أهــلا وسهــلا بكم في موقــع الحــركة الإســلاميــة المغربيـــة
تحديث:  8 ربيع الأول   1433  هـ

 الصفحة الرئيسـيـة

 حلقات تفسير القرآن

 نداء المحبة

 الحركة الإسلامية المغربية
 نشأة وتطورا

 البيان التأسـيـسي

 التقريـر العـقــدي

 التقريــر السياسي

 رسالة المرشـد العام

 الدين النصيحة

 مقالات ودراسات إسلامية

 من قضايا الأمة

 مواقف وبيانات

 المنبر الحــر

 حـوار إســلامي

الشورى منهج حكم وتدبير
التشريع الشوروي في منطقة الفراغ التشريعي
المقاصد الشرعية في تدبير الشأن العام
 تفسير القرآن للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
موطأ الإمام مالك
في النظام السياسي:
 ثلاثية فقه الأحكام السلطانية
( الطبعة الثالثة)
تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك
بديع الزمان سعيد النورسي وأثره في الفكر والدعوة
الصحراء المغربية
ملكية الأرض في الإسلام
حد السرقة بين الفهـم والتطبيق
الأخلاق والتزكية فـي رحاب الكتاب والسنة
اعرب وبربر مؤامرة لتنصير المغرب واحتلاله
ارسالة الإمام مالك إلى هارون الرشيد ( تحقيق وتخريج أحاديث)
ا الحسبة  في النظام  الإسلامي: أصولها الشرعية وتطبيقاتها العملية للأخ الأستاذ إدريس محمد عثمان
ا منهجية الفتوى في المدرسة المالكية الأندلسية: الإمام االشاطبي نموذجا للأخت الأستاذة دريد الزواوي
ا الزاوية التاغية/ دار القرآن الكريم - توثيق تاريخي للشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي
 

 مـــــن تحــــن

 اتصــــــل بنـــا

أرتباطات أخرى
الـقـرآن الكـريـم
( رواية ورش )
الـقـرآن الكـريـم
الحديـث الـنـبـوي
السيـرة الـنبويــة
الفقـه الإسـلامــي
التاريخ الإسـلامــي
مواقيت ا لـصـــلاة
 ركــــن الطـفـل

 
 

حلقات من تفسير القرآن الكريم

لفضيلة المرشد العام للحركة الإسلامية المغربية

الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي

 المجلد الثالث من تفسير فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي للقرآن الكريم

القسم الثالث والأخير من تفسير سورة النساء من الآية 115 إلى الآية 178

أثر التوحيد في ترشيد العقول وإقامة العدل

 1 تمهيد:أثر التوحيد في ترشيد العقول وإقامة العدل (الحلقة الأولى)
  2 -
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾(الحلقة الثانية)


 

      

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين

تفسير سورة النساء (القسم الثالث)
من الآية 115 إلى الآية 176
تمهيد:أثر التوحيد في ترشيد العقول وإقامة العدل

(الحلقة الأولى)

تطلع إبراهيم عليه السلام إلى ملكوت السماوات والأرض، فاهتدى إلى ربه ووحَّده فرشد، ثم انطلق يدعو إلى التوحيد ونبذ الشرك، وقال عنه الحق سبحانه:﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ الأنبياء 51/52،  وفزِع داوود من الخصمين إذ دخلا عليه وقالا:﴿ لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ ص 22، فما لبث عليه السلام أن تذكر وفهم فتاب وأناب:﴿ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ ص 25 ولم يكن من نتيجة لهذا الاختبار الإلهي بعد أن تجلى رشد داوود إلا أن أُمِرَ بالعدل:﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ص 26.

تلك كانت وتكون بداية كل أمر رشيد، نقطة انطلاق واحدة موحِّدة، يستبين بها سبيلُ الحق  فيتبعه الرشداء ويتخذونه منجاة وموئلا، وسبيلُ الغي فيهجره العقلاء ويجتنبونه ويحذرونه مصيرا ومآلا، إنه التصور الإيماني النير الواضح، التوحيد، مصدر كل رشد ورأس كل حكمة وشجرة كل عدل وإحسان، لا يشوبه غبش من شرك خفي أو شرك صريح، ما حل بقلب امرئ وعقله إلا اهتدى وعدل في أمره وأمر غيره، ففاز بخير الدنيا وحسن ثواب الآخرة.

ولئن كان أمر المستضعفين في الأرض مما اختصت به سورة النساء فقد ناسب أن يكون قسمها الثالث والأخير مجمِلا محاذير الأدواء في الشرك والجهل والظلم، وناجعَ الدواء في التوحيد  والعدل والعلم، وكان الاستهلال إنذارا وتخويفا من مُشاقَّة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين بقوله تعالى:﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.

 وبعد ذكر ما ينتظر الموحدين الصالحين من جنات النعيم قرر الحق سبحانه ميزان العدل وقاعدته بقوله:﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ متطرقا مباشرة إلى أشد ظلم ينال مستضعفات النساء وهو التعدد بقوله تعالى:﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ثم إلى ظلم آخر ينال مستضعفي الورثة من النساء خاصة لدى قسمة تركة ميت الكلالة، إذ يستحوذ الأقوياء من الأعمام وكبار الإخوة الذكور عليها ويحرمون ضعفة الإخوة والأخوات. وبعد أن حض الحق سبحانه على العدل في علاج هذه الحالات وغيرها حذر من شهادة الزور التي تقتطع بها الحقوق ظلما وتعطل بها الحدود عدوانا، فقال عز وجل:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.

وتأكيدا لقاعدةِ التوحيد وانبناءِ كل أمر رشيد عليها أعاد الحق سبحانه التحذير من النفاق وحَكَم بكفر من لم يتب من المنافقين وهددهم بسوء المصير فقال عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وحرم موالاتهم ومناصرتهم ومحبتهم بقوله عز وجل:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.

وكما دأب عليه الوحي الكريم من شمولية الأمر بالعدل في كافة مناشط الحياة تطرق إلى وجوب العدل في حالات الخصام والشنآن بين الأفراد والجماعات، فحرم الجهر بالسوء بين الناس مبادأة ومجازاة، إلا من ظُلِم  فانتصر ولم يفجر، أو عفا عن السوء وصبر: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾.

وضرب مثالا لفساد المعتقد وضلال الأعمال ونقض العهود والفجور في الخصومة وشهادات الزور ببني إسرائيل فقال تعالى:﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾.

وبعد أن بين وحدة الدين عند الله وهو العقيدة الواضحة المشتركة بين الأنبياء عليهم السلام بقوله عز وجل:﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾، نهى عن الغلو في الدين بالزيادة فيه أو القول فيه بغير علم ضاربا المثل بغلو النصارى في المسيح عليه السلام:﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، داعيا إلى التوحيد الخالص وصفاء التصور الإسلامي الذي لا يشوبه غبش، مقررا عبودية سائر الكائنات لله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾.

تفسير القسم الثالث سورة النساء (الحلقة 2)

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ
مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾

قال الله تعالى:﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (122) لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)﴾

بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، مؤسسا للوحدة والتآلف والمحبة، لا للفرقة والتنافر والتباغض، وكانت وحدة الأمة مقصدا من مقاصد الدين بما قاله رب العالمين:﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ الأنبياء 92.

 تجلت هذه الوحدة عقيدة من الكتاب بقوله تعالى:﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾الروم 31/32، وقوله:﴿ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾الأنعام 161/162 ، ومن السنة بقوله صلى الله عليه وسلم:( إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولَّى الله أمركم، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) وقوله:(إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) وشبك بين أصابعه.

وتجلت كذلك عنوانا وشعارا بما سماهم به ربهم تعالى من تسمية جامعة لكل خير وقوة، عاصمة من كل وهن أو ضعف: المسلمين، المؤمنين، عباد الله؛  قال عز وجل: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الزمر 11/12، وقال:﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ آل عمران 164، وقال:﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ العنكبوت 56، ونهى  الرسول صلى الله عليه وسلم عن دعوتهم بغير ما دعاهم به ربهم عز وجل فقال:(فادعوا المسلمين بأسمائهم، بما سماهم الله عز وجل، المسلمين، المؤمنين، عباد الله عز وجل).

وتجلت كذلك سلوكا راقيا مشتركا بين المسلمين، صلاة وعفة جوارح وحفظا للأمانة ووفاء بالعهود بقوله تعالى:﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ المؤمنون 1/10.

وتحصينا لهذه الوحدة حذر الحق سبحانه من كل جنوح نحو الفرقة والتمزق فقال:﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الأنعام 159. وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا  كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ الروم 31/32. وعرض بالبيان الشافي في آيات الحلقة السابقة لأسباب الانشقاق والفرقة والتنازع في المجتمع المسلم، خيانة ونجوى بالإثم والعدوان، ومناصرة للمنافقين ومجادلة عنهم، ومحاولة لتضليل الرسول صلى الله عليه وسلم، بحجب الحقائق عنه وتزوير الشهادات، ثم عاد لتهديد من يشق الصف ويفرق الكلمة يتوعده بأشد العذاب، بقوله عز وجل:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، ولفظ:"يشاقق" فعل مضارع مضاعف مجزوم، والمُضَارعُ المضاعف المَجْزُوم يجوز فيه الإدغام وفَكُّه، من فعل شق الشيءَ يشقه إذا صدعه وجعله قطعتين، والشِّقَّة: شَظِيَّةٌ تفصل عن عود أو خشبة، والشقاق مجازا كذلك هو غلبة العداوة والخلاف، فإذا انصدعت الجماعةُ وتفرَّق أمرها قيل: انشقت عصاها بعد التئامها، أي كانت كل فرقة منها في شق غير شق الأخرى.

وقوله تعالى:﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي: من ينشقّ عن صف الرسول صلى الله عليه وسلم، وينعزلْ عنه وينحَزْ إلى عدوه، والمراد بالمشاقة الخروج عن منهجه للحياة في الكتاب والسنة، أي من يرتددْ عن دينه، ويفرقْ جماعة المسلمين ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ من بعد ما بلغته الرسالة وتبين هداها وصراطها المستقيم وأعلن الإيمان بها ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم يتخذ دينا غير دين المؤمنين، ومنهجا لحياته غير منهجهم وطريقا غير طريقهم ﴿نُوَلِّهِ﴾ نعرض عنه ونَكِله ونتركه إلى ﴿مَا تَوَلَّى﴾ إلى ما تولاه وانحاز له من معتقدات فاسدة وأوثان وأصنام، كما في الحديث الثابت:(ألا أخبركم عن النفر الثلاثة، أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيى من الله فاستحيى الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه)، وقد ذهب الإمام الشافعي إلى أن هذه الآية دليل على أن إجماع المؤمنين في الأحكام الشرعية حجة، وقرر غيره الاستدلال بغيرها لأنها غير قطعية في أن الإجماع  الفقهي هو سبيل المؤمنين، ولجواز أن يراد بسبيل المؤمنين إيمانهم بالله ورسوله، أو متابعتهم في مناصرتهم الرسول صلى الله عليه وسلم والدفاع عنه.

 ثم بين تعالى عاقبة من يشق صف المسلمين بالردة أو يوالي  أعداءهم وقال: 

﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ولفظ:"نُصْلِهِ" من فعل:صلّا الشيءَ في النار وأصلاه يُصليه صليا إذا ألقاه فيها ليحترق، والآية بذلك تهديد لمن يشق صف المؤمنين ويتبع غير سبيلهم بدخول جهنم، كما قال تعالى في آية أخرى:﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الأنفال 13.

ثم أكد الحق سبحانه هذا التهديد وبين علته، ليميز ما هو قابل للمغفرة مما هو غير قابل لها وقال:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يصليه جهنم لأن الشرك غير قابل للمغفرة، وما سواه مشروط بمشيئة اللّه تعالى ، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ ولأن الشرك ضلال بعيد عن الهداية، ولا تكون التوبة فيه إلا بالإقلاع عنه مطلقا، وبالإيمان الصادق والعمل الصالح كما في قوله تعالى:﴿ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الفرقان 70.

وهذه الآية من أقوى الأدلة على احتمال العفو عن أصحاب الكبائر تفضلا منه تعالى ما لم يشركوا، قال عز وجل:﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الزمر 53، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:( يقول الله تعالى: من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر، ومن عمل قِراب الأرض خطيئة ثم لقيني لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة، ومن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا، ومن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة).

ولئن كان نزول هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ... ﴾ بسبب سارق الدرع الذي افتضح أمره فارتد وهرب إلى مكة كما سبق شرحه في الآيات السابقة، فإنها في الوقت نفسه تحذير من عاقبة الخيانة والردة، ودعوة للأمة الإسلامية كي تتحد وتعتصم بالدين، وتلتحم بمنهج الإسلام، وتجتنب الفرقة والتنازع، قال تعالى:﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾لأنفال 46. ولا أحْفَظَ لهذه الوحدة من التمسك بالإيمان والتوحيد وإقامة أمرهما، ولا أضيع لها من الإعراض عن سبيل الله واتباع سبل الضلال وعبادة الشيطان مشخَّصا في آلهة الإفك قديما وحديثا، كما قال تعالى عقب ذلك:

 ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ لا يعبدون من دون الله في الحقيقة إلا أوثانا أسموها تسمية إناث، مثل صنم عشتروت عند اليونان والعزى ونائلة عند قريش، ومناة عند الأوس والخزرج، وقد كان لكل حي من أحياء العربِ صنم يعبد يسمُّونه أنثى بني فلان، يُلْبِسونه أنواعَ الحَلْي ويُزيِّنونه على هيئة امرأة.

﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا﴾ وما يعبدون في هذه الأوثان إلا شيطانا ﴿مَرِيدًا﴾ عاصيا ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ طرده الله وأبعده عن مواقع فضله وتوفيقه وموجبات رحمته، لِمَا قاله معترضا على أمره عز وجل بالسجود لآدم عليه السلام كما ورد في سورة الأعراف من قوله تعالى: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ الأعراف12/13، ثم لما أنظره عز وجل إلى يوم الدين ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ الأعراف 16/ 17.

وهو نفس السياق في هذه الآيات من سورة النساء بزيادة بيان بعض أوجه تضليل الشيطان لأوليائه استدراجا لهم إلى الشرك ومكرا بهم:

﴿ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ والنصيب هو الحصة أو السهم من الشيء، والمفروض أي: المُعيَّن، الذي اقتضته حكمة الله تعالى في طبيعة النفس البشرية ابتلاء لها واختبارا، وهو أحد نجدي الخير والشر في قوله تعالى:﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ البلد 10. والظاهر من الآية أن الله خلق في الشيطان علماً أيقن بمقتضاه أنّ لديه المقدرة على فتنة بعض البشر وتسخيرهم، وأن استعداد بعض الناس للباطل وارتكابهم للشر في مجال المعتقد أو الأعمال والعلاقات أو الأهواء وخلجات النفس هو نصيب الشيطان فيهم، وأن استعداد غيرهم للحق والخير والعمل الصالح هو نصيبهم من فضل الله تعالى في الجنة؛ ثم فصل الحق سبحانه أساليب إغواء الشيطان لأوليائه بقوله حكاية عنه:

﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ لأضلنَّهم عن الحق، ولأُطمِعَنَّهم بما لا يكون وما لا يحققونه، وما ليس لهم فيه إلا المضرة، كأن يتمنوا حرث الدنيا ويعملوا له وحده لاهين عن حرث الآخرة التي ليس لهم فيها إلا النار.

﴿ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ وتبتيك الآذان قطعها وشقها، أي لآمرنهم بقطع آذان الأنعام تقربا للأصنام فأجدهم ممتثلين أمري، وقد كان المشركون يبتكون آذان بعض الأنعام تمييزا لها عن غيرها، كما في البحيرة والسائبة والوصيلة[1]، ويحرمون على أنفسهم الانتفاع بها ويجعلونها محررة لأصنامهم وطواغيتهم نسكا وتعبدا.

﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ وتغيير خلق الله لأغراض شيطانية مستمر مادام في الأرض من يعبد الشيطان ويواليه، من ذلك ما كان في الجاهلية مثل فقء عين الحامي، وهو البعير الذي حمَى ظهرَه من الركوب لكثرة ما أنْسَل، وخِصاءِ العبيدِ والأنعام والوشمِ وغيره. ومن ذلك في هذا العصر ما شاع تحت غطاء البحث العلمي والخدمات العلاجية من تدخل في خلايا الكائن الحي ومورثاته لاستنساخه أو لتغيير شكله أو طبيعته أو ذكورته وأنوثته.

﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من يجعله صاحبا مطاع الأمر والنهي، مع الله أو من دونه﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ خسر مصالحه الحقيقية في الدنيا، وهي الاهتداء إلى صواب الاعتقاد والأعمال وطيب المكاسب في المال والأهل والولد، وخسر في الآخرة ما وعد الحق سبحانه عباده الذين عصوا الشيطان واتخذوه عدوا.

﴿يَعِدُهُمْ﴾ بما لا يستطيع الوفاء به ولا يقدر على تحقيقه ﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ بما ليس بيده مالا أو جاها أو ثروة أو ذرية، وليس لهم من ذلك مهما غالوا في طلب الدنيا وأطاعوه فيها إلا ما كتبه الله لهم، قال صلى الله عليه وسلم:(لو أن ابن آدم أعطي واديا من ذهب أحب إليه ثانيا، ولو أعطي ثانيا أحب إليه ثالثا، ولا يسد جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) وقال:( إن نفسا لا تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنَّكم استبطاءُ الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله، فإن الله لا يُدْرَك ما عنده إلا بطاعته).

﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وكل ما يعدهم به الشيطان مجرد تغرير بهم لاستدراجهم إلى المعاصي، لأن مقاليد السماء والأرض بيد الله تعالى هو المعطي المانع الضار النافع سبحانه وتعالى عما يشركون ﴿ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ المنافقون 7. 

﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ أولئك الذين أغواهم الشيطان بالأماني الكاذبة وأطاعوا أوامره الضالة المضلة مأواهم المعد لهم هو جهنم ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ والمحيص ظرف للمكان والزمان، من فعل حاص يحيص أي راغ ونفر وفرَّ، أي لن يجدوا مهربا ولا منجاة ولا مفرا من جهنم. 

 ثم يعقد الحق سبحانه مقارنة بين مصير أولياء الشيطان وعاقبة أمرهم في الجحيم، وبين مصير أولياء الرحمن وعاقبة أمرهم في النعيم بقوله عز وجل: 

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح يدخلهم ربهم ما وعدهم به وأعده لهم من جنات النعيم خالدين فيها أبدا، ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ كان ذلك وعدا من الله تعالى لهم لا يخلفه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا والقيل هو القول، أي لا قول أصدق من قوله تعالى ولا أوفى من وفائه ﴿ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾الأنعام 73، فأين من ذلك أكاذيب الشيطان على أوليائه وتغريره بمن أطاعه واتبعه؟، قال عز وجل:﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ الرعد 35.

ولعل من عرب الجاهلية من اغتروا بما زينه لهم الشيطان من أموال وأولاد وحياة دنيوية رخية:﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ سبأ35، أو قالوا:﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ المؤمنون 37؛ ولعل يهوديا أو نصرانيا ظن حقا ما يدعيه الأحبار والرهبان من أنهم أبناء الله وأحباؤه – تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- وأنهم يعاملون بين يدي الله معاملة خاصة كما حكى ذلك عنهم الحق سبحانه بقوله:﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ المائدة 18، أو مسلما ينتظر أن يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا، لما يظنه فهما سليما لقوله تعالى:﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ آل عمران 110، إلا أن الله تعالى قطع الطريق على هذه الأفهام الخاطئة والأماني الكاذبة، بما عقب به على مصير الكفار وعاقبة المؤمنين الصالحين، وقرر به قاعدة العدالة الكبرى في الإسلام و ميزان الثواب والعقاب عند الحساب فقال:

﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾والأماني جمع أمنية، وهي ما يتمناه المرء ويطمح إليه من متع بدون رصيد عمل، أو ما يطلق عليه الأماني الكاذبة وأحلام اليقظة، والخطاب في هذه الآية موجه إلى المسلمين وإلى أهل الكتاب يهودا ونصارى كي ينبذوا تواكلهم واعتمادهم على ما يظنونه نجاة بغير إيمان صحيح وعمل سليم، لأن حساب الآخرة يرجع إلى ميزان لا يحابي ولا يجامل ولا يتحامل، ميزان لا يتأثر بالآماني والآمال، يتساوى فيه الناس جميعا، من عمل سوءا حوسب وجوزي به، ولم يجد من غير الله وليا يحميه أو ينصره أو يدفع عنه. على أن للمؤمن الصادق مطهرات من مرض أو محنة، تناله أحيانا فتنظفه وتزيح عن كاهله تبعات ما أذنب وهموم ما ارتكب، وقد روي في ذلك أن أبا بكر رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، وكل شيء عملناه جُزِينا به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (غفر الله لك يا أبا بكر ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست يصيبك اللأواء؟)[2] قال: بلى،  قال: (هو ما تجزون به).

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ ومن عمل من الذكور والإناث بما أُمر به من الأعمال الصالحة قياما بالواجبات واجتنابا للمنهيات ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾وهو مستكمل لشرائط الإيمان كما عرفه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره﴾ وقوله:( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله و أن عيسى عبده و رسوله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم و روح منه وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء).

 ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ والنقير نُقْرَةٌ في ظهر النواة يضرب بها المثل في صغرها، أي أنهم يدخلون الجنة لا يضيع من أجر عملهم شيء مهما كان صغيرا.

ثم أوجز عز وجل طريق اللحاق بزمرة الصالحين الفائزين، مخبرا على سبيل الحصر بقوله:﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي لا أحد أحسن دينا مِمن أسلم وجهه للَّه، فأطاعه وانقاد له وأذعن لأوامره ونواهيه، وأخلص نيته، وصدق في أعماله ومقاصده، وهذا إنكار واستبعاد لأن يكون أحدٌ أحسنَ ديناً ممن فعل ذلك أو مساويا له ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾وكان محسنا يراقب ربه في جميع أعماله، يعبده كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فالله تعالى يراه ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ واتبع دين إبراهيم الذي حنف ومال مبتعدا عن كل شرك وسوء، فقربه ربه واتخذه خليلا وصفيا وحبيبا ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. وكفى بهذا المنهج شرفا أن وصفه تعالى بأنه استمساك بالعروة الوثقى فقال في الآية 22 من سورة لقمان: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، وكفى به أن كان القدوة فيه خليلا للحق سبحانه، أما سبب تسميته الخليل فقد وردت آثار كثيرة نفرد منها ما ذكره شهر بن حوشب قال: "هبط ملك في صورة رجل وذكر اسم الله بصوت رخيم شجي، فقال إبراهيم عليه السلام: اذكره مرة أخرى، فقال: لا أذكره مجاناً، فقال: لك مالي كله، فذكره الملك بصوت أشجى من الأول، فقال: اذكره مرة ثالثة ولك أولادي، فقال الملك: أبشر فإني ملَك لا أحتاج إلى مالك وولدك، وإنما كان المقصود امتحانك، فلما بذل إبراهيم المال والأولاد على سماع ذكر الله لا جرم اتخذه الله خليلاً".

ويختم تعالى ما قرره من أمر الحساب العادل في الآخرة وما وضعه للعباد ذكرانا وإناثا من قانون للجزاء والعقاب، فيذكِّر الغافلين بملكيته للكون أرضه وسمائه، وإحاطة علمه بجميع مخلوقاته جنا وإنسا وخلقا مما لا يعلمون، ويقول جل ثناؤه:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ هذه الحقيقة الربانية تجعل المؤمن يستعلي بإيمانه، ويعتز بمكانته وموقعه وكرامته، إذ شعوره بملكية ربه للسماوات والأرض وما فيهن، ويقينه بأنه تعالى محيط بالكون كله ما علمه الخلق وما لم يعلموه، وأن قوته مهيمنة لا يغلبها غالب، ولا يسلبها سالب، كل ذلك يملأ قلبه إيمانا واطمئنانا وأمنا ورضا، لأنه يأوي إلى ركن شديد، ورب كريم حميد، لا يرد من سأله، ولا يحرم من استرحمه، لا يذل من والاه ولا يخيب من رجاه.   

إن سبيل المؤمنين واضح بين في كتاب الله وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم، وما يستنبط منهما ويحمل عليهما بمناهج البحث المعتمدة لدى أهل السنة والجماعة، في جميع نظم الحياة عبادة ونسكا واجتماعا وسياسة واقتصادا وبحثا علميا وغيره، ولئن مرقت مارقة بعد صلاح، وشذت فرقة بعد ائتلاف، وادعت مزاعمُ صوابا في مناهج وضعية، شيوعية أو اشتراكية أو لبرالية، أو رأسمالية أو تسيبية فوضوية، فما أصحابها بأعرف بالأحياء والحياة من خالق الأحياء والحياة، وما العلاج إلا الأوبة إلى ما صلح به أمر الأولين، وبني به صرح الأنبياء والمرسلين، وسوف يرون رأي العين والحس والشعور يوم يكشف عن ساق ولا من راق ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ آل عمران 30، ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ النساء 42.

 

 


 

[1] - البحيرة هي الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وكان عرب الجاهلية يحرمون على أنفسهم الانتفاع بها نسكا وتعبدا للأوثان، فيشقون أذنيها تمييزا لها عن غيرها.

والسائبة هي الناقة تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه، فلا تركب أو يحمل عليها أو تذبح أو يشرب لبنها.

والوصيلة من الغنم كانوا إذا ولدت الشاة ستة أبطن وكان السابع ذكرا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كانت أنثى وذكرا قالوا وصلت أخاها فلم يذبح، وكان لحمها حراما على النساء.

[2] - اللأواء: الشدة والضيق

 

 

 

 

 

 

 

 

  

   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الحركة الإسلامية المغربية
جميع الحقوق محفوظة  © للحركة الإسلامية المغربية

www.elharakah.com 2006 info : elharakah@elharakah.com