أخبار عاجلة

قراءات تأصيلية في موضوع الاجتهاد(13)- مقاصد الشريعة في الميزان (1)- قراءة في المصطلحات ذات الصلة

في سياق تطور علوم الشريعة وتكاملها، تبرز المقاصد بصفتها عنصراً مهما في فهم أسرار الشريعة وحكمها، وهو ما لا استغناء للمجتهد عنه أثناء اجتهاده.

ولمعرفة هذه الحلقة الأساس من حلقات العلوم الخادمة للاجتهاد، والمرتبطة به ارتباطاً وثيقاً، ينبغي التعريف بعناصرها وتتبع نشأتها وتطورها، ومعرفة مجالات توظيفها.

تعريف المقاصد:

أ – لغةً:

المقاصد – لغة -: جمع مَقْصَد، اسم مكان من قصد. ومعناه: التوجه إلى الشيء وإتيانه، ومنه قوله تعالى: }وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ  { ([1]).

والقصد في الشيء: خلاف الإفراط، وهو ما بين الإسراف والتقتير.([2])

والقاصد: القريب. ومنه قوله تعالى:}لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ { ([3]).

ومنه – أيضاً – قولهم: بيننا وبين الماء ليلة قاصدة، أي: هيِّنة لا تعب فيها.

ب – اصطلاحاً:

من خلال استقراء ما ورد في «الموافقات»، يمكن القول بأن مقاصد الشريعة تعني: قصد الشارع من وضع الشريعة ابتداءً، ومن وضعها للإفهام، ووضعها للتكليف بها، ووضعها لدخول المكلف تحت حكمها. ([4])


أو هي – كما عبَّر عنها أحد الباحثين -: « إقامة مصالح المكلفين الدنيوية والأخروية على نظام يكونون به عباداً لله اختياراً كما هم اضطراراً »([5]).

وميَّز ابن عاشور – في تعريفه المقاصد – بين المقاصد العامة للشريعة وبين المقاصد الخاصة؛ فقال: « مقاصد التشريع العامة: هي المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة…» ([6]). ومثَّل لها بحفظ النظام وجلب المصالح ودرء المفاسد وإقامة المساواة بين الناس.([7])

كما عرَّف المقاصد الخاصة بقوله: « الكيفيات المقصودة للشارع لتحقيق مقاصد الناس النافعة، أو لحفظ مصالحهم العامة في تصرفاتهم الخاصة، كي لا يعود سعيهم في مصالحهم الخاصة بإبطال ما أسس لهم من تحصيل مصالحهم العامة…» ([8]).

ويمثِّل لهذا النوع – من المقاصد – بالحِكَمِ التي راعاها الشارع في تنظيمه لمعاملات الناس، مثل: قصد التوثق في عقد الرهن وإقامة نظام الأسرة في عقدة النكاح ودفع الضرر المستدام في مشروعية الطلاق. ([9])

أما علال الفاسي([10])، فقد عرَّف المقاصد بتعريف موجز جمع فيه بين المقاصد العامة والخاصة، فقال: « المراد بمقاصد الشريعة: الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها »([11]). فالشطر الأول من التعريف «الغاية منها»: تضمن المقاصد العامة، والشطر الثاني: تضمن المقاصد الخاصة.

لا شك أن الشريعة – التي هي أمر رباني – لها غايات ومقاصد من وضعها ومن إلزام المكلفين بأحكامها؛ ذلك أن أفعال الله تعالى منزهة عن العبث كما قال في محكم كتابه: } وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ { ([12]).فتكاليف الشريعة – إذن – موضوعة لتحقيق مقاصد الشارع في قيام مصالح الناس في الدين والدنيا معاً. وقد روعي في كل حكم منها – كما يقول أحد الباحثين -: « إما حفظ شيء من الضروريات الخمسة… وإما حفظ شيء من الحاجيات… وإما حفظ شيء من التحسينات»([13])، ليتحقق – في الأخير – مقصد الشارع الأسمى – من خلق الإنسان وتكليفه – وهو إخلاص العبودية للـه تعالـى: } وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ { ([14]).


