طرف الحكومة المغربية عن استقبال قادة حماس لما حضروا المؤتمر الإسلامي العربي! وهي التي لم تتورع يوما عن استقبال أعداء الأمة الصهاينة بابتسامتها الصفراء

مسؤولية العلماء: قال الله تعالى: 'لتبيننه للناس ولا تكتمونه' فمهمة العلماء هي بيان الحق وقول الصدق، وقيادة الأمة قيادة عزة وكرامة، لا تخشى في الله لومة لائم، 'وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر'، فهم ملح الأمة ونموذجها. فإذا تنافس العلماء في الدنيا وتسابقوا إلى باب السلطان بالمديح والتملق، وتحولوا إلى خدام أوفياء لسلاطين الجبر والإكراه فاغسل يدك منهم، وعاملهم كأن لم يخلقوا. ' إذا رأيتم العالم يلج باب السلطان فاحذروه'. فأخطر ما أضر بأمتنا هم فقهاء السلاطين، علماء البلاط 'الذين يشترون بآيات ! الله ثمنا قليلا'، ولا يجتهدون إلا في التبرير ولا طموح لهم في التغيير. وضل من ظن أن العميان تهديه.
إن مهمة العلماء عموما هي:
- تجديد الإيمان في القلوب، بتربية الناس على حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتحاب في الله والتخلق بأخلاق رسول الله، من رفق وحلم وتواضع وشجاعة في الحق، وأمانة....وتعليم الأمة العلم النافع في الدنيا والآخرة.
- و إقامة شرع الله في أرض الله، بالعدل في قسمة الأرزاق والعدل في الحكم...بالشورى، بالمسؤولية والمساءلة، بالحرية والإختيار، بالتعاون والاجتهاد....
مسؤولية العلماء العاملين هي قيادة الجهاد التحريري والتكويني، وتوجيهه الوجهة التي يرضى الله، تحرير القلوب والإرادات والمبادرات، وتكوين الطاقات والمؤسسات...أداء للأمانة وتبليغا للرسالة.
أما احتلال العدو الأجنبي لأي بلد من بلدان المسلمين فتصبح المواجهة لدفعه بمختلف الوسائل بما فيها القتال فرض عين. فالجهاد الدفاعي هو محل إجماع المسلمين، والقرآن الكريم حافل بالتوجيهات الربانية التي تحض على ! الجهاد دفعاً للعدوان والظلم الذي يتعرض له المسلمون مثل: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين- يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار- 'فإن قاتلوكم فاقتلوهم- والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون- واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم)
الجهاد والقتال في فلسطين ليس محلاً للنقاش؛ فطالما وقع الاحتلال والعدوان على الأرض والشعب وجب على العلماء إن أرادوا الصلح مع الله أن يتركوا التفاهات لساقطي الهمم و أن يلتفوا حول قضايا الأمة ومنها القضية المركزية؛ تحرير فلسطين كأرض مغتصبة وتخليصها من الاحتلال واعتبار ذلك فريضة إسلامية تندرج تحت فرض العين، كما هو حكم الصلاة والصيام وبقية فروض الأعيان في الشريعة الإسلامية.  فلا تقبل المساومة ولا المتاجرة ولا التعطيل ولا التهوين
.
إن طبيعة العدوان والاحتلال الصهيوني على أهل فلسطين، تؤكد أن وسيلة التحرير وتصفية الاحتلال هي الوحدة والقوة، ولا وحدة ولا قوة من غير تعبئة إيمانية شاملة وعميقة، وبناء كيان إيماني واقتصادي وسياسي قوي ومهاب يحسب له ألف حساب.
مسؤولية الشعوب: يستحيل على الشعب العربي، انطلاقا من هويته وشهامته أن يقبل بالتطبيع مع كيان غاصب لأرض المسلمين ومدنس لمقدساتهم وسافك لدماء الأبرياء منهم . وقد عبر المسلمون عن ذلك من خلال المسيرات المليونية التي شهدتها الشوارع، والتي نددت بجرائم الكيان الصهيوني وأعلنت التضامن غير المشروط مع المقاومة الفلسطينية، ورفضت كل أشكال التطبيع مع المجرمين الصهاينة.
إن الذين يريدون أن يفرضوا إرادتهم ضد إرادة الشعوب إنما يعزل! ون أنفسهم بأيديهم.
إن شعوبنا في غنى عن طعنات أخرى في الظهر تزيد من جروحه، وتثخن جسمه الرخو، الذي انتشر فيه الوباء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. كثيرة هي الطعنات التي ابتليت بها هذه الشعوب من جراء قرارات انفرادية في قضايا مصيرية لا زالنا نؤدي ثمنها إلى اليوم.
بناء مؤسسات قوية وذات مصداقية: بإعادة تأسيس الدعوة والدولة على تقوى من الله، و تجديد القادة؛ وفضح المتواطئين من بني جلدتنا.وإقامة الدولة القطرية ريثما تتوحد الأقطار الإسلامية لتشكل دولة الخلافة الموعودة إن شاء الله.
التضامن و التعاون والنصرة: 'المومنون والمومنات بعضهم أولياء بعض' بالقول والفعل، بالخطبة والخطوة، والأخوة الإسلامية تقتضي التضامن والمؤازرة.
"انصر أخاك ظالما ومظلوما"،  بالمال والمعدات والدعاء. بمقاطعة المفسدين وليس فقط بمقاطعة المواد، فالحكومات العربية هي أكبر منتوج أمريكي يجب أن يقاطع.
مسؤولية أمريكا: أما الولايات المتحدة، فقد دعمت الدولة اليهودية منذ نشوئها لثلاثة أسباب كبرى هي:
1
- سبب اعتقادي: يتأصل في مشاركة الديانة البروتستانتية للصهيونية في الإعتقاد بعودة مملكة صهيون (إسرائيل الكبرى)
2 - سبب اقتصادي: يتمثل في توفر الأرض العربية على أكبر حقول النفط في العالم مما يشكل انزعاجا من مستقبل المسلمين الإقتصادي، ولدرئه تحتاج أمريكا إلى حارس 'أمين' يحفظ الكنز ويشوش على أهله.
3 - سبب سياسي: ويكمن في تمكن الجرثومة الصهيونية من التسرب إلى أكبر مراكز القرار في الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية. وتشكيلها! لمجموعة ضغط يسندها حوالي ستة ملايين من اليهود يملكون الثراء والقوة، ويتمتعون بالنشاط والدعم والحماية.
لذلك فدعم أمريكا وحلفائها لإسرائيل لا يحصى. فزيادة على دعم يهود الشتات الأثرياء، يتجسد حلف الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
فما جدوى الاحتجاجات والنقض الأمريكي كَنَسَ أكثر من ثلاثين قرارا أمميا يدين الدولة العبرية ويبدي استعداده لنقض كل قرار مماثل؟ لقد أصبحت خدمات البيت الأبيض للدولة الصهيونية أكثر سخاء وأكثر تحررا من القيود الآن وقد تكاثر المستشارون اليهود في الإدارة الديمقراطية وتضاعف عددهم حتى تعذر إحصاؤهم؟ (4)، وما زالت الولايات المتحدة توفر حاليًا 600 دولار سنويًّا لكل فرد في إسرائيل!
مسؤولية أوربا: كان لليهود دين على أوربا سيؤديه العرب. فلقد احتُلت أراضيهم، وجهزت لاستقبال الأجناس اليهودية المدعومة إلى أرض الأجداد. ثم تطور الأمر فأصبحت الأسطورة المؤسِّسة للمطالب اليهودية تتمتع بالحماية القانونية، إذ تم التصويت في فرنسا لصالح قانون غيسو – فابيوس سنة 1990 ليعاقب بصرامة شديدة ! كل من طعن في العقيدة السياسية الصهيونية وشكك مثلا في وجود أو حجم الإبادة التي تعرض لها اليهود في ألمانيا النازية.
وهكذا أصبح بفضل الدعاية اليهودية هتلر عدوّ الجنس البشري – الذي أثار الحرب العالمية الثانية وتسبب في قتل خمسين مليون نسمة منهم عشرون مليون سوفييتي – جلاد اليهود واليهود فقط.
إن وظيفة أوربا اليوم هي إلهاء المسلمين وإشغالهم بالصراع الإسرائيلي لإضعاف قوتهم وشل نفوذهم وضمان تبعيتهم وتكريس فرقتهم وتقلصهم السياسي والاقتصادي.
أوربا تساوم الحكام على فلسطين مقابل إغراءات وهمية من قبيل ضمان تسلطهم واستقرار حكمهم... ولا تردد في مد الدولة العبرية بالدعم العسكري والمالي، والتكنولوجي والدبلوماسي والأمني ...وتمنع الشعب الأعزل –إلا من إرادته- حتى من المساعدات الغذائية! وتضغط على حكوماتنا لمنع وصول المساعدات التي تقدمها الشعوب الإسلامية والعربية لشعب فلسطين. بل تضغط عليها كي لا تستقبل أعضاء حكومة حماس! (الأردن، المغرب...(
وبالأمس ( 13/11/2006 ) صرح وزير خارجية فرنسا أن 'أمن إسرائيل لا يساوم!'  وأمن فلسطين؟؟؟
والأكيد هو أن الدول الأوروبية غير جادة  في إقامة دولة فلسطينية لا على أرض غزة، ولا على أرض الضفة، و لا على وقف العدوان الواقع على أرض فلسطين، و حديثها عن 'خريطة الطريق' جاء فقط لكون العدو الصهيوني في ورطة حقيقية مما تسببه له عمليات المجاهدين من ضيق وذعر وإحراج.
ما العمـل؟
وضع أمتنا لا يسر الناظرين؛ فلسطين تباد، عراق ينزف، دويلات تتنازع، اقتصاد هش، ثروة بشرية وطبيعية مبددة، دبلوماسية منهزمة، مؤسسات لقيطة، دساتير ممنوحة، انتخابات مزورة، برلمانات ديكورية، إدارات بيروقراطية، تعليم هجين، إعلام مائع، شباب مهان، عباقرة يسلخون في العواصم،...والقائمة طويلة
.
فمن يمثل المسلمين حقيقة على أرض الواقع وأرض المستقبل؟
سوى المؤمنين المجاهدين الذين باعوا الدنيا بالآخرة 'إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ '. (التوبة111)
الفوز العظيم بالتربية الإيمانية، بالصبر واليقين والاقتحام وحب الشهادة (صناعة الموت)، بالعلم والتقنية والتنمية، بالقومة على الظالمين ونصرة المظلومين، وتجديد دين الأمة وإقامة شرع الله على أرض الله
.
بالتربية الشاملة لرجال ونساء الصدق والأمانة والقوة، 'إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ' (الرعد11)
بالصبر والاقتحام و اليقين، لا بالكسل والجبن والبخل الذي عودنا الحكام العرب. قال الله تعالى: 'وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ' (السجدة24)، 'وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ' (الروم47)، قال ابن تيمية رحمه الله: 'بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدنيا والدين'.
بالجهاد وهو بذل الجهد لإقامة الدين، على كل المستويات، وبمختلف الأساليب والوسائل المشروعة.لا بسلام الذئاب.
و في الغد القريب سيدرك المسلمون أهمية الرهان الفلسطيني ويهبون طوعا لتلبية نداء إخوتهم فتتحرر الأرض ويتحقق القصد، و سيدفع المجرمون جزاء مجازرهم ثمنا غاليا وقاسيا، وإن غدا لناظره لقريب.
على العلماء والحكام والدعاة ومفكري الأمة العربية والإسلامية أن يتحملوا مسؤولياتهم أمام الله وأمام شعوبهم ويعطوا الحقوق والسلطة للشعوب لتقول كلمتها وتتخذ الخطوات العملية والحقيقية لنصرة الشعب الفلسطيني والأمة المسلمة جمعاء، واستخدام كافة إمكانات الأمة للضغط على العدو وأزلامه، بما فيها وقف تصدير النفط العربي.
على جماهير الأمة العربية والإسلامية أن تواصل وتضاعف حملاته ا التضامنية مع إخواننا في ساحة الإبتلاء والقتال
.
وسيتم إن شاء الله التحرير المتدرج للأقطار الإسلامية، بالتنظيم والتخطيط والتدافع والبناء والتوسع والتمكن والانتشار. وستتحرر فلسطين، لكن لا ننسى تحرير أنفسنا من شرها وكيدها وتآمرها مع حليفها القديم (إبليس).
 لا ننس أننا سنقف أمام الله تعالى حفاة عراة، لا ننس الوقوف بين يدي الله في يومنا وليلتنا حتى لا تكون همتنا الأرض ونهايتنا الدنيا. وحتى نفوز بمرضاة الله ورسوله صلى الله علبيه وسلم. والحمد لله رب العالمين
.

 برشيد 13/11/2006

 1 -   وردت كلمة 'يهود' في القرآن الكريم 9 مرات، وسماهم 43 مرة ب 'أبناء إسرائيل'.

2 - يدعوت أحرنوت' الإسرائيلية: 7 /4/2005. نقلا عن أسبوعية ''الصحيفة'' العدد 206 / 13/4/ 2005 'كشف رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون أنه تلقى من العاهل الأردني الملك عبد الله جوادا عربيا أصيلا وقد كان سعيدا جدا لو كان بإمكانه قبول الخيل لكنه اضطر إلى إبلاغ الأردنيين بأنه لا يستطيع قبول هذه الهدية السخية بسبب قانون الهدايا في إسرائيل... وقال شارون مازحا: لا يوجد عشب في غرفة الهدايا ولا أريد تعذيب الجواد'
3 -
   رواه أبو نعيم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.

4 - الإسلام والحداثة، ط. 1، ص: 137.

 

فصل المقال في ما بين "النقابي" و"النْقَايْبي" من اتصال
واقع وآفاق العمل النقابي في المغرب
بقلم  الأستاذ/ محمد سعيد الريحاني من القنيطرة

الأدوار الجديدة للنقابية في المغرب:

لقد كانت بيانات أكتوبر السنوية الفاضحة للتوجه الجديد في صناعة الطبقة الوسطى بالمغرب والمنشور على  هدا الرابط: :http://www.khayma.com/culture-space/arabicversion-bilans-index.htm وراء التغيير الذي تجاوز ويتجاوز آفاق وحسابات النقابات الثلاثين الحاصلين على الترخيص الرسمي بالعمل العلني في المغرب. بل إن بيانات أكتوبر السنوية   كشفت بما لا مجال للشك فيه أن العمل "النقايبي" التحريفي الجديد ليس غير آلة جديدة لتطويع الشغيلة ولا يربطها بماضيها وتاريخها سوى "الاحتفال" بفاتح ماي. فقد بدأ يتجلى بكل وضوح الدور الجديد للنقابات. إن النقابية في المغرب، بعد سنة 1998، سنة "التناوب"، اتخذت مفهوما جديدا وغريبا كل الغرابة عن الأصول التاريخية التي قامت عليها. فأدوارها صارت تتوزع ما بين خمسة وظائف:
التبشير بالترقيات والزيادات في الرواتب وحذف الضرائب عن الرواتب....
التبرير: بوضع ترسانة من الأسباب المغلفة بالمعقولية والعلمية لرفع سن التقاعد من الستين إلى الخامسة والستين لعدة أسباب يتفنن المناضلون "النقايبية" المتجولون في الساحات والشوارع والمقاهي في ترويجها تارة باسم "ارتفاع معدل الحياة عند المغاربة" وتارة باسم نكتة "علمية" أخرى...
التهدئة: إشاعات سعيدة، وتفاؤل دوري (مغادرة طوعية، العمل بالمهجر، جديد في الحركة الانتقالية، نسبة نجاح إضافية في المباراة القادمة...
الهجوم على الرأي الآخر وتكذيب الآراء الحرة ومطاردة الأصوات الشريفة وتهديدها بالاعتداء المادي والرمزي
.
تشييئ الشغيلة: ففي محنة زلزال الحسيمة، بادرت الشغيلة التعليمية للتضامن ماديا وبشكل طوعي مع إخوانها المنكوبين في الحسيمة لكن أيام بعد هدا التضامن هرولت المركزيات النقابية الخمس لدفع عربون تقربها من السلطة المركزية بالتضحية بالشغيلة وفرض اقتطاع اضافي مباشرة من الراتب الشهري للشغيلة بما في دلك الشغيلة التعليمية في مدينة الحسيمة المنكوبة... فإذا كانت 5% من الشغيلة التعليمية منخرطة في العمل النقابي، فباسم من تتحاور هده المركزيات مع الحكومة؟ ومن خول لهده النقابات الحق بالحوار مع الحكومة باسم 95% من الأغلبية الصامتة؟ ما المغزى وراء كل هدا "التمثيل" أو هده "التمثيلية"؟
إنه لأمر غريب يستحق أكثر من وقفة: أن يصبح تصحيح الامتحانات المهنية لرجال التربية والتكوين مطلبا جماهيريا وأن تغدو محاربة الغش في قاعات المباريات المهنية لصانعي أجيال الغد... ولكن الأمر الأغرب هو التواطؤ الفاضح لمنظمات نقابية يفترض أن تكون المبادرة لفتح تحقيق في القضية فإذا بها منتجة لجان "مدججة" بعقليات العمل "المافيوي" لتهديد الجهة الموقعة لبيانات أكتوبر مؤسسة بذلك، علانية، موتها الأخلاقي وانباعثها في عالم الفعل المافيوي رفقة المنظمات الموازية من مافيات الدعارة ومافيات المخدرات ومافيات التهريب ومافيات"التهجيرالسري
"....
فقد كونت لجان من داخل "المحلات" النقابية  "المحلية" لإشاعة الحرب النفسية على الجهة الموقعة لبيانات أكتوبر ولاستثمار الوضعية الاجتماعية المتدنية لأغلب رجال التربية والتكوين المغاربة المرشحين للمباريات المهنية وتوجيهها عكس مطالب البيانات بتخويفهم من البيانات الأكتوبرية ومن تشديد الحراسة في التصحيح ومن الرسوب في الامتحان المهني وضياع فرصة الترقي ومقارعة الحاجة ليخرج "بعض" رجال التربية والتكوين صانعي رجال الغد:"علاش البيانات؟ باش يمنعونا من الغش ويخسروا علينا السوايع. غش، حتى أنت وهنينا".
إن من يقدم نفسه "فرعا نقابيا" للدفاع عن حقوق الشغيلة وهو في الآن نفسه يحتقر الشغيلة التي ينتمي إليها بهدا الشكل هو بكل تأكيد يستلهم الوضع التعليمي والنقابي العام في البلاد ويعرف "المعطيات الثلاث الأخطر" في القطاع النقابي والتعليمي خلال العشرين سنة الماضية والتي تعرف بمحطاتها العشرية:
سنة 1986: سنة بداية تدهورمستوى تلاميد وطلاب التعليم العمومي في المغرب الذي كانت شهاداته تقارن بشهادات أعتى الجامعات في العالم الغربي.
*
سنة 1996: سنة بداية تدهور مستوى مدرسي التعليم الابتدائي العمومي في المغرب بعد قرار التخلي عن توظيف حملة الشواهد الجامعية (الإجازة/ليسانس) والعودة لتوظيف حملة الشهادات الثانوية (الباكالوريا) في وقت ارتفعت فيه بطالة خريجي الجامعات إلى ما يفوق المائة ألف. كما ان سنة 1996 كانت سنة بداية تدهور المؤسسة النقابية التي وقعها "رمزيا" حضور وزير الداخلية المغربي الأسبق ذو السوابق المعروفة لأشغال مؤتمر أحد اكبر المنظمات النقابية في المغرب وأكثرها تأثيرا في الشأن النقابي المغربي حتى تلك السنة.
والأمل، كل الأمل، أن تكون سنة 2006 بداية "العشرية الثالثة" الخاصة بالتصحيح العام وهذه البيانات هي مساهمة في هدا الاتجاه الوطني الحقيقي الصادق. إن هده البيانات هي تقليد جديد من تقاليد النقد الذاتي في الوسط التربوي والنقابي بالمغرب.

 II- - فصل المقال في ما بين "النقابي" و"النقايبي" من اتصال:

                   يميز المغاربة بين المناضل الشريف والانتهازي الطفيلي. وعليه، يسمون المناضل الشريف "نقابيا" تمييزا له عن الانتهازي الطفيلي المندس او المدسوس في العمل النقابي والدي ينعتونه بنعت قدحي مختلف: "نقايبي".  ونعت "نقايبي" مشتق من الفعل المغربي الدارج "نقب"  أي "عاش على الفتات".
لقد بدأ الفصيل "النقايبي" خلال كل تاريخ الحركة العمالية في المغرب مقصيا لكنه انتهى مهيمنا بفعل تحالفات معروفة حول من خلالها كل الإرث النضالي إلى مجرد بوق وأيدي للتصفيق للمشاريع والقرارات...
كما استفاد الفصيل "النقايبي" المهيمن من ضعف الوعي النقابي لدى الشغيلة المغربية وضعف الانخراط فأضاف لكل تلك الأزمات أزمة إضافية تغنيه وتعزز موقعه: "غياب الديموقراطية الداخلية" فكان للمناضلين المخالفين له في الرأي والانتماء "الإقصاء" وكان له هو "الخلود في المكتب". وربما كان من الاجدى إضافة "عجب ثامن" إلى عجائب الدنيا السبع التي من الممكن ان تحفز السياح الأجانب على زيارة المغرب وهو احتكار"المتقاعدين" لمناصب الكتابة العامة أو الامانة العامة للمنظمات النقابية إلى الأبد...
احتكار المنصب من أجل مادا؟
الحنكة والتجربة؟
امتلاك مشروع دنا من تحقيقه؟
..؟
إدا كانت الرياضيات هي أم العلوم، وإدا كان الجميع يدين للعلوم وللتفكير العلمي، فلا بد ان  الرياضيات سبيلنا لمعرفة أمور شؤوننا بسبل علمية يرتاح لها الجميع
.                                                                  
الرياضيات في أشكالها البسيطة تثبت أن "ثلاثين نقابة مغربية" على مدى الخمسين سنة من استقلال المغرب لم  تحقق سوى مكسبين اثنين ضدا على كل أشكال المنطق الرياضي :
 30
نقابة×50 سنة = مكسبين لأساتدة التعليم الابتدائي (مكسب التحاق الزوج بالزوجة+ مكسب الارتقاء للسلم 11..)
فعلى افتراض أن هذا "التشظي التنظيمي الهائل" تحركه إرادة لتحقيق مطالب الشغيلة وحرص على الولاء لمصالح الطبقة العاملة(!)، فإنه يتوقع "بالضرورة وعلى أقل تقدير" تحقيق مطلب واحد سنويا لكل نقابة وهدا ما يجعل المعادلة الرياضية تستقيم على هدا النحو:
:30نقابة ×50 سنة = 15000 مكسبا إداريا واجتماعيا على مدى الخمسين سنة الموالية لاستقلال المغرب. وهدا العدد، لو كان قد تحقق، لكان بإمكانه ان يجعل من حياة الشغيلة في المغرب، موظفين ومستخدم وعمال، لا تقل في رخائها وازدهارها عن حياة جدنا الملك يوبا الثاني...
وما دام لا شيء مما سبق حاصل، فما المبرر إذن لكل هدا التشظي النقابي؟ وما الجدوى من كل هده البلقنة؟...

 III- - حجم العمل النقابي ووظيفة النقابية في المغرب:

 في خطاب لزعيم نقابي سنة 1996 في أوج العمل النقابي، ورد أن 5% فقط من الشغيلة التعليمية المغربية  منخرطة في العمل النقابي وهده النسبة المجهرية من المنخرطين (أو مقتني البطائق لكن حتما ليست بنسبة المناضلين) يدينون بالولاء لثلاثين مركزية نقابية (=30 مركزية نقابية). وكل مركزية نقابية من هده الثلاثين مركزية نقابية  تدين بالولاء لأربعة وأربعين حزبا سياسيا (="أم الأربعة والأربعين"). وكل حزب من هده "الأربعة والأربعين حزبا سياسيا مغربيا" يضع نصب عينيه "الدورة الاولمبية" أو "الدورة الانتخابية" ويضبط ساعته على "الموعد الكبير" الذي لا علاقة له لا "بالنقابي" ولا"بالنقايبي"... ولدلك يعرف المشهد النقابي كل خمس سنوات، وهو بالمناسبة  المقصود ب"الموعد الكبير" ، تشققات وانشقاقات وتفريخ كتاكيت نقابية جديدة في  سعي "فطري" للحضور في الموعد المحدد على مأدبة "المحاصصة".
ثلاثون نقابة (=30 نقابة) تنشق عن بعضها البعض ولا زالت تنشق إلى ما لا نهاية له، وجميعها يحمل، إما من باب السخرية او من باب الإيمان بالفعل، شعار "الوحدة النقابية"!...
وحدة من؟
ونقابية من؟
...
الأرقام الواردة في هدا السياق تحيل على الرياضيات، والرياضيات إدا لم تكن قادرة على إفادتنا في فهم المشهد النقابي المغربي العام، فما جدوى تدريس الرياضيات من أساسها؟...
وإذا كانت الرياضيات عاجزة عن تعليل امتيازات النقايبية:
*
امتياز الأسبقية في التفرغ: وهي الأسبقية التي لا تعطى لا للكتاب ولا الباحثين ولا الفنانين المنتمين لقطاع التعليم
* امتياز الأسبقية في التقاعد: التقاعد النسبي والمغادرة الطوعية...
*
امتياز الأسبقية في "التنجيح" في المباريات المهنية للارتقاء للسلالم العليا...
*
امتياز الأسبقية في الترقية بالأقدمية...
*
امتياز الأسبقية في الانتقال والتنقل والتنقيل في الحركات الانتقالية والإدارية...
من أجل ماذا كل هده الامتيازات السخية للفصيل "النقايبي"؟
ما هي الوظيفة التي يؤديها "النقايبية" مقابل كل دلك؟
...
إن المتتبع لما يجري في الغرب نقابيا يقف  عند درجة المصداقية التي يتمتع بها العمل النقابي هناك و يعرف أصل الداء الدي حل بالجسد النقابي المغربي. ففي دول اسكاندينافيا، مثلا، السويد خصوصا، يتم  فرض اقتطاع جبري على كل الموظفين يصل حد 1% من الراتب الشهري يمر "مباشرة" لحساب النقابة الوحيدة للشغيلة التعليمية التي تبقى مسؤولة ديموقراطيا امام قواعدها: "نقابة العمال" وليس نقابة الحزب السياسي والموعد الانتخابي!... وفي كل دول المعمور، يتم  فرض أثمنة لكل النضالات النقابية كاقتطاع يوم عمل لكل إضراب ... وكل دلك رفعا لدعم الدولة للنقابات الدي يترتب عنه بشكل آلي شراء ذمم المناضلين والتلاعب بمصائر الشغيلة.

خاتمة:

إن ما لم يحدث في بداية استقلال المغرب (بعد خروج الحركة الوطنية المغربية خاوية الوفاض) يحدث اليوم بعد خمسين عاما من الاستقلال مع "أحفاد الأعضاء السابقين لأحزاب الحركة الوطنية". وفي قطاع التربية والتكوين ومبارياتها المهنية خير تجل لذلك.

محمد سعيد الريحاني

 

إصلاح التعليم العالي بالمغرب: مساهمة في التنمية أم هدر للموارد ؟

 تقرير حول الإصلاح  البيداغوجي
من إنجاز : الأستاذ  زهير مويـــــن من بني ملال

 مقدمــــــــــة :

 غالبا ما تأخد كثير من العروض والدراسات حول إصلاح التعليم  طابعا تقنيا محضا. وإذا كان الطابع التقني يهدف من جهة إلى إعطاء الصبغة العلمية لهذه العروض فهو يتجنب الخوض في الأبعاد الثقافية و المجتمعية للإصلاح، ما يوهم المهتمين بأن المشكل في إصلاح التعليم مشكل تقني يكفي لحله معالجة الجوانب التقنية قي تجاهل تام للبعد السياسي والرهانات المعلقة عليه.  فالدراسات التقنية و التجزيئة ضرورية متى اتضح التصور العام للنموذج التربوي المراد بناؤه.
وللوقوف على الأخطاء التي ارتكبت في  الإصلاح البيداغوجي الحالي و التراكمات السلبية التي تخللته مند انطلاقته كمشروع و خلال ثلاث سنوات من تطبيقه، بعد أن أصبحت مؤشرات لا تبعث على الارتياح تلوح في الأفق،  سنحاول ضبط الخلل على مستوى:
بعض المفاهيم النظرية المؤطرة
أجرأة بعض الشعارات على أرض الواقع الملموس
الالتزام بتفنيد ما هو ممكن.
ذلك أن وجود الخلل بأحد هذه المستويات يؤدي إلى هدر كبير للوقت والجهود والموارد و يشكل عائقا للتنمية والتقدم.

 مرحلة 1999- 2000:

 بعد تنصيب حكومة التناوب سنة 1999،  تم تشكيل اللجنة الخاصة بالتربية و التكوين التي عملت على صياغة الميثاق الوطني للتربية و التكوين.  و قدرت هذه اللجنة الكلفة الإجمالية للإصلاح ب 28 مليار درهم كتقييم أولي على عشر سنوات أي 2,8 مليار درهم لكل سنة، وأن ذلك سيتطلب الرفع ميزانية التعليم ب 5 % سنويا، وهي نسبة الزيادة المطردة  المنصوص عليها في الميثاق. و في سنة 2000 تم التصويت في البرلمان على قانون 01 . 00  الذي مثل الإطار القانوني لهذا الميثاق،  مع الإشارة أن النقابة الوطنية للتعليم العالي تقدمت بأكثر من 50 اقتراح تعديل بخصوص مشروع هذا القانون ،و لم تؤخذ هذه الاقتراحات بعين الاعتبار.

الإصـلاح البيداغـوجي 2001 – 2006

 يمكن تقسيم  هذه المدة إلى  ثلاث مراحل  كالتالي:
 n المرحلة الأولى : مرحلة الوزير نجيب الزروالي
n المرحلة الثانية : مرحلة الوزير خالد عليوة
n المرحلة الثالثة : مرحلة الوزير الحبيب المالكي

 - 1المرحلة الأولى:

  تمت الانطلاقة الرسمية للإصلاح البيداغوجي يوم 28 فبراير 2001. و اقترحت الوزارة الوصية أرضية لمشروع الإصلاح البيداغوجي عبر وثائق سميت للاستئناس تم توزيعها قصد المناقشة مع مكونات التعليم العالي.
و قام الوزير نجيب الزروالي  بجولة عبر الجامعات ، عرض خلالها هيكلة الدراسات التي تعتمد:
نظام التدريس بالوحدات المتعارف عليه دوليا الذي يقضي بتدريس مجموعات بعدد قليل من الطلبة كنظام لاكتساب المعارف
مسالك و وحدات في إطار الهندسة البيداغوجية المعروفة ب 5 فصول المنصوص عليها في  الميثاق  اكتساب الوحدات عن طريق المراقبة المستمرة و الامتحانات المنظمة مع ترصيد المكتسب منها
تركيز مسار الطالب على التوجيه
 والتقويم وإعادة التوجيه.
و من أجل  توجيه الطالب تضمنت هذه الهندسة جزء مهم من وحدات التحسيس
 والتواصل واللغات بحجة أنه ، يقول الوزير، لا يمكن انتظار 12 سنة وهي المدة يتطلبها إصلاح التعليم الابتدائي والثانوي لتكوين تلميذ يدرك التوجه الذي يناسبه عند ولوج الجامعة. و دافع الوزير على هيكلة الدراسات هذه،  لكونها ستساهم في حل المعضلة المعروفة ب:
 60%  يغادرون التعليم العالي دون الحصول على الإجازة، 52 % منهم في مستوى السلك الأول الجامعي 10% فقط  يحصلون  على الإجازة خلال أربع سنوات.
 
كما ظهر مفهوم  "ترصيد المكتسبات وتثمين التجارب الجامعية السابقة" أثناء عرض مشروع الإصلاح البيداغوجي.

 الأهـــــداف :

 إعادة هيكلة الجامعة وتحقيق استقلاليتها في الميادين البيداغوجية والإدارية والمالية
إشراك الأساتذة والإداريين والطلبة في تسيير وتدبير المؤسسات.
إعادة هيكلة نظام الأعمال الاجتماعية للطلبة
توفير كل التدابير الموازية للإصلاح.
جعل الجامعة أداة للتنمية.
رفع نسبة التمدرس في التعليم العالي إلى المستوى الذي يتناسب مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
الإسراع بإصلاح الأسلاك الجامعية الأولى.
دعم استعمال التكنولوجيا الحديثة للاعلام والتواصل.
حفز الموارد البشرية وتحسين تكوينها وكذا ظروف عملها
تنويع مصادر تمويل التعليم العالي وترشيد النفقات.

الكلمـــات - المــفاتيح :

نظام التدريس بالوحدات- مسالك و وحدات - استقلالية البيداغوجية - الإدارية والمالية- إشراك الأساتذة والإداريين والطلبة- المراقبة المستمرة-الطالب محور الإصلاح - الجامعة أداة للتنمية- تنويع مصادر تمويل- وترشيد النفقات –

ربط الجامعة بالمحيط السوسيو-اقتصادي- الخ…

 النقاش العام: من 28 فبراير 2001 إلى10  يوليوز2001

 عرفت هذه المرحلة:

 - تكوين لجان تتبع و تنشيط الإصلاح البيداغوجي CREASUR- CAPESUR

-  لجان الخبراء
 - ورشات نظمتها الوزارة الوصية

 - جموع عامة نقابية محلية جهوية وأيام دراسية... الخ

 - إصدار بيانات عبر الأساتذة من خلالها عن:

-  مجموعة من التخوفات كبلقنة الإصلاح  إذا تم التركيز عند الانطلاقة على مؤسسات دون أخرى...  الخ،

- مجموعة من التساؤلات كتلك المتعلقة بالسلك الثالث بشكل خاص  و مآل  البحث العلمي  

- أشار الأساتذة، عبر ممثليهم بلجان تتبع الإصلاح البيداغوجي، إلى مجموعة من النقط سميت بالنقط المبدئية آن ذاك،  مؤكدين على ضرورة الحسم فيها قبل الشروع في النقاشات  ذات الطابع التقني.

 

النـقط المبدئية :

         ومن بين هذه النقط المبدئية:

 - مسألة التمويل

-  ضرورة إشراك الطلبة في النقاش حول مشروع الإصلاح البيداغوجي المقترح

- مجانية التعليم

 - تأهيل الإدارة لمواكبة التحولات المرتبطة بهذا المشروع

 - تعبئة باقي الوزارات الوصية على مؤسسات التعليم العالي من أجل انطلاقة موحدة للإصلاح باعتباره من النقاط الواردة في تصريح حكومة التناوب- ...الخ.

الاختــــلالات :

  -  لم يجمع مشروع الإصلاح البيداغوجي بين الطموح و إمكانات الواقع نظرا لاستحالة تطبيق نظام التدريس بالوحدات المعمول به في الدول المتقدمة، و الذي يعتمد  تدريس مجموعات بعدد قليل من الطلبة   (كليات الحقوق و كليات الآداب، مثلا: كلية الحقوق بمراكش 18000 طالب – 34 قاعة – 7 مدرجات 168 أستاذ).
-
 عدم التزام المسؤولين بمفهوم "تثمين التجارب الجامعية السابقة" الوارد في الخطابات الرسمية،  أدى إلى إعادة إنتاج مشاكل معروفة مسبقا، و بشكل معمم على المستوى الوطني،  سبق أن تمت الإشارة إليها منذ 03 مارس 2001 في إطار تجربة التدريس بنظام الوحدات بكليات العلوم و التقنيات
 - غياب تصور متكامل ومدروس لمشروع الإصلاح البيداغوجي  من شأنه الإجابة على شموليته، نظرا لإبقاء مجموعة من المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المحدود و مؤسسات تكوين الأطر خارج الإصلاح  (كليات العلوم والتقنيات وكلية الطب والصيدلة ليست معنية بالإصلاح) ما منع هذه المؤسسات منذ 2001 من الانخراط على مستوى التفكير في صياغة مشاريع بيداغوجية في إطار الإصلاح
-  اعتماد إيقاع مرتفع و ضاغط على مستوى  وثيرة عقد الاجتماعات كانت له انعكاسات سلبية في اتخاذ القرارات
-  عدم انجاز دراسة الجدوى التي من شأنها تصنيف الأسئلة الكبرى التي تتطلب الجواب فبل و أثناء تنفيذ مختلف جوانب الإصلاح
-  عدم الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات الأساتذة
-  عدم إشراك الطلبة في النقاش العام ما يتناقض و اعتبارالطالب محط الاهتمام و التعامل معه كعضو كامل الشراكة
 - الانتقال يوليوز في 2001 إلى الجوانب التقنية بالشروع في انجاز وحدات التحسيس واللغات والتواصل دون الإجابة عن النقط المبدئية المطروحة  خلال النقاش العام....

 الخطابات المساعدة :

 وخلافا للإنجاز الباهر الذي تم تحقيقه على مستوى البرلمان، أحس  المسؤولون  بصعوبة المهمة أمام وعي الجامعيين، و تم اللجوء إلى ترويج الخطابات المساعدة من قبيل:
-
 الإصلاح البيداغوجي هو إصلاح الأساتذة (منكم و إليكم) : لتوهيم الأساتذة بمشاركتهم في بلورة مضامين الإصلاح
-
ضرورة "البدء بأرضية ما ثم تصحيح المسار فيما بعد" لأن أوضاع التعليم العالي غير مقبولة  ولا يمكن أن نبقى مكتوفي الأيدي : أطر هذا الخطاب مغامرة محفوفة بالمخاطر و المفاجآت أدت هدر الوقت والموارد من جهة و جعلت من الجامعة مسودة للإصلاح البيداغوجي في أفق إهداء خلاصات  هذه التجربة إلى التعليم العالي الخاص.
-
المؤسسات التي لن تقدم مقترحات مسالك لن تحضى بأي دعم مالي :  نوع من الإجبار على الانخراط في تطبيق مشروع الإصلاح البيداغوجي.
-
"الشعب سوف تندثر وستحل المسالك محلها" : و كان الهدف من هذا الخطاب هو وضع الشعب في حالة تعليق  ريثما ينجز المتطوعون لرئاسة المسالك مهمتهم في تسريع وتيرة إدخال الإصلاح، مع العلم أن القانون  01 . 00  الصادر في شهر ماي من سنة 2000  اقر في مادته 19 بالشعب كمكون أساسي  في المؤسسة الجامعية، كما أن  المواد 3 ، 4و 5 من مرسوم  19 فبراير1997المحددة لدور الشعب لم يتم إلغاؤها.
-
التنقيط عن مسؤولية  تنسيق المسلك أو الوحدة في مشروع شبكة ترقية الأساتذة الباحثين : نوع من الإجبار على الانخراط في تطبيق مشروع الإصلاح البيداغوجي.

 نظام التدريس بالوحدات :

 ينطلق نظام التدريس بالوحدات  من التصور التربوي القائل بفردنة التعليم وهو الإجراء التعليمي الذي يعتبر، من حيث أهدافه ،مضامينه، طرقه، وبرمجته خصائص المتعلم متيحا بذلك لكل متعلم على حدة تعليما يتناسب مع حاجته ويتلاءم مع قدراته وإمكاناته فهو يحترم الفروق الفردية القائمة بين المتعلمين ويوظف طرقا بيداغوجية تستمد فعاليتها من قدرتها على جعل المتعلم يحقق الأهداف المسطرة اعتمادا على قدراته الخاصة لذا يقوم هذا النظام على تطبيق أساليب واستراتيجيات ديداكتيكية موازية لما تفرضه ديناميكية كل فرد، وبذلك يختلف عن التعليم الجماعي القائم على تجانس المتعلمين.

 ولهذا الغرض فهو يقتضي:

 -تدريس مجموعات بعدد قليل من الطلبة

-  توزيع المنهاج الدراسي على وحدات تعليمية.
ويدل لفظ الوحدة على التنظيم المتكامل للمنهج المقرر والطريقة التدريسية، إذا فالوحدة موقف تعليمي يحتوي على المادة العلمية المرتبطة بها وكذا خطوات تدريسها.

 والوحدات أنواع : وحدات المواد – وحدات الخبرة- وحدات المشكلات – وحدات النشاط العلمي – وحدات تقوم على اهتمام الطالب – وحدات المسح – وحدات الموضوعات.

ومن مزايا هذا النظام :

n المرونة: مراعاة الفروق الفردية بين الطلبة.

n التحفيز: يختار الطالب الوحدات التي تناسب ميوله من بين الوحدات المتاحة.

n التعاون: بين الطلبة وبين أعضاء هيئة التدريس.

n القصد: أهداف الوحدة مسطرة وطريقة تقويم التعلم كذلك.

n إعادة التكوين: الاستدراك.
n التحكم: قياس التفوق الواقعي للطالب.

الصعوبات :

 إلا أن الإمكانات المتاحة (عدد الأساتذة، عدد الطلبة، عدد القاعات، عدد الإداريين...الخ) كقاعات التدريس بمفهومها الحالي تعوق تطبيق التدريس بالوحدات حيث أنها لا تسمح بالتعرف على درجة التعليم والتعلم ما دام يحرم فيها الطلبة من الاتصال المباشر مع الأستاذ ومن التعاون مع بعضهم، مما يضرب التواصل العمودي والأفقي من جهة ويعجز عن التعرف على الفروق الفردية بين الطلبة من جهة ثانية. إضافة إلى تقليص حرية الطالب في اختيار الوحدات التي تناسب ميوله ما يعوق مراعاة حاجات الطالب الفردية .
كما أن طريقة الوحدات تحتاج  إلى إمكانات مادية وبشرية بتوفير المتطلبات من أساتذة وأدوات والمكتبات الغنية بالمراجع مما يستلزم ميزانية مهمة لا توفرها جامعاتنا وبدون هذه الإمكانات تفشل طريقة التدريس بالوحدات.

 .2المرحلة الثانية :

  نظمت الوزارة مناظرة وطنية في يناير 2003  بمراكش  عرض خلالها الوزير الجديد آن ذاك السيد خالد عليوة الهندسة البيداغوجية الجديدة  8-5-3  (LMD) الغير منصوص عليها في الميثاق،  و ستكون هذه المناظرة  آخر لقاء وطني في موضوع الإصلاح  يتم فيه  توجيه استدعاء رسمي إلى الفروع الجهوية للنقابة الوطنية للتعليم العالي.
وعلاقة بالهندسة البيداغوجية السابقة،  أشار السيد الوزير إلى خفض عدد وحدات التحسيس و التواصل والتركيز على توجيه التلميذ عند نهاية طور التعليم الثانوي وتفعيل دور التنسيق بين قطاع التعليم العالي وقطاع الثانوي لهذه الغاية. و دافع عن الهندسة البيداغوجية الجديدة، لكونها 
:
- تمكن من توحيد الشواهد مع الدول المتقدمة التي اعتمدت نظام LMD
في  افق ما يفرضه الاندماج العالمي وتحديات العولمة ورهانات الرفع من القدرة التنافسية.
-
تسهل حركية الطلاب بين المغرب و  الدول المتقدمة.
و تم :
-
 تحديد نسبة 70% من المحتوى البيداغوجي للمسالك على مستوى الوزارة المركزية
-  الكلام عن المسالك الممهننة و وفرص الشغل في المحيط الاقتصادي ، والمسالك الغير ممهننة...الخ  
- مسألة الانتقاء  نظرا  لحجم التكاليف التي ستتطلبها المسالك المهنية...الخ.

 الكلمات-المفاتيح :

 تضمنت الخطابات الرسمية لهذه المرحلة الكلمات-المفاتيح التالية :
الهندسة البيداغوجية الجديدة  8-5-3  - تحديات العولمة - رفع القدرة التنافسية - ربط الجامعة بالمحيط الاقتصادي-..

 الاختــــلالات

- شكل التخلي عن الهندسة  البيداغوجية 2,5 -2,5  هدرا كبيرا للوقت و الجهود و الموارد المالية خلال الفترة الممتدة من فبراير 2001 إلى دجنبر 2002 و

-  شكل فيما بعد التأخر في إصدار  القوانين  المؤطرة للهندسة البيداغوجية الجديدة فراغا قانونيا،  وسيتم اللجوء إلى "دفتر النظم البيداغوجية" الذي طرح إصداره سؤال الالتزام؟ في غياب وثيقة ذات قيمة قانونية، ما ترتب عنه ظهور منسقين للمسالك خارج بنود هذا الدفتر.
-
%70 من محتوى المسلك يأتي من الوزارة الوصية يطرح مشكل الاستقلالية البيداغوجية

-  شكل  إدماج مهمة الانفتاح على المحيط في المعايير المعتمدة لترقية الأساتذة الباحثين إلى جانب مهام التأطير التربوي والبحث العلمي( قرار الوزير 14 يوليوز 2003) اختلاقا لمحيط لا وجود له إلا في بعض العقول.

 الخطابات المساعدة :

 -  "الإسراع بتطبيق مقتضيات الإصلاح البيداغوجي" مقابل "تحقيق مطلب رفع الحيف  بمراجعة نظام تعويضات الأساتذة الباحثين".
-
 شكلت المساهمة في تطبيق مضامين الإصلاح البيداغوجي من الشروط الغير معلن عنها عند الترشيح إلى مناصب رئاسة المؤسسات الجامعية

 سبب البطالة: نوع التكوين !

 جاء في خطاب رسمي "إن تحديات العولمة وحتميات اقتصاد السوق والتحولات السريعة والمتلاحقة... من الصعب جدا مسايرتها إلا إذا أعدنا النظر في منظومتنا التعليمية... إن التكوين يقتصر على الجانب النظري... وعدم استجابته لمتطلبات سوق الشغل مما يوسع هوة التباين بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي... وفي هذه الحالة لا يحظى المتخرج بتقدير المشغل "
 يريد المسؤولون إقناع الجميع أن سبب البطالة يكمن في التناقض الحاصل بين ما يلقن داخل الجامعات وما يحتاجه سوق الشغل . ولإظهار  الخلل على مستوى هذا الخطاب، لا بد من التذكير بأن الجامعة تؤدي وظيفتين بالنسبة للمجتمع الرأسمالي. الأولى وظيفة إيديولوجية تهدف بالأساس إلى الحفاظ على نفس علاقات الاستغلال السائدة؛ والثانية، وهي التي تهمنا، وظيفة اقتصادية وهي المساهمة في تزويد المنشآت الرأسمالية بيد عاملة مؤهلة وأطر، و حين نقول "تزويد المنشآت بيد عاملة مؤهلة وأطر" هذا لا يعني خلق فرص شغل غير متواجدة أصلا يتم افتراضها مسبقا قصد تلبيتها. فالجامعة لا تخلق فرص شغل لأن المتحكم في هذه المسألة هو الطور الذي يجتازه الاقتصاد الرأسمالي: ازدهار أم ركود –طبيعة التراكم- طبيعة الرأسمال المسيطر: منتج أم مضارباتي-... الخ.

إن ما يحدد نوع التكوين الممنوح في الجامعة هو نوع المستلزمات المتذبذبة للمقاولات الرأسمالية وليس التكوين الذي يحدد ما تريده المقاولات ولا يخلق فرص شغل.

 

ربط الجامعة بالمقاولة المغربية :

 أما إذا فهمنا من ربط "الجامعة بالمحيط الاقتصادي" ربط الجامعة بالمقاولة المغربية فهذا نوع آخر من الخيال لأن النسيج المقاولاتي بالمغرب يتشكل من 95% من المقاولات العائلية المتخلفة والهشة، حيث نجد 50% من المقاولات تفتقد شروط الاستمرار و25% في حاجة إلى إعادة الهيكلة، و لا تستطيع هذه المقاولات إدماج العدد الهائل من خريجي المؤسسات الجامعية، ومعظم هذه المقاولات متخلفة حتى عن الشواهد المتوفرة حاليا في سوق الشغل ويتجلى ذلك من خلال بطالة حاملي الشهادات ذات الطابع التقني و المهني المتوسط والعالي:
المهندسون الزراعيون
إجازات في العلوم
 إجازات في العلوم والتقنيات
MST المعادلة لدبلوم مهندس تطبيق
 دكتورات العلوم
 شهادات الباكالوريا+ سنتين التقنية
ITA
الإجازات التطبيقية
تجربة التكوين الاندماجي... الخ.
حيث يظهر أن نسبة البطالة ترتفع كلما اتجهنا من فئة غير المتعلمين إلى فئة حاملي الشهادات.  بالأرقام: 11% من بين حاملي السواعد
35
% من بين حاملي شهادة الباكلوريا
 27
% من بين الحاصلين على شهادات عليا و30%
منهم حاصلين على شهادات متوسطة.
و إذن فبطالة الخرجين ليست نتيجة كثرتهم بل هي نتيجة عدم الوفاء بمتطلبات التنمية.

هجرة حاملي الشهادات :

 انطلاقا من العلاقة المركبة بين التعليم والتنمية يبدو أن تأثير الإصلاحات الاقتصادية على التعليم أعلى من سرعة تأثير إصلاح التعليم على الاقتصاد. ومعنى ذلك أن الإصلاحات لا بد أن تكون شاملة. وكل تجاهل لهذه الحقائق سيصب في مسلسل هجرة حملة الشهادات وبالتالي هجرة الأموال الموظفة في التعليم العالي وفي خلق مضاعف لهذه الأموال خارج المغرب وجاء تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية في الوطن العربي عام 2002 أن أكثر من مليون خبير واختصاصي عربي من حملة الشهادات العليا أو الفنيين المهرة مهاجرين ويعملون في الدول المتقدمة ليسهم وجودهم في تقدمها أكثر ويعمق رحيلهم عن بلدانهم آثار التخلف والارتهان للخبرات الأجنبية.
فكيف يفسر إذا المسؤولون اندماج حاملي الشهادات في المحيط الاقتصادي بالدول المتقدمة؟
وكيف يمكن للجامعة باعتبارها مجال الفكر والعقل والتقدم بامتياز أن تنفتح على محيط تحكمه ميكانيزمات الجهل و الأمية و التخلف؟ هذا إذا سلمنا بوجود محيط اقتصادي.
فالمطلوب في الحقيقة هو إدماج المجتمع في الجامعة والمدرسة بتعميم التعليم في جسم المجتمع لتحريك عوامل التغيير.

الانفتاح على العولمة :

 وفي خطاب رسمي آخر : "نريد تقنيين ومهندسين وإعلاميين لنكون في مستوى الاقتصاد المعولم وننمي قدرتنا التنافسية" فانطلاقا من اعتقاد المسؤولين بعولمة حتمية يتعين على الجميع  الاندماج فيها بشكل يجلب المنافع ويبعد الأضرار  يأتي مفهوم الانفتاح على العولمة وتقوية التنافسية الذي يؤطر بدوره توحيد الشواهد مع الدول المتقدمة التي اعتمدت نظام LMD
إلا أن هذا المفهوم زائف لكون العولمة شعار فضفاض يؤطر الهجوم الذي أطلقته البرجوازية العالمية كإجابة عن أزمتها ما  دفعها إلى دعم اقتصاد منخفض التكاليف على المستوى العالمي هاجمة على الأجور ومسرحة العمال ومعممة الهشاشة على ظروف عملهم: هذا يعني أن العولمة هي سبب البطالة وليس حلالها.

                                                  التنافسية :
إن ما يطلق عليه حاليا بالتنافسية لا يقتصر على المنافسة الكلاسيكية بين عمال العالم، فقد صارت الطبقة العاملة هي التي تتنافس الآن على فرص العمل الضئيلة التي يتيحها لها الإنتاج المنظم عالميا.

 

تكنولوجيا المعلوميات :

  يقال  إن سوق الشغل يشهد تناميا مذهلا لأعداد الإعلاميين والمهندسين والاختصاصيين في صيانة الآلات المعلوماتية وفي تدبير الشبكات،  وفعلا شهدنا تدفقا هائلا للطلاب نحو المدارس الخاصة للإعلاميات وتقنيات تسيير وتدبير المقاولات . إلا أن الكلام الأقل تداولا في هذا الشأن هو أن التطور الهائل للتكنولوجيا بما فيها تكنولوجيا المعلوميات سيف ذو حدين فإذا كان يزيد من جدارة المقاولات من جهة فهو يدفعها إلى التخلص من العمال والأطر "الفائضين". وكمثال، في ألمانيا ألغى عمالقة صناعة الكمبيوتر NIXDORF SIEMENS-DIGITAL-IBM ما يزيد عن 10 000 فرصة عمل لأن تقنيات الربط العالمية أتاحت لها القيام بمعالجة الكثير من المعلومات في مناطق أخرى من العالم بالمناولة كالهند مثلا، حيث الأجور أكثر انخفاضا وشروط الاستغلال أكثر ملائمة.
 إن الهدف من رفع القدرة التنافسية هو تخفيض الأجور ما أمكن، وذلك أن تحرير الرأسمال من المراقبة وحريته المطلقة في التنقل عبر الحدود منحته حرية كبيرة في اختيار أي بلد من البلدان سيستثمر بها حسب التنازلات التي تقدمها الحكومات.

الشركات العبارة للقوميات :

 وبالمناسبة، جاء في التقرير العالمي حول التنمية البشرية لعام 1999 الذي نشرته الأمانة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتنمية والتجارة: "إن الشركات المتعددة الجنسية هي التي أصبحت تتحكم في الاقتصاد العالمي وتفرض قانونها وسياستها عليه سواء فيما يتعلق بالاستثمار أو الإنتاج أو الاستهلاك... وأنها لا تتردد من أجل تحقيق هذه الغاية في إعادة رسم خريطة العالم حسب ما تستهدفه بما يمكنها من أن تحتل المقام الأول في نظام الإنتاج العالمي المندمج." ثم إن الاندماج بين الشركات العبارة للقوميات لتشكيل احتكارات عالمية كبرى ستحول دون أي منافسة محتملة معها كما ستسد الطريق أمام المقاولات المحلية لتمنعها من الوصول إلى الأسواق الوطنية، فما بالك بالأسواق الخارجية !
يبقى إذا على المسؤولين أن يشرحوا لنا ما معنى تنمية القدرة التنافسية الوارد في خطابات إصلاح التعليم العالي؟ على ضوء القواعد التي تحددها الرغبات المتقلبة للرأسمال المعولم.

الجامعة آلة للتشغيل :

           إن نظرة المسؤولين إلى الجامعة كآلة للتشغيل،  هي إعادة إنتاج لصورة بئيسة عن التعليم، ذلك أن عيب ربط التعليم بهاجس الشغل هو اختزال الحياة في الصراع من أجل البقاء، وبالتالي يصبح هدف التعليم هو كيف نقاوم بؤس الحياة. إن تصورا كهذا لا يمكن أن يعترف، مثلا، بالعلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والفلسفة وثقافات الشعوب وغيرها ضمن دوائر العلم والبحث العلمي.

.3المرحلة الثالثة :

 لم يطرأ هذه المرة  أي تغيير على الهندسة البيداغوجية LMD
تم إصدار مجموعة من النصوص التنظيمية على شكل مراسيم وقرارات وزارية من أجل مواصلة تطبيق الإصلاح البيداغوجي، كتقنين الانتقاء عند ولوج الماستر ،..
تشجيع  التكوين المستمر المؤدى عنه مع إمكانية منح شهادات وطنية.
هيأت الوزارة عددا من مشاريع النصوص التنظيمية تم توزيعها  على الذين حظوا بالمشاركة في المنتدى الوطني الذي نظمته الوزارة في أواخر شهر يوليوز خلال عطلة صيف
2005 .
 و خلال هذا اللقاء الوطني تم تسطير الأهداف التالية:

الأهــــــــداف :

  الرفع من نسبة التمدرس بالتعليم العالي من  10,4% في 2001-2002 إلى14%  في 2007-2008 ،تحسين المردودية الداخلية لنظام التعليم العالي و الرفع من فعالية نفقاته
تحسين جودة التعليم العالي و ربطه بمحيطه الاقتصادي و الاجتماعي
تقليص الفوارق فيما يحص ولوج التعليم العالي و دعم استقلالية الجامعة
تنويع مصادر تمويل التعليم العالي،
وسبق عقد هذا اللقاء ظهور وثيقة- إطار.

وثيقة- إطـار :

-  تضمنت النقط:
- اعتماد مسالك الإجازة المهنية و الماستر
- الشروع ابتداء من السنة المقبلة (2005) و بصفة تدريجية، في خلق الإجازات المهنية، و ذلك بهدف منح الخريجين تأهيلا مهنيا يستجيب لمتطلبات سوق الشغل
 العمل على وضع هيئة وطنية للتقييم
- مراجعة مناهج التعليم باللجوء إلى التأطير عن قرب و استعمال التقنيات الجديدة للتعليم و الاتصال
-  خلق مرصد يسهر على مطابقة برامج التعليم العالي لمحيطه الاقتصادي و المهني
 - التكوين البيداغوجي الإجباري بالنسبة للأساتذة الجدد و التكوين المستمر بالنسبة للقدامى
-  تطبيق مقتضيات القانون
01 . 00 في ما يحص الموارد البشرية... و وضع قانون أساسي لمستخدمي الجامعات
-  ترشيد استعمال الوسائل المادية و البشرية المتاحة
-  تفعيل مقتضيات القانون
01 . 00 في ما يتعلق باستفادة الجامعات من القروض الخارجية.

 الكلمات- المفاتيح :

و بدورها عرفت هذه المرحلة عددا من الشعارات تضمنت الكلمات - المفاتيح التالية:

- الجودة من خلال سياسة القرب
- التنمية البشرية
- الارتقاء بجودة التعليم
- تنويع مصادر التمويل
–القروض الأجنبية
–تحسين المردودية
– تدبير الموارد البشرية
–الحكامة الجامعية –...الخ.

 

الاختــــلالات :

 سيبرئ المسؤولون فيما بعد أنفسهم من وجود هذه الوثيقة، ويلاحظ كذلك من خلاصات هذا المنتدى  أن المسؤولين أصبحوا ينهجون سياسة جديدة بتبنيهم مجموع المشاكل الناتجة عن الأخذ بعجالة في تطبيق مشروع الإصلاح البيداغوجي محاولة منهم استيعاب الظرفية و استباقا لمرحلة ما بعد تلاشي خطابات الأمس.

 سوء تأويل بعض رؤساء المؤسسات الجامعية لبعض هذه الكلمات- المفاتيح كتدبير الموارد البشرية ترتب عنه إحراج عدد من الأساتذة بمطالبتهم تدريس مواد لا علاقة لها باختصاصاتهم ،مما تعارض مع مفهوم تحسين الجودة.

 

تحسين الجودة في التعليم العالي :

 إن شعار تحسين الجودة في التعليم العالي يندرج في  إطار الخطاب المتزايد نحو جعل شراكات المؤسسة الجامعية مع مختلف مكونات المجتمع كمصدر للتمويل، و هو توجه مقاولاتي صرف يريد من الجامعة أن تصبح مقاولة بحجة أن لا تبقى مجرد إدارة تسير بالأسلوب التقليدي. و لهذه الغاية نص القانون 01 . 00 في مادته 7 على : المساهمة في المقاولات - إنشاء الشركات- بيع الخدمات-... الخ، وهو ما يتيح  للجامعة، وهي مؤسسة تخضع للقانون العام، أن تقوم بعمليات تجارية محضة بدعوى تنويع مصادر التمويل والبحث عن المردودية الأفضل لفائدة المالية العمومية، وعلى هذا النحو يمكن اعتبار شعار "الارتقاء بجودة التعليم" جوابا على سؤال التمويل المطروح منذ 2001.

 التعليم العالي الخاص: تكريس التفرقة الاجتماعية 

كما قطع المسؤولون أشواطا مهمة في إرساء دعائم التعليم العالي الخاص الذي بذلوا من أجله جهودا حثيثة. وللتذكير، أعطى التقييم الأولي 2,8 مليار درهم لكل سنة وهو ما يتطلب معه الرفع من ميزانية التعليم ب5%  سنويا. وإذا اعتبرنا معدل نمو الدخل في السنوات الثلاث الأخيرة 1998-2001 لم يتعد 2,3 % فمن أين سيمول العجز المتوقع؟ وبما أننا في عصر الخصخصة وأمام توقعات ارتفاع عدد الطلبة بدرجة تفوق ما تستطيعه الجامعات الحالية فقد فطن المسؤولون إلى فكرة خلق جامعات تابعة للقطاع الخاص وغير مجانية مما يعني أن ولوجها سيقتصر على النخب الميسورة وستستقطب هذه الجامعات أحسن الأساتذة لتبقى الجامعة لأساتذة الدرجة الثانية وللطلبة الضعفاء وهكذا سيستمر إصلاح التعليم العالي مواكبة لما يقوم به النظام الاقتصادي في تكريس التفرقة الاجتماعية والمزيد من الإقصاء النخبوي.

ضرب مجانية التعليم :

 بينت أحداث 23 مارس 1965 حساسية مشكل التعليم وخطورة الإقدام على هجمات مباشرة على الحقوق المرتبطة بالتعليم. فكان التمرير التدريجي وخلق إجماع يشمل القوى السياسية "المعارضة" الطريقة الناجعة لتفادي الرد الجماهيري. هكذا تراوحت حملات الإجهاز على هذه الحقوق بين الهجوم السافر والتراجع التكتيكي، حسب موازين القوى.

 و شكل مستهل عقد الثمانينات نقطة انعطاف بتدخل المؤسسات المالية الدولية تحت غطاء تطبيق التقويم الهيكلي بإملاء "توصيات" ما هي إلا تصريف محلي للهجمات الرأسمالية التي استهدفت الجامعة المغربية قصد تفكيكها وإعداد الشروط لخصخصتها وجعلها أورشا مرتبطة بمصالح أرباب العمل بما يعنيه ذلك من ضرب لحق الطلاب في اختيار توجهاتهم ووقف تعسفي لمسارهم.

وسيتم التهييء للتخلي تدريجيا عن مجانية التعليم الجامعي ب:

n التصفية التدريجية:  بخلق شروط اخفاقها بيداغوجيا

n دعم انتشار مؤسسات التعليم الخاص بإعفائها من الضرائب وغيرها من التحفيزات المنصوص عليها قي القانون.

 

عدم إشراك الطلبة :

و بخصوص سؤال "عدم إشراك الطلبة" في النقاش العام لسنة 2001 وتطبيق إصلاح بيداغوجي رفضه عدد من الطلبة أغلبهم من الطبقة الكادحة  ،  الذين طالبوا بإلغاء الحضور الإجباري ( نظرا لأعباء الإقامة وتردي ظروفهم الاجتماعية لعدم التزام المسؤولين بتطبيق مقتضيات الدعامة 14 من الميثاق المتعلقة بتوفير البنيات التحتية الاجتماعية الجامعية) – إلغاء النقطة الموجبة للسقوط –إمكانية فصل الطالب مع الدورة الأولى –غموض المسار-...الخ ، فقد كانت الإجابة عنه خلال هذه المرحلة عبر حملات الاعتقالات في صفوف الطلبة وانتهاك حرمة الجامعة بعسكرتها واستعمال مجالس المؤسسات للمصادقة على قرارات تأديبية في حق هؤلاء الطلبة.

مؤسسات تكوين الأطر :

أما السؤال الذي تم طرحه سنة 2001  بخصوص تعبئة باقي الوزارات الوصية على مؤسسات التعليم العالي من أجل انطلاقة موحدة للإصلاح الوارد في تصريح حكومة التناوب و في التصريح بالسياسة العامة للحكومة في نونبر 2002، فقد صادق المجلس الحكومي المنعقد في 22 يناير 2004 على مؤسسات تكوين الأطر كالمدارس العليا للأساتذة  والمدارس العليا لأساتذة التعليم التقني ضمن قائمة المؤسسات الغير التابعة للجامعة المشار إليها في المادة25 من  قانون 01 . 00، إلا أن الهندسة البيداغوجية الجديدة لم تشمل بعد هذه المؤسسات التي بقيت معلقة إلى حدود اليوم.

التنمية البشرية :

أما مفهوم  التنمية البشرية الوارد في خطابات المسؤولين الأخيرة فقد سبق ان تضمنته جل مخططات إصلاح التعليم السابقة و في غياب نموذج للتنمية ذو مضمون طبقي واضح منفصل عن اكراهات السوق وموجهة لفائدة الأغلبية الساحقة،   يبقى شعارا فضفاضا يقفز على واقع سياسي لكون إصلاح التعليم رهين بالإصلاحات السياسية ، الاقتصادية و الاجتماعية.

وصفة التنمية

كما أن  وصفة التنمية التي استفادت منها دول عديدة مثل فنلندة وماليزيا وكوريا وغيرها  أصبحت معروفة و متاحة لجميع الأمم التي تتوفر على الإرادة والعزيمة وتعتمد التخطيط الموضوعي وتضطلع بالعمل اللازم. وتتألف هذه الوصفة من ثلاث عناصر:

- نظام حكم ديمقراطي يتيح مشاركة جميع أبناء الشعب في صياغة القرار، ويطلق قدراتهم المبدعة في خدمة الأمة؛

- نظام تعليمي حديث يقضي على الأمية والجهل ويعد الناشئة للحياة والعمل؛

- الأخذ بآخر تطورات العمل والتكنولوجيا وتطبيقاتها في الزراعة والصناعة والتجارة.

مشاكل ذات طابع تقني :

 n اغياب التواصل مع الطلبة وجهلهم لطريقة استفاء الوحدات والفصول الاحتياطية وشروط الانتقال من فصل إلى آخر والنجاح ...إلخ.  وتبقى مجموعة من الأسئلة مطروحة إلى حدود اليوم
n التأخر في إنجاز  دليل للطالب يشرح فيه النجاح والمسار والشهادات ويتم توزيعه مجانا على جميع الطلبة 
n التأخر في إمداد الطلبة بلائحة المهن  في المحيط السوسيو اقتصادي تطبيقا لما جاء في المناظرة التي نظمتها يناير 2002 بمراكش.
n التأخر في الشروع في السداسية الثانية
n غلاف زمني جد مرتفع بالنسبة للطلبة: 4 وحدات في السداسية وهو ما سبق ان اشرت اليه في مناظرة  يناير 2002 بمراكش انطلاقا من تجربة نظام كليات العلوم والتقنيات. ما يترتب عنه
-
تفريغ مقررات 4 سنوات في 3 سنوات
- صعوبة احترام الوعاء الزمني للوحدات
n غياب الممرات  passerelles المسطرة في الهندسة البيداغوجية LMD وضبابية المسارات
n ضرب الجودة في التكوين بإسناد مهام التدريس لأشخاص vacatairesغير معلن عن كفاءتهم في التدريس بالجامعة و عدم مراعاة مقتضيات الباب الرابع من مرسوم 19 فبراير 1997
n غياب تأهيل الإدارة لمواكبة تطبيق الإصلاح نتج عنه ارتباكات واختلالات متعددة منها تلك المتعلقة ببرمجة الامتحانات و اعداد لوائح تسجيل الطلبة بشكل مضبوط و قار و التأخر في إعداد لوائح تسجيل الطلبة.
n غياب الوسائل الإعلاماتية
n مشكل برمجة وحدات: Prérecquis التي يتم القفز عليها
إرهاق الأساتذة بأعباء إدارية مما ينعكس سلبا على المردودية  و  الجودة  في التأطير التربوي والبحث العلمي.
n شخصنة مسؤولية الرسوب في الأستاذ المسؤول عن الوحدة
 إفراغ المضمون البيداغوجي للنظام القديم في النظام الجديد نظرا لصعوبة صياغة مقررات جديدة في غياب متطلبات واضحة وملموسة من الفاعلين و المسؤولين في المحيط السوسيو-اقتصادي .
n الاستمرار في التدريس بنفس الوسائل المعمول بها في النظام القديم و غياب الوسائل الإعلاماتية
n الاستمرار في التدريس بمجموعات كبيرة من الطلبة كما في النظام القديم ما يتعارض و نظام الوحدات ( مثال كلية الحقوق بمراكش 18000 طالب – 34 قاعة – 7 مدرجات 168 أستاذ) و مشكل الاكتظاظ في عدد من المؤسسات الجامعية
n التأخر في إبرام الصفقات والاستفادة منها ينعكس سلبا على الإعمال التطبيقية.
n سوء التسيير الإداري وغياب الشفافية في التسيير المالي وعدم الالتزام بأحكام المادة 22 من قانون 01 . 00 بعدد من المؤسسات الجامعية يساهم في عرقلة تطبيق الإصلاح البيداغوجي
n تقليص الميزانية بشكل عام بدل الزيادة فيها (زيادة مطردة بنسبة 5% سنويا كما جاء في الميثاق) و تخصيص 20% قي المائة تعويضات رؤساء الجامعات و نوابهم
n ظروف الطالب جد متردية (الحي الجامعي، المطاعم، المكتبات والخزانات،.. المنح وغيرها...) عدم تفعيل الدعامة 14 من الميثاق
n
صعوبة إيجاد القاعات لإجراء امتحانات المراقبة المستمرة، الشيء الذي اضطر معه الأساتذة  إلى تأجيل هذه الامتحانات إلى نهاية السداسية ( إمكانية إيجاد القاعة خلال إيقاف التدريس) مما يفرغ هذه المراقبة المستمرة من معناها
n مشكل برمجة امتحانات استدراك عند نهاية السداسية الثانية من كل سنة نظرا للتزامن مع انتهاء مدة إقامة الطلبة ببعض الأحياء الجامعية (إقفال بعض الأحياء الجامعية لأبوابها).
n مشكل عدم استفادة الطلبة من المنح في وقتها نظرا لصعوبة هذا الإجراء التقني على مستوى الوزارة نظرا للتعقيد الذي يفرض تتبع كل طالب حسب نتائجه.
n عدم قدرة التدبير الإداري بعدد من المؤسسات الجامعية على مواكبة وثيرة الإصلاح كالتأخر في إبرام الصفقات و توفير المستلزمات البيداغوجية في الوقت المناسب مما ينعكس سلبا على التحصيل.
n عدم احترام (في أغلب الأحيان) مقتضيات البند م س 9 من دفتر النظم البيداغوجية في إسناد مهمة تنسيق المسلك وظهور منسقين و"رؤساء" المسالك خارج المسطرة .
n غياب الفاعلين الاقتصاديين و الاجتماعيين في عملية الإصلاح البيداغوجي (على مستوى االمجالس) مما يصب معه تفعيل الفقرة الرابعة من قانون 01 . 00 التي تقر بمسؤولية هذه الجهات في كل ما يتعلق بالتعليم العالي
n التنسيق بين قطاع التعليم الثانوي وقطاع التعليم العالي في إطار نفس الوزارة الوصية
n ازدواجية الأنظمة البيداغوجية داخل نفس البناية (ولوج مفتوح + ولوج محدود، نظام 2 - 2 + نظام 3 - 5 - 8) مثال كلية العلوم والتقنيات بني ملال وما ينتج عنه من انعكاسات على مستوى نفسية الطلبة واختلالات قانونية وتدبيريه... إل
n غياب الوسائل السمعية البصرية بالنسبة لوحدات اللغات و تقنيات التواصل
n غياب الإمكانات المادية لإنجاز أعمال تطبيقية جديدة
n غياب التجديد البيداغوجي نظرا للقفز الذي تم على متطلباته من الوقت و التفكير
n يتم أحيانا اعتماد مقتضيات إضافية DC على مستوى الجامعة بشكل إما يتناقض أو يقلص من هامش القواعد العامة RC المنصوص عليها في دفتر النظم البيداغوجية
n اختلاف DC بين الجامعات يؤدي أحيانا إلى اختلاف القواعد المعتمدة في استيفاء السداسيات و النجاح مما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلبة على المستوى الوطني
n صعوبة إيجاد التداريب لفائدة الطلبة نظرا للعراقيل الإدارية
n عدم مواكبة إصدار القوانين لانطلاقة الإصلاح
n الإنكباب على التكوين المستمر المؤدى عنه عوض السهر على إيجاد سبل تطبيق الإصلاح
n الانعكاسات السلبية للمغادرة الطوعية للمسؤولين على المسالك
n إ حدات مؤسسات داخل بنايات مؤسسات

الجامعة قاطرة لتحقيق السلم الاجتماعي :

مثل قانون آخر إصلاح للتعليم العالي حلقة من مسلسل الحملات المتصاعدة، أتيحت فيها فرصة التجرؤ على مكتسبات الأساتذة الباحثين بتقنين عزلهم عن نظام الوظيفة العمومية وتعريضهم إلى مصير مجهول.
وبالرغم  من أن مجموعة من الشعارات المؤطرة لمشروع الإصلاح تندرج في سياق خطاب ديماغوجي/تبريري لإقناع الكادحين بصواب الهجوم المضاد لحقوقهم، فقد تضمنت الوثائق المؤطرة للإصلاح عددا  من النوايا الحسنة و النقط الإيجابية لكن لم تواكبها الإرادة و العزيمة لترجمتها على ارض الواقع.
 وتم اللجوء إلى حجة محاربة البطالة كذريعة للهجوم على التعليم العالي العمومي بغية تصفيته، وقدم المسؤولون حلولهم لهذه البطالة من خلال شعار ربط الجامعة بالمحيط في أفق عولمة حتمية حسب تصوراتهم دون البرهنة على ذلك ودون تقديم أمثلة ملموسة عن واقع العالم المعولم. وظهرت هشاشة شعارات أخرى في غياب نموذج للتنمية ذو مضمون طبقي واضح منفصل عن اكراهات السوق وموجهة لفائدة الأغلبية الساحقة وهو ما يمنع البورجوازية المغربية من توفير الشغل لكل طالبيه وليس ما تم تعليمهم إياه ومتطلبات السوق
هذاويتضح إن هاجس الإصلاح هو معضلة الشغل الذي يريد من الجامعة أن تكون قاطرة لتحقيق السلم الاجتماعي. ولهذا الغرض سيعمل النسق التعليمي على إخفاء وظيفته الاجتماعية المتمثلة في شرعنة التمايزات الطبقية تحت غطاء ممارسة التقنية المتمثلة في إنتاج المؤهلات بحجة استحالة تجاهل المتطلبات الضرورية لسوق الشغل على نحو سيصبح معه استدخال منطق الانتقاء (ماستر) وقبول التمايزات الاجتماعية هو أساس السلم الاجتماعي
.

 شروط الإصلاح البديل

 إن الإصلاح الحقيقي هو الذي يوجه المنظومة صوب فهم قيم العلم كنمط تحريري للفكر الإنساني يستعمل التقنية في أفق غايات وقيم محددة، بحيث تكون المدرسة والجامعة غاية في ذاتها عوض أن يصبح الشغل هو الغاية في ذاته ويكون الإنسان غاية في ذاته عوض أن يصبح السلم الاجتماعي هو الغاية في ذاته، ومن هذا المنطلق يتعين على الجامعة أن تلعب دورها كاملا في توطين العقل والمعرفة وثقافة حقوق الإنسان والحريات العامة.
و لا بد من:
-
 تقديم الدولة لاعتذار رسمي على ممارستها الحجر على التعليم: محاربة مادتي الفلسفة وعلم الاجتماع.
- إقصاء المكون  اللغوي و الثقافي الأمازيغي- تزييف تاريخ المغرب- مزج أوجه التخلف و الماضوية في منهاج التعليم بالفكر البورجوازي اللبرالي بشكل يفصل التلميذ عن واقعه الاجتماعي ويلجم فكره  بهدف شل القدرة على التغيير ... ما نتج عنه طمس الهوية المغربية وتعميم الأمية وتنشئة مواطنين خارج التاريخ. 
-
التزام الجميع بحقوق الإنسان بوصفه حجر الأساس في بناء حكم عادل قادر على تحقيق التنمية
 إصلاح الحقل السياسي
-
تخليص المرفق العام من الفساد والبروقراطية والرشوة ونهب المال العام والمحسوبية والشطط في استعمال السلطة، هذه الآفات التي طالت قطاع التعليم العالي أيضا.
- دعم الإصلاحات بنظام قضائي مستقل ونزيه وشفاف تفعيلا لمفهوم دولة الحق والقانون والمؤسسات.

اغتيال الشهيد عبد العزيز بن ادريس والعنف السياسي
 في مغرب ما بعد الإستقلال؟ 24 أبريل 1959
 للأستاذ محمد السوسي

 يعتبر اغتيال الشهيد عبد العزيز بن إدريس قمة ما عرفته السنوات الأولى من استقلال المغرب من العنف السياسي لماذا؟
أولا، لأن شخصية الشهيد لم تكن شخصية عادية، وإنما كان عبد العزيز من أهم الشخصيات الذين عرفتهم الحركة الوطنية المغربية.

 وثانيا، لأن اغتياله جاء في قمة الصراع الذي عرفته الساحة الوطنية عقب الفتنة الكبرى في حزب الاستقلال وانفصال سنة 1959، ولذلك زلزل هذا الاغتيال الحياة السياسية المغربية بشكل لم يسبق له مثيل.

 نعم كان لاغتيال المقاوم عباس المسعدي في سنة 1956 أثرٌ كبيرٌ أيضا، ولكن الرأي العام الوطني لم يكن يعرف عباس رحمه الله بالقدر الذي كان يعرف عبد العزيز بن ادريس ويعرف مكانته الوطنية والعلمية، ثم إن سنة 1956 ليست هي 1959، وإذا كانت الجهة التي تحركت في الاغتيالين معا والتي لها المصلحة في إزاحة الرجلين تلتقي في أمور كثيرة فإن أهم ما يبرز من هذه الأمور هو إزاحة الأول من ساحة المقاومة ليخلو الجو للذين يريدون احتكارالمقاومة والمساومة باسمها، وكذلك كانت الجهة التي اغتالت عبد العزيز بن إدريس لها المصلحة ايضا في إزاحة الرجل من الساحة بكل ما يمثله من رمزية نضالية وجهادية، وماله من تأثير في الوسط الشعبي في المغرب.

 ومن باب التذكير فإن إحدى الصحف خرجت بعد الاغتيال بمقال تذكر فيه الحيثيات التي رأت أن من قرر ومن نفذ الاغتيال اعتمدها في فعلته الشنيعة تلك، والتي كانت أمرا فظيعا بكل المقاييس. ولقد كان أهم ما ورد في تلك الحيثيات هو أن الرجل يملك قدرة كبيرة في الاقناع ويملك شعبية لدى الناس بحكم بساطة عيشه وزهادته فيما يتهافت عليه الناس من الأسلاب والمكاسب بعد الاستقلال.

كان عبد العزيز بن ادريس ضحية من ضحايا التفكير السياسي المنحرف، والروح الحزبية الضيقة، واغرب من هذا أن الذين دبروا ونفذوا يصورون أنفسهم أو يخيل اليهم أنهم قاموا بإنجاز لصالح التقدمية بالبلاد، ومن هنا يتضح ما يمثله قلب المفاهيم من الخطورة على سلامة الجسم الوطني، وصيانة القيم والمبادئ الوطنية من الانحراف.

 وقد يسأل المرء ما علاقة المبادئ والقيم بالاغتيالات وقتل الأبرياء؟  إنه سؤال وجيه، والجواب عليه يكمن في تاريخ النضال ضد المستعمر واذنابه من الخونة الذين كانوا يسيرون في ركابه وينفذون ما يشير أو يأمر به.

لقد قامت الحركة الوطنية بتربية المواطنين على القيام برد الفعل ضد هؤلاء وكان هذا الرد في البداية سلميا، ولكن بعد تجاوز شناعة التصرفات الاستعمارية كل حد في بداية الخمسينات، أخذ الرد أسلوب العنف تجاه الاستعمار وهؤلاء الأذناب، وعندما تحررت البلاد وانجرف بعض الناس الى تصفية الحسابات باسم المقاومة اختلط الأمر على كثير من الناس، لاسيما عندما اقتنع بعض العناصر أنهم بإمكانهم الاستيلاء على الحكم بإزاحة هذا وقتل ذاك، وهو أمر ترك جروحا كبيرة لم تندمل حتى الآن. وهكذا انقلب بعض الناس على الذين بنوا الحركة الوطنية، وتحملوا من أجلها أصنافا من العذاب، ولو لم يتحملوا ما تحملوه بصبر واحتساب ماكان للحركة أن تستمر.

 وكان عبد العزيز في مقدمة الصفوف تنظيما وتأطيرا وتوجيها، إذ لم تخل بقعة من أرض الوطن من توجيهه وتأثيره إما بكيفية مباشرة أو غير مباشرة، فبه ومعه ومع جيله ورفاقه استقامت الحركة وأعطت من الثمر والنتائج ما استغله بعض ذوي النفوس المريضة، وذوي الأطماع لتدبير اغتياله وقتله بذلك الأسلوب الشنيع الذي ينم على مدى حقد أصحابه وتجاوزهم لكل القيم التي نشأت عليها الحركة الوطنية المغربية.

ولم تكن حادثة اغتيال الشهيد معزولة عن منهجية العنف التي اتخذها بعض الناس سياسة لهم، بل انه في نفس اليوم الذي ذبح فيه الشهيد بتحناوت سقط عمال في باب برصة الشغل بالدار البيضاء، وهكذا تأبى الظروف المأساوية آنذاك إلا أن تؤكد مدى تلاحم الشهيد مع الفئات الكادحة من المناضلين، وهو أمر أكده كذلك رد الفعل الذي قامت به الشرائح الاجتماعية المغربية انذاك تجاه هذا السلوك الغريب عن قيم المجتمع المغربي وعن قيم الحركة الوطنية المنبثقة عن صميم هذا المجتمع. إن هذه السنة السيئة التي سنها بعض الناس هي التي فتحت آفاق الاصطلاء بنار الاغتيالات التي مورست على أرض الوطن المغربي، سواء تلك التي مارستها بعض الأجهزة المحسوبة على الدولة المغربية، أو مارستها عناصر منحرفة من اتجاهات مختلفة، والى الآن، ولايمكننا عند استعراض شريط العنف السياسي في المغرب بهذا الفهم إلا أن نقول ان اغتيال الشهيد عبد العزيز بن ادريس فتح باب جهنم على مصراعيه لممارسة العنف السياسي في مختلف مستوياته المختلفة رسميا وشعبيا. وإذا كان هناك من عبرة نستمدها من ذكرى اغتيال الشهيد فهي ترسيخ ماكان يدعو إليه من قيم الإسلام المبنية على الاخوة والتسامح والتضامن والمشاركة الوجدانية بين كافة المواطنين.

 دعوة لمقاطعة الأحزاب السياسية
قراءة في آليات اشتغال السلطة بالمغرب
الأستاذ/ عبد العزيز فجال

تتأسس هذه القراءة على بعض المفاهيم المستقاة من الواقع المغربي الأليم و تمتح من بعض المناهج العلمية المؤسسة للحقل السياسي خاصة منها منهج الواقعية السياسية الذي تمقته بامتياز، التشكيلات الحزبية المغربية بحكم غياب الديموقراطية الداخلية و سيادة الزعامات الكاريزمية و غياب دورة النخب و تفشي ظاهرة الإقصاء و الولاء الفردي.

كما تؤثث هذه القراءة بعض التصورات التي أعتقد أنها لم تنضج بعد, وقد تكون سابقة لأوانها بفعل سيادة ثقافة سياسية يؤطرها فعل الهيمنة و الانتهازية الإنتخابوية و الحسابات السياسية الضيقة, وهي ثقافة سائدة لدى النخبة السياسية المغربية بصفة عامة، وتغلب جانب المنفعة والولاء على مبادئ المواطنة و المسؤولية.

فالشأن الحزبي الداخلي لم يكن أبدا شأنا عاما, لأن التكتل الحالي هو تكتل حول الأشخاص و ليس تكتلا حول الأفكار(1).

و الحالة هذه، أن التنظير الفقهي و المدرسي السائد حاليا, و الذي يؤطره بشكل خاطئ و دعائي, خطباء "متحزبين" يدعون البراءة,و أبواق مؤد لجة ومبرمجة لتمييع و تسفيه و تسطيح النقاش السياسي الدائر حول القضايا الوطنية الكبرى، لأن كثيرا من المفاهيم أفرغت من محتواها، و غدت شعارات جوفاء تقلقنا و تزبدنا؛ العهد الجديد، التناوب، المشاركة السياسية، الرأي العام، المجتمع المدني، نزاهة الانتخابات، دولة الحق و القانون، حقوق الإنسان، النخبة السياسية، تخليق الحياة العامة، المفهوم الجديد للسلطة، الانتقال الديموقراطي…فكتاب - أو بالأحرى "كتبة" - هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المغرب يمنحون الأوهام و الأحلام لشعب يعشق لحظة الحلم لأن الواقع لم يعد يحتمله، واقع أوقع الجميع في مأساة شيكسبيرية.

فالتعامل الانتهازي أوصلنا إلى الكوارث(2)، إلى درجة يمكن القول فيها أن ليس هناك نموذج إصلاحي مغربي، و إنما هناك "خيانة كبرى" قامت بها نخبة سياسية في حق تاريخها النضالي, لقد تنازلت هذه النخبة كثيرا من أجل الدخول في لعبة نتيجتها غير مضمونة(3).

هل يمكن أصلا أن نسائل أحزابنا عن 48 سنة من الضياع و الخذلان ؟

ماذا قدمته هذه الأحزاب لهذا الشعب الصبور الحالم، أم أننا يجب أن نكون واقعيين ولا نسائلها عن الشأن السياسي العام لأنه ليس بيدها حيلة كما يقال، أم نسائلها فقط عن الأوهام التي زرعتها فينا، فالأحزاب السياسية لديها مسؤولية مزدوجة فقد منحتها أحلاما وردية مازلنا نتلذذ بها, وقايضتنا بتمثيلية لم تكن حقيقية. قايضتنا لأنها شاخت و تهالكت، وأضحت لا تعبر عن النبع الأصيل للمجتمع و أيقنت أن الجماهير فطنت لما أسماه المهدي المنجرة "بالخيانة الكبرى". هذه التراجعات الخطيرة تفسرها الحصيلة الهزيلة لأدائها المترهل ومواقفها المتخاذلة اتجاه القضايا المشتركة التي نؤمن بها جميعا ونتفق عليها: الإصلاح الدستوري, فصل السلط, تحديد المسؤوليات, ضمان التنمية المستديمة.

فالمتتبع للمشهد الحزبي الوطني يلاحظ أن خطاب الأحزاب أصبح خطابا احتفاليا و موسميا، لأنه استنفذ شعاراته الغوغائية واختزل الديموقراطية في آلية الانتخابات.

قد تبدو للبعض أن هذه الدعوة غريبة أو متحاملة على اعتبار أن الأحزاب هي بحق لحمة الضبط السياسي والاجتماعي للنسق السياسي العام, إذ لايمكن تصور نظام ديموقراطي بدون وجود أحزاب سياسية حسب تعبير ماكس فيبر. لكن الأغرب من ذلك في هذه القراءة, هو التساؤل في ما إذا كانت لدينا فعلا أحزاب حسب مفهوم علم السياسة المتعارف عليه كونيا، على اعتبار أن الحزب في أبسط مفاهيمه هو ذاك التنظيم السياسي الذي يهدف إلى الوصول إلى السلطة أو ممارستها بغية تحقيق سياسة أو برنامج معين.

لم أجد أبدا أي مفهوم للحزب يعرفه على أنه عبارة عن تنظيم يهدف للحصول على كراسي مريحة في البرلمان, "فهل لدينا أحزاب أم أننا نقول حزب لأنها كلمة استعملت منذ القديم ؟ هل هذه الأحزاب في تكوينها و طبيعتها و ممارستها هي مطابقة لمفهوم الحزب في اللغة السياسية ؟

هل لدينا أحزاب أم زوايا" (4) أم" وكالات سمسرة"؟ُ"!

"إن أحد أهم المفاتيح الأساسية لإدراك طبيعة معوقات الحياة السياسية في المغرب يكمن في أن عددا من الأحزاب السياسية، التي شكلت طيلة السنوات الماضية طاقة الدفع الأساسية للنضال من أجل الديموقراطية ، تعاني بدورها من أزمة ديموقراطية، إن مساحة أساسية من إصلاح الدولة في المغرب تنطلق من إصلاح الأحزاب عبر مصالحتها السياسية مع المجتمع" (5).

ويرى بعض "الكتبة المحترفين"، "أننا نتوفر على المنظومة المؤسساتية التي نستحقها كمجتمع, كما نتوفر على الأحزاب التي نستحقها ونتوفر أيضا على مجموعة من المؤسسات الأخرى التي نستحقها"(6) حسب مقولة أفلاطون المثالية: Chaque peuple a le gouvernement qu'il mérite»، هذه الصيغة التحقيرية و التبريرية تنم بوقاحة عن الوضع الانتهازي و الوصولي الذي يعشش في مخيال ما يسمى مجازيا بالنخبة السياسية.

وهذا ما دفع بأحد المتحزبين إلى الاعتراف بأن "هناك إقطاعيات في بعض الجهات الحزبية, و لابد من عامل الشجاعة و الجرأة لفتح ملفات شائكة مثل هذه، ( 7 ). وفي ذات السياق، يعترف أحد قياديي الأحزاب أن المخزن دخل إلى الأحزاب، فأصبح تفكيرنا داخل الأحزاب تفكيرا مخزنيا , بحيث كل واحد له موالون له في النظام المخزني و يبايعونه، فالأزمة ليست أزمة يسار بل أزمة أحزاب" (8).

إذن، ومن خلال هذه الشهادات الدالة, التي تفوه بها مسئولون قياديون داخل الأحزاب السياسية, يتضح أن هناك على الأقل، إجماعا بين فرقاء الأحزاب, على وجود أزمة في الأحزاب السياسية المغربية وبالذات أزمة هوية، لان الحزب لم يعد يمثل أي شيء بالنسبة للمجتمع.

الأحزاب المغربية أصبحت جزءا من منظومة المخزن، أي جزءا من النسق العام لآلية الضبط المخزني.

وهذا الطرح يؤكده زارتمان، حيث يرى أن الأحزاب السياسية المغربية هي عبارة عن جماعات المصالح، هدفها الأساسي استقطاب نخب جديدة لضمان صيرورة وإعادة إنتاج النظام القائم.

صحيح، هناك أقلية منتفعة "سماسرة "، تريد الحفاظ على الوضع القائم بأي ثمن كان، « فأي واحد له مصداقية وتربطه التزامات بالجماهير، عليه أن يحدد بوضوح ما هي الإمكانيات الكفيلة بتحقيق التزاماته، فالأكيد أن أساس كل العوائق التي يتحدث عنها الجميع كان واضحا منذ البداية (9)، و بالتالي" فهل الذي يقبل بتزوير الانتخابات و يقبل بالدخول إلى الحكومة على هذا الأساس, هل يمكن أن يتحصن من بعد بالشعب و بناخبيه"(10).

إذن، لماذا هذه الدعوة؟

وهل من المنطق أن نقاطع ما نسميه نحن في المغرب ب "الأحزاب السياسية"؟

هل هي دعوة لقطيعة مطلقة أم أنها دعوة لتصحيح المسار و إعمال النقد الذاتي في آليات الاشتغال و التنظيم لدى الأحزاب السياسية ؟

في البداية، لابد من التأكيد أن هذه القطيعة موجودة و بقوة، و تجد تفسيرها في عدم الثقة بالأحزاب السياسية: عزوف الشباب والنساء عن العمل السياسي, ارتباط مفهوم السياسة لدى رجل الشارع بالانتهازية و الوصولية, الانفصال الخطير بين النخبة و القاعدة، و تغليب الخطاب و الوعود على الممارسة و البرامج، و الأهم من هذا كله هو القبول بالاشتغال في دائرة دستورية وسياسة ضيقة لا تسمح البتة بالمشاركة في صنع القرار السياسي.

هل استطاعت الأحزاب السياسية المغربية أن ترقى بأدائها السياسي في اتجاه جبر الزخم المطلبي لجماهير الشعب المغربي, أم أن هذا الأداء رهين بتحولات تكتيكية" من أجل كسب عطف و تودد الجماهير؟

الواقع أن الأحزاب السياسية فشلت فشلا ذريعا في مواكبة التطور الحاصل في التشكيلة السوسيو-اقتصادية للمجتمع, فمطالب المجتمع لاتسعها برامج الأحزاب المتخثرة و المترهلة, فالإنتظارات الضخمة و الهائلة لا يوازيها أي عمل ملموس إذ أن أي تجسير لهذه الفجوة، بعد46 سنة من الاستقلال الشكلي، يبدو أمرا مشكوكا فيه، خصوصا أن آلية اشتغال الأحزاب استنفرت جهدها للحصول على مكان ظليل يؤمن لها العيش بترف في كنف النظام الذي صنعها و طوعها..طبعا بما نسميه بالتناوب التوافقي, وعلى حساب نضالية و كدح الجماهير التي فوضتها التمثيلية ذات يوم؟!

فالدستور المغربي لا يقر صراحة على تعيين الوزير الأول من الأغلبية البرلمانية, لأن الفصل 24 من الدستور ينص على أن الملك يعين الوزير الأول و يعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول, و له -  أي الملك - أن يعفيهم. من مهامهم و يعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها, وهو الشيء الذي لم يحدث مطلقا في تاريخ المغرب.

كما أن الفصل60 من الدستور، ينص صراحة على أن الوزير الأول يتقدم أمام كل من مجلسي البرلمان بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة ليعرض البرنامج الذي تعتزم الحكومة تطبيقه. وهذا يعني أن الحكومة تكون "قائمة" وممارسة لاختصاصاتها بالمفهوم القانوني بمجرد تعيين الملك لها و لا تحتاج إلى تصويت البرلمان لكي يقرر في ذلك، بدليل أن الفصل75، الذي يحيل إليه الفصل60 يتحدث عن الاستقالة وليس الانسحاب.

فالملك من الناحية الواقعية يعتبر رئيسا للدولة ورئيسا للحكومة، فهو صاحب السلطة التنفيذية و يمارس صلاحيات فعلية وواسعة بالرغم من عدم تحمله للمسؤولية.

و تمارس الحكومة صلاحياتها و مهامها تحت إشراف الملك، ولا تتمتع باستقلالية أو حتى بهامش منها تخول لها سلطة التقرير الفعلي, لأن جميع القضايا التي تهم السياسة العامة للدولة وحتى مشاريع القوانين و المراسيم التنظيمية لا تجرؤ على البث فيها إلا بعد عرضها على المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك بمقتضى الفصل 25من الدستور.

و لابد من التنبيه إلى أن مجلس الحكومة الذي يرأسه الوزير الأول لا يتوفر على أية صلاحيات تقريرية و يقتصر دوره على إعداد و تهييئ و ترتيب الملفات و دراستها من الناحية الفنية و التقنية قبل عرضها على المجلس الوزاري.

فالهندسة الدستورية المغربية تتميز بتضييق الخناق على الحكومة. إذ أن الوزراء في النظام الدستوري يعتبرون كسائر موظفي الدولة، لهذا فالوزير الأول لا يتوفر على سلطة تحديد وتوجيه السياسة العامة, كما أنه لا يستطيع قيادة العمل الحكومي أو تأسيس أي انسجام، لأن الوزراء مسئولون شخصيا و جماعيا أمام الملك بمقتضى "الفصل 60" من الدستور، بالإضافة إلى بروز ظاهرة وزراء الدولة أو السيادة ثم كتاب الدولة والتقنوقراط التي عمقت الجرح الدستوري وأقصت ما تبقى للحكومة من اختصاصات ضئيلة.

فالحكومة بهذا المنطق، هي أداة لتنفيذ سياسة الملك, لأن رئاسته للمجلس الوزاري تمكنه من ممارسة الوظيفة التنفيذية من خلال توجيهاته وتعليماته والتي لا تستطيع الحكومة الخروج عنها بمقتضى الفصل (25). وهذا ما دفع بأحد قيادي حزب الاستقلال إلى القول بأنه مختلف مع الحزب داخل الحكومة، فحكومة اليوسفي ألحقت الضرر بالمغرب والحالة لا تبعث إلى الاطمئنان"، ونفس الشيء أكده لحبيب الفرقاني حين صرح " أن الحكومة بوزرائها الاتحاديين ليست لها أية علاقة مع الحزب, لا علاقة اتصال ولا علاقة إصلاح", فبالأحرى متابعة ومحاسبة، فالحكومة في النهاية حكومة للأشخاص الاتحاديين الموجودين فيها، وليست قط حكومة حزب الاتحاد الاشتراكي. فالإشكالية الدستورية قائمة ولا مجال للمقامرة أو الرهان على الوهم, «لأن النظام المغربي مند سنة 1960وهو يشتغل كنظام شبه مغلق, مستعملا في ذلك "زبناء" منتظمين في إطار شبكات زبونية على شكل جمعيات أو أحزاب." 11، فأي حديث عن الإصلاح بمعزل عن الإصلاح الدستوري والسياسي هو حديث مجاني وغوغائي، و من ثم لا أحد يستطيع أن ينكر هذا الفراغ الدستوري المهول الذي يسم الحكومة والبرلمان معا.

فالحكومة القوية في المغرب لن تفرزها الانتخابات أبدا، لأنها غير موجودة أصلا في الدستور. والمشكلة في المغرب أن الأسئلة واضحة والأجوبة مؤجلة، فالمسألة لم تكن في البداية في قبول أو رفض شكل التناوب الممنوح بقدر ما تتعلق بموقف أصبح متجاوزا للأحزاب، لأن التطور المجتمعي الحالي هو إضرار بمصالح الأحزاب، فالقضية في النهاية تتحدد في مصالح خاصة وحسابات ضيقة. وحتى لو افترضنا أن هناك حكومة لها برنامج معين تريد تطبيقه هل تستطيع بالفعل تحقيق ذلك ؟

هل فقط الإطار الدستوري والسياسي الذي تشتغل فيه الحكومة هو ما يبرر ذلك؟

إن الممارسة السياسية في النظام المغربي يغلب عليها منطق التعليمات والأوامر والإشارات وليس منطق القانون والمشروعية، فالتعامل والعلاقات مبنية على أساس الولاء والانبطاح والخنوع، وليس على أساس الشرعية والمشروعية.فلا أحد يستطيع أن يؤكد أن هناك اختصاصات محددة تميز إحدى المؤسستين"البرلمان والحكومة".فالوصاية المفروضة والخلط الواضح في الاختصاصات وعدم تحمل المسؤولية يساهم إلى حد كبير في تأزيم الوضع السياسي العام والتملص من المحاسبة.

(1) حوار مع خالد السفياني , أسبوعية الصحيفة , العدد 9.

(2) خالد الجامعي "حوار مع" , أسبوعية الصحيفة العدد 6 , من 23 فبراير إلى 1 مارس 2000

(3) حوار مع المهدي المنجرة : مجلة الآداب اللبنانية , نقلا عن أسبوعية الصحيفة العدد 62

)4(حوار مع خالد الجامعي " المنظمة " العدد690 , 16 شتنبر1999

)5( الفقيه البصري : جوانب من المشهد السياسي في المغرب , النشرة , العدد201 , 27 دجنبر 1999.

6( حوار مع نبيل بن عبد الله, العمل الديموقراطي, العدد11, 19 ماي 2001

(7)ع.البقالي, العدد6, الصحيفة, العدد6, "23 فبراير2001

8(خالد الجامعي: , حوار مع جريدة المنظمة, العدد690,"16 شتنبر 1999"

) 9(نجيب اقصبي جريدة كازابلانكا, العدد32, "28 يوليوز2002"

(10) نجيب اقصبي، نفس المرجع

11 - حوار مع ع اكنوش، النشرة العدد.198 من 6 إلى 12دجنبر1999

 

حوار فكري مع الأستاذ نور الدين علوش

1 - كيف تقومون الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، وهل يستجيب تطوره لمتطلبات الحالة الراهنة؟

الجواب: إذا كان الفكر الإسلامي بصفة عامة، عرف تقدما كبيرا فإن الفكر السياسي الإسلامي لازال يراوح المكان بين تيارين: تيار تقليدي يرتكز على فقه سلطاني وتيار توفيقي يحاول الجمع بين الإسلام والفكر السياسي الغربي .  

لكن هذا لا يعني عدم وجود اجتهادات إسلامية في هذا المجال...وإن كانت هذه الاجتهادات لم تصل إلى أطروحات سياسية متكاملة تتجاوز الفقه السلطاني والفكر السياسي الغربي

لهذا نجد هذه الاجتهادات لم تستجب للتطور السياسي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي الذي عرفته الأمة الإسلامية. فالفكر السياسي الإسلامي متأخر عن الواقع.ولذا فهو مطالب ببذل مجهودات هامة لتدارك الهوة الفاصلة بينه وبين الواقع

2 - ما هي جدوى التعددية الحزبية إذا كانت أهداف جميع الأحزاب بدون استثناء وصولا إلى قبة البرلمان أو حصولا على منصب في حكومة محاصرة بديمقراطية محلية على مقاس الرجل وليست لها أي حرية للمبادرة، ؟

الجواب:- لا يخفى على أحد جدوى التعددية الحزبية بالمغرب الذي تميز بذلك عن باقي الدول العربية التي عرفت الحزب الوحيد والرأي الوحيد.

للتعددية الحزبية عدة ايجابيات :

تكريس مبدأ الاختلاف

إثراء الساحة السياسية والفكرية

تأطير كافة شرائح الشعب المغربي

3 - جميع التجارب الحزبية المنتسبة للإسلام ودعوته في الدول الإسلامية فشلت في تحقيق أبسط أهداف الدعوة الإسلامية، بل ساهمت _ مع الأسف _ في تمرير وتزكية مخالفات شرعية صارخة كما هو حال إباحة جريمة الزنا في بعض الدول الإسلامية، فهل مجرد وجودها في الساحة مكسب ؟ ولمن؟

الجواب:  لا يمكن أن نقول بتاتا إن جميع التجارب الحزبية المنتسبة للإسلام – اقصد الأحزاب الإسلامية – فشلت في تحقيق أبسط أهداف الدعوة الإسلامية.لأنها بذلت مجهودات لا يمكن نسيانها في الدفاع عن الإسلام والمسلمين .

إلا أن وجود هذه التجارب الحزبية ليس مكسبا في حد ذاته، لأنها مطالبة بإبراز قيمتها الإضافية على الساحة السياسية.

4 - ما جدوى العضوية في البرلمان؟ أعني الجدوى العائدة للأمة وليست للبرلمانيين؟ وهل هذه الجدوى تناسب الملايير التي تنفق في هذا المجال؟

الجواب: لا أحد يخفى عليه دور البرلمان في الدول المتقدمة، باعتباره يمثل السلطة التشريعية.أما في الدول المتخلفة فالبرلمان هو مجرد ديكور يزين به الحاكم نظامه وديمقراطيته الشكلية، فالبرلمان جدواه مرتبطة بالديمقراطية

5 - أليس إفلاس البرلمان المغربي دليلا على إفلاس الأسس التي بني عليها؟

الجواب:لا يمكن أن نقول بالمطلق إن البرلمان لمغربي مفلس بالمرة ، لأن هناك تطورات حصلت في هذا المجا ل، البرلمان المغربي بدا يحظي ببعض المصداقية

 

6- لا شك أن التحدي الأساسي للحركة الإسلامية في كل قطر أن تقدم للأمة برنامجا للتدبير العام، واضحا ومبنيا على الكتاب والسنة، ومتميزا عن غيره من الحركات اللبرالية والعلمانية، ومستجيبا لحاجاتها الآنية وتطلعاتها المستقبلية...فهل استطاعت هذه الحركات تقديم هذا البرنامج؟ إن كان الجواب بالإيجاب فما هي أسس هذا البرنامج، وإن كان بالسلب فلماذا وما هي العوائق؟

الجواب: إذا كانت الحركة الإسلامية استطاعت أن تعيد الأمة إلى شريعتها السمحة وأن تجدد أمر دينها .فإنها بالمقابل عجزت عن أن تقدم مشروعا حضاريا لأمتها. لذا عليها أن تفعل الشعار العام" الإسلام هوا لحل " .

العوائق التي تقف أمامها في تحقيق ذلك:

اعتقاد بعض التيارات الإسلامية بمقولة :" لا برنامج قبل السلطة "

الحرب الضروس التي تمارس ضد الحركات الإسلامية

غياب الديمقراطية في الدول العربية والإسلامية

تضخم الجانب الدعوي على الجانب السياسي

7- هل استطاعت هذه التيارات الإسلامية أن تجسد وتكرس في التعامل مع بعضها ومع غيرها أخلاقا إسلامية رفيعة ومتميزة عن الأخلاق السياسوية .

الجواب: لم تستطع التيارات الإسلامية أن تجسد وتكرس في التعامل مع بعضها ومع غيرها أخلاقا إسلامية رفيعة، بل الأدهى من ذلك إدخال الحسابات السياسيوية في التعامل.

المبدأ الذي يجب أن يحكمنا في التعامل مع جميع التيارات هو الحوار، .يقول الله عز وجل في سورة النمل الآية125 " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن "

 وهذا نبي الهدى كما جاء في صحيح مسلم يقال له يا رسول الله : ادع على المشركين فيرد عليه الصلاة والسلام : إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة. والشواهد كثيرة في هذا المجال .

الحوار هو المبدا الأساسي في تعاملنا مع جميع الأطراف، لان المغرب في وضعيته الخطيرة يحتاج إلى كثير من التماسك الداخلي الذي لن يتم دون الحوار

8- ما هي في نظرك أسباب لجوء جماعات إسلامية للعنف، وأسباب ركون جماعات أخرى للتعامل مع الأنظمة الفاسدة؟ هل من سبيل ثالث غيرهما؟

الجواب: هناك عدة أسباب تدفع الحركات الإسلامية نحو العنف:

-       أسباب فكرية مثلا الاعتقاد بتكفير المجتمع والدولة

-       أسباب سياسية: الاستبداد وانعدام الحراك السياسي

-       بالإضافة إلى أسباب نفسية واقتصادية واجتماعية تدفع الجماعة الإسلامية نحو العنف.

أما الأسباب التي تؤدي إلى ركون بعض الجماعات إلى التعامل مع الأنظمة :

-         الاعتقاد بأن تعاملها هذا يخدم مصالح الأمة.

-         الاعتقاد بأن تعاملها هذا يحافظ على وحدة الأمة ويمنع الفتنة

-         الانطلاق من فرضية أن مرحلة الاستضعاف تتطلب ذلك ،إلى أن تأتي مرحلة التمكين

-         الحفاظ على مصالحها والخوف من تقديم التضحيات

9– قال الرئيس اليمني في حواره الأخير مع الجزيرة مبررا تعاونه السابق مع الحركة الإسلامية اليمنية:" إن الحركة الإسلامية كانت مجرد (كارت) شحنتها ولعبت بها ثم رميتها بعد أن استنفذت شحنتها"، فهل كل التيارات التي تتعامل مع الأنظمة الفاسدة مجرد أدوات تشحن عند الحاجة إليها ثم ترمى؟ ألم يحن الوقت لرشد يعصم هذه التيارات من أن تكون ألعوبة بيد الحكام؟

الجواب: هناك بعض التيارات الإسلامية المتعاملة مع الأنظمة هي مجرد أدوات تستخدمها الأنظمة لإضفاء الشرعية الإسلامية عليها. لكن هناك بعض القوى الإسلامية بالرغم من تعاملها مع الأنظمة فهي لا تدخر جهدا في الدفاع عن الإسلام والمسلمين والمطلوب اليوم هو مراجعة تلك القوى الإسلامية مواقفها من الأنظمة ، واتخاذ ما هو مناسب من القرارات خدمة للناس والمستضعفين، لأنها مسؤولية تاريخية أمام الله والناس وحتى تكون في مستوى الشهادة على الناس.

10 - كيف نبني داعية سويا غير عدواني وغير راكن للفساد وأهله؟

الجواب: من السهل اقتراح برامج تربوية وسطية لبناء داعية سوي غير عدواني وغير راكن للفساد، لكن المشكل الكبير هل سيبقى هذا الداعية سويا ؟ لان في الواقع كم من داعية سوي تحول إلى داعية عدواني أو إلى داعية راكن للفساد ، أظن أن المهم هو مدى استعداد الداعية بالرغم من كل المحن لأن يبقى سويا وسطيا

11 - لا شك أن المحن محك قاس للدعاة فهل نجح دعاة المغرب في مواجهتها تعاونا ومحبة وتناصرا وتواصلا تجاوزت آثاره الأقوال إلى الأفعال والتصرفات ؟ وهل للحسابات السياسوية اللاأخلاقية أثر في تعطيل هذه الصفات الإسلامية المطلوبة شرعا وعقلا؟

الجواب: لم ينجح دعاة المغرب في مواجهة المحن تعاونا ومحبة وتناصر، دعاة المغرب لا يتعاملون فيما بينهم بأخلاق الإسلام بل العكس يتعاملون بمنطق الحزب والقبيلة. أتحدث عن دعاة الحركات الإسلامية ولا أتحدث عن علماء المغرب لأنهم تابعون للنظام ومظفون لديه-

 بالرغم م رفع الشعارات الإسلامية فإن الحسابات السياسوية كان لها الأثر الأكبر في تعطيل الصفات الإسلامية من تناصر ومحبة وتعاون، المطلوب اليوم هو إعادة تعريف هذه الحركات هل هي إسلامية فعلا أم حزبية

12 - ما هي في رأيكم الصفات الذاتية التي يجب أن يتحلى بها الداعية الإسلامي المتصدي للساحة السياسية؟ ، وما المقاييس للتمييز بين السياسي والدعوي؟

الجواب: الصفات الذاتية التي يجب أن يتحلى بها الداعية الإسلامي المتصدي للساحة السياسية هي:

التقوى

فقه الشرع وفقه الواقع

الصبر

التخطيط والقدرة على المناورة وبناء التحالفات

الأمانة

 كما لا يمكن الفصل بين ما هو دعوي وما هو سياسي في الإسلام. لأننا إذا ما فصلناهما كنا من عداد العلمانيين ونحن ضد العلمانيين.

حشيش بجميع الأصناف والرتب في الأمن المغربي

 

 هشام الصميعي( كاتب من المغرب)

     اعتاد المغاربة نهاية كل صيف الاستمتاع بمتابعة مسرحيات بوليسية شيقة يتم خراجها من الصالونات الضيقة مع انطلاق حملة تطهيرية موسمية تؤدي إلى سقوط شبكة لترويج المخدرات، سواء في المناطق الشمالية من المملكة أو بعاصمتها. كما اعتادوا أيضا أن تسقط مع هذه الحملات التي تكون في الغالب بطريقة انتقائية لغاية لا يعلمها إلا "أصحاب الحال"، رؤوس كبيرة ومن مختلف الأحجام والأسلاك من رجال أمن، وقضاة، و رجال درك، و جمارك، إضافة طبعا إلى رجال سلطة ومخبرين من المتعاونين مع شبكات ترويج السموم، هذا بفعل تفشي الفساد الإداري واستفحال لعبة الارتشاء القذرة حتى أنه يمكن القول ومن باب الدعابة –مثلا-: "وراء كل مروج حشيش ناجح رجل أمن عظيم" ويمكن الجزم أيضا بما توفر من معطيات أن تجارة المخدرات أصبحت ركنا ثابتا بل صرحا بارزا في بنية السلطة و اقتصاد الريع بالمغرب، يصعب زحزحتها ولو اقتضى الأمر الاستعانة بخبرة المحقق الأسطورة " شارلك هولمز" .
     والغريب المريب في الأمر أن هذه الحملات الأمنية لا تشكل إلا مناسبة عابرة لذر الرماد في عيون البسطاء من القوم، بمناسبة صدور تقرير دولي أو تحقيق إعلامي من هنا أو هناك، يعري حجم الاتجار في المخدرات، و تنتهي العملية كما هو مرصود لها بسجن أباطرة، وتفكيك شبكة، و توقيف و إدانة رجال أمن و قضاة و جمارك من المتعاونين ليخلفهم أباطرة جدد، و شبكات عنكبوتية، و متعاونون جدد من مختلف الرتب و الأسلاك، وهكذا تبدأ الدورة الجديدة من حياة الشبكة الموالية إلى أن يأتي صيف آخر فتبتدئ الحملة من جديد .
    
وهذه العمليات لا تستهدف استئصال شبكات الاتجار في المخدرات التي أصبحت لها خبرة عالمية مذهلة في مجال الترويج و التصدير واختراق أجهزة الأمن و القضاء، ولا تهدف أيضا القضاء على آفة المخدرات -ولا هم يحزنون- من المغرب، والتي قاد ريعها المالي العديد من المتاجرين فيها إلى قبة البرلمان، وإلى تزكية العديد من أباطرتها الأفذاذ في الانتخابات المحلية و التشريعية من طرف أحزاب سياسية معروفة بالمغرب، في انتظار تأسيس حزب الحشيش الخالص و مليشيات مسلحة على غرار ما هو موجود لدى أشقائنا في كولومبيا .
    
هده العمليات الأمنية الانتقائية "أحلق شنبي" - و حلقته بالفعل- إن كانت ستجدي نفعا في اقتلاع الاتجار بالذهب الأخضر أو "العشبة " -كما يحلوا للمغاربة تسميتها - والتي جعلت من أباطرة المخدرات ومعاونيهم من أجهزت الإدارة الأمنية و القضائية كذلك، رجال أعمال مرموقين و ملاكين عقاريين كبارا يمسكون بزمام السلطة المحلية في العديد من مدن الشمال المغربي، في الوقت الذي لازالت فيه السلطات المغربية تمتنع عن التوقيع على الاتفاقية الدولية حول مكافحة تبييض الأموال وتتردد في ذلك وكأن الأمر فيه "خيار و فقوس" فيما يخص محاربة الرشوة بطرق فعالة بالضرب بيد من حديد على أيدي المرتشين و المفسدين و المتلاعبين بمصالح البلاد و العباد أو تطبيق قانون من أين لك هذا ؟.
    
بقدر ما تستهدف هده الحملات الأمنية بطبيعتها العابرة وقفزاتها العمياء لغرض في نفسها فقط، ضبط مجال الاتجار في المخدرات وحدود علاقاته المتشابكة القاسية، خاصة بعد ما كشفت التحقيقات الأخيرة مع من دعوا  "معتقلي خلية أنصار المهدي" عن العلاقة بين المخدرات و تمويل الإرهاب. فهي لا تعدو بالتالي أن تكون مجرد "تيرموميتر" لقياس درجة التحكم و الضبط لمافيا المخدرات وزبنائها الكرام على اختلاف أسلاكهم من طرف المصالح الأمنية، و غالبا ما تكون كذلك مناسبة لتصفية الحسابات بين أجنحة السلطة الأمنية المتصارعة على المناصب .
    
وفي هذا الصدد جاءت العملية الأخيرة للأمن المغربي في نهاية هدا الصيف وفي نفس المناسبة -كما جرت العادة- والتي أدت إلى توقيف عصابة للترويج و الاتجار الدولي في المخدرات بزعامة المدعو الشريف بين الويدان الذي استطاع أن يجمع ثروة خيالية بعد سنوات عديدة من عمليات تهريب المخدرات إلى اسبانيا عبر موانئ مدن الشمال المغربية المطواعة لأباطرة المخدرات، و أن يبني عمارات شاهقة على طول مساحة تقدر ب 3000 هكتار بطنجة . والذي جرف معه أزيد من 24 متهما من بينهم العديد من رجال الأمن و الجمارك والدرك بمختلف الرتب، ورجال المخابرات، كانوا يسهلون على الشبكة مأمورية ترويج وتهريب المخدرات بالمنطقة، ومن بين المعتقلين كذلك "حوت ضخم"، و يتعلق الأمر بالمدير العام لأمن القصور الملكية عبد العزيز إيزو بلحمه و عظمه، و الذي تم اعتقاله فورا حيت تبين أنه تربطه علاقات وطيدة بالعصابة. و المثير للسخرية حقا في كل هذا أن رجال الأمن عثروا - بالصدفة - في منزل امبراطور الحشيش المعتقل رسالة خطية مذيلة بتوقيع من المدير العام للأمن الوطني السابق بن هاشم بطوله وعرضه يشكر فيها زعيم العصابة على مجهوداته الجبارة في بناء و ترميم و تجهيز العديد من مراكز و مقرات الأمن بالمنطقة . ولم يعرف بعد ما إذا كان هذا المدير العام للحشيش الوطني عفوا للأمن الوطني، ما إذا كان مزروعا فيه صاروخ حشيش وقت كتابته لهذه الرسالة المؤثرة للغاية و المفعمة بالعرفان بالجميل لامبراطور الحشيش أم لا .
    
السؤال المفيد الذي يتردد في ذهني - وأذهان العديد من المغاربة- و أريد أن أختتم به هذه المقالة لخلق شيء من التشويق الذي يليق بالحبكة البوليسية: ترى من سيخلف شبكة الإمبراطور بين الويدان في ترويج المخدرات من جديد؟ يبدوا أن الأسماء المرشحة لذلك كثيرة والاختيار سيكون للأقوى حتما حسب ما جرت به العادة .

 

الشاعر/ علاء محمد قاسم العلي ـ هولندا:

العيـد...!

كم جناحا يكْسِـر الخوف’

إذا ما غاب شعري  ؟

كم تشظّى في سماءِ المجدِ

من أحرفِ نثري ؟

أي عيد .. والأضاحي

باقة من أجملِ ألأزهارِ

في باحةِ قََصْري  ؟

***

زهرتي ..هل صمت الفجر’

أم احتزت ينابيع الثريا

أي ليلٍ يصِل الصبحَ

بنورٍ دونَ فجر     ؟

أي فجرٍ وحجيج الله طافوا

قبلَ يوم

بنعالٍ فوق قبري  ؟

أي عيدٍ وصدى الأرهاب

سيفاً حارقاً

يقطع صوتي قبلَ نحري ؟

***

إشهدوا يا معشر الصم لصوتي

إن صوتي هادراً حتى العلاء

وضميري سوف يسقي

كل من ينهل’ من أطياب شِعري

***

فهنيئاً لك يا طير العراق

أنت مجدا وسراجاً وكتاباً

وقصائد

وأنا لا أرتدي ميزان شعر

لا ولا ألبس نثري

لست’ إلا كلمه ..

لَسْت’ إلا أحرفاً

جَنبَكَ يا طير العراق

لَست’ إلا نقطة في رأسِ سطر ِ  .

بدايــة الصفحــة

الحركة الإسلامية المغربية
جميع الحقوق محفوظة  © للحركة الإسلامية المغربية

www.elharakah.com 2006 info : elharakah@elharakah.com