أهــلا وسهــلا بكم في موقــع الحــركة الإســلاميــة المغربيـــة
تحديث:  18 ربيع الأول 1431  هـ

 الصفحة الرئيسـيـة

 حلقات تفسير القرآن

 نداء المحبة

 الحركة الإسلامية المغربية
 نشأة وتطورا

 البيان التأسـيـسي

 التقريـر العـقــدي

 التقريــر السياسي

 رسالة المرشـد العام

 الدين النصيحة

 مقالات ودراسات إسلامية

 من قضايا الأمة

 مواقف وبيانات

 المنبر الحــر

 حـوار إســلامي

الشورى منهج حكم وتدبير
التشريع الشوروي في منطقة الفراغ التشريعي
المقاصد الشرعية في تدبير الشأن العام
 تفسير القرآن للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
موطأ الإمام مالك
في النظام السياسي:
 ثلاثية فقه الأحكام السلطانية
( الطبعة الثالثة)
تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك
بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في الفكر والدعوة
الصحراء المغربية
ملكية الأرض في الإسلام
حد السرقة بين الفهـم والتطبيق
الأخلاق والتزكية فـي رحاب الكتاب والسنة
اعرب وبربر مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله
ارسالة الإمام مالك إلى هارون الرشيد ( تحقيق وتخريج أحاديث)
ا الحسبة  في النظام  الإسلامي: أصولها الشرعية وتطبيقاتها العملية للأخ الأستاذ إدريس محمد عثمان
ا منهجية الفتوى في المدرسة المالكية الأندلسية: الإمام االشاطبي نموذجا للأخت الأستاذة دريد الزواوي
ا الزاوية التاغية/ دار القرآن الكريم - توثيق تاريخي للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
 

 مـــــن تحــــن

 اتصــــــل بنـــا

أرتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل

 
 

حلقات من تفسير القرآن الكريم

لفضيلة المرشد العام للحركة الإسلامية المغربية

الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

المجلد الثاني من تفسير القرآن الكريم لفضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
تفسير
سورة آل عمران
القسم الأول:المنهج القرآني في حوار المسيحية وأهل الكتاب(من ألاية 1 إلى الآية 83)

المجلد الثاني - تتمة -: حلقات تفسير القسم الثاني من سورة آل عمران
(من الآية 84 إلى الآية 200) لفضيلة الشيخ عيد الكريم مطيع الحمداوي
الأمة الإسلامية: تحصين الجبهة الداخلية

   1 - تمهيد: مناعة تتحدى العواصف والأنواء

 

 

تفسير سورة آل عمران - القسم الثاني ( الحلقة الأولى)

تمهيد: مناعة تتحدى العواصف والأنواء

 

من سنن الله تعالى في هذه الحياة أن بقاء الكائن الحي لابد له من قوة ذاتية تحميه وتيسر له ظروف البقاء، وأي فسيلة تغرس محتاجة لنمائها وإثمارها إلى حصانة وصلابة في التكوين وقدرة على مقاومة ما يحتمل أن يصيب بنيتها الداخلية من آفات، أو يهاجمها من خلال بيئتها ومحيطها من أمراض،  وكما أن الشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها لا بد أن تكون طيبة في نفسها ثابتة قوية في أصل بنيتها وجذورها، منيعة في محيطها وبيئتها، كذلك الأمة الإسلامية لا تستطيع أن تؤتي ثمارها استخلافا عقديا بين الناس إلا إذا كانت قادرة على حفظ وجودها وحماية حوزتها متحرزة من الفساد والفتنة، وكانت جبهتها الداخلية متماسكة كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا، ومناعتها ضد أوبئة التفتت والتمزق والانحراف قوية، ومواقفها في مواجهة عوامل التخريب الداخلي والخارجي صلبة عصية، وأقدامها على صراط العقيدة صبرا ومصابرة ورباطا ومرابطة راسخة ثابتة. قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ إبراهيم 24/25.

هذه سنة الله تعالى المطردة، مناعة داخلية وحصانة خارجية لابد منهما لحياة الشعوب وبقائها، ولئن انتصرت بعض الأمم الضعيفة على عدوها في طفرة حماس أو تحد أو ظروف مواتية أو تدخل غيبي فإنما ذلك حالات شاذة نادرة، كما في حالة انتصار المسلمين على قلتهم وضعفهم في غزوة بدر، وقد قال عنه تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ آل عمران 123، إلا أن مثل هذا النصر قد لا يؤدي أي دور إيجابي في حياة الأمة ما لم تتبعه إعادة التوعية والتربية والتحصين، لاستخلاص العبرة من الأحداث والتجارب والأخطاء، واستشراف مآلات الأعمال والتصرفات والنتائج، بل قد يكون من عوامل الاندثار والتفكك، اغترارا خادعا أو صراعا على المال والجاه والغنائم، وذلك ما عالجته سورة آل عمران فيما بقي لنا من آياتها، عقب أول نصر من الله حققه المسلمون وشاركت فيه الملائكة.    

إن تحصين الجبهة الداخلية بتعزيز ثقة الأمة بنفسها وقيادتها المؤمنة بعد ثقتها بالله عز وجل، وتمتين تماسك أركانها وإعلاء مشاعر أهلها وربط قلوبهم وعقولهم وخطواتهم بالتوحيد الخالص والصراط المستقيم، وتعميم حالة من الفرز العقدي يتميز بها المسلم عن المنافق والكافر، والولاء الخالص لله تضمحل به الولاءات القبلية والمصلحية والسلطوية والأهوائية، والصدق في الأقوال والأفعال والمواقف يتلاشى به الجهل والتجاهل والختل والتخاذل، وتربية أجيال من المواطنين ذوي الغناء والكفاية والوعي والعزم على حياطة البيضة والمحاماة عن الدين والملة، من أهم أسباب بقاء الأمة ونمائها وقوتها ومنعتها، فلا يعبث بها المارقون من داخلها أو الخصوم من خارجها. وقد كان هذا الهدف، هدف قيام الأمة الشاهدة المنيعة العصية عن الضعف والانهدام والتخريب، هو ما يرمي إليه القرآن الكريم بعامة، وسورة آل عمران بخاصة .

إن إقامة هذه الأمة في أي ثغر من ثغور الإسلام فريضة على كل مسلم، وكلمة من الله تعالى أمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وأتباعه المؤمنين برسالته إذ قال عز وجل: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ آل عمران104، وقال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه ﴾ آل عمران 110، ولابد أن تقوم هذه "الكلمة – الأمة" وأن تبقى طيبة في أصلها ومنبتها ومراحل نموها ونشأتها، وأن تنهض بواجب إمامة البشرية وقيادتها إلى الحق والتوحيد السوي الرضي، والأخذ بيدها إلى خير الدنيا والآخرة.

أمة في هذا المقام الذي تتقاصر له الهمم، وتتضاءل أمامه القمم وعلى عاتقها هذه المسؤولية التي تشرئب لها الأعناق، وتتدانى لها الغايات والأبعاد والآفاق، لابد أن يتحصن بناؤها الداخلي، وأن توفر لها المناعة الذاتية ضد أمراض النشأة وأوبئة مراحل النمو والتكامل والانسجام الرشيد مع البيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقدية والسلوكية التي حولها، كي تستطيع مواصلة حياتها والقيام بوظيفتها الاستخلافية التي نيطت بها، والتغلب على عوامل أي فساد داخلي محتمل، أو هجوم خارجي طارئ.

في مثل هذه الحالات لا يجدي الانعزال عن الشر وأهله، لأن طبيعة الاجتماع البشري تقتضي التواصل والتفاعل، على قاعدة أن النصر بقدر قوة أهل الحق على الثبات عليه، وإصرارهم على تبليغه وإقامة أمره، وقدرتهم على تغيير بيئتهم بما يناسب صفاء عقيدتهم وصلابة مبادئهم وسمو أهدافهم. وهم في مسيرتهم هذه معرضون للخطأ كما هو شأن كل العاملين، إلا أن قدرتهم  على تصحيح مسيرتهم هي المقياس الدقيق لما لديهم من مناعة ضد الفساد والاندثار، وما يتميزون به من أهلية القيادة والاستخلاف وأداء الأمانة.

ولا شك أن حكمة الله تعالى في جعل الرسالة المحمدية خاتمة للرسالات والقرآن الكريم خاتما للكتب السابقة ومهيمنا عليها، وأمة الإسلام خير أمة تختم بها الحياة الدنيا، لها ما يبينها وحيا مسطورا، وسيرة نبوية حية منظورة، وأمة تجدد نفسها كل حين بإذن ربها، وتتغلب على عوامل الاندثار بما جعله الله لها أولا من قرآن محفوظ، هو نفسه حجة قائمة على مدار الدهر، ودعوة للتوحيد صادعة بالحق في كل زمان، وثانيا من سنة نبوية عطرة هي التنـزيل الواقعي للدين في الحياة ، وثالثا بما يقيضه الله تعالى لها في كل عصر من علماء ربانيين، يعيدون لها شبابها، ويصححون تعبدها ويقومون خطواتها على المحجة الواضحة البيضاء، قال صلى الله عليه وسلم:( إن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها )، وقال: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ).

إلا أن  للحصانة الذاتية كما هي سنن الله تعالى في الخلق والبقاء، ركنا تربويا رابعا له من الأهمية ما يناسب طبيعة الإنسان وفطرته، هو عنصر التجربة ونتائجها سلبا أو إيجابا، به تختمر المفاهيم في العقول، وتنضج التصرفات في المعاملات، وترتسم معالم الصواب والحق في الأفئدة والنفوس. تنتصر الأمة ولتجربة النصر لذات وآفات، وتنهزم وفي تجربة الهزيمة تنبيه إلى مكامن خلل أو إيقاظ من غفلة أو تقوية لعزائم وإرادات.

هذا حال الأمة الإسلامية الناشئة في السنتين الأوليين للهجرة، مرحلة البناء والتشييد عقيدة صافية وأخوة صادقة واستعلاء إيمانيا واثقا بالنصر والتمكين تحت قيادة نبيهم الكريم مما بينته سورة البقرة وشرحناه في القسم الثالث منها، فكانت الجائزة تجربة نصر مؤزر في بدر الكبرى، نصر باركته الملائكة وشاركت في معركته قال تعالى: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ الأنفال 9/10.

وهذا حالها في مقارعة خصومها من المنافقين والمشركين وأهل الكتاب، ومحاورتهم بالحجة والبرهان، ودعوتهم إلى سبيل الحق وصراطه المستقيم، ودفع ما يمكرون ويكيدون، واتقاء ما يبيتون ويخادعون، مما بينه رب العزة للمسلمين فيما سبق من سورة البقرة وما مر من سورة آل عمران. فتكامل بذلك منهج الإسلام عقيدة في القلوب صافية راسخة، وبناء على الأرض لأمة شاهدة، وأسلوب تعامل مع مختلف العقائد الضالة وأهلها بما ينفع النفوس الحية المقبلة، ويقيم الحجة على الضالة المعرضة، ويمنع الأيدي الآثمة من أن تمتد بالسوء إلى الإسلام وأهله.

إلا أن هذا الصرح الإسلامي المنيف كان لابد لبنائه من تحصين، يمنع عنه عاديات الزمن وقوارع الفتن، فلا يؤتى من داخله، ولا يخترق من خارجه، مهما اشتدت به المحن، أو أحدقت به المخاطر وتداعى عليه الأعداء والخصوم. وكانت الآيات الكريمة الباقية من سورة آل عمران ( من الآية 84 إلى الآية 200 ) لبنات أساسية في حصن الدفاع الذاتي للأمة، بعد أن ذاقت حلاوة الإيمان ولذاذة النصر المبين في بدر، وكان لذلك بليغ الأثر في النفوس والإرادات والعلاقات، لدى معسكري الإيمان والكفر.

ركن بعض المسلمين إلى برد النصر على ضعفهم وقلة عددهم، واطمأنوا إلى أمن من هزيمة تدفعها الملائكة عنهم، وفي ذلك غفلة عن سنن للتدافع بين الحق والباطل ينبغي تذكيرهم بها وتلقينهم دروسها. وتجرع المشركون واليهود مرارة الهزيمة في بدر فأعلنوا التعبئة العامة في صفوفهم، وأشعلوا نار الشائعات والأكاذيب والتشكيك في عقيدة الإسلام وشرائعه، لشق صف المسلمين واستنبات النفاق فيه، وعكفوا على إعداد عدتهم وتوحيد طوائفهم لجولات جديدة من الحرب يثأرون بها لما نالهم ويستأصلون بها الدين الجديد.

في هذه الأجواء، أجواء ما بعد السنة الثانية للهجرة إلى غزوة أحد فغزوة الخندق، وما نال المسلمين فيهما من بلاء ومحنة تنـزلت آيات هذا القسم من سورة آل عمران تعالج آثار النصر والهزيمة بسلبياتهما وإيجابياتهما، تشرح خلفياتهما، وتبين أسبابهما ونتائجهما، وتجعلهما معا سبيلا إلى  نصر أكبر وأعلى وأشد متانة ودواما وتمكينا، وأداة لتحصين الأمة من داخلها، وتقوية مناعتها وقدرتها على المدافعة والصمود، وتكشف من خلال ذلك - للتصحيح والتوعية والتربية - عن حالات من اضطراب الصف وغبش الرؤية لدى بعض المسلمين، وعن سنن الله تعالى في تداول القوة والضعف والنصر والهزيمة، تمحيصا قاسيا للأفئدة ومعادن النفوس ودخائل القلوب والنوايا والمقاصد، مقرونا بمواقف من البطولة النادرة والتضحية الجسيمة والاستشهادية المحتسبة، ومواقف أخرى هابطة منافقة تضمر الشر والكيد والغدر.

إن هذا القسم من السورة يسير نحو نفس الهدف الأول لسورتي البقرة وآل عمران والقرآن الكريم بعامة، وهو إعداد الجماعة المسلمة لإمامة البشرية واستنقاذها وأطرها على منهج الله في الأرض، وإقامة أمرها الجامع في دولة راشدة رائدة، وكيان حي متجدد عصي عن التفتت والاندثار، ولئن وضعت سورة البقرة في قسميها الأول والثالث قاعدة للبناء وأركانا للنظام وأسسا للتنـزيل في الحياة العامة والخاصة، فإن سورة آل عمران قد أتمت ما بقي من صرح هذه الأمة فزودت المسلمين في قسمها الثاني بقاعدة ثانية للصيانة والمنعة والتحصين الذاتي، يصلب بها عودهم، وتقوى بها شجرتهم وتثمر بها أغراسهم.

ولما كان للتجربة في حياة كل أمة أثرها سلبا أو إيجابا، فقد تساوقت أحداث هذه الفترة مع الوحي، حَذْوَ القُذَّة بالقُذَّة[1]، خطوة في الأرض تصيب أو تخطئ، ووحي من السماء يتنـزل، يسدد الخطى، ويبصر بالمزالق، ويبين العلل مرتبطة بمعلولاتها، والأسباب بمسبباتها، والأعمال بنواياها ومقاصدها ونتائجها. وكان هذا القسم على رغم ما نال المسلمين في فترة نزول آياته من شدة ونصب مدرسة تربوية رائعة لجيل رائد من البناة ، هو خير أجيال هذه الأمة، لم يسلموا الروح  لبارئها ولم تهدأ لهم نفوس، حتى دكوا حصون كسرى شرقا، واستخلصوا الشام من حكم القيصر وطرقوا أبواب عاصمته القسطنطينية شمالا، وحرروا من الاستعمار الروماني شمالي افريقية من البحر الأحمر شرقا حتى شواطئ الأطلسي غربا.

وكانت معركة أحد التي هي محور هذا القسم تمحيصا لنفوس المسلمين وتصوراتهم ومشاعرهم ومدى قدرتهم على لجم شهواتهم وأطماعهم، ذاقوا حلاوة النصر في أولها ثم تجرعوا مرارة الهزيمة في آخرها لما خالفوه من أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وما راموه من الغنيمة، ثم لما دعوا في اليوم التالي إلى الخروج لمطاردة المشركين في حمراء الأسد استجابوا على ما أصابهم من محنة وخرج بهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو مجروح في وجهه وجبهته مشجوج في ركبتيه، رباعيته قد شظيت، وشفته السفلى قد كلمت في باطنها، فقال فيهم رب العزة تعالى مادحا ومزكيا: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ آل عمران 172/173.

لقد كانت هذه الأحداث كلها بما واكبها من توجيهات قرآنية رصيدا من العبرة والعظة والنضج والوعي تتوارثه أجيال المسلمين، يعمق إيمانها ويثري تجربتها، ويميز صفها ويثبت أقدامها على طريق الحق والجهاد، وينقل آثار المعركة ونتائجها من ميدانها المحدود على سفح جبل أحد إلى ميدان أكبر وأوسع هو ميدان صراع الحق والباطل والإيمان والكفر في كل زمان ومكان، وذلك النصر الحقيقي الأعم والحصيلة التربوية الأوفر والأغنى، وكان هذا القسم من سورة آل عمران كله دروسا عميقة المعاني والمرامي لكل أجيال المسلمين يحفظون بها حوزتهم، ويصونون بها وحدتهم ويرعون بها ذممهم ومواثيقهم، ويصدون بها كل عدوان، ويقمعون بها كل فساد، ويجعلون بها كيانهم العقدي والسياسي والاجتماعي والعسكري والريادي شامخا منتصرا على الأهواء والأحقاد متعاليا على الضعة والاستعباد، مستعليا بإيمانه لا يضره من خالفه إلى أن يأتي أمر الله عز وجل.

تبدأ توجيهات هذا القسم بمعالجة نتائج انتصار المسلمين في بدر، وما أثاره في صفوف المشركين وأهل الكتاب من هلع واستنفار لمحاربة الإسلام وبث التفرقة بين المسلمين ومحاولة تشكيكهم في عقيدتهم، بنشر الأكاذيب والشائعات وتلبيس الحق بالباطل، ولكنه قبل ذلك يذكر بقاعدة التصور الإسلامي والكلمة السواء التي دعوا إليها، لتكون المرجع عند كل غبش أو فتنة والترس الواقي من كل هجوم أو عدوان، بقوله تعالى: ﴿ قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ آل عمران 84/85، ثم ينطلق للرد على الشبهات التي يوردها اليهود حول بعض التشريعات الإسلامية الخاصة بالأطعمة وفريضة الحج إلى البيت الحرام، وفضح أساليبهم في المكر والخديعة، وأوجه ضلالهم عن الحق وبعدهم عن الهداية، مبددا ثقة بعض البسطاء من المسلمين فيهم، محذرا من التأثر بهم أو موالاتهم أو محبتهم أو اتخاذ بعضهم بطانة، وهم لا يضمرون للمسلمين إلا الحقد والحسد والغيظ، مبينا في نفس السياق عاقبة اتباعهم وطاعتهم، وما ينتظر المرتدين عن الإسلام من سوء العاقبة، والثابتين عليه من حسن المصير.

ولما كان بقاء الأمة وثباتها على الدين رهنا بوحدة صفها، وكان صمام الأمان لبقاء هذه الوحدة وقوتها هو قيامها بما أخرجت له من وظيفة هداية الناس واستنقاذهم، وكانت الفتن في أغلب حالاتها من الاختلاف والفرقة، فقد وضع القرآن الكريم علاجا لسلبيات هذه المرحلة وبلسما لشفاء أدوائها باستنهاض المسلمين للثبات على الدين والوحدة والقيام بواجب الاستخلاف والإمامة فقال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ آل عمران 103/105.

ثم بعد أن عولجت سلبيات مرحلة ما بعد النصر في بدر، أخذ الوحي الكريم في تحصين الصف المسلم إعدادا لمرحلة جديدة هي مرحلة الاختبار القاسي في أحد، يمهد له القلوب والأفئدة، ويحرض على الجهاد والثبات في مواقف البأس، وعلى مواجهة العدو بتوبة نصوح عن الفواحش والظلم وعن المكاسب الخبيثة والأطعمة المحرمة وما في حكمهما من عوائق النصر، فقال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ آل عمران 133/136، وهو الدرس الذي استوعبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه فأوصى به خالدا وعياضا إذ عهد إليهما بفتح العراق بقوله: ( فإذا اجتمعتما بالحيرة إن شاء الله وقد فضضتما مسالح ما بين العرب وفارس وأمنتم أن يؤتى المسلمون من خلفهم فليقم بالحيرة أحدكما، وليقتحم الآخر على القوم، وجالدوهم عما في أيديهم، واستعينوا بالله واتقوه، وآثروا أمر الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم، ولا تؤثروا الدنيا فتسلبوهما، واحذروا ما حذركم الله بترك المعاصي ومعالجة التوبة، وإياكم والإصرار وتأخير التوبة ).

ثم يواصل الوحي التعقيب على غزوة أحد مبينا ومعالجا ومرشدا وكاشفا لخفايا النفوس والنوايا والمقاصد، يضع المبضع على الجرح فيجلي كامنه ويطهر دسيسته، ويزيح به الغبش عن العيون والران عن القلوب، حتى إذا أثمرت عملية التربية وضوح رؤية واستقامة خطو ويقظة لما يمكره العدو أسبغ رب العزة على عباده شآبيب عفوه ومغفرته فقال: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ آل عمران 152/153.

ومن خلال ذلك يبين حقيقة الحياة والموت، ومآل المؤمن المجاهد إن شهيدا أو مهاجرا أو أدركته الوفاة في نصب الهجرة ووعثائها، ضاربا المثل بثبات خير خلق الله من الأنبياء والرسل في ميادين الجهاد والفداء ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ آل عمران 144/146.

ويختتم هذا القسم بالدعوة إلى الثبات على الدين والمرابطة عند ثغوره، والصبر والمصابرة عند مدافعة أعدائه، وحفظ وحدة معسكر المسلمين صفا وقلوبا وتعاونا على البر والتقوى، بأمضى سلاح غيبي بغيره لا تقوم لهم قائمة، هو سلاح التفكر في خلق الكون أرضا وسماء وكواكب ونجوما ونظاما للحياة، وسلاح الذكر في كل حركات المرء وسكناته، قياما وقعودا وعلى الجنوب، وسلاح الدعاء والاستعانة بالله تعالى لبلوغ ما وعده عباده المخلصين، من الدعاة الصادقين والمجاهدين الصامدين والمهاجرين المحتسبين، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ آل عمران 200.   

هذا غيض من فيض هذا القسم الثاني لسورة آل عمران ونزر من مائه العِدِّ، يرسم ملامحه ويوجز معالمه، ويقدم مدخلا لا يغني عن اقتحام آفاقه، واسترواح عبق نسماته، وأريج نفحاته، وعميق توجيهاته، من أجل الإعداد والاستعداد للمعركة الدائمة المستمرة المتواصلة، معركة الحق مع الباطل والإيمان ضد الكفر، انتصارا لدين الله في النفس والمجتمع، ومناهضة للشرك في الأوضاع والنظم والقيم، وتصحيحا للمفاهيم والموازين في كل مظاهر الحياة ومخابرها، وأطرا لها على منهج واحد، هو منهج التوحيد، عقيدة وتوجها وعبادة ونوايا ومقاصد، وعلاقات اجتماعية تحكمها المبادئ والأخلاق السوية، ونظما سياسية وعسكرية واجتماعية واقتصادبة لا غبن فيها ولا بغي ولا استبداد.


 

[1]  - القُذَّةُ : بالضّم : ريشُ السَّهْمَ : ج قُذَذٌ وقِذَاذُ


 

 

 

بدايــة الصفحــة

 


 

الحركة الإسلامية المغربية
جميع الحقوق محفوظة  © للحركة الإسلامية المغربية

www.elharakah.com 2006 info : elharakah@elharakah.com