|
المرأة و الحقل الديني بالبوادي المغربية:
شهيرات نساء بادية سوس كنموذج
بقلم \ الأستاذ موشيم أحمد
تقديم
في المجتمع المغربي و عبر حقبه و تطوراته التاريخية ،
كان للمرأة حضور في شتى المجالات الثقافية و الدينية
والسياسية ، و قد احتفظ لنا التاريخ المغربي بأسماء
نساء شهيرات عرفن كعالمات و فقيهات و أديبات و
دبلوماسيات .... غير أن ما يحكم هذا النوع من التاريخ
هو غلبة نساء الحواضر و ندرة في نساء الأطراف ، و كأن
البوادي المغربية لم تكن بها نساؤها الشهيرات ...
السؤال المطروح هنا هل يرجع ذلك إلى كون هذا التاريخ
بحكم مركزيته يتجاهل ثقافة و نخب الهوامش و الأطراف، و
بالتالي يتعامل مع النخب المحلية لهذه الأطراف ،
رجالها و نساءها ، بالتجاهل و الاقصاء و التهميش و
النسيان ؟
قد تكون هذه الفرضية واردة بحكم الهيمنة الثقافية و
الفكرية للنخب الحضرية و مركزية الحواضر و تهميش
البوادي ، لكن للبوادي والأطراف نخبها التي عملت
بدورها على مقاومة التهميش و النسيان من خلال كتاباتها
و إنتاجها لتاريخ محلي يستحضر الأطراف النائية و
ثقافتها المحلية و يؤسس أسره العلمية ورموزه الدينية
التي حظيت بالشهرة و السلطة الرمزية ، و برزت المرأة
العالمة و المتصوفة ضمن هذه النخب بأدوارها التي دونها
التاريخ المحلي لهذه الجهات ، و الذي هو بمثابة ذاكرة
جماعية تقاوم النسيان
...
1 - الثقافة العلمية بسوس
:
أ – نظامها التربوي ، خصائصها و مؤسساتها
:
إن الإشكال حول كيفية بناء و تأسيس العلم الديني و
تقاليده في وسط بدوي يحيل إلى وجود فئة أو هيئة انجزت
عملية البناء و التأسيس للعلم في هذه الجهة ، و هذه
الفئة أعني بها العلماء و الفقهاء و المتصوفة الذين
يعتبرون " رجالات العلم العربي بسوس " و قد خصها
المرحوم المختار السوسي بتآليفه التي حاول من خلالها
رصد هذه النخبة و أدوارها سواء في كتابه " المعسول "
أو في كتابه " سوس العالمة " أو " رجالات العلم العربي
بسوس " أو " خلال جزولة " ... كما عمل على تتبع الأسر
العلمية التي تسلسل فيها العلم ، و اشترط في الأسرة
العلمية أن يتولى العلم فيها ثلاثة أجيال على الأقل أو
جيلان
.
فهذه الجماعة بحكم امتلاكها للعلم الديني كرأس مال
رمزي كانت لها امتيازات و نفوذ هام داخل مجتمعها و
كانت تقوم بعدة وظائف أساسية كالقضاء و التعليم
بالمدارس و المساجد و الزوايا و التحكيم بين القبائل
المتصارعة
...
وهكذا فإن امتلاك العلم بسوس مقارنة مع المراكز
الحضرية يطرح عدة مشاكل و صعوبات يواجهها الطالب
السوسي ، فهناك أولا تعلم اللغة العربية و قواعدها
التي هي ضرورية كمدخل للعلوم الدينية ، و هناك الرحلة
العلمية و الهجرة إلى مدارس أخرى و حواضر العلم بمراكش
و فاس أو المشرق و ما يتطلبه من جهد ، و قبل هذا و ذاك
ينبغي توفر تراكم علمي داخل الأسرة
.
شهيرات النساء بسوس
:
أدوارهن و حضورهن في الحقل الديني و الصوفي
:
إذا كنت شخصيا قد أكدت في تقديم هذا المقال على أن
لسوس نساء شهيرات يعتبرن علامة من علامات الذاكرة
الثقافية المحلية التي تقوم بها النساء فلا أجانب
الصواب ، إذ بالرجوع إلى المصادر التي أرخت للنخب
المحلية ككتب الطبقات و المناقب نجد كوكبة من النساء
اللواتي لا تقل شهرتهن على أمثالهن من نساء الحواضر و
كانت منهن العالمات و الفقيهات و المتصوفات، لهن
مشاركة في الحقل الثقافي و الديني والتربوي ، و منهن
من بلغن درجة الولاية الصوفية ، ومارسن التعليم و
الوعظ و الارشاد و كانت لهن تآليف باللسان المحلي في
الفقه والتصوف و من بين هذه النساء الشهيرات:
1 - عائشة الأكمارية
: توفيت سنة 1334 هـ فقيهة و مدرسة أتقنت مترجم
المختصر للهوزالي ، فكانت تملي على زوجها الفقيه محمد
بن عبد الله الوافي ما كان يتوقف عليه ، حفظت بعضا من
القرآن الكريم ، و تتصدر مجالس النساء و تملي عليهن و
تعظهن
...
