أخبار عاجلة
الرئيسية / البيان / من خطوات التأسيس الأولى للحركة الإسلامية المغربية ( الحلقة السادسة)

من خطوات التأسيس الأولى للحركة الإسلامية المغربية ( الحلقة السادسة)

كنا زمن التأسيس في أشد الحاجة إلى وعاظ في المساجد للوصول إلى جمهور العامة وتكوين حاضنة اجتماعية بهم، وإلى كتاب يساهمون في كتابة دروس تربوية وفكرية أسبوعية نزود بها طلبتنا، ولكن رجال التعليم حينئذ كانوا فئتين، فئة رجال التعليم الثانوي من خريجي الجامعات وقد سبقتنا إليهم التيارات الفكرية العلمانية والاشتراكية والشيوعية لينينية وتروتسكية واستقطبتهم أحزاب المعارضة، وبذلتُ جهودا حثيثة ومرهقة لاستقطاب بعضهم من أمثال صديقين سابقين لي هما الأخوان سالم يافوت ومؤيد، وغيرهما من أبرز أساتذة التعليم الثانوي حينئذ، وتوسلت إلى ذلك بمختلف الخدمات الإدارية أقدمها لهم، وما أدعوهم إليه من جلسات حوار في بيتي لم تكن ذات جدوى.

وفئة معلمي المدارس الابتدائية والملحقين منهم بالمدارس الإعدادية، المتكاثرين في صفنا وقد التحقوا بسلك التعليم عقب حصولهم على شهادة الدروس الإعدادية وتخرجهم من مدارس المعلمين الابتدائية أو باختيار مباشر عقب نجاحهم في مباريات تجرى لمن ليس له شهادة، ولكن قدراتهم العلمية كانت محتاجة إلى مزيد شحذ يؤهلهم للكتابة التربوية والفكرية وغشيان الوعظ في المساجد، لذلك لم يكن لديَّ إلا أن أنظم دورات داخلية لاختيار بعض الإخوة منهم أدربهم فيها على الكتابة التربوية والفكرية وعلى الخطابة في المساجد.

أما الكتابة التربوية والفكرية للدروس الأسبوعية فقد جمعت لها إخوة عربيتهم جيدة، ودرست معهم أصول الكتابة العلمية والصحفية ومفاصلها، إلا أني لم أجد لهم استعدادا للقيام بذلك فصرفت النظر عن الموضوع منتظرا أن يتخرج طلبتنا الجامعيون فيسدوا هذه الثغرة.

وأما الوعظ في المساجد فواجهتنا ثلاث عقبات:

أولاهما رخص غشيان المساجد والقيام بالوعظ فيها، وقد تغلبنا عليها بمساعدة قريبي الشيخ محمد الحمداوي السني وتدخله لدى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عن طريق الفقيه الطنجي رئيس قسم المساجد والأستاذ عبد القادر الصحراوي مدير مجلتها “دعوة الحق“.

والعقبة الثانية كانت متعلقة بالخبرة العلمية لمن اختيروا لهذا العمل، فجمعتهم على فترات وحاورتهم في الموضوع وكان أهم عائق لهم هو القدرة على اختيار دروس الوعظ الأسبوعية، واتفقنا للتغلب عليها بأن يختار كل منهم موضوعا من تفسير ابن كثير، فيحفظه عن ظهر قلب ثم يلقيه عدة مرات على تلامذته في المدرسة ثم في عدد من المساجد، وأكدت لهم أن المواظبة على هذا النهج فى الاستعداد والإعداد سوف تكوِّنُ لديهم ملَكةَ الوعظ والقدرةَ على إلقاء الدروس أمام العامة، وتُجَمِّعُ لديهم رصيدا من القول فيما هم بصدده ، وحينئذ ستستفيد الحركة من وجودهم وجهودهم إن شاء الله.

وأما العقبة الثالثة فكانت الجراءة على مواجهة جمهور العامة في المساجد، وكانت بالفعل كأداء، لأنها منبعثة من ذات كل امرئ وتربيته الاجتماعية، وهذه تغلَّبنا عليها بأمرين: أولهما تكليف كل من له في عمارة سكنه ملحقٌ لجمع مخلفات السكان أن يقنع جيرانه بتحويل هذا الملحق إلى قاعة قريبة منهم للصلاة، وأن يقوم بعد تنظيفها وفرشها بدعوة جيرانه للصلاة فيها ووعظهم وإمامتهم بها، وقد نجحت هذه الفكرة وانتشر خبرها وعملت كثير من أحياء الدار البيضاء بها.

والأمر الثاني هو الاستفادة من الرخص الرسمية التي حصل عليها البعض، وكان أكثر المعلمين جراءة في الأمر هو الأخ التايدي في بورنازيل والأخ إبراهيم كمال لما سبق للأول منهما من التأثر بالشيخ الصمدي الإمام ببعض مساجد الدار البيضاءـ، وللثاني من دربة على العمل الجمعوي في جمعية (لاميج) التابعة للشبيبة والرياضة التي تنظم مخيمات صيفية تلاميذية في الأطلس، ولما سبق له من دروس وعظية يلقيها في مسجد شعبي بدرب غلف.

وكان أول من حصل منهم على رخصة الوعظ في المساجد هو الأخ زحل، ولكنه تردد في العمل بها، فأخذه الأخ كمال بسيارته إلى مسجده بدرب غلف، وقدمه للمصلين فألقى الدرس المعد من تفسير ابن كثير والذي تدرب بإلقائه على تلامذة فصله، حسب الخطة المقررة، ولكنه لم يستطع المواصلة معتذرا بأنه لا يستطيع التنقل بين المساجد لبعد سكنه في عين الشق عن كثير منها، فتنازلتُ له عن إحدى سيارتيَّ (فيات 25)، ولكنه اعتذر بعدم حصوله عى رخصة سياقة، وعدم قدرته المادية على تغطية نفقات بنزينها، فتطوع الأخ محمد الراجي وكان جارا له كريما، وله تجربة في الدعوة مع جماعة التبليغ ودربة على الخدمة في سبيل الله، وتكفل بسياقتها به إلى المساجد وصيانتها وتزويدها بالبنزين.. هكذا بدأت أولى خطوات الوعظ في المساجد، ثم أتقن إخوتنا المنبريات بما فيها من سلبيات وإيجابيات. وتكونت حول حركتنا حاضنة شعبية واسعة، لم يحسن أحد الاستفادة منها ولا توجيهها منذ نزل بنا البلاء من سنة 1975 إلى حد الآن. رحم الله من مات من إخوتنا في الله وغفر لنا ولهم، ولله في خلقه حكم لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى.

 

مؤسس الحركة الإسلامية المغربية

فضيلة الشيخ عبد الكريم مطيع الحمداوي الحسني الهاشمي

عن elharakah

شاهد أيضاً

Elharakah

حول محاولتي انقلاب يوليوز 71، وغشت 72: شرعية الحكم والغباء السياسي لدى فاعليهما

حول محاولتي انقلاب يوليوز 71 وغشت 72 – شرعية الحكم والغباء السياسي لدى فاعليهما

أضف تعليقاً