مصطلحات ذات ارتباط بالمقاصد:

الحكمة:

يُعبَّرُ – بلفظ الحكمة – عن قصد الشارع أو مقصوده من تشريع الحكم وما يترتب عليه من جلب نفع أو دفع ضرر([15]). بل إن الفقهاء أكثر استعمالاً له من لفظ المقصد.([16])

ومع أنه شاع استعمال هذين المصطلحين – في الدلالة على هذا المعنى – فإن هناك فرقاً دقيقاً بينهما ينبغي مراعاته؛ وهو أن المقصد أعم من الحكمة لاشتماله على الأوصاف الظاهرة المنضبطة. مثل: العلة، وهو ما لا يوجد في الحكمة دائماً.

فالعلاقة بين المصطلحين علاقة خصوص وعموم؛ فكل «حكمة» «مقصد»، وليس كل مقصد حكمةً([17])، لخفاء الوصف الظاهر المنضبط – أحياناً – في الحكمة.

وعلى العموم، فإن أغلب المصادر لم تميِّز بينهما في الاستعمال.

العلة:

نال هذا المصطلح نصيباً كبيراً من اهتمام الأصوليين، لكونه الأصل الذي قام عليه القياس. قال البزدوي: « العلة ركن القياس »([18]).

وقد تعددت تعريفاتهم له، غير أن ما يعني الباحث – هنا – معرفة العلاقة بينه وبين مصطلح المقصد.

فالعلة – لغةً -: اسم لما يتغير حكم الشيء بحصوله، مأخوذ من العلة التي هي المرض؛ لأن تأثيرها في الحكم كتأثير العلة في ذات المريض.([19])

وذهب الأصوليون – القائلون بتعليل النصوص – مذهبين في تعريف العلة:

الأول: أنها الوصف الظاهر المنضبط المناسب الذي جعله الشارع معرفاً للحكم([20])؛ كالقتل العمد الذي جعله الشارع علةً مناسبةً للقصاص، وكالاشتراك في العقار الذي جعله علةً في ثبوت الشفعة([21]) في العقار.

فهذه أوصاف ظاهرة غير خفية، بحيث يمكن تمييزها والتحقق من وجودها. ومنضبطة، أي غير مضطربة؛ فلا تختلف باختلاف الأشخاص أو الأزمان أو البيئات. كالسفر الذي جعله الشارع علةً للتخفيف على المسافر بترخيص الفطر له في رمضان، والقصر في الصلاة، ولم يجعل المشقة علةً لذلك كله؛ لأنها أمر نسبي قد يختلف باختلاف الظروف والأشخاص.

وكون هذه الأوصاف مناسبةً يعني أنه يوجد بين العلة والحكم ملاءمة تجعلها صالحةً لأن تكون علةً له؛ فالقتل علة مناسبة لمنع الميراث. إذْ أن أساس الميراث وسببه صلة قرابة تربط بين الوارث والمورث، والقتل ينافي هذه الصلة ويقطعها، والسكر وصف مناسب لاعتبار الخمر حراماً…

وكونها موجبةً للحكم يعني أنها تستدعي ما أناط بها الشارع من أحكام؛ فالحكم مرتبط بالعلة، وهو يدور معها وجوداً وعدماً، فوجود القتل العمد موجب للقصاص.

أما كونها معرِّفةً للحكم، فلنصب الشارع إياها علامةً على وجود الحكم عند تحققها في الفرع.

الثاني: أنها: المعنى المناسب لتشريع الحكم. يقول الشاطبي – في الموافقات([22]) -: «المراد بها [العلة]: الحِكَمُ والمصالح التي تعلقت بها الأوامر أو الإباحة، والمفاسد التي تعلقت بها النواهي. فالمشقة علة في إباحة القصر والفطر في السفر، والسفر هو السبب الموضوع سبباً للإباحة، فعلى الجملة، العلة هي المصلحة نفسها أو المفسدة لا مظنتها، كانت ظاهرةً أو غير ظاهرةٍ، منضبطةً أو غير منضبطةٍ». ويمثل – لهذا – بقوله: «وكذلك نقول في قوله صلى الله عليه وسلم : ” لا يقضي القاضي وهو غضبان ” ([23])؛ فالغضب سبب، وتشويش الخاطر عن استيفاء الحجج هو العلة، على أنه قد يُطلق – هنا – لفظ السبب على نفس العلة لارتباط ما بينهما، ولا مشاحة في الاصطلاح».

والملاحظ أن الشاطبي لا يميِّز – هنا – بين العلة والحكمة([24])، لاهتمامه بالمقاصد أساساً، ولقد عُلم أن جوهر المقاصد البحث في علل الأحكام التي هي مقاصد الأحكام بغض النظر عن كونها ظاهرةً أو خفيةً، منضبطةً أو غير خاضعة لضابط. فالظهور والانضباط إنما يُلجأ إليهما عند البحث عن أحكام الوقائع التي لم يرد بشأنها نص بقياسها على الوقائع المنصوص على حكمها.

هذا. وفي كلا التعريفين توجد علاقة وثيقة بين العلة والمقصد؛ ففي التعريف الأخير للعلة الذي تترادف فيه العلة والحكمة يتحقق تطابق بين علة الحكم والمقصد منه.

أما على تعريفها الأول بكونها الوصف الظاهر المنضبط؛ فإنها تتضمن – عادةً – مقصداً شرعياً. فبناء الحكم على العلة مظنة لتحقيق الحكمة المقصودة منه([25])، ومن هنا اشترط أكثر الأصوليين أن تشتمل العلة على مصلحة صالحة لتكون مقصودةً للشارع من تشريع الحكم.

 وإذا كانت علة الحكم ليست هي حكمته، وإنما هي أمر ظاهر جعله الشارع علامةً على الحكم في حين أن الحكمة هي مقصود الشارع من الحكم، أي: المصلحة التي أودعها فيه من جلب نفع أو دفع ضرر أو حرج؛ فإن بناء الحكم على العلة مظنة تحقيق الحكمة المقصودة منه.

المعنى:

ورد هذا المصطلح – على ألسنة الفقهاء والأصوليين – معبراً به عن المقصد. يقول الغزالي: « وعلى الجملة: المفهوم من الصحابة اتباع المعاني، والاقتصار في درك المعاني على الرأي الغالب دون اشتراط درك اليقين »([26]). وقد عبّر ابن عاشور عن المقاصد – في تعريفه لها – بالمعاني والحِكَمِ.([27])

كما عبّروا بالمعنى  عن العلة أيضاً؛ قال البزدوي – في تعريفه للفقه – :« والقسم الثاني إتقان المعرفة به، وهو معرفة النصوص بمعانيها »([28]).

وقد وضح شارح أصول البزدوي – في سياق حديثه عن معرفة النصوص بمعانيها – أن المراد بالمعاني :« اللغوية والمعاني الشرعية التي تسمى عللاً. وكان السلف لا يستعملون لفظ العلة، وإنما يستعملون لفظ المعنى أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم : ” لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث “، أي علل، بدليل قوله “إحدى” بلفظ التأنيث، و”ثلاث” بدون التاء »([29]).

وهذا ما ذهب إليه الشاطبي – في استخدامه للفظ المعنى – ؛ إذ يقول: « والثاني: المعنى، وهو أن مقصود العبادات – بالنسبة إلى المكلف – التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات الالتفات إلى المعاني »([30]).

وعليه يتبين أن استخدام مصطلحات: المعنى، والمقصد، والعلة على سبيل الترادف أمر شائع بين الفقهاء والأصوليين.

[1] – لقمان 19.

[2] – لسان العرب. مادة: «قصد». 3/96.

[3] – التوبة 42.

[4] – الموافقات في أصول الشريعة، الشاطبي. 2/3.

[5] – المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، عز الدين بن زغيبة. القاهرة، دار الصفوة. ط: 1. (1417هـ/1996م). ص 43.

[6] – مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور. ت: محمد طاهر الميساوي. الأردن، دار النفائس – ماليزيا، دار الفجر. ط: 1. (1420هـ/1999م). ص 183.

[7] – م.س. ص 200.

[8] – م.س. ص 306.

[9] – م.س.

[10] – علال الفاسي (1910-1974م): كاتب مغربي ومفكر واسع الاطلاع، وسياسي بارز ضد الاستعمار الفرنسي. قاد حزب الاستقلال ونُفي إلى خارج المغرب مرتين، ودامت مدة نفيه حوالي عشرين سنة. له إنتاج علمي غزير أكثره بالعربية وبعضه بالفرنسية. من أهم مؤلفاته: «النقد الذاتي»، و«تاريخ التشريع الإسلامي»، و«حديث المغرب والمشرق»… . علال الفاسي وأثره في الفكر الإسلامي المعاصر، محمد عبد السلام بالسعل. «رسالة ماجستير». طرابلس، جامعة الفاتح – كلية التربية.

[11] – مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، علال الفاسي. مكتبة الوحدة العربية. ص 3.

[12] – الأنبياء 61.

[13] – الموافقات. من مقدمة الشارح عبد الله دراز. 1/3.

[14] – الذاريات 56.

[15] – إحكام الأحكام، للآمدي. 3/224.

[16] – يقول الونشريسي: « والحكمة – في اصطلاح المتشرعين – هي المقصود من إثبات الحكم أو نفيه؛ وذلك كالمشقة التي شرع القصر والإفطار لأجلها ». المعيار. 1/349.

[17] – المقاصد العامة للشريعة، ابن زغيبة. ص 50.

[18] – أصول البزدوي. 3/344؛ وأصول الفقه، أبو زهرة. ص 210.

[19] – البحر المحيط، للزركشي. 4/101.

[20] – الإحكام، للآمدي. 3/224؛ وميزان الأصول، للسمرقندي. 2/833؛ وأصول الفقه، لأبي زهرة. ص 210.

[21] – وهي: « استحقاق شريك أخذ مبيع شريكه بثمنه ». معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية. 2/341.

[22] – 1/196.

[23] – فتح الباري. 13/137؛ وسنن ابن ماجه. 2/776 (الحديث رقم:2316)؛ وصحيح ابن حبان. 11/449.

[24] – مع أن بينهما فرقاً. وهو: أن الحكمة هي النفع الظاهر أو دفع الفساد الذي قصد إليه الشارع عندما أمر أو نهى، والعلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي تتحقق فيه الحكمة في أكثر الأحوال لا في كل الأحوال.

[25] – مقاصد الشريعة، علال الفاسي. ص 123.

[26] – شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل، الغزالي، أبو حامد محمد. ت: حمد الكبيسي. بغداد، رئاسة ديوان الأوقاف (إحياء التراث الإسلامي). مطبعة الإرشاد. (1390هـ/1971م). ص 195.

[27] – مقاصد الشريعة، ابن عاشور. ص 183.

[28] – كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي، للبخاري. 1/12.

[29] – كشف الأسرار، للبخاري. 1/12.

[30] – الموافقات. 2/228.

عن elharakah

شاهد أيضاً

Elharakah

حول محاولتي انقلاب يوليوز 71، وغشت 72: شرعية الحكم والغباء السياسي لدى فاعليهما

حول محاولتي انقلاب يوليوز 71 وغشت 72 – شرعية الحكم والغباء السياسي لدى فاعليهما

أضف تعليقاً