2 - رحمة بنت الإمام محمد سعيد السوسي المرغيتي
: ألفت مختصرا فقهيا، و كانت على درجة
عالية من العلم
.
3 - فاضمة بنت محمد الهلالية : أصلها من وعل ( توعلات ) توفيت سنة 1207 هـ لها
ترجمة في فهرس تلميذها محمد بن عمر السوسي البييوركي
يصفها فيه بالفقيهة العالمة السالكة ، و يذكر أخذها عن
الشيخ أبي العباس بن ناصر ، لها شهرة و منظومات شلحية
.
4 - عائشة بنت الحاج مبارك المتوكي
( 1245) : كانت نسَّاخة خطت بيدها مصحفا شريفا و
مؤلفين هما " مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات "
للجزولي و " مدارك التنـزيل و حقائق التأويل " و هو
تفسير القرآن الكريم لعبد الله النسفي
.
5 - رحمة بنت يوسف اعبالئية
: ولية صالحة توثر عنها خوارق مع أحمد بن موسى ، و
لا تزال شهرتها مدوية
.
6 - مماس بنت علي المنوزية
: ولية صالحة توفيت 1130هـ
.
7 - مريم محمد السملالية
: توفيت سنة 1163 هـ ، ألف حول مناقبها و كراماتها
مجلد ضخم
...
8 - حكا ( حواء ) بنت يحيى الرسموكية : توفيت سنة 1155 هـ صالحة عابدة يعتقدها الناس
لها مشهد يقام عليه موسم نسائي
.
9 -تعزَّى السملالية
: ربيعة زمانها ، ذات الشهرة الفائقة و لها أخبار
...
10 – عائشة التوننية
: كانت فقيرة مسنة لا أرب للرجال فيها و كانت لها
القدم التابثة في الطريقة ، فكانت تجمع الفقيرات و
تعظهن وتعلمهن لأن لها إلماما كبيرا بأمور الدين و
يذكر أن طريقتها درقاوية
...
يظهر لنا جليا أن المرأة استطاعت أن تتغلب على مجموعة
من العوائق و الموانع و الصعوبات التي تحول دون الوصول
إلى مراتب عليا في العقل العلمي الديني و الصوفي ،
لتمتلك رأسَمال رمزياً وسلطة دينية جعلتها تفرض نفسها
على التاريخ المحلي، و لتبرهن بالتالي أن العلم
والولاية ليسا مجالا يحتكره الذكور بل يمكن للنساء
أيضا ولوجه و التواجد فيه و اختراقه رغم السياج
الأرثوذوكسي المعارض لكل ما هو نسائي و الذي يحاول
إقصاء المرأة و تهميشها تحت مبررات دينية ؛ و بهذا
تكونت في هذه الأطراف نخبة من النساء الشهيرات لعبن
أدواراً فاعلة في انتاج و إعادة انتاج الثقافة العالمة
كعالمات و فقيهات و متصوفات ، و تكون بذلك علامة من
علامات الذاكرة الثقافية للبوادي والأطراف التي تقاوم
التهميش و النسيان
.
المصادر المعتمدة
:
1 - بحث ابراهيم أعراب : أعمال الدورة الرابعة تحت
شعار : " الثقافة الأمازيغية بين التقليد و الحداثة "
الجامعة الصيفية بأكادير سنة 1996م ( من 19 يوليوز إلى
05 غشت 1991 م
) .
2 -التازي عبد الهادي : المرأة في تاريخ الغرب
الاسلامي . الفقه ط . 1 ، 1992 م
.
3 - سوس العالمة للمرحوم المختار السوسي ، الطبعة 2 ،
1984 ص . 121 – 152 ، حيث يرد ذكر 157 أسرة علمية
.
4 - مخطوط لمناقب الحضيكي
.
5 - خلال جزولة لمحمد المختار السوسي ج. 3 ص . 186
.
6 - المعسول للمختار السوسي ج . 1 ص . 199
.
7 - مخطوط " الفوائد الجمة " التمنارتي أبو زيد
.
8 - رجالات العلم العربي في سوس ، للمختار السوسي ، من
القرن 8 هـ إلى نصف الرابع عشر ، الطبعة 1 سنة 1987 ص
. 130
.
10 - المؤسسات التعليمية الأولى بسوس ، محمد المنوني ،
مجلة المناهل العدد 34 السنة 13 ، 1986 ص. 50-51
.
11 - من أفواه الرجال للمختار السوسي ص 55
